الطعن رقم 93 لسنة 12 قضائية “دستورية” – جلسة 05 /03 /1994
المحكمة الدستورية العليا – الجزء السادس
من أول يوليو 1993 حتى آخر يونيو 1995 – صـ 213
جلسة 5 مارس سنة 1994
برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر – رئيس المحكمة، وحضور السادة المستشارين: محمد ولي الدين وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامي فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض وعدلي محمود منصور – أعضاء، وحضور السيد المستشار/ نجيب جمال الدين علما – المفوض، وحضور السيد/ رأفت محمد عبد الواحد – أمين السر.
(القاعدة رقم 20)
القضية رقم 93 لسنة 12 قضائية "دستورية"
1 – دعوى دستورية "تعلق طريق وميعاد رفعها بالنظام العام".
عدم جواز رفع الدعوى الدستورية التي أتاح المشرع للخصوم إقامتها, إلا بعد دفع بعدم
الدستورية تقدر محكمة الموضوع جديته, ولا تقبل إلا إذا رفعت في الميعاد الذي حددته
محكمة الموضوع, بما لا يجاوز ثلاثة أشهر, هذه الأوضاع الإجرائية من النظام العام.
2 – دعوى دستورية "أثر اتصالها بالمحكمة الدستورية العليا" "امتناع موالاة نظر الدعوى
الموضوعية فيما عدا أحوال بعينها".
متى أقيمت الدعوى الدستورية أمام المحكمة الدستورية العليا، فقد دخلت في حوزتها لتهيمن
عليها وحدها. امتناع موالاة محكمة الموضوع نظر الدعوى الموضوعية قبل الفصل في الدعوى
الدستورية, وذلك فيما عدا الأحوال التي تنتفي فيها المصلحة في الدعوى الدستورية، أو
التي يترك فيها الخصم دعواه الموضوعية، أو التي يتخلى فيها عن الدفع بعدم الدستورية
الذي كان قد أبداه, أو التي تنحي فيها محكمة الموضوع هذا الدفع إعمالاً من جانبها لقضاء
صادر من المحكمة الدستورية العليا بصحة أو بطلان ذات النص التشريعي المطعون عليه أمامها.
3 – دعوى دستورية "تأجيل الدعوى الموضوعية أو وقفها" "إنتاجهما أثراً واحداً: أساس
ذلك".
تأجيل الدعوى الموضوعية لا يختلف في مضمونه أو مرماه عن وقفها. وهما يتحدان معاً نتيجة
بذاتها, هي أن يكون الفصل في النزاع الموضوعي معلقاً وجوباً على قضاء المحكمة الدستورية
العليا، ومتراخياً بالضرورة إلى حين صدوره.
4 – دعوى دستورية "اتصالها بالدعوى الموضوعية من بعض الجوانب".
الدعوى الدستورية وإن كانت تستقل بموضوعها عن الدعوى الموضوعية, إلا أن هاتين الدعويين
لا تنفكان عن بعضهما من زاويتين: أولاهما: أن مناط المصلحة في الدعوى الدستورية ارتباطها
بالمصلحة في الدعوى الموضوعية, ثانيتهما: أن الفصل في الدعوى الموضوعية متوقف دوماً
على الفصل في الدعوى الدستورية.
5 – المحكمة الدستورية العليا "الفصل في النزاع الموضوعي قبل الفصل في الدعوى الدستورية"
"أثره: عدوان على ولايتها".
إذ جاز لمحكمة الموضوع في النزاع الموضوعي المعروض عليها قبل الفصل في الدعوى الدستورية
التي ارتبط بها هذا النزاع, لكان قضاؤها فيه دالاً على تطبيقها للنصوص التشريعية التي
ثارت لديها شبهة مخالفتها للدستور, وقبل أن تقرر المحكمة الدستورية العليا صحتها أو
بطلانها. وليس ذلك إلا عدواناً على ولايتها.
6 – دعوى دستورية "الصلة الحتمية بين الدعويين الدستورية والموضوعية" "مقتضاها".
مقتضى الصلة الحتمية بين الدعويين الدستورية والموضوعية، أن يكون النزاع الموضوعي قائماً
عند الفصل في الدعوى الدستورية، وإلا فقد الحكم الصادر فيها جدواه, وهو ما ينحدر بالرقابة
على الشرعية الدستورية إلى مرتبة الحقوق النظرية محدودة الأهمية, ويعطل سيادة الدستور.
7 – دستور "الرقابة القضائية على الشريعة الدستورية – هدفها" "أثر الفصل في الدعوى
الموضوعية قبل الفصل في الدعوى الدستورية" "الإخلال بحق التقاضي وإهدار مبدأ الخضوع
للقانون".
مظهر سيادة الدستور في مجال الرقابة القضائية على الدستورية, هو إهدار النصوص القانونية
المخالفة للدستور بما يحول دون تطبيقها على نزاع موضوعي, وتلك مهمة المحكمة الدستورية
العليا وحدها, ما يتوخاه الطاعن من إبطال النص التشريعي المطعون عليه هو إلغاء أثره
لكيلا يطبق في النزاع الموضوعي. حرمانه بسبب الفصل في الدعوى الموضوعية قبل الدعوى
الدستورية من الحصول على هذه الترضية القضائية بعد قيام موجبها, يعتبر إهداراً لحق
التقاضي, ويناقض خضوع السلطة القضائية بأفرعها المختلفة للقانون, والدستور في أعلى
مراتبه.
8 – دعوى دستورية "الحكم فيها – حجيته" – "بطلان مجلس الشعب لا يتنوع بتنوع المخالفة
الدستورية التي تؤدي إليه" "لا بطلان على بطلان".
قضاء المحكمة الدستورية العليا فيما فصل فيه, يحوز حجية مطلقة في مواجهة الكافة, وعلي
صعيد الدولة بكامل تنظيماتها. قضاء المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 45 لسنة
12 ق دستورية ببطلان تكوين مجلس الشعب منذ انتخابه, مؤداه عدم جواز إسباغ بطلان جديد
في شأن هذا المجلس, باعتبار أن البطلان لا يتنوع بتنوع المخالفة الدستورية التي تؤدي
إليه, ولا بطلان على بطلان.
9 – دعوى دستورية "إعمال محكمة الموضوع آثار حكم المحكمة الدستورية العليا: أثره".
عودة محكمة الموضوع بعد تقديرها لجدية الدفع بعدم الدستورية, إلى اعتبار هذا الدفع
لا محل له, إعمالاً من جانبها لقضاء صادر من المحكمة الدستورية العليا في الدعوى رقم
37 لسنة 9 ق دستورية, هو مما يدخل في ولايتها باعتبار أنها تختص دون غيرها بإعمال آثار
الأحكام التي أصدرتها هذه المحكمة في المسائل الدستورية على النزاع الموضوعي المطروح
عليها.
1 – رسم المشرع طريقاً محدداً لرفع الدعوى الدستورية التي أتاح للخصوم إقامتها, وربط
إقامتها، وربط بينه وبين الميعاد المحدد لرفعها, فدل بذلك على أنه اعتبر هذين الأمرين
من مقومات الدعوى الدستورية، فلا ترفع إلا بعد إبداء دفع بعدم الدستورية تقدر محكمة
الموضوع جديته, ولا تقبل إلا إذا رفعت خلال الأجل الذي ناط المشرع بمحكمة الموضوع تحديده،
بحيث لا يجاوز ثلاثة أشهر. وهذه الأوضاع الإجرائية – سواء ما اتصل منها بطريقة رفع
الدعوى أو بميعاد رفعها – تتعلق بالنظام العام، باعتبارها أشكالا جوهرية في التقاضي
تغيا بها المشرع مصلحة عامة، حتى ينتظم التداعي في المسائل الدستورية بالإجراءات التي
رسمها، وفي الموعد الذي حدده.
2 – الأصل إنه متى أقيمت الدعوى الدستورية أمام المحكمة الدستورية العليا, دخلت هذه
الدعوى في حوزتها, لتهيمن عليها وحدها, ولا يجوز بالتالي لأية محكمة أو هيئة ذات اختصاص
قضائي أن تنقض قرارها الصادر بإحالة مسألة دستورية إليها, أو أن تنحى الدفع الفرعي
المثار أمامها بعد تقديرها لجديته, بل يجب عليها أن تتربص قضاء المحكمة الدستورية العليا
في الدعوى الدستورية باعتباره فاصلاً في موضوعها، كاشفا عن صحة النصوص المطعون عليها
أو بطلانها، ملزما محكمة الموضوع بإعمال أثره في النزاع المعروض عليها، ذلك أن الدستور
عقد الفصل الخامس من بابه الرابع لبيان طبيعة المحكمة الدستورية العليا ونطاق ولايتها،
وكيفية تشكيلها، والشروط التي يتعين توافرها في أعضائها، وحقوقهم وحصانتهم، وقواعد
مساءلتهم تأديبيًا، وما يتصل كذلك بنشر أحكامها في الجريدة الرسمية، مقيما بذلك الركائز
اللازمة لضمان فاعلية دورها على أسس ثابتة. وإذ نص الدستور في المادة 175 منه على أن
تتولى المحكمة الدستورية العليا دون غيرها الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح
على النحو المبين في القانون، وكان قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون
رقم 48 لسنة 1979, قد أولاها دون غيرها الاختصاص بمباشرة هذه الرقابة في الأحوال وبالشروط
التي فصلها في المادتين 27, 29 منه، وكان الدستور وقانون المحكمة الدستورية العليا
كلاهما، قد توخيا بذلك أن يكون أمر هذه الرقابة منعقداً لمحكمة بيدها وحدها زمام إعمالها,
لتصوغ لنفسها معاييرها ومناهجها، فقد أضحى ممتنعاً – وفيما عدا الأحوال التي تنتفي
فيها المصلحة في الدعوى الدستورية، أو التي ينزل فيها الخصم عن دعواه الموضوعية من
خلال ترك الخصومة وفقًا للقواعد المنصوص عليها في قانون المرافعات المدنية والتجارية،
أو التي يتخلى فيها خصم عن دفع بعدم الدستورية كان قد أبداه، أو التي تنحى فيها محكمة
الموضوع دفعا فرعياً بعد تقديرها لجديته، إعمالا من جانبها لقضاء صادر عن المحكمة الدستورية
العليا بصحة أو بطلان النص التشريعي الذي كان مطعوناً عليه أمامها في النزاع الموضوعي
المعروض عليها, وهو ما يدخل في اختصاصها – موالاة نظر الدعوى الموضوعية قبل أن تفرض
المحكمة الدستورية العليا – من خلال رقابتها على دستورية النصوص المطعون عليها – القاعدة
القانونية التي يجب تطبيقها وفقًا للدستور على النزاع الموضوعي. ومن ثم يكون اتصال
الدعوى الدستورية بالمحكمة الدستورية العليا وفقًا للأوضاع المنصوص عليها في قانونها،
حائلاً بالضرورة دون الفصل في الدعوى الموضوعية، ومانعًا بذاته من متابعتها، إلى أن
تصدر المحكمة الدستورية العليا حكمها في المسألة الدستورية، وهو ما يفيد لزوماً تعليق
الفصل في أولاهما على ثانيتهما.
3 – قانون المحكمة الدستورية العليا, وإن نص في البند (ب) من المادة 29, على أنه إذا
قدرت محكمة الموضوع جدية الدفع المثار أمامها بعدم دستورية نص تشريعي, أجلت نظر الدعوى,
وحددت لمن أثار الدفع ميعادًا لا يجاوز ثلاثة أشهر لرفع الدعوى بذلك أمام المحكمة الدستورية
العليا، وكان البند ( أ ) من المادة 29 من هذا القانون قد ختم على المحاكم أو الهيئات
ذات الاختصاص القضائي – كل في نطاق الدعوى الموضوعية التي تنظرها – أن تقرر وقفها وإحالة
أوراقها مباشرة إلى المحكمة الدستورية العليا بغير رسوم وذلك إذا تراءى لها عدم دستورية
نص تشريعي لازم للفصل فيها، إلا أن تأجيل الدعوى الموضوعية في الحالة الأولى لا يختلف
– في مضمونه أو مرماه – عن وقفها في الحالة الثانية، ذلك أن تأجيل الدعوى في حالة الدفع
الفرعي غايته أن تستوثق المحكمة أو الهيئة ذات الاختصاص القضائي من أن الخصم الذي أثار
هذا الدفع أمامها، قد أقام دعواه الدستورية في الميعاد المحدد لها، وليمتنع عليها بعدئذ
الفصل في النزاع الموضوعي, وهو اعتبار منتف بصدد الإحالة المباشرة المنصوص عليها في
البند ( أ ) من المادة 29 المشار إليها، تأسيسًا على أن المحكمة أو الهيئة ذات الاختصاص
القضائي التي توافرت لديها شبهه مخالفة نص تشريعي للدستور، هي التي تحيل – من تلقاء
نفسها – هذا النص إلى المحكمة الدستورية العليا لتجلية أمره. ولا يتصور بعدئذ إلا أن
تقرر وقف الدعوى المنظورة أمامها كأثر ترتب وجوبًا على إحالتها لأوراقها إلى المحكمة
الدستورية العليا. مما مؤداه أن تأجيل الدعوى الموضوعية وكذلك وقفها يتحدان معاً فى
نتيجة بذاتها، هي أن يكون الفصل في النزاع الموضوعي معلقاً وجوباً على قضاء المحكمة
الدستورية العليا, ومتراخياً، بالضرورة إلى حين صدوره.
4, 5 – الدعوى الدستورية وإن كانت تستقل بموضوعها عن الدعوى الموضوعية، باعتبار أن
أولاهما تتوخى الفصل في التعارض المدعى به بين نص تشريعي، وقاعدة في الدستور، في حين
تطرح ثانيهما – في صورها الأغلب وقوعاً – الحقوق المدعى بها في نزاع موضوعي يدور حول
إثباتها أو نفيها، إلا أن هاتين الدعويين لا تنفكان عن بعضهما من زاويتين: أولاهما:
أن المصلحة في الدعوى الدستورية – وهي شرط لقبولها – مناطها ارتباطها بالمصلحة في الدعوى
الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم في المسألة الدستورية مؤثرًا في الطلب الموضوعي المرتبط
بها، ثانيتهما: أن الفصل في الدعوى الموضوعية متوقف دومًا عن الفصل في الدعوى الدستورية.
ولا يعدو استباق الفصل في الدعوى الموضوعية، أن يكون هدمًا للصلة الحتمية والعضوية
بينها وبين الدعوى الدستورية، ذلك أن قانون المحكمة الدستورية العليا خول المحاكم والهيئات
ذات الاختصاص القضائي السلطة الكاملة التي تقد بها "ابتداء" الدلائل على جدية المطاعن
الدستورية الموجهة إلى النصوص التشريعية، فإذا جاز لها "انتهاء" أن تفصل النزاع الموضوعي
المعروض عليها قبل الفصل في الدعوى الدستورية التي ارتبط بها هذا النزاع, لكان قضاؤها
فيه, دالاً على تطبيقها – للنصوص التشريعية التي ثارت لديها شبهة مخالفتها للدستور,
والتي لا تزال المطاعن الموجهة إليها منظورة أمام المحكمة الدستورية العليا لتقرير
صحتها أو بطلانها. وليس ذلك إلا عدواناً على ولايتها متضمناً تسليطاً لقضاء أدنى على
أحكام المحكمة الدستورية العليا التي تتصدر التنظيم القضائي في جمهورية مصر العربية.
6, 7 – ما قررته المحكمة الدستورية العليا من صلة حتمية بين الدعويين الدستورية والموضوعية,
لازمها أن يكون قضاؤها في أولاهما مؤثراً في النزاع الموضوعي المرتبط بها, ومقتضاها
أن يكون هذا النزاع قائماً عند الفصل في الدعوى الدستورية, وإلا فقد الحكم الصادر فيها
جدواه, بعد أن لم يعد ثمة موضوع يمكن إنزال قضاء المحكمة الدستورية العليا عليه. وهو
ما ينحدر بالرقابة على الشرعية الدستورية إلى مرتبة الحقوق النظرية محدودة الأهمية
التي لا ترتجي منها فائدة عملية, ويعطل سيادة الدستور باعتباره موئل الحياة الدستورية
وقاعدة بنيانها, مهيمنا على حقوق المواطنين وحرياتهم, كافلاً لها، ذلك أن مظهر هذه
السيادة في مجال الرقابة القضائية على الدستورية، هو إهدار النصوص القانونية المخالفة
للدستور بما يحول دون تطبيقها في نزاع موضوعي, وتلك مهمة لا تقوم بها إلا المحكمة الدستورية
العليا, إذ هي التي خولها الدستور والمشرع كلاهما اختصاص تجريد النصوص القانونية التي
تخل بأحكامه من قوة نفاذها. وإذ كان الطعن بعدم الدستورية يدور حول حقوق وأوضاع سابقة
على الفصل في الدعوى الدستورية, وكان ما يتوخاه الطاعن من إبطال النص التشريعي المطعون
عليه, هو إلغاء آثاره كيلا يطبق في النزاع الموضوعي, فإن حرمان الطاعن – وبسبب الفصل
في الدعوى الموضوعية قبل الدعوى الدستورية – من الحصول على هذه الترضية القضائية –
بعد قيام موجبها – يعتبر إهداراً للغاية النهائية لحق التقاضي الذي حرص الدستور في
المادة 86 منه على ضمانه للناس كافة, وسلكه في إطار الحقوق العامة, ويناقض كذلك خضوع
السلطة القضائية بأفرعها المختلفة للقانون – والدستور في أعلى مراقيه – مسقطاً دورها
في حماية الحقوق والحريات العامة التي نص الدستور في مادته الخامسة والستين, على أن
حصانة القضاء واستقلاله، ضمانان أساسيان لصونها.
8 – إذ خلص قضاء المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 45 لسنة 12 قضائية "دستورية"
وهو يحوز حجية مطلقة فيما فصل فيه – إلى أن النظام الانتخابي الذي تضمنته المادة 5
من القانون رقم 32 لسنة 1972 في شأن مجلس الشعب المعدل بالقانون رقم 188 لسنة 1986،
قد أخل بحق المستقلين في الترشيح على قدم المساواة, وعلى أساس من تكافؤ الفرص مع باقي
المرشحين من المنتمين إلى الأحزاب السياسية, إخلالاً أدى إلى التميز بين هاتين الفئتين
في المعاملة القانونية، وفي الفرص المتاحة للفوز بالعضوية, وآل بالتالي إلى بطلان تكوين
مجلس الشعب منذ انتخابه, ودون أن يستتبع هذا البطلان إسقاط ما أقره هذا المجلس من قوانين,
أو يمس الإجراءات التي أتخذها حتى تاريخ نشر ذلك الحكم في الجريدة الرسمية, وكان ما
تقدم يعني أن مجلس الشعب – الذي سن النصوص المطعون عليها – لم يعد قائماً, وإن إسباغ
بطلان جديد في شأن هذا المجلس, لا يجوز دستورياً، ذلك أن البطلان لا يتنوع بتنوع المخالفة
الدستورية التي تؤدي إليه, ولا يتعدد – من ثم – بتعدد روافده، أو بتمايز أوجهه فيما
بينها, بل تتحدد جميعها في كونها مفضية إلى بطلان من نوع واحد سواء في طبيعته أو درجته
أو مداه, بما مؤداه امتناع تقرير بطلان على بطلان.
9 – مضي محكمة الموضوع في نظر الجناية موضوع الاتهام، وإدانة المتهم عن ارتكابها, ومعاقبته
بمقتضى أحكام القانون رقم 122 لسنة 1989 بتعديل بعض أحكام القرار بقانون رقم 182 لسنة
1960 في شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها, باعتباره تشريعاً نافذاً
لا يبطل ببطلان تكوين المجلس النيابي الذي أقره. ولا عوار فيه بالتالي من الناحية الشكلية
التي اقتصر عليها الدفع بعدم الدستورية الذي كان قد أثير أمامها, فإن ذلك منها لا يعدو
أن يكون إعمالاً من جانبها للآثار المترتبة على قضاء المحكمة الدستورية العليا في القضية
رقم 37 لسنة 9 قضائية "دستورية" الآنف بيانها, وهو ما يدخل في ولايتها, باعتبار أنها
تختص دون غيرها بإعمال آثار الأحكام التي أصدرتها المحكمة الدستورية العليا في المسائل
الدستورية، في شأن النزاع الموضوعي المطروح عليها.
الإجراءات
بتاريخ 21 نوفمبر سنة 1990 أودع المدعي قلم كتاب المحكمة صحيفة
الدعوى الماثلة طالباً الحكم بعدم دستورية القانون رقم 122 لسنة 1989 بتعديل بعض أحكام
القرار بقانون رقم 182 لسنة 1960 في شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار
فيها.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى, أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى، على الوجه المبين بمحضر الجلسة, وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة
اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق, والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن النيابة
العامة اتهمت المدعي بأنه في يوم 18 يناير سنة 1990 بدائرة قسم العامرية محافظة الإسكندرية:
أحرز بقصد الاتجار جوهراً مخدراً "حشيشا" في غير الأحوال المصرح بها قانوناً أحرز بغير قصد الاتجار أو التعاطي أو الاستعمال الشخصي جوهراً مخدراً "أفيوناً" في
غير الأحوال المصرح بها قانوناً, فضلاً عن إحرازه سلاحاً أبيض (مطواة قرن غزال) بغير
ترخيص من الجهة الإدارية المختصة, وأحالته إلى المحاكمة الجنائية في القضية رقم 11
لسنة 1990 جنايات مخدرات العامرية, طالبة معاقبته – فيما يتعلق بإحراز المخدرات بمقتضى
المواد 1, 2, 7/ 1, 34/ 1 – أ، 38/ 1، 42/ 1 من القرار بقانون رقم 182 لسنة 1660 في
شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها المعدل بالقانون رقم 122 لسنة
1989 والبندين رقمي 9 و57 من القسم الثاني من الجدول رقم الملحق بالقرار بقانون
المشار إليه. وبجلسة 9 أكتوبر سنة 1990 دفع الحاضر عن المتهم بعدم دستورية القانون
رقم 122 لسنة 1989، فقدرت محكمة جنايات الإسكندرية جدية هذا الدفع, وصرحت له باتخاذ
إجراءات الطعن بعدم دستوريته, فأقام الدعوى الماثلة. وبالجلسة التالية المنعقدة في
22 نوفمبر سنة 1990 قدم لمحكمة الموضوع ما يفيد إقامته الدعوى الدستورية, إلا أنها
أمرت بضم الدفع إلى الموضوع وأجلت نظر الدعوى الموضوعية إلى جلسة 22 ديسمبر سنة 1990
وبها أصدرت حكمها قاضياً بمعاقبة المتهم بالأشغال الشاقة لمدة خمس سنوات, وتغريمه خمسين
ألف جنيه ومصادرة المضبوطات عدا النقود, معتبرة أن إحرازه للجوهرين المخدرين المشار
إليهما "الحشيش والأفيون" كان بغير قصد الاتجار أو التعاطي أو الاستعمال الشخصي, مقيمة
إدانته – فيما يتعلق بالجواهر المخدرة – على مقتضى المواد 1, 2؛ 38, 42 من القرار بقانون
رقم 182 لسنة 1960 المعدل بالقانون رقم 122 لسنة 1989 مشيرة في حكمها إلى أن ما قام
عليه الدفع بعدم الدستورية الذي ساقه الحاضر مع المتهم من بطلان أحكام القانون رقم
122 لسنة 1989، لا محل له، بعد صدور حكم المحكمة الدستورية العليا في الدعوى رقم 37
لسنة 9 قضائية "دستورية" الذي قضى بأن بطلان تكوين المجلس النيابي لا يستتبع إسقاط
ما أقره هذا المجلس من قوانين وقرارات وما أتخذه من إجراءات خلال الفترة السابقة على
نشر هذا الحكم في الجريدة الرسمية, بل تظل تلك القوانين والقرارات والإجراءات على أصلها
من الصحة وتبقى نافذة.
وحيث إن المشرع رسم طريقاً محدداً لرفع الدعوى الدستورية التي أتاح للخصوم إقامتها,
وربط بينه وبين الميعاد المحدد لرفعها, فدل بذلك على أنه اعتبر هذين الأمرين من مقومات
الدعوى الدستورية، فلا ترفع إلا بعد إبداء دفع بعدم الدستورية تقدر محكمة الموضوع جديته,
ولا تقبل إلا إذا رفعت خلال الأجل الذي ناط المشرع بمحكمة الموضوع تحديده بحيث لا يجاوز
ثلاثة أشهر. وهذه الأوضاع الإجرائية – سواء ما اتصل منها بطريقة رفع الدعوى أو بميعاد
رفعها – تتعلق بالنظام العام، باعتبارها أشكالا جوهرية في التقاضي تغيا بها المشرع
مصلحة عامة حتى ينتظم التداعي في المسائل الدستورية بالإجراءات التي رسمها، وفي الموعد
الذي حدده.
وحيث إن الأصل, إنه متى أقيمت الدعوى الدستورية أمام المحكمة الدستورية العليا, دخلت
هذه الدعوى في حوزتها, لتهيمن عليها وحدها. ولا يجوز بالتالي لأية محكمة أو هيئة ذات
اختصاص قضائي أن تنقض قرارها الصادر بإحالة مسألة دستورية إليها, أو أن تنحى الدفع
الفرعي المثار أمامها بعد تقديرها لجديته, بل يجب عليها أن تتربص قضاء المحكمة الدستورية
العليا في الدعوى الدستورية باعتباره فاصلاً في موضوعها، كاشفاً عن صحة النصوص المطعون
عليها أو بطلانها، ملزماً محكمة الموضوع بإعمال أثره في النزاع المعروض عليها، ذلك
أن الدستور عقد الفصل الخامس من بابه الرابع لبيان طبيعة المحكمة الدستورية العليا
ونطاق ولايتها، وكيفية تشكيلها، والشروط التي يتعين توافرها في أعضائها وحقوقهم وحصانتهم
وقواعد مساءلتهم تأديبياً، وما يتصل كذلك بنشر أحكامها في الجريدة الرسمية، مقيماً
– بذلك – الركائز اللازمة لضمان فاعلية دورها على أسس ثابتة. وإذ نص الدستور في المادة
175 منه على أن تتولى المحكمة الدستورية العليا دون غيرها الرقابة القضائية على دستورية
القوانين واللوائح على النحو المبين في القانون، وكان قانون المحكمة الدستورية العليا
الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979 قد أولاها دون غيرها الاختصاص بمباشرة هذه الرقابة
في الأحوال وبالشروط التي فصلها في المادتين 27, 29 منه، وكان الدستور وقانون المحكمة
كلاهما قد توخيا بذلك أن يكون أمر هذه الرقابة منعقداً لمحكمة بيدها وحدها زمام إعمالها
لتصوغ لنفسها معاييرها ومناهجها، فقد أضحى ممتنعاً – وفيما عدا الأحوال التي تنتفي
فيها المصلحة في الدعوى الدستورية، أو التي ينزل فيها الخصم عن دعواه الموضوعية من
خلال ترك الخصومة وفقًا للقواعد المنصوص عليها في قانون المرافعات المدنية والتجارية،
أو التي يتخلى فيها خصم عن دفع بعدم الدستورية كان قد أبداه، أو التي تنحي فيها محكمة
الموضوع دفعاً فرعياً بعد تقديرها لجديته، إعمالا من جانبها لقضاء صادر عن المحكمة
الدستورية العليا بصحة أو بطلان النص التشريعي الذي كان مطعوناً عليه أمامها في النزاع
الموضوعي المعروض عليها, وهو ما يدخل في اختصاصها – موالاة نظر الدعوى الموضوعية قبل
أن تتدخل المحكمة الدستورية العليا لتحديد القاعدة القانونية التي يجب تطبيقها وفقًا
للدستور على النزاع الموضوعي. ومن ثم يكون اتصال الدعوى الدستورية بالمحكمة الدستورية
العليا وفقًا للأوضاع المنصوص عليها في قانونها، حائلاً بالضرورة دون الفصل في الدعوى
الموضوعية، ومانعًا بذاته من متابعتها، إلى أن تصدر المحكمة الدستورية العليا حكمها
في المسألة الدستورية، وهو ما يفيد لزوماً تعليق الفصل في أولاهما على ثانيتهما.
وحيث إن قانون المحكمة الدستورية العليا وإن نص في البند (ب) من المادة 29 منه على
أنه إذا قدرت محكمة الموضوع جدية الدفع المثار أمامها بعدم دستورية نص تشريعي, أجلت
نظر الدعوى وحددت لمن أثار الدفع ميعادًا لا يجاوز ثلاثة أشهر لرفع الدعوى بذلك أمام
المحكمة الدستورية العليا، وكان البند ( أ ) من المادة 29 من هذا القانون قد حتم على
المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي – كل في نطاق الدعوى الموضوعية التي تنظرها
– أن تقرر وقفها وإحالة أوراقها مباشرة إلى المحكمة الدستورية العليا بغير رسوم وذلك
إذا تراءى لها عدم دستورية نص تشريعي لازم للفصل فيها، إلا أن تأجيل الدعوى الموضوعية
في الحالة الأولى لا يختلف – في مضمونه أو مرماه – عن وقفها في الحالة الثانية، ذلك
أن تأجيل الدعوى في حالة الدفع الفرعي غايته أن تستوثق المحكمة أو الهيئة ذات الاختصاص
القضائي من أن الخصم الذي أثار هذا الدفع أمامها، قد أقام دعواه الدستورية في الميعاد
المحدد لها، وليمتنع عليها بعدئذ الفصل في النزاع الموضوعي, وهو اعتبار منتف بصدد الإحالة
المباشرة المنصوص عليها في البند ( أ ) من المادة 29 المشار إليها، ذلك أن المحكمة
أو الهيئة ذات الاختصاص القضائي التي توافرت لديها شبهه مخالفة نص تشريعي للدستور،
هي التي تحيل – من تلقاء نفسها – هذا النص إلى المحكمة الدستورية العليا لتجلية أمره،
ولا يتصور بعدئذ إلا أن تقرر وقف الدعوى المنظورة أمامها كأثر ترتب وجوبًا على إحالتها
لأوراقها إلى المحكمة الدستورية العليا، مما مؤداه أن تأجيل الدعوى الموضوعية وكذلك
وقفها يتحدان معاً فى نتيجة بذاتها، هي أن يكون الفصل في النزاع الموضوعي معلقاً وجوباً
على قضاء المحكمة الدستورية العليا, ومتراخياً، بالضرورة إلى حين صدوره.
وحيث إن الدعوى الدستورية وإن كانت تستقل بموضوعها عن الدعوى الموضوعية، باعتبار أن
أولاهما تتوخى الفصل في التعارض المدعى به بين نص تشريعي، وقاعدة في الدستور، في حين
تطرح ثانيتهما – في صورها الأغلب وقوعاً – الحقوق المدعى بها في نزاع موضوعي يدور حول
إثباتها أو نفيها، إلا أن هاتين الدعويين لا تنفكان عن بعضهما من زاويتين: أولاهما:
أن المصلحة في الدعوى الدستورية – وهي شرط لقبولها – مناطها ارتباطها بالمصلحة في الدعوى
الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم في المسألة الدستورية مؤثرًا في الطلب الموضوعي المرتبط
بها، ثانيتهما: أن الفصل في الدعوى الموضوعية متوقف دومًا على الفصل في الدعوى الدستورية.
ولا يعدو استباق الفصل في الدعوى الموضوعية، أن يكون هدمًا للصلة الحتمية والعضوية
بينها وبين الدعوى الدستورية، ذلك أن قانون المحكمة الدستورية العليا، خوّل المحاكم
والهيئات ذات الاختصاص القضائي السلطة الكاملة التي تقد بها "ابتداء" الدلائل على جدية
المطاعن الدستورية الموجهة إلى النصوص التشريعية، فإذا جازا لها "انتهاء" أن تفصل النزاع
الموضوعي المعروض عليها قبل الفصل في الدعوى الدستورية التي ارتبط بها هذا النزاع,
لكان قضاؤها فيه, دالاً على تطبيقها – في النزاع المعروض عليها – للنصوص التشريعية
التي ثارت لديها شبهة مخالفتها للدستور, والتي لا تزال المطاعن الموجهة إليها منظورة
أمام المحكمة الدستورية العليا لتقرير صحتها أو بطلانها, وليس ذلك إلا عدواناً على
ولايتها متضمناً تسليطاً لقضاء أدنى على أحكام المحكمة الدستورية العليا التي تتصدر
التنظيم القضائي في جمهورية مصر العربية.
وحيث إن ما قررته المحكمة الدستورية العليا من صلة حتمية بين الدعويين الدستورية والموضوعية,
لازمها أن يكون قضاؤها في أولاهما مؤثراً في النزاع الموضوعي المرتبط بها, ومقتضاها
أن يكون هذا النزاع قائماً عند الفصل في الدعوى الدستورية, وإلا فقد الحكم الصادر فيها
جدواه, بعد أن لم يعد ثمة موضوع يمكن إنزال قضاء المحكمة الدستورية العليا عليه, وهو
ما ينحدر بالرقابة على الشرعية الدستورية إلى مرتبة الحقوق النظرية محدودة الأهمية
التي لا ترتجي منها فائدة عملية, ويعطل سيادة الدستور باعتباره موئل الحياة الدستورية
وقاعدة بنيانها, مهيمناً على حقوق المواطنين وحرياتهم, كافلاً لها، ذلك أن مظهر هذه
السيادة في مجال الرقابة القضائية على الدستورية، هو إهدار النصوص القانونية المخالفة
للدستور بما يحول دون تطبيقها في نزاع موضوعي, وتلك مهمة لا تقوم بها إلا المحكمة الدستورية
العليا, إذ هي التي خولها الدستور والمشرع كلاهما اختصاص تجريد النصوص القانونية التي
تخل بأحكامه من قوة نفاذها. وإذ كان الطعن بعدم الدستورية يدور حول حقوق وأوضاع سابقة
على الفصل في الدعوى الدستورية, وكان ما يتوخاه الطاعن من إبطال النص التشريعي المطعون
عليه, هو إلغاء آثاره كيلا يطبق في النزاع الموضوعي, فإن حرمان الطاعن – وبسبب الفصل
في الدعوى الموضوعية قبل الدعوى الدستورية – من الحصول على هذه الترضية القضائية –
بعد قيام موجبها – يعتبر إهداراً للغاية النهائية لحق التقاضي الذي حرص الدستور في
المادة 86 منه على ضمانه للناس كافة, وسلكه في إطار الحقوق العامة. ويناقض كذلك خضوع
السلطة القضائية بأفرعها المختلفة للقانون – والدستور في أعلى مراقيه – مسقطاً دورها
في حماية الحقوق والحريات العامة التي نص الدستور في مادته الخامسة والستين على أن
حصانة القضاء واستقلاله ضمانان أساسيان لصونها.
وحيث إن مصلحة المدعي في الدعوى الدستورية الماثلة لا تمتد إلى الأحكام التي انتظمها
القانون رقم 122 لسنة 1989 المشار إليه بأكملها, ولكنها تنصرف إلى مواده ذات العلاقة
بالجريمة التي نسبتها النيابة العامة إليه, والتي أدين بسبب ارتكابه لها. ومن ثم لا
يتناول الطعن الذي تدعي المحكمة الدستورية العليا للفصل فيه غير نص الفقرة الأولى من
المادة 38 من القرار بقانون رقم 182 لسنة 1960 بعد تعديلهما بالقانون رقم 122 لسنة
1989 في مجال تطبيق العقوبة التي فرضها على إحراز الجواهر المخدرة بغير قصد التعاطي
أو الاتجار أو الاستعمال الشخصي في غير الأحوال المصرح بها قانوناً، وكذلك نص الفقرة
الأولى من المادة 42 من القرار بقانون المشار إليه معدلة بالقانون رقم 122 لسنة 1989
والبندين 9, 57 من القسم الثاني من الجدول رقم الملحق بالقرار بقانون سالف الذكر
والمعدل بالقانون 122 لسنة 1989.
وحيث إن الفقرة الأولى من المادة 38 المشار إليها تنص على أنه "مع عدم الإخلال بأية
عقوبة أشد ينص عليها القانون, يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة وبغرامة لا تقل عن خمسين
ألف جنيه ولا تجاوز مائتي ألف جنيه كل من….. أحرز…… جواهر مخدرة…… وكان بغير
قصد الاتجار أو التعاطي أو الاستعمال الشخصي, وفي غير الأحوال المصرح بها قانوناً.
وحيث إن المدعي ينعى على هذه الفقرة بطلانها من الناحية الشكلية بمقولة: إن القانون
رقم 122 لسنة 1989 الذي تضمنها صدر معدلاً للقرار بقانون 182 لسنة 1860 الذي لم يعرض
على مجلس الأمة فور انعقاده لإقرار أو الاعتراض عليه بالمخالفة لنص المادة 53 من الدستور
المؤقت الصادر سنة 1958، وكانت المحكمة الدستورية العليا قد واجهت هذا النعي ذاته بحكمها
الصادر في القضية المقيدة بجدولها برقم 45 لسنة 12 قضائية "دستورية" والذي انتهت فيه
إلى أن النصوص الجديدة التي أحلها القانون رقم 122 لسنة 1989 المشار إليه – ومن بينها
الفقرة الأولى من المادة 38 السالفة الذكر – محل النصوص التي كانت تقابلها في القرار
بقانون رقم 182 لسنة 1960، كتنظيم جديد لموضوعها, وهي التي جرى تطبيقها – واعتباراً
من تاريخ العمل بها – في شأن الجريمة التي أدين المدعي بارتكابها, ومن ثم تكون النصوص
البديلة ملغية ضمناً لما كان يقابلها من أحكام في التشريع السابق عليها وتقوم بالتالي
مستقلة عنها, وإن لازم ذلك أن ما يكون قد شاب النصوص الملغاة من عوار شكلي إنما يظل
مقصوراً عليها, ولا يمتد إلى الأحكام التي تضمنها القانون رقم 122 لسنة 1989 الذي حل
محلها, وذلك أياً كان وجه الرأي في شأن الآثار التي رتبها دستور سنة 1958 على عدم عرض
التشريعات التي يصدرها رئيس الجمهورية وفقاً لنص المادة 53 منه على مجلس الأمة، متى
كان ذلك، وكان قضاء المحكمة الدستورية العليا – فيما فصل فيه على النحو المتقدم – يحوز
حجية مطلقة سواء في مواجهة الكافة أو على صعيد الدولة بكامل تنظيماتها, وكان صدور حكم
سابق في شأن عين المسألة الدستورية التي يطرحها المدعي على المحكمة الدستورية العليا
من خلال دعواه الدستورية مؤداه انتقاء مصلحته فيها, وجب الحكم بعدم قبول المطاعن الشكلية
التي نسبها المدعي إلى نص الفقرة الأولى من المادة 38 سالفة البيان.
وحيث إن المدعي ينعى على النصوص التشريعية التي توافرت مصلحته في الطعن عليها – ومن
بينها نص الفقرة الأولى من المادة 38 المشار إليها – بطلانها شكلاً من وجه آخر بمقولة:
إن مجلس الشعب الذي أقرها باطل في تكوينه بطلاناً ينحدر به إلى العدم، وذلك ترتيباً
على عدم تنفيذ الأحكام التي أصدرتها جهة القضاء الإداري المتضمنة فوز المحكوم لصالحهم
بعضوية هذا المجلس النيابي, ليفقد المجلس بذلك ولايته التشريعية التي افترض الدستور
لجواز ممارستها أن تكون عضوية أعضاء المجلس ثابتة وفقاً لأحكامه, ومن ثم تكون النصوص
المطعون عليها مخالفة للمواد 86, 87, 88, 107 من الدستور.
وحيث قضاء المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 45 لسنة 12 قضائية "دستورية" قد
خلص إلى أن الأصل في حقي الانتخاب والترشيح, أن القيود التي يفرضها المشرع على أيهما
إنما تنعكس على الآخر وتؤثر في مداه, وقد كفلهما الدستور لضمان أن تكون المجالس النيابية
ممثلة لإرادة هيئة الناخبين تمثيلا منصفاً وفعالاً, ومن ثم يكون الحق في هذا التمثيل
بشرائطه التي نص عليها الدستور, عاصماً من تكوين المجالس النيابية بالمخالفة لأحكامه,
فإذا وقع إخلال بهذا الحق آل ذلك إلى بطلان تكوينها, وهو ما قررته هذه المحكمة بحكمها
في القضية رقم 37 لسنة 9 قضائية "دستورية" وذلك بتوكيدها أن هذين الحقين متكاملين لا
تقوم الحياة النيابية بدون أيهما, ولا تتحقق للسيادة الشعبية أبعادها الكاملة إذا هما
أفرغا من المضمون الذي يكفل ممارستهما ممارسة جدية فعالة, وإنهما بوصفهما هذا لازمان
لإعمال الديمقراطية في محتواها المقرر دستورياً، ولضمان أن تكون المجالس النيابية كاشفة
في حقيقتها عن الإرادة الشعبية ومعبرة عنها تعبيراً صادقاً.
وحيث إن هذه المحكمة – انطلاقاً من الأبعاد التي حددتها لهذين الحقين – قد – انتهت
في الدعوى المشار إليها. إلى أن النظام الانتخابي الذي تضمنته المادة 5 من القانون
رقم 22 لسنة 1972 في شأن مجلس الشعب المعدل بالقانون رقم 188 لسنة 1986، قد أخل بحق
المستقلين في الترشيح على قدم المساواة وعلى أساس من تكافؤ الفرص مع باقي المرشحين
من المنتمين إلى الأحزاب السياسية، إخلالاً أدى إلى التمييز بين هاتين الفئتين في المعاملة
القانونية وفي الفرص المتاحة للفوز بالعضوية، وآل بالتالي إلى بطلان مجلس الشعب منذ
انتخابه، إلا أن هذا البطلان لا يستتبع إسقاط ما أقره هذا المجلس من قوانين ولا يمس
الإجراءات التي اتخذها حتى تاريخ نشر هذا الحكم في الجريدة الرسمية.
وحيث إن ما تقدم يعني أن مجلس الشعب – الذي سن النصوص المطعون عليها – لم يعد قائماً,
ويحول دون إسباغ بطلان جديد عليه, باعتبار أن البطلان لا يتنوع بتنوع المخالفة الدستورية
التي تؤدي إليه, ولا يتعدد – من ثم – بتعدد روافده أو تتمايز أوجهه فيما بينها, بل
تتحد جميعاً في كونها مفضية إلى بطلان من نوع واحد سواء في طبيعته أو درجته أو مداه,
ولا يجوز بالتالي تقرير بطلان على بطلان.
وحيث إن المتهم في القضية الموضوعية، كان قد دفع بعدم دستورية أحكام القانون رقم 122
لسنة 1989 المشار إليه لصدورها من مجلس نيابي باطل التكوين, وهو ما يعتبر عواراً شكلياً
يصم هذا المجلس ويفقده مبرر وجوده، وكانت محكمة الموضوع بعد تقديرها لجدية هذا الدفع,
قد عدلت عن قضائها هذا بعد أن تبين لها – وعلى ضوء حكم المحكمة الدستورية العليا في
القضية رقم 37 لسنة 9 قضائية "دستورية" – أن القوانين التي قرها المجلس النيابي – الذي
أبطلته هذه المحكمة منذ انتخابه – ومن بينها القانون رقم 122 لسنة 1989 المطعون عليه,
تظل محمولة على أصلها من الصحة، وليس من شأن بطلان المجلس النيابي أن يعدمها, أو ينال
من نفاذها، ما لم تقض المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية نصوصها التشريعية بناء
على وجه آخر غير ما بني عليه قضاؤها في القضية المشار إليها, وكانت محكمة الموضوع قد
مضت في نظر الجناية موضوع الاتهام، وإدانة المتهم عن ارتكابها, وعاقبته بمقتضى أحكام
القانون رقم 122 لسنة 1989 المشار إليه، باعتباره تشريعاً نافذاً لا عوار فيه بالتالي
من الناحية الشكلية التي اقتصر عليها الدفع بعدم الدستورية الذي كان قد أثير أمامها,
فإن ذلك منها لا يعدو أن يكون إعمالاً من جانبها للآثار المترتبة على قضاء المحكمة
الدستورية العليا في القضية رقم 37 لسنة 9 قضائية "دستورية" آنفة البيان, وهو ما يدخل
في ولايتها, باعتبار أنها تختص دون غيرها بإعمال آثار الأحكام التي أصدرتها المحكمة
الدستورية العليا في المسائل الدستورية، في شأن النزاع الموضوعي المطروح عليها، متى
كان ذلك, فإنه يتعين الحكم بعدم قبول الدعوى الدستورية الماثلة من هذا الوجه أيضاً.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى، وبمصادرة الكفالة، وألزمت المدعي المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.
