الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 1 لسنة 15 قضائية “دستورية” – جلسة 07 /05 /1994 

المحكمة الدستورية العليا – الجزء السادس
من أول يوليو 1993 حتى آخر يونيو 1995 – صـ 277

جلسة 7 مايو سنة 1994

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر – رئيس المحكمة، وحضور السادة المستشارين: الدكتور/ محمد إبراهيم أبو العينين, ومحمد ولي الدين جلال وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامي فرج يوسف وعدلي محمود منصور – أعضاء، وحضور السيد المستشار الدكتور/ نجيب جمال الدين علما – المفوض، وحضور السيد/ رأفت محمد عبد الواحد – أمين السر.

(القاعدة رقم 24)
القضية رقم 1 لسنة 15 قضائية "دستورية"

1 – تشريع "نصوص دستورية" "لا يجوز وقف تنفيذها" "حملها على قرينة الدستورية ما لم تبطلها المحكمة الدستورية العليا".
الأصل في النصوص التشريعية هو حملها على قرينة الدستورية, وجوب إنفاذها من تاريخ العمل بها, ومن غير الجائز بالتالي أن يكون مجرد الطعن عليها موفقاً لأحكامها, فإبطالها لا يكون إلا بقضاء من المحكمة الدستورية العليا إذا ما قام الدليل لديها على مخالفتها الدستور, النصوص التي لا تبطلها هذه المحكمة يجب إعمال آثارها كاملة دون انقطاع يوقف سريانها, وإلا عد ذلك عدواناً على ولاية السلطة التشريعية.
2 – دعوى دستورية "استقلالها عن الدعوى الموضوعية في موضوعها وشرائط قبولها"
لكل من الدعويين الموضوعية والدستورية ذاتيتها فلا تختلطان ببعضهما, بل تستقل كل منهما عن الأخرى في موضوعها, كذلك في مضمون الشروط التي يتطلبها القانون لجواز رفعها.
3 – دعوى دستورية "الحقوق التي تحميها" "غايتها"
الحقوق الدستورية ليس لها قيمة في ذاتها, وقد قصد الدستور بتقريرها توفير الحماية التي تقتضيها مواجهة الأضرار الناشئة عن الإخلال بها وتسويتها.
4 – دعوى دستورية "المصلحة فيها".
شرط المصلحة – وتندمج فيه الصفة – من الشروط الجوهرية التي لا تقبل الدعوى الدستورية في غيبتها, وهو ما أكده قانون المحكمة الدستورية العليا باستبعاده الدعوى الأصلية بعدم الدستورية.
5 – المحكمة الدستورية العليا "رقابتها القضائية لا ينقاضها شرط المصلحة في الدعوى الدستورية" "أساس ذلك".
لا يناقض شرط المصلحة في الدعوى الدستورية, طبيعة الرقابة على الدستورية, ذلك أن الحكم في المسألة الدستورية, يجب أن يكون لازماً للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها, والمطروحة على محكمة الموضوع.
6 – ولاية محكمة الموضوع "لا يدخل فيها الفصل في شروط اتصال الدعوى الدستورية بالمحكمة الدستورية العليا".
التنظيم الإجرائي للدعوى الدستورية, وثيق الاتصال بشرائط قبولها, ومن بينها شرط المصلحة في الدعوى الدستورية. ولا محل للقول بأن المحكمة الدستورية العليا لا اختصاص لها ببحث شرط المصلحة وإلا عد ذلك تعقيباً من جانبها على قرار محكمة الموضوع بتقدير جدية الدفع بعدم الدستورية, ذلك أن المهام التي اختص المشرع بها محكمة الموضوع, ليس من بينها الفصل في توافر الشروط التي تطلبها قانون هذه المحكمة لاتصال الدعوى الدستورية بها, وتندرج المصلحة تحتها. ما قام لدى محكمة الموضوع من شبهة مخالفة النص التشريعي المطعون فيه للدستور, تتحراها المحكمة الدستورية العليا لتقرير صحتها أو فسادها. قضاء محكمة الموضوع بوقف الدعوى الموضوعية, بعد إحالتها المسألة الدستورية إلى المحكمة الدستورية العليا أو تصريحها لمن آثار الدفع أمامها برفع دعواه الدستورية, لا يعتبر فصلاً في شرائط قبولها. وعلى محكمة الموضوع أن تتربص قضاء المحكمة الدستورية العليا. وذلك لإعمال أثره في النزاع الموضوعي.
7 – دعوى دستورية "المصلحة فيها" "العنصران اللذان لا تقوم المصلحة إلا بهما".
مفهوم هذه المصلحة يتحدد على ضوء عنصرين متكاملين هما: إثبات المدعي أن ضرراً فعلياً مباشراً لحق به, وأن يكون مرد الأمر في هذا الضرر إلى النص التشريعي المطعون فيه. زمام إعمال شرط المصلحة بعنصريه هذين, بيد المحكمة الدستورية العليا وحدها.
8 – دعوى دستورية "الطعن على قانون الضريبة على المبيعات من خلال الدعوى الأصلية بعدم الدستورية" "أثره".
طلب المدعي في دعواه الموضوعية منع التعرض لأي مواطن بتشريعات ضريبة المبيعات, متوخياً بذلك ألا تكون هذه التشريعات نافذة في حق المخاطبين بها, توقياً لتحمليهم بضريبة غير دستورية. دعواه هذه تنحل إلى نزاع يتناول هذه التشريعات ذاتها بقصد إيقافها, وليس لها من صلة بحقوق موضوعية يدعيها وهو ما يفيد بالضرورة الطعن في هذه التشريعات بطريق الدعوى الأصلية بعدم الدستورية, وهذه غير جائز قبولها.
9 – دستور "تعلق قواعده بالنظام العام" "جواز الاحتجاج بها لإعمال أثرها في نزاع موضوعي" "تطبيقها في خصومة قضائية يفترض استيفاؤها لشرائط قبولها".
تسمو القواعد الدستورية على ما دونها من النصوص القانونية. ولئن كان تطبيقها في نزاع موضوعي لازماً بالنظر إلى علوها, إلا أن التمسك بهذه القواعد, يفترض أن تتوافر في الخصومة القضائية – التي تثار فيها – شرائط قبولها.
10 – دعوى دستورية "افتراض المصلحة فيها" "عدم جوازه"
القول بأن لكل مواطن مصلحة مفترضة في إهدار النصوص التشريعية المخالفة للدستور, هو انتقال بالرقابة القضائية على الدستورية, إلى مرحلة لم يبلغها بعد قانون المحكمة الدستورية العليا, ولا يشملها – كأصل عام – التنظيم المقارن.
1 – الأصل في النصوص التشريعية, هو حملها على قرينة الدستورية, بافتراض مطابقتها للدستور. ومن ثم لا يجوز أن يكون سريانها متراخياً, بل يكون إنفاذها – واعتباراً من تاريخ العمل بها – لازماً. ولا يجوز بالتالي أن يكون مجرد الطعن عليها موقفاً لأحكامها, أو مانعاً من فرضها على المخاطبين بها. ذلك أن إبطالها لا يكون إلا بقضاء من المحكمة الدستورية العليا إذا ما قام الدليل لديها على مخالفتها للدستور. فإن هي انتهت إلى براءتها من العيوب الشكلية والموضوعية, وكان ذلك استصحاباً لأصل صحتها, لتزول الشبهة التي كانت عالقة بها. ولازم ذلك أن النصوص التشريعية التي لا تبطلها المحكمة الدستورية العليا, لا يحوز بحال وقف تنفيذها, بل يجب إعمال آثارها كاملة دون انقطاع يوقف سريانها, وإلا عد ذلك عدواناً على الولاية التي أثبتها الدستور للسلطة التشريعية, وإسباغاً لاختصاص منتحل على المحكمة الدستورية العليا, دون سند من الدستور أو القانون.
2 – لكل من الدعويين الموضوعية والدستورية ذاتيتها, فلا تختلطان ببعضهما ولا تتحدان في شرائط قبولهما, بل تستقل كل منهما عن الأخرى في موضوعها, وكذلك في مضمون الشروط التي يتطلبها القانون لجواز رفعها. فالدعوى الدستورية تتوخى الفصل في التعارض المدعي به, بين نص تشريعي وقاعدة في الدستور, في حين تطرح الدعوى الموضوعية – في صورها الأكثر شيوعاً – الحقوق المدعي بها في نزاع يدور حول إثباتها أو نفيها عند وقوع عدوان عليها. ومن المقرر كذلك أن الدعوى الدستورية ينبغي أن تؤكد – بماهية الخصومة التي تتناولها – التعارض بين المصالح المثارة فيها, بما يعكس حدة التناقض بينها, ويبلور من خلال تصادمها وجابهتها لبعض, حقيقة المسألة الدستورية التي تدعي المحكمة الدستورية العليا للفصل فيها. فكان لزاماً بالتالي أن يكون للخصم الذي أقامها مصلحة واضحة في استخلاص الفائدة التي يتوقعها منها, باعتبارها الترضية القضائية التي يرد بها عن الحقوق التي يدعيها مضار فعلية أصابتها أو تهددها, من جراء إعمال النص التشريعي المطعون عليه, وترتيبه لآثار قانونية بالنسبة إليه.
3 – الحقوق الدستورية ليس لها قيمة مجردة في ذاتها, ولا يتصور أن تعمل في فراغ، وأياً كان دورها أو وزنها أو أهميتها في بناء النظام القانوني للدولة ودعم حرياته المنظمة, فإن تقريرها تغيا دوماً توفير الحماية التي تقتضيها مواجهة الأضرار الناشئة عن الإخلال بها, يستوي في ذلك أن تكون هذه الحقوق من طبيعة موضوعية أو إجرائية.
4 – شرط المصلحة – وتندمج فيه الصفة – من الشروط الجوهرية التي لا تقبل الدعوى الدستورية في غيبتها, وهو بعد شرط تقرر بقانون المحكمة الدستورية العليا بما نص عليه في مادته الثامنة والعشرين من أنه "فيما عدا ما نص عليه في هذا الفصل, تسري على قرارات الإحالة والدعاوى والطلبات التي تقدم إلى المحكمة، الأحكام المقررة في قانون المرافعات المدنية والتجارية بما لا يتعارض وطبيعة اختصاص المحكمة والأوضاع المقررة أمامها". متى كان ذلك, وكان نص المادة الثالثة من قانون المرافعات المدنية والتجارية مؤداه ألا تقبل أية دعوى لا يكون لرافعها فيها مصلحة قائمة يقرها القانون, أو مصلحة محتملة بالشروط التي بينها, وكان قضاء المحكمة الدستورية العليا قد جرى على أن الدستور, أفرد هذه المحكمة بتنظيم خاص في الفصل الخامس من الباب الخامس الخاص بنظام الحكم, حين ناط بها في المادة 175 مباشرة الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح, وكذلك ولاية تفسير النصوص التشريعية, وذلك كله على الوجه المبين بالقانون, مستهدفاًَ بذلك أن يفوض المشرع في أن يحدد القواعد الموضوعية والإجرائية التي تباشر المحكمة الدستورية العليا – من خلالها وعلى ضوئها – الرقابة القضائية على دستورية النصوص التشريعية, وكان قانون هذه المحكمة قد نظم بالمادتين 27 و29 الطرائق التي لا تقبل الدعوى الدستورية إلا بولوجها, وكان البين من هاتين المادتين أن كلتيهما لا تخولان الأشخاص الاعتبارية أو الأشخاص الطبيعيين الطعن في النصوص التشريعية بالطريق المباشر, ذلك أن أولاهما: ترخص للمحكمة الدستورية العليا – حين يَعْرض لها بمناسبة ممارستها لاختصاصها – نص في قانون أو لائحة يتصل بالنزاع المطروح عليها, أن تحكم بعدم دستوريته بعد اتخاذ الإجراءات المقررة لتحضير الدعاوى الدستورية. وعملاً بثانيتهما: يجوز لمحكمة الموضوع, أن تحيل إلى المحكمة الدستورية العليا من تلقاء نفسها، نص تشريعي لازم للفصل في النزاع المعروض عليها, إذ تراءى لها مخالفته للدستور. ولها كذلك أن ترخص لخصم دفع أمامها بعدم دستورية نص تشريعي لازم للفصل في النزاع المطروح عليها, وقدرت جدية هذا الدفع, بإقامة دعواه الدستورية، خلال أجل لا يجاوز ثلاثة أشهر.
وبذلك يكون قانون المحكمة الدستورية العليا, قد استبعد بدلالة هاتين المادتين, الطعون المباشرة التي تقدم إليها من الأشخاص الطبيعيين أو الاعتباريين عن طريق الدعوى الأصلية التي لا تتصل المسألة الدستورية التي تطرحها بأية منازعة موضوعية, بل تستقل تماماً عنها, هادفة من وراء ذلك إلى إبطال النصوص التشريعية عليها إبطالاً مجرداً توجبه المصلحة النظرية الصرفة, وهي مصلحة لا يجوز الارتكان إليها لقبول الدعوى الدستورية التي يجب أن تتمثل محصلتها النهائية, في اجتناء منفعة يقرها القانون.
5 – استبعاد الدعوى الأصلية بعدم الدستورية, مؤداه أن شرط المصلحة في الدعوى الدستورية لا زال قائماً ومتطلباً لقبولها, وهو بعد شرط لا يناقض طبيعة الرقابة القضائية على الدستورية التي تحركها هذه الدعوى, ولا يتعارض والأوضاع المقررة في شأنها أمام المحكمة الدستورية العليا, بل هو أكثر ما يكون التصاقاً بها, استصحاباً للصلة الحتمية التي تقوم بين الدعويين الموضوعية والدستورية, وقوامها أن يكون الحكم في المسألة الدستورية لازماً للفصل في مسألة كلية أو فرعية تدور حولها الخصومة بأكملها أو في شق منها في الدعوى الموضوعية, فإذا لم يكن قضاء المحكمة الدستورية العليا في شأن بطلان النصوص المطعون عليها أو صحتها, بذي أثر على النزاع الموضوعي, انتفت المصلحة في الدعوى الدستورية, وهي مصلحة تتحراها المحكمة الدستورية العليا في سعيها للتثبت من توافر شروط قبول الدعاوى الدستورية المطروحة عليها. وليس لجهة أخرى أن تنازعها هذا الاختصاص. أو أن تحل محلها فيه.
6 – أن ولاية محكمة الموضوع تنحصر بالضرورة في المسائل التي ناطها المشرع بها, ولا تمتد إلى ما يدخل – بنص الدستور أو القانون – في ولاية جهة أخرى, وإلا كان ذلك عدواناً عليها. وليس من بين المهام التي اختص المشرع بها محكمة الموضوع, الفصل في توافر الشروط التي تطلبها قانون المحكمة الدستورية العليا لاتصال الدعوى الدستورية بها وفقاً للأوضاع المقررة أمامها. ذلك أن هذه الأوضاع – التي يتصل تطبيقها بالنظام العام – إنما تتناول التنظيم الإجرائي للخصومة التي تطرح عليها, وهي بذلك وثيقة الاتصال بشرائط قبولها, ومن بينها المصلحة في الدعوى الدستورية, ومناطها أن يكون الفصل في المسألة الدستورية لازماً للفصل في الطلب الموضوعي المرتبط بها. ولا كذلك تقدير محكمة الموضوع جديد الدفع بعدم الدستورية المثار أمامها, إذ تتعلق هذه الجدية بالشروط التي يتطلبها المشرع لانعقاد الخصومة القضائية, ولكنها تتصل بالدلائل التي تقوم معها شبهة قوية على مخالفة النص التشريعي المطعون عليه للدستور, وهي شبهة يجب أن تتحراها المحكمة الدستورية العليا لتقرير صحتها أو فسادها. كذلك فإن قضاء محكمة الموضوع وقف الدعوى الموضوعية بعد إحالتها لأوراقها مباشرة إلى المحكمة الدستورية العليا, أو تصريحها لمن أثار الدفع أمامها برفع دعواه الدستورية, لا يعد فصلاً من شرائط قبولها. بل هو إرجاء للفصل في النزاع الموضوعي إلى أن تقول المحكمة الدستورية العليا كلمتها في المطاعن الموجهة إلى النص التشريعي المدعي مخالفته للدستور. وإذ تتربص محكمة الموضوع قضاء المحكمة الدستورية العليا على هذا النحو, فذلك لتباشر ولايتها بعد صدوره, بإعمال أثره على النزاع الموضوعي المعروض عليها.
7 – لا يجوز قبول الدعوى الدستورية إلا بتوافر الشروط اللازمة لاتصالها بالمحكمة الدستورية العليا وفقاً للأوضاع المنصوص عليها في قانونها الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979, ويندرج تحتها شرط المصلحة التي حددتها المحكمة الدستورية العليا بأنها المصلحة الشخصية المباشرة التي لا يكفي لتحققها أن يكون النص التشريعي المطعون عليه مخالفاً للدستور, بل يجب أن يكون هذا النص – بتطبيقه على المدعي – قد ألحق به ضرراً مباشراً، وكان قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن مفهوم المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – إنما يتحدد على ضوء عنصرين أوليين يحددان مضمونها, ولا يتداخل أحدهما مع الآخر أو يندمج فيه, وإن كان استقلالهما عن بعضهما البعض لا ينفي تكاملهما, وبدونهما مجتمعين لا يجوز لهذه المحكمة أن تباشر رقابتها على دستورية القوانين واللوائح: أولهما: أن يقيم المدعي – وفي حدود الصفة التي اختصم بها النص التشريعي المطعون عليه – الدليل على أن ضرراً واقعياً – اقتصادياً أو غيره – قد لحق به, ويتعين أن يكون هذا الضرر مباشراً, مستقلاً بعناصره, ممكناً إدراكه ومواجهته بالترضية القضائية, وليس ضرراً متوهماً أو نظرياً أو مجهلاً, بما مؤداه أن الرقابة على الدستورية، يجب أن تكون موطئاً لمواجهة أضرار واقعية بغية ردها وتصفية أثارها القانونية, ولا يتصور أن تقوم المصلحة الشخصية المباشرة إلا مرتبطة بدفعها. ثانيهما: أن يكون مرد الأمر في هذا الضرر إلى النص التشريعي المطعون عليه, فإذا لم يكن هذا النص قد طبق على المدعي أصلاً أو كان من غير المخاطبين بأحكامه, أو كان قد أفاد من مزاياه, أو كان الإخلال بالحقوق التي يدعيها لا يعود إليه, فإن المصلحة الشخصية المباشرة تكون منتفيه, ذلك إن إبطال النص التشريعي في هذه الصور جميعها لن يحقق للمدعي أية فائدة عملية يمكن أن يتغير بها مركزه القانوني بعد الفصل في الدعوى الدستورية, عما كان عليه عند رفعها. ومن ثم يكون زمام إعمال هذا الشرط بعنصريه – بيد المحكمة الدستورية العليا وحدها, وإليها دون غيرها, يعود أمر التحقق من توافره, وليس لجهة أخرى أن تفرض عليها مفهوماً معيناً لمضمونه.
8 – متى كان المدعي قد أقام دعواه الموضوعية طالباً منع التعرض, لأي مواطن بتشريعات ضريبة المبيعات, والقرارات الصادرة تنفيذاً لها, أو ترتيباً عليها, وكان ما توخاه المدعي بدعواه هذه – محددة في ذلك الإطار – هو ألا تكون تلك التشريعات والقرارات الضريبية نافذة في حق المواطنين المخاطبين بها, توقياً لتحميلهم بضريبة تفتقر إلى مقوماتها الدستورية, فإن دعواه هذه تنحل إلى نزاع يتناول النصوص المطعون عليها في ذاتها بقصد إيقافها, دفعاً لإجراء مقتضاها في حق المشمولين بأحكامها. وليس لها بالتالي من صلة بأية حقوق موضوعية يدعيها رافعها, وتستقل في مضمونها عن مشروعية النصوص القانونية المدعي مخالفتها للدستور. وهو ما يفيد بالضرورة الطعن في هذه النصوص بالطريق المباشر من خلال الدعوى الأصلية بعدم الدستورية التي تتوخى الفصل بصفة مجردة, ولمصلحة نظرية صرف, وفي دستورية نص تشريعي. ولا يجوز قبولها بالتالي لتعارضها وقانون المحكمة الدستورية العليا, والأوضاع المقررة أمامها على ما سلف البيان.
9 – ولا ينال مما تقدم تعلق قواعد الدستور بالنظام العام, إذ لا يعني ذلك أكثر من توكيد الطبيعة الآمرة لهذه القواعد وسموها على ما عداها, وعدم جواز الاتفاق على مخالفتها. وليس ذلك كله إلا إعلاء لقواعد الدستور, وإقراراً بمرتبتها بين القواعد القانونية على اختلافها. غير أن الاحتجاج بقاعدة دستورية من خلال حق التقاضي يفترض – وبالضرورة – أن تكون الخصومة القضائية التي يتوسل بها المدعي إلى استنهاض القاعدة الدستورية الآمرة, وفرضها على المخاطبين بها, مستوفية لشرائط قبولها – وتندرج الصفة والمصلحة تحتها – إذ يتعين التمييز بقدر كبير من العناية, بين الآثار المتولدة عن سمو القاعدة الدستورية, وبين الشروط التي يتطلبها الدستور أو المشرع, أو كلاهما, لاتصال الدعوى بالهيئة القضائية التي تتولي الفصل فيها, إذ لا صلة لهذه الشروط "بنوع" القواعد القانونية التي يجوز التمسك بها أثناء نظرها, ولا تُقيل القاعدة القانونية التي يتم تطبيقها في النزاع شرط المصلحة الشخصية المباشرة أو تنحيه جانباً، بل إن إعمالها رهن بتوافره, وهو بعد شرط لا ينافي طبيعة الدعوى الدستورية, ولا يحول بمداه أو محتواه، دون مباشرة الرقابة القضائية على الدستورية التي لم يطلقها المشرع من الضوابط التي تنظمها, وإنما أحاطها بأوضاع محددة لا تقاوم الدعوى الدستورية إلا من خلالها, باعتبارها من مقوماتها, حتى ينتظم التداعي في المسائل الدستورية وفقاً لها, بما لا مخالفة فيه للدستور. ومن ثم يكون هذا الشرط مفترضاً أولياً لانعقاد الخصومة في المسائل الدستورية, ضماناً لاستبعاد الدعوى الأصلية بعدم الدستورية, التي لا يرتبط رفعها بأية مصلحة قائمة أو محتملة, بل تتمحض عن مجرد مصلحة نظرية.
10 – القول بأن لكل مواطن صفة مفترضة في اختصام النصوص التشريعية المدعي مخالفتها للدستور, ومصلحة مفترضة في إهدارها, هو انتقال بالرقابة القضائية على الشرعية الدستورية, إلى مرحلة لم يبلغها بعد التطور الراهن لقانون المحكمة الدستورية العليا, ولا يشملها كذلك – وكأصل عام – التنظيم المقارن لأبعاد هذه الرقابة، وذلك بالنظر إلى دقتها, وخطورة المسائل التي تتناولها.


الإجراءات

بتاريخ 9 يناير 1993 ورد إلى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا الحكم الصادر من محكمة جنوب القاهرة الابتدائية بجلسة 8 ديسمبر 1992 في الدعوى رقم 12861 لسنة 1991 مدني كلي جنوب القاهرة, قاضياً بوقف هذه الدعوى في الطلب الموضوعي وإحالتها بحالتها إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستورية القانون رقم 11 لسنة 1991, وقرار رئيس الجمهورية رقم 180 لسنة 1991, وقرار وزير البترول والثروة المعدنية رقم 54 لسنة 1991.
وقدم المدعي مذكرة في 21 يناير 1993 طلب فيها وقف تنفيذ هذه التشريعات بصفة وقتية ومستعجلة, والحكم موضوعياً بعدم دستوريتها واعتبارها لاغية من تاريخ صدورها وإلغاء جميع آثارها, وإلزام المطعون ضدهم متضامنين المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة بدفاعها طلبت فيها أصلياً الحكم بعدم قبول الدعوى, واحتياطياً برفضها.
وبعد تحضير الدعوى, أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها، عقب عليه المدعي بمذكرة قدمها بجلسة المرافعة المعقودة في الأول من يناير 1994 طالباً رفض الدفع بعدم قبول الدعوى منازعته الدستورية والحكم بقبولها, وبعدم دستورية التشريعات التي أدعى عدم دستوريتها في عريضة دعواه رقم 12861 لسنة 1991 مدني كلي جنوب القاهرة.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة, وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق, والمداولة.
وحيث إن الوقائع – على ما يبين من حكم الإحالة وسائر الأوراق – تتحصل في أن في أن المدعي كان قد أقام الدعوى 12861 لسنة 1991 مدني كلي جنوب القاهرة ضد المدعي عليهم طالباً أصلياً الحكم أولاً – وبصفة مستعجلة بوقف تعرض المدعي عليهم له ولأسرته بالقانون رقم 11 لسنة 1991 وكذلك قرار رئيس الجمهورية رقم 180 لسنة 1991 وقرار وزير البترول والثروة المعدنية رقم 54 لسنة 1991 الملحقين بهذا القانون ووقف تنفيذ جميع آثارها, وعدم إلزامه أو التزامه بتنفيذها تبعاً لذلك. ثانياً: – وبصفة موضوعية – بمنع تعرض المدعي له ولأسرته بتشريعات منازعته, وجميع ما بني عليها من شرائع وآثار, مع إلزام المدعي عليهم متضامنين المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة، وشمول الحكم في كل طلب بالنفاذ المعجل وبلا كفالة, والأمر في الحكم بتنفيذه بموجب مسودته وبدون إعلان، تطبيقاً للمادة 286 من قانون المرافعات, والحكم احتياطياً بإحالة منازعته الدستورية إلى المحكمة الدستورية العليا بدون رسوم, تطبيقاً لأحكام المادة 29 من قانونها للفصل فيها تمهيداً للفصل في طلباته ابتدائياً. وإذ تراءى للمحكمة الابتدائية بحكمها الصادر بجلسة 8 ديسمبر سنة 1992 عدم دستورية قانون الضريبة العامة على المبيعات الصادر بالقانون رقم 11 لسنة 1991، وقرار رئيس الجمهورية رقم 180 لسنة 1991، وقرار وزير البترول والثروة المعدنية رقم 54 لسنة 1991 لمخالفتها المادة 119 من الدستور – التي لا تعتد في إنشاء الضرائب العامة وتعديلها أو إلغائها إلا بالقانون – دون أداة أدنى – ولا تعفي أحداً من أدائها إلا في الأحوال المبينة في القانون – فقد قضت بإحالتها إلى هذه المحكمة للفصل في دستوريتها.
وحيث إنه عن طلب المدعي وقف تنفيذ القانون رقم 11 لسنة 1991، وقرار رئيس الجمهورية رقم 180 لسنة 1991، وقرار وزير البترول والثروة المعدنية رقم 54 لسنة 1991, فإن الأصل في النصوص التشريعية, هو حملها على قرينة الدستورية, بافتراض مطابقتها للدستور, ومن ثم لا يجوز أن يكون سريانها متراخياً، بل يكون إنفاذها – واعتباراً من تاريخ العمل بها – لازماً, ولا يجوز بالتالي أن يكون مجرد الطعن عليها موقفاً لأحكامها, أو مانعاً من فرضها على المخاطبين بها, ذلك أن إبطالها لا يكون إلا بقرار من المحكمة الدستورية العليا إذا ما قام الدليل لديها على مخالفتها للدستور, فإن هي انتهت إلى براءتها من العيوب الشكلية والموضوعية, وكان ذلك استصحاباً لأصل صحتها, لتزول الشبهة التي كانت عالقة بها. ولازم ذلك أن النصوص التشريعية التي لا تبطلها المحكمة الدستورية العليا, لا يحوز بحال وقف تنفيذها, بل يجب إعمال آثارها كاملة دون انقطاع يوقف سريانها, وإلا عد ذلك عدواناً على الولاية التي أثبتها الدستور للسلطة التشريعية, وإسباغاً لاختصاص منتحل على المحكمة الدستورية العليا, دون سند من الدستور أو القانون، ومن ثم يتعين الالتفات عن هذا الطلب.
وحيث ما ذهب إليه المدعي، من أن قضاء محكمة الموضوع بإحالة منازعته الدستورية إلى المحكمة الدستورية العليا تقديراً من جانبها لتوافر صفته ومصلحته فيها, قد صار باتاً بعدم الطعن عليها, وأضحى بالتالي مُقيداً المحكمة الدستورية العليا بما يمنعها من العودة لبحثهما – مردود بأن لكل من الدعويين الموضوعية والدستورية ذاتيتها, فلا تختلطان ببعضهما ولا تتحدان في شرائط قبولهما, بل تستقل كل منهما عن الأخرى في موضوعها, وكذلك في مضمون الشروط التي يتطلبها القانون لجواز رفعها. فالدعوى الدستورية تتوخى الفصل في التعارض المدعي به, بين نص تشريعي وقاعدة في الدستور، في حين تطرح الدعوى الموضوعية – في صورها الأكثر شيوعاً – الحقوق المدعي بها في نزاع يدور حول إثباتها أو نفيها عند وقوع عدوان عليها. ومن المقرر كذلك أن الدعوى الدستورية ينبغي أن تؤكد – بماهية الخصومة التي تتناولها – التعارض بين المصالح المثارة فيها, بما يعكس حدة التناقض بينها, ويبلور من خلال تصادمها ومجابهتها لبعض, حقيقة المسألة الدستورية التي تدعي المحكمة الدستورية العليا للفصل فيها. فكان لزاماً بالتالي أن يكون للخصم الذي أقامها، مصلحة واضحة في استخلاص الفائدة التي يتوقعها منها, باعتبارها الترضية القضائية التي يرد بها عن الحقوق التي يدعيها مضار فعلية أصابتها أو تهددها، من جراء إعمال النص التشريعي المطعون عليه, وترتيبه لآثار قانونية بالنسبة إليه. ومرد ذلك أن الحقوق الدستورية ليس لها قيمة مجردة في ذاتها, ولا يتصور أن تعمل في فراغ، وإنه أياً كان دورها أو وزنها أو أهميتها في بناء النظام القانوني للدولة ودعم حرياته المنظمة, فإن تقريرها تغيا دوماً توفير الحماية التي تقتضيها مواجهة الأضرار الناشئة عن الإخلال بها, يستوي في ذلك أن تكون هذه الحقوق من طبيعة موضوعية أو إجرائية. ومن ثم كان شرط المصلحة – وتندمج فيه الصفة – من الشروط الجوهرية التي لا تقبل الدعوى الدستورية في غيبتها, وهو بعد شرط تقرر بقانون المحكمة الدستورية العليا بما نص عليه في مادته الثامنة والعشرين من أنه "فيما عدا ما نص عليه في هذا الفصل, تسري على قرارات الإحالة والدعاوى والطلبات التي تقدم إلى المحكمة، الأحكام المقررة في قانون المرافعات المدنية والتجارية، بما لا يتعارض وطبيعة اختصاص المحكمة والأوضاع المقررة أمامها". متى كان ذلك, وكان نص المادة الثالثة من قانون المرافعات المدنية والتجارية، مؤداه ألا تقبل أية دعوى لا يكون لرافعها فيها مصلحة قائمة يقرها القانون, أو مصلحة محتملة بالشروط التي بينها, وكان قضاء المحكمة الدستورية العليا قد جرى على أن الدستور, أفرد هذه المحكمة بتنظيم خاص في الفصل الخامس من الباب الخامس الخاص بنظام الحكم, حين ناط بها في المادة 175، مباشرة الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح, وكذلك ولاية تفسير النصوص التشريعية, وذلك كله على الوجه المبين بالقانون, مستهدفاًَ بذلك أن يفوض المشرع في أن يحدد القواعد الموضوعية والإجرائية التي تباشر المحكمة الدستورية العليا – من خلالها وعلى ضوئها – الرقابة القضائية على دستورية النصوص التشريعية، وكان قانون هذه المحكمة قد نظم بالمادتين 27 و29 منه الطرائق التي لا تقبل الدعوى الدستورية إلا بولوجها, وكان البين من هاتين المادتين أن كلتيهما لا تخولان الأشخاص الاعتبارية أو الأشخاص الطبيعيين الطعن في النصوص التشريعية بالطريق المباشر, ذلك أن أولاهما: ترخص للمحكمة الدستورية العليا – حين يعرض لها بمناسبة ممارستها لاختصاصها – نص في قانون أو لائحة يتصل بالنزاع المطروح عليها – أن تحكم بعدم دستوريته بعد اتخاذ الإجراءات المقررة لتحضير الدعاوى الدستورية. وعملاً بثانيتهما: يجوز لمحكمة الموضوع أن تحيل إلى المحكمة الدستورية العليا من تلقاء، نصاً تشريعيَّاً لازماً للفصل في النزاع المعروض عليها, إذ تراءى لها مخالفته للدستور. ولها كذلك أن ترخص لخصم دفع أمامها بعدم دستورية نص تشريعي لازم للفصل في النزاع المطروح عليها. وقدرت جدية هذا الدفع، لا بإقامة دعواه الدستورية خلال أجل لا يجاوز ثلاثة أشهر. وبذلك يكون قانون المحكمة الدستورية العليا, قد استبعد بدلالة هاتين المادتين, الطعون المباشرة التي تقدم إليها من الأشخاص الطبيعيين أو الاعتباريين عن طريق الدعوى الأصلية التي لا تتصل المسألة الدستورية التي تطرحها بأية منازعة موضوعية, بل تستقل تماماً عنها, هادفة من وراء ذلك إلى إبطال النصوص التشريعية عليها إبطالاً مجرداً توجبه المصلحة النظرية الصرفة, وهي مصلحة لا يجوز الارتكان إليها لقبول الدعوى الدستورية التي يجب أن تتمثل محصلتها النهائية, في اجتناء منفعة يقرها القانون.
وحيث إنه متى كان ذلك، وكان استبعاد الدعوى الأصلية بعدم الدستورية, مؤداه أن شرط المصلحة في الدعوى الدستورية لا زال قائماً ومتطلباً لقبولها, وهو بعد شرط لا يناقض طبيعة الرقابة القضائية على الدستورية التي تحركها هذه الدعوى ولا يتعارض والأوضاع المقررة في شأنها أمام المحكمة الدستورية العليا, بل هو أكثر ما يكون التصاقاً بها, استصحاباً للصلة الحتمية التي تقوم بين الدعويين الموضوعية والدستورية, وقوامها أن يكون الحكم في المسألة الدستورية لازماً للفصل في مسألة كلية أو فرعية تدور حولها الخصومة بأكملها أو في شق منها في الدعوى الموضوعية, فإذا لم يكن قضاء المحكمة الدستورية العليا في شأن صحة أو بطلان النصوص المطعون عليها, بذي أثر على النزاع الموضوعي, انتفت المصلحة في الدعوى الدستورية، وهي مصلحة تتحراها المحكمة الدستورية العليا في سعيها للتثبت من توافر شروط قبول الدعاوى الدستورية المطروحة عليها, وليس لجهة أخرى أن تنازعها هذا الاختصاص، أو أن تحل محلها فيه.
وحيث إنه لا محل لقالة أن المحكمة الدستورية العليا لا ولاية لها في بحث شرط المصلحة, وإلا عد ذلك تعقيباً من جانبها على قرار محكمة الموضوع بتقدير جدية الدفع بعدم الدستورية, ذلك أن ولاية محكمة الموضوع تنحصر بالضرورة في المسائل التي ناطها المشرع بها, ولا تمتد إلى ما يدخل – بنص الدستور أو القانون – في ولاية جهة أخرى, وإلا كان ذلك عدواناً عليها, وليس من بين المهام التي اختص المشرع بها محكمة الموضوع الفصل في توافر الشروط التي تطلبها قانون المحكمة الدستورية العليا لاتصال الدعوى الدستورية بها، وفقاً للأوضاع المقررة أمامها. ذلك أن هذه الأوضاع – التي يتصل تطبيقها بالنظام العام – إنما تتناول التنظيم الإجرائي للخصومة التي تطرح عليها, وهي بذلك وثيقة الاتصال بشرائط قبولها, ومن بينها المصلحة في الدعوى الدستورية, ومناطها أن يكون الفصل في المسألة الدستورية لازماً للفصل في الطلب الموضوعي المرتبط بها. ولا كذلك تقدير محكمة الموضوع جديد الدفع بعدم الدستورية المثار أمامها, إذ تتعلق هذه الجدية بالشروط التي يتطلبها المشرع لانعقاد الخصومة القضائية, ولكنها تتصل بالدلائل التي تقوم معها شبهة قوية على مخالفة النص التشريعي المطعون عليه للدستور, وهي شبهة يجب أن تتحراها المحكمة الدستورية العليا لتقرير صحتها أو فسادها. كذلك فإن قضاء محكمة الموضوع وقف الدعوى الموضوعية، والإحالة إلى المحكمة الدستورية العليا أو الترخيص لمن أثار الدفع أمامها برفع دعواه الدستورية، لا يعد فصلاً من شرائط قبولها, بل هو إرجاء للفصل في النزاع الموضوعي، إلى أن تقول المحكمة الدستورية العليا كلمتها في المطاعن الموجهة إلى النص التشريعي المدعي مخالفته للدستور. وإذ تتربص محكمة الموضوع قضاء المحكمة الدستورية العليا على هذا النحو, فذلك لتباشر ولايتها بعد صدوره، بإعمال أثره على النزاع الموضوعي المعروض عليها.
وحيث إنه على مقتضى ما تقدم, لا يجوز قبول الدعوى الدستورية إلا بتوافر الشروط اللازمة لاتصالها بالمحكمة الدستورية العليا وفقاً للأوضاع المنصوص عليها في قانونها الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979، ويندرج تحتها شرط المصلحة التي حددتها المحكمة الدستورية العليا، بأنها المصلحة الشخصية المباشرة التي لا يكفي لتحققها أن يكون النص التشريعي المطعون عليه مخالفاً للدستور, بل يجب أن يكون هذا النص – بتطبيقه على المدعي – قد ألحق به ضرراً مباشراً، وكان قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن مفهوم المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – إنما يتحدد على ضوء عنصرين أوليين يحددان مضمونها, ولا يتداخل أحدهما مع الآخر أو يندمج فيه, وإن كان استقلالهما عن بعضهما البعض لا ينفي تكاملهما، وبدونهما مجتمعين لا يجوز لهذه المحكمة أن تباشر رقابتها على دستورية القوانين واللوائح: أولهما: أن يقيم المدعي – وفي حدود الصفة التي اختصم بها النص التشريعي المطعون عليه – الدليل على أن ضرراً واقعياً – اقتصادياً أو غيره – قد لحق به, ويتعين أن يكون هذا الضرر مباشراً، مستقلاً بعناصره، ممكناً إدراكه ومواجهته بالترضية القضائية, وليس ضرراً متوهماً أو نظرياً أو مجهلاً, بما مؤداه أن الرقابة على الدستورية، يجب أن تكون موطئاً لمواجهة أضرار واقعية بغية ردها وتصفية أثارها القانونية, ولا يتصور أن تقوم المصلحة الشخصية المباشرة إلا مرتبطة بدفعها. ثانيهما: أن يكون مرد الأمر في هذا الضرر إلى النص التشريعي المطعون عليه, فإذا لم يكن هذا النص قد طبق على المدعي أصلاً، أو كان من غير المخاطبين بأحكامه, أو كان قد أفاد من مزاياه, أو كان الإخلال بالحقوق التي يدعيها لا يعود إليه, فإن المصلحة الشخصية المباشرة تكون منتفية, ذلك إن إبطال النص التشريعي في هذه الصور جميعها لن يحقق للمدعي أية فائدة عملية يمكن أن يتغير بها مركزه القانوني بعد الفصل في الدعوى الدستورية, عما كان عليه عند رفعها. ومن ثم يكون زمام إعمال هذا الشرط بعنصريه – بيد المحكمة الدستورية العليا وحدها, وإليها دون غيرها، يعود أمر التحقق من توافره, وليس لجهة أخرى أن تفرض عليها مفهوماً معيناً لمضمونه.
وحيث إنه متى كان ذلك وكان المدعي قد أقام دعواه الموضوعية طالباً منع التعرض له ولأسرته, وكذلك لكل مواطن بتشريعات ضريبة المبيعات, والقرارات الصادرة تنفيذاً لها, أو ترتيباً عليها, وكان ما توخاه المدعي بدعواه هذه – محددة في ذلك الإطار – هو ألا تكون تلك التشريعات والقرارات الضريبية نافذة في حق المواطنين المخاطبين بها, توقياً لتحميلهم بضريبة تفتقر إلى مقوماتها الدستورية, فإن دعواه هذه تنحل إلى نزاع يتناول النصوص المطعون عليها في ذاتها بقصد إيقافها, دفعاً لإجراء مقتضاها في حق المشمولين بأحكامها, وليس لها بالتالي من صلة بأية حقوق موضوعية يدعيها رافعها, وتستقل في مضمونها عن مشروعية النصوص القانونية المدعي لمخالفتها للدستور, وهو ما يفيد بالضرورة الطعن في هذه النصوص بالطريق المباشر من خلال الدعوى الأصلية بعدم الدستورية، التي تتوخى الفصل بصفة مجردة، ولمصلحة نظرية, في دستورية نص تشريعي, ولا يجوز قبولها بالتالي لتعارضها وقانون المحكمة الدستورية العليا والأوضاع المقررة أمامها على ما سلف البيان. ولا ينال مما تقدم تعلق قواعد الدستور بالنظام العام, إذ لا يعني ذلك أكثر من توكيد الطبيعة الآمرة لهذه القواعد وسموها على ما عداها, وعدم جواز الاتفاق على مخالفتها، ولزوم تطبيقها ونفاذ أثرها في شأن النصوص القانونية المعمول بها عند صدورها. وليس ذلك كله إلا إعلاء لقواعد الدستور, وإقراراً بمرتبتها بين القواعد القانونية على اختلافها. غير أن الاحتجاج بقاعدة دستورية من خلال حق التقاضي، يفترض بالضرورة أن تكون الخصومة القضائية التي يتوسل بها المدعي إلى استنهاض القاعدة الدستورية الآمرة, وفرضها على المخاطبين بها, مستوفية لشرائط قبولها – وتندرج الصفة والمصلحة تحتها – إذ يتعين التمييز بقدر كبير من العناية, بين الآثار المتولدة عن سمو القاعدة الدستورية, وبين الشروط التي يتطلبها الدستور أو المشرع, أو كلاهما, لاتصال الدعوى بالهيئة القضائية التي تتولي الفصل فيها, إذ لا صلة لهذه الشروط "بطبيعة" القواعد القانونية التي يجوز التمسك بها أثناء نظرها, ولا تُقيل القاعدة القانونية التي يتم تطبيقها في النزاع شرط المصلحة أو تنحيه، بل إن إعمالها رهن بتوافره, وهو بعد شرط لا ينافي طبيعة الدعوى الدستورية, ولا يحول بمداه أو محتواه، دون مباشرة الرقابة القضائية على الدستورية التي لم يطلقها المشرع من الضوابط التي تنظمها، وإنما أحاطها بأوضاع محددة لا تقاوم الدعوى الدستورية إلا من خلالها, باعتبارها من مقوماتها, حتى ينتظم التداعي في المسائل الدستورية وفقاً لها, بما لا مخالفة فيه للدستور. ومن ثم يكون هذا الشرط مفترضاً أولياً لانعقاد الخصومة في المسائل الدستورية, ضماناً لاستبعاد الدعوى الأصلية بعدم الدستورية, التي لا يرتبط رفعها بأية مصلحة قائمة أو محتملة, بل تتمحض عن مجرد مصلحة نظرية. والقول بأن لكل مواطن صفة مفترضة في اختصام النصوص التشريعية المدعي مخالفتها للدستور, ومصلحة مفترضة في إهدارها، هو انتقال بالرقابة القضائية على الدستورية إلى مرحلة لم يبلغها بعد التطور الراهن لقانون المحكمة الدستورية العليا، ولا يشملها كذلك – وكأصل عام – التنظيم المقارن لأبعاد هذه الرقابة، بالنظر إلى دقتها, وخطورة المسائل التي تتناولها، الأمر الذي يجب معه الحكم بعدم قبول الدعوى.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى.


بذات الجلسة، قضت المحكمة بالمبدأ المشار إليه في الدعوى رقم 10 لسنة 13 قضائية دستورية.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات