الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 483 لسنة 34 ق – جلسة 24 /11 /1991 

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة السابعة والثلاثون – العدد الأول (من أول أكتوبر سنة 1991 إلى آخر فبراير سنة 1992) – صـ 238


جلسة 24 من نوفمبر سنة 1991

برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ محمد حامد الجمل – رئيس مجلس الدولة، وعضوية السادة الأساتذة/ إسماعيل عبد الحميد إبراهيم وعادل فرغلي وأحمد شمس الدين خفاجي وفريد نزيه تناغو – نواب رئيس مجلس الدولة.

الطعن رقم 483 لسنة 34 القضائية

تراخيص – ترخيص ببيع الخمور – شروط إلغاء الترخيص – وفاة المرخص له.
 المواد 4، 9، 14، 16 من القانون رقم 453 لسنة 1954 في شأن المحال الصناعية والتجارية – وفاة المرخص له لا تؤدي إلى إلغاء الترخيص – تنتقل الرخصة إلى الورثة – لا يجوز إلغاء ترخيص بيع الخمور إلا إذا توافرت إحدى حالات الإلغاء المقررة قانوناً ومنها حالة الخطر الداهم على الصحة العامة – إثبات ذلك يقع على عاتق جهة الإدارة – لا وجه للحجاج بتعارض بيع الخمر مع أحكام الشريعة الإسلامية – أساس ذلك: أن التشريعات السارية في الوقت الحاضر تبقى نافذة ولا يجوز مخالفتها وإلا أصبح النظام القانوني في الدولة مسخاً تبرأ منه كل الشرائع – تعديل القوانين بما يتفق والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في الدولة من اختصاص السلطة التشريعية وحدها – تطبيق.


إجراءات الطعن

في يوم الأحد الموافق 17/ 1/ 1988 أودعت هيئة قضايا الدولة نيابة عن الطاعنين قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقرير طعن قيد برقم 483 لسنة 34 ق في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري "دائرة منازعات الأفراد والهيئات" بجلسة 1/ 11/ 1987 في الدعوى رقم 2361 لسنة 40 ق بوقف تنفيذ القرار المطعون فيه وإلزام الجهة الإدارية المصروفات.
وطلب الطاعن للأسباب الواردة بتقرير الطعن الحكم أولاً: بصفة مستعجلة بوقف تنفيذ الحكم المطعون فيه حتى يفصل في الموضوع ثانياً: بإحالة الطعن إلى المحكمة الإدارية العليا ليقضي فيه بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه وبرفض طلب وقف تنفيذ القرار المطعون فيه وإلزام المطعون ضدها بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة عن درجتي التقاضي.
وقد عين لنظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون جلسة 20/ 7/ 1991 حيث نظر أمامها بالجلسة المذكورة والجلسات التالية حتى قررت الدائرة بجلسة 8/ 7/ 1991 إحالة الطعن إلى المحكمة الإدارية العليا دائرة منازعات الأفراد والهيئات والتعويضات.
وقدم السيد الأستاذ المستشار/ علي رضا هيئة مفوضي الدولة تقريراً بالرأي القانوني ارتأت فيه الحكم بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبرفض طلب وقف تنفيذ القرار المطعون فيه وإلزام المطعون ضدها المصروفات وقد تم تداول الدعوى ومناقشة أدلتها التفصيلية على النحو المبين بمحاضر الجلسات حتى تقرر حجزها للنطق بالحكم بجلسة 10/ 11/ 1991 ثم تقرر مد أجل النطق بالحكم إلى جلسة اليوم 24/ 11/ 1991 وفيها صدر الحكم بعد أن أودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع المرافعة، وبعد المداولة.
ومن حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة تتحصل حسبما يتضح من الأوراق في أن المطعون ضدها أقامت الدعوى رقم 2361 لسنة 40 ق ضد كل من محافظ القليوبية ورئيس مركز شبين القناطر التابع للمحافظة مطالبة الحكم بوقف تنفيذ وإلغاء القرار الإداري رقم 7 لسنة 1986 بإلغاء ترخيص محلات لبيع الخمور المتواجدة بدائرة مركز ومدينة شبين القناطر وأحقيتها في ممارسة النشاط المرخص به بالترخيص رقم 6205 في 1/ 1/ 1956 وإلزام الجهة الإدارية المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة، وذلك تأسيساً على أنها هي وأولادها القصر يمتلكون خلفاً عن مورثهم جاد الرب مسعود محلاً تجارياً كائناً بشارع بورسعيد بمدينة شبين القناطر بمقتضى الترخيص رقم 6205 في 1/ 1/ 1956 ونوع النشاط (بقاله وبيع خمور مغلقة) وللمحل سجل تجاري بذات النشاط ونظراً لأن المطعون ضدها هي الوصية على أولادها القصر فقد كلفتها النيابة الحسبية بإدارة المحل لصالح الورثة الممثلين فيها، ونقل الرخصة باسم الورثة الشرعيين: فتقدمت بطلب إلى قسم رخص المحلات بالوحدة المحلية بشبين القناطر غير أنها فوجئت بكتاب مؤرخ 17/ 2/ 1986 يفيدها بصدور القرار رقم 7 لسنة 1986 بإلغاء تراخيص جميع محلات بيع الخمور المتواجدة بدائرة مركز ومدينة شبين القناطر، وإن الترخيص المذكور أصبح قاصر على نشاط بيع البقالة فقط ونعت المدعية المطعون ضدها "على القرار الطعين عدم استناده إلى سبب صحيح في القانون وصدوره بغير مبرر وإخلاله بحق دستوري للتاجر للتاجرة فيما يشاء في حدود القانون، فطالما استصدر ترخيصاً من الجهة المختصة بذلك فليس من حق السلطة المختصة أن تحرم على مواطني بلدة معينة الاتجار في الخمور دون باقي أنحاء الجمهورية لاسيما وأنه ليس للمطعون ضدها أو لولداها القصر مورد رزق آخر سوى المحل الصادر له الترخيص بالاتجار في الخمور، مما جعل القرار يضر ضرراً بليغاً بها وبأولادها.
وقد أجابت الجهة الإدارية على الدعوى بمذكرة جاء بها أن القرار المطعون فيه قد صدر بناء على توصية المجلس الشعبي المحلي لمحافظة القليوبية بضرورة إلغاء تراخيص محلات بيع الخمور بدائرة المحافظة وبالتطبيق لأحكام المادة 12 فقرة 8، 13 من القانون رقم 43 لسنة 1979 من قانون نظام الحكم المحلي التي تعطي للمجلس الحق في إصدار التوصيات المتعلقة بصيانة الأمن والنظام وبأن المجلس الشعبي المحلي للمحافظة استهدف في توصيته بطلب إلغاء تراخيص محال بيع الخمور في المحافظة لتحقيق مصلحة قومية لأهالي شبين القناطر تطبيقاً لمبادئ الشريعة الإسلامية التي تحرم بيع الخمور أو تداولها خاصة وأنه لا يوجد بدائرة المركز غير هذا المحل المرخص له بجانب نشاط البقالة وأن صدور مثل هذا القرار إنما كان تعبيراً عن رغبة شعبية توقف هذا النوع من النشاط تفادياً للأضرار الاجتماعية والصحية التي تنجم عن تناول الخمور، والتي قد تمتد إلى حد تهديد النظام والأمن المحلي.
وبجلسة 19/ 11/ 1987 أصدرت محكمة القضاء الإداري حكمها الطعين القاضي بوقف تنفيذ القرار المطعون فيه وإلزام الجهة الإدارية المصروفات وشيدت قضاءها على أنه ولئن كانت المادة 16 من القانون رقم 453 لسنة 1954 بشأن المحال الصناعية والتجارية قد أعطت الجهة الإدارية الحق في إلغاء رخصة المحل في أحوال متعددة من بينها حالة ماذا كان في استمرار إدارة المحل خطراً داهم على الصحة العامة أو على الأمن يتعذر تداركه إلا أنه يشترط لتحقيق هذه الحالة أن يكون لها وجود حقيقي بأن ينبئ في التقدير المنطقي السليم للأمور بأن ثمة خطراً يتهدد الأمن العام أو الصحة العامة يتعذر تداركه ويقتضي من الأجهزة القائمة إلغاء رخصة المحل تقديراً من الشارع لما ينطوي عليه هذا الإجراء من مساس مباشر بحريات الأفراد القائمين على إدارة واستغلال المحلات المذكورة الأمر الذي يقتضي بالضرورة ثبوت الحالة الواقعية لإلغاء الرخصة فإذا كان الثابت أن الجهة الإدارية لم تقدم ثمة دلائل جدية على قيام هذا الخطر الذي يتهدد الأمن العام أو الصحة العامة من جراء إدارة النشاط محل الدعوى، فإن ما استندت إليه جهة الإدارة في إصدارها للقرار المطعون فيه يكون غير قائم على سند من القانون مما يوفر ركن الجدية في طلب المدعية الذي توافر ركن الاستعجال لما يرتبه من أضرار يتعذر تداركها لحرمان المدعية من نشاطها الملغي، وأهابت المحكمة في نهاية حكمها بولاية الأمور والقائمين على التشريع بالسعي الحثيث نحو تحريم الاتجار في هذا النشاط الذي يعد مفتاحاً للشرور والآثام.
ومن حيث إن الجهة الطاعنة قد أقامت طعنها الماثل على أن الحكم الطعين قد أخطأ في تطبيق القانون وتأويله فصدر متناقضاً في أسبابه ونتائجه واضحى خليقاً بالإلغاء، ذلك أن القرار المطعون فيه قد صدر بناء على توصية اجتماعية من المجلس الشعبي المحلي لمحافظة القليوبية بإلغاء تراخيص جميع محلات بيع الخمور بدائرة المحافظة تفادياً للأضرار الاجتماعية والصحية الناجمة عنه فضلاً عن أنه استند إلى صحيح حكم المادة من القانون رقم 453/ 1954 مستهدفاً تحقيق الصالح العام الذي يعلو على الصالح الخاص طبقاً لما استقرت عليه أحكام المحكمة الإدارية العليا قد اعترف الحكم المطعون فيه صراحة بتوافر الحالة الواقعية المدبرة لذلك والناجمة عن تناول الخمور والمسكرات وأنها مفتاح لكثير من الشرور والآثام الأمر الذي ينهار معه ركن الجدية مما يصم الحكم بالتناقض والقصور في التسبيب فضلاً عن أن النشاط ببيع الخمور الملغي هو جانب من النشاط الذي كان مرخصاً به وهو البقالة التي ظل الترخيص بها قائماً مما ينفي ركن الاستعجال لانعدام الآثار التي يتعذر تداركها.
ومن حيث إنه وفقاً لصريح نصوص الدستور فإن النظام الاقتصادي محتوم على الكتابة والعدل بما يحول دون الاستغلال ويكفل الكسب المشروع (م4) كما يكفل تكافؤ الفرص لجميع المصريين (م8) وتتمثل الملكية الخاصة في رأس المال غير المستغل وينظم القانون أداء وظيفتها الاجتماعية في خدمة الاقتصاد القومي وفي إطار خطة التنمية دون انحراف أو استغلال ودون أن تتعارض طرق استخدامها مع الخير العام للشعب (م32) والملكية الخاصة مصونة وهي لا تمس إلا وفقاً لأحكام الدستور والقانون (م34).
وقد نصت المادة من الدستور على أن المواطنين لدى القانون سواء وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة ولا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة وقد جعل المشرع الدستوري كل ذلك في إطار الشرعية وسيادة القانون فهو أساس الحكم في الدولة وتخضع الدولة للقانون ، .
ومن حيث إن المشرع قد نظم في القانون رقم 453 لسنة 1954 في شأن المحال الصناعية والتجارية والأحكام الخاصة بإصدار تراخيص هذه المحلات وتسيير نشاطها ونقلها وحدد الحالات الخاصة بإلغائها فنص في المادة الرابعة منه على أن:
"يعلن الطالب بالموافقة على موقع المحل أو رفضه في ميعاد لا يجاوز ستين يوماً من تاريخ دفع رسوم المعاينة، ويعتبر في حكم الموافقة فوات الميعاد المذكور دون تصدير إخطار الطالب بالرأي كما نصت المادة التاسعة على أن: الرخص التي تصرف طبقاً لأحكام هذا القانون دائمة ما لم ينص فيها على توقيتها…." كما نصت المادة الرابعة عشر على أنه"….. في حالة وفاة المرخص له يجب على من آلت إليهم ملكية المحل إبلاغ الجهة المختصة خلال أسبوعين من تاريخ الوفاة بأسمائهم وباسم من ينوب عنهم في إدارة المحل….. وعليهم اتخاذ إجراءات نقل الترخيص إليهم خلال أربعة شهور من تاريخ الوفاة، وإلا جاز إغلاق المحل أو ضبطه بالطريق الإداري ونصت المادة السادسة عشر على أن تلغى رخصة المحال في الأحوال الآتية:
1 – …… 2 – …… 3 – ….. 4 – …… 5 – ……
6 – إذا أصبح المحل غير قابل للتشغيل أو أصبح في استمرار إدارته خطر داهم على الصحة العامة أو على الأمن يتعذر تداركه.
ومفاد النصوص المتقدمة أن الترخيص بحسبان اشتراطه يشكل قيداً على حرية ممارسة النشاط التجاري وتنظيماً لمباشرة المالك للوظيفة الاجتماعية للملكية في إطار الدستور والقانون بما يكفل تحقيق أهداف الضبط الإداري من حماية الصحة العامة والأمن العام والسكينة العامة وتوفير الخدمات لجمهور المواطنين فإنه يصدر بصفة مستمرة ودائمة لموافقته للأصل العام من حيث تنظيم مباشرة النشاط التجاري في إطار الأسس الدستورية والقانونية سالفة البيان، ولا يجوز بعد إصداره للترخيص طبقاً للقانون – إلغاؤه أو تعديله إلا في الحالات التي نص عليها القانون المذكور في المادة على سبيل الحصر، وأية ذلك أن المشرع قد أكد في المادة الرابعة عشر أن وفاة المرخص له لا تؤدي بذاتها إلى إلغاء الترخيص بل إن الرخصة تنتقل تلقائياً إلى ورثته دون تدخل من الجهة الإدارية كل ما يلقيه القانون على الورثة من أعباء هو إبلاغها بأسماء الورثة ومن ينوب عنهم في إدارة المحل لاتخاذ إجراء نقل الترخيص بأسمائهم وتحديد مسئوليتهم تجاه السلطة المختصة عند تنفيذ القوانين عند ممارستهم للنشاط ومرد ذلك إلى أن الترخيص الذي رسم المشرع حدوده وضوابطه قد جاء للتوفيق بين مقتضيات الحرية وموجبات النظام العام، فوجب ألا يحرم المواطن من حقه الأصيل في ممارسة نشاطه المقرر بمقتضى الدستور سواء بالامتناع عن إصدار الترخيص أو بإلغائه أو تعديله إلا إذا كان مخالفاً للاشتراطات التي أوجبها الشارع أو كان تشغيله مهدداً للنظام العام والآداب أو أصبح كذلك بعد إصدار الترخيص ومقتضى ذلك أنه لا يجوز للسلطة المختصة أن تتناول الترخيص الذي أصدرته من قبل بالتعديل أو الإلغاء إلا إذا توافرت حالة من الحالات المنصوص عليها قانوناً على الوجه آنف الذكر.
فإذا كان الثابت من الأوراق أن المطعون ضدها قد ورثت هي وأولادها القصر المشمولين بوصايتها محلاً بدائرة شبين القناطر وعندما تقدمت إلى الوحدة المحلية طالبة نقل الترخيص بأسمائها وأولادها أخطرتها الوحدة بأن الترخيص قد عدل بإلغاء الترخيص ببيع الخمور استناداً إلى صدور القرار رقم 7 لسنة 1986 بإلغاء تراخيص محلات الخمور بدائرة مركز شبين القناطر نظراً للأضرار الاجتماعية والصحية والأمنية المترتبة على عملية تداول وتعاطي الخمور ومخالفتها للقيم الدينية والأعراف الاجتماعية وبصفة خاصة الشريعة الإسلامية التي تعد مصدراً للتشريع أن هذا الخطر يجب أن يرد به نص في قانون لما فيه من مساس وقيود وحظر لبعض أنواع النشاط الفردي من جهة ومن إسقاط للتراخيص التي تكون قد صدرت حسب الأوضاع القانونية القائمة من جهة أخرى.
ومن حيث إنه لا يسوغ الحجاج في أحكام الشريعة الإسلامية لإلغاء القرار الذي جعل المشرع الدستوري من مبادئها السمحة مصدراً رئيسياً للتشريع فلا مراء أن الخطاب موجه إلى السلطة التشريعية الوحيدة في الدولة التي يتوجب عليها أن تبحث التشريعات الوضعية المختلفة مدنية كانت أو جنائية أو اقتصادية وأن تنقها من النصوص التي تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية مستلهمة مبادئها العامة وأحكامها الشاملة لتتدفق نقية في شرايين التشريعات المختلفة بطريقة متوازنة في كافة أنحاء الجمهورية وإلى أن يتثق هذا النظام التشريعي ويستكمل قوته الملزمة فإن التشريعات السارية في الوقت الحاضر تظل نافذة بحيث لا يسوغ لأية جهة إدارية مخالفتها بحجة تنفيذ قواعد الشريعة الإسلامية، أو تضع من القواعد ما يتعارض مع هذه القوانين بمقولة تطابقها مع أحكام هذه الشريعة، ولا أصبح النظام القانوني في الدولة مسخاً تبرأ منه كل الشرائع، أصبح الناس في فوضى يحكمون لأنفسهم بما تشتهي أهوائهم من قواعد وصنعوا بأنفسهم نظم وما أنزل الله بها من سلطان.
ومن حيث إنه من المسلمات أنه لا يجوز تفسير نص في الدستور أو القانون بمعزل عن باقي نصوصه وأحكامه من جهة، كما لا يسوغ الانحراف عن صريح عبارته عن حقيقة المراد بها لغة وقانوناً وفقاً لقواعد التفسير السليمة المستقرة في أصول الفقه ومن ثم فإنه يتعين مهمة تفسير نص المادة من الدستور القائم التي تقضي بأن الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع في ضوء الأعمال التحضيرية للنص والتي أدت إلى وضعه في موضوعه من الباب الأول الخاص بالدولة في أحكام الدستور بعد تعديله بناء على موافقة الشعب في الاستفتاء الذي تم في 22 من مايو سنة 1980 من جهة وأيضاً في ضوء المبادئ والأسس التي تضمنتها أحكام الدستور وبينها الأحكام السالف بنائها وأحكام المحكمة الدستورية العليا سنة 81 رقم 5 لسنة 1 جلسة 16 مايو وجلسة 16 فبراير سنة 1980 قضية رقم 13 لسنة 1 ق جلسة 3 يناير 81 قضية 28 لسنة 30 أحكام المحكمة الدستورية العليا جلسة 21 ديسمبر سنة 1985 قضية رقم 47 لسنة 4 ق بجلسة 4 مايو سنة 1980 قضية رقم 20 لسنة 1 ق وليس شك في أن الخطاب موجه من المشرع الدستوري إلى المشرع العادي بشأن التزامه بأحكام الشريعة الإسلامية فيما تضمنه من تشريعات وأن ينفي تشريعياً ما قد يوجد في التشريعات القائمة من أحكام قد تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية.
وتقوم أحكام الشريعة الإسلامية على احترام ما يدين به ويعتقده أهل الكتاب فلهم ما لنا وعليهم ما علينا وهذا ما نص عليه صراحة في تقرير اللجنة العامة لمجلس الشعب التي أعدت تعديل المادة الثانية من الدستور على النحو السالف الذكر ومن ثم فإن من المسلمات بافتراض أن الترخيص ببيع الخمر في محلات أو مواقع محددة قد يستلزمه الصالح العام أو أحكام الشريعة الإسلامية رغم كونها لا تحرم على الذمي شراء وحيازة وبيع الخمر وفقاً لدينه أو عقيدته وشريعته ولأن القول بتلك الأسباب لا تكفي بذاتها لحمل القرار الطعين محمل الصحة إذاء احتمال وقوع الأضرار الاجتماعية الصحية والأمنية المشار إليها بالقرار لا ترقى إلى مرتبة الخطر الداهم الذي يتعذر تداركه، إذ من غير المنطقي أو المتصور أن تؤدي بيع بعض زجاجات الخمر المغلقة من محل البقالة وحده الذي ورثته المطعون ضدها وأولادها بهذه الحالة من مورثها إلى إثارة المشاجرات والمشاحنات التي تشكل خطراً داهماً على الأمن العام أو الصحة العامة في الوقت الذي لا مؤدى فيه احتساء الخمر المسموح به في المحلات العامة السياحية والتي تغذيها المستودعات والمصانع المرخص بها إلى تحقيق هذا الحظر ولو كان صحيحاً أن القرار الطعين هو وقوع الخطر الناجم عن احتساء الخمر لا تبسط الحظر على كل أوجه تداول الخمر سواء داخل دائرة المدينة أو خارجها، وهو أمر يملكه المشرع وليس رئيس الوحدة المحلية لمدينة شبين القناطر الأمر الذي يجعل القرار غير منتج لأثره أو محققاً لغايته في وقوع الخطر الداهم على الأمن العام أو الصحة العامة، ذلك أن الإجراء الضابط الذي يسوغ للسلطة المختصة اتخاذه على حساب الحريات العامة لا يجد سنده المشروع إلا في قدرته على دفع الخطر الذي يتعذر تداركه سواء باتخاذ الإجراء بحيث يصبح أخر سهم في الكنانة لدى جهة الإدارة يضرب ليصيب الهدف، فإذا لم يكن من المقطوع به أن مؤدى الإجراء الضابط إلى تحقيق هذه الغاية تمحص أن يكون قيداً غير مشروع على الحرية وعلى حق الملكية لا بقوة القانون، ومن ثم فإذا كان الإجراء الذي اتخذه رئيس الوحدة المحلية لمدينة شبين القناطر صدور قرار بإلغاء تراخيص بيع الخمور المتواجدة في دائرة مدينة معينة، فضلاً عن أنه لا يقوم على نص يقرره القانون باعتباره قيداً على النشاط الاقتصادي الفردي والملكية الفردية لا بد أن يتضمن قانون تقرره السلطة التشريعية لتحقيق بمقتضى عموم أحكامه وتجريدها مبدأ المساواة أمام القانون وتكافؤ الفرص لكل من يسري عليهم من المواطنين، فإن هذا القرار الذي لا سند له في قانون لا يواجه بذاته بحسب حقيقة الحال خطراً داهماً على الصحة العامة أو الأمن العام يتعذر تداركه بإجراء آخر لا يمس الملكية الخاصة أو حرية ممارسة النشاط ونتيجة ذلك ومن ثم فإنه لا يصلح بذاته لدفع هذا الخطر – أن تحقق – ما دام لا يملك منع المواطنين الذين اعتادوا على احتساء، الخمر من جلبها بالوسائل المختلفة أو احتسائها في المحلات العامة سواء داخل دائرة المدينة أو خارجها في كافة المستودعات والمصانع والمحلات التي تصرح الدولة لها ببيع الخمور وتداولها على الوجه الذي يفقد القرار سنده وغايته ويجعله موجهاً لحرمان طائفة من المواطنين ومن بينهم المطعون ضدها، ومن حقهم الدستوري في ممارسة نشاطهم التجاري المشروع، والذي تعتمد عليه المطعون ضدها في معاشها ويكون جانباً هاماً من مورد رزقها بمحل البقالة المورث لها ولأولادها القصر الذين تولت الوصاية عليهم وقد لا تستطيع الاستغناء عنه في ممارسة حياتها الطبيعية لاسيما ومن حيث إنه بناء على ما سلف بيانه يكون الحكم الطعين قد أصاب الحق فيما انتهى إليه من وقف تنفيذ هذا القرار بعد أن عجزت الجهة الإدارية عن تقديم أية دلائل جدية على قيام حالة الخطر الحقيقي الحال الذي يهدد الأمن العام أو الصحة العامة أو السكينة العامة مما يوفر ركن الجدية في طلب المدعية فضلاً عن توافر ركن الاستعجال لما يرتبه القرار من أضرار يتعذر تداركها نتيجة حرمانها من التكسب من نشاطها الملغي والاستمرار في النشاط الموروث عن زوجها وأداء واجبها كوصية على أولادها.
ومن حيث إنه لا وجه للنعي على الحكم بالقصور أو التناقض في التسبيب إذ أن عبء إثبات قيام الدلائل الجدية على حالة الخطر الداهم إنما تقع على السلطة التي اتخذت القرار المقيد للحرية وإذ عجزت هذه السلطة عن تقديم الدليل على قيام هذه الحالة سوى ما ثار في ذهنها من وهم حسبته أنه يشكل خطراً داهماً على الأمن العام أو الصحة العامة وظنت خطأ أن قرارها بحظر الترخيص ببيع الخمور هو الإجراء الوحيد لدفع هذا الحظر فإن القضاء ليس مسئولاً عن أن يفترض على غير أساس من الواقع الذي يسانده الدليل والسبب الذي استندت إليه لكي يحمل قرارها على الصحة، كما أنه ليس من التناقض في الأسباب أن تلجأ المحكمة في حكمها إلى مباشرة ولاة الأمور والقائمين على التشريع بالسعي الحثيث نحو تحريم هذا النشاط درءاً للمفاسد وإقراراً لما أنزل الله، فليس في المجتمع من ينكر ما في تناول الخمر والمسكرات جميعها من شرور وآثام وما يعقبها من الانزلاق في مهاوي الذل والامتهان للكرامة الإنسانية، إلا أن تنظيم ذلك وحظر التراخيص للمحال العامة القائمة والتي صدرت طبقاً لأحكام القانون النافذ ليس من سلطة الوحدات المحلية والمجالس الشعبية بالمحافظات وإنما تملكه السلطة التشريعية التي تترخص حسبما سبق البيان في تعديل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في الدولة وخلق المناخ الملائم لعلاج هذه المشكلة بمقتضى قواعد عامة مجردة تسري على جميع المواطنين بغير تفرقة بين مواطن وآخر ودائرة وأخرى في إطار الشرعية وسيادة الدستور والقانون وهما أساس الحكم الشرعي في الدولة وإلى هذه السلطة الشرعية موجبة الحكم يباشرها أن تضع القواعد التي ترسخ مبادئ الشريعة الغراء وبحكم الدولة بما أنزل الله وفي إطار من الشرعية الدستورية التشريعية وإلى أن يحين هذا الأمر، فليس لأي فرداً أو سلطة أخرى تندفع خارج نطاق الشرعية وسيادة الدستور والقانون لتفرض إرادتها وتأخذ بيدها سلطات المشرع وقوة التنفيذ الإداري المباشرة بغير سند من القانون – على طائفة من المواطنين دون غيرهم فتحظر عليهم ممارسة تجارتهم بمجرد أنهم يمارسونها داخل دائرة اختصاصهم بينما غيرهم من المواطنين خارج هذه الدائرة يتمتع بممارسة ذات النشاط ولو سمح القضاء بذلك لأهدرت أحكام الدستور والقانون وتمزقت وحدة النظام العام القانوني في البلاد وسادت الفوضى التشريعية والإدارية وإذ انتهج الحكم الطعين هذا النهج فأوقف تنفيذ القرار، رغم إفصاحه عما وقع في وجدانه من ضرورة تدخل ولاة الأمور لمعالجة هذا الأمر بالإدارة الشرعية السليمة، فإنه يكون قد أصاب الحق فيما انتهى إليه قائماً على أساس احترام الشرعية والنظام العام الدستوري والأسس الواجبة في تحديد قواعد الضبط الإداري وحرية النشاط الاقتصادي وحصانة الملكية الخاصة وهي من المقومات الأساسية للمجتمع لحين تعديل السلطة التشريعية بالإدارة التشريعية السليمة للأوضاع المتعلقة بترخيص المحال العامة بقانون ويكون النعي على هذا الحكم بالقصور أو التناقض غير قائم على أساس سليم من القانون خليق بالرفض.
ومن حيث إن الحكومة وقد أصابها الخسر في طعنها فإنها تكون ملزمة بالمصروفات عملاً بنص المادة 184 مرافعات.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً ورفضه موضوعاً وألزمت الجهة الإدارية بالمصروفات.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات