الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 105 لسنة 12 قضائية “دستورية” – جلسة 12 /02 /1994 

المحكمة الدستورية العليا – الجزء السادس
من أول يوليو 1993 حتى آخر يونيو 1995 – صـ 154

جلسة 12 فبراير سنة 1994

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر – رئيس المحكمة، وحضور السادة المستشارين: الدكتور محمد إبراهيم أبو العينين ومحمد ولي الدين جلال وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير والدكتور عبد المجيد فياض وعدلي محمود منصور – أعضاء، وحضور السيد المستشار/ نجيب جمال الدين علما – المفوض، وحضور السيد/ رأفت محمد عبد الواحد – أمين السر.

(القاعدة رقم 17)
القضية رقم 105 لسنة 12 قضائية "دستورية"

1 – جزاء جنائي "تطوره – اتجاه دستوري معاصر – قيود التجريم: أساسها – ماهيتها".
الجزاء الجنائي: كان – عبر أطوار قائمة في التاريخ – أداة طيعة للقهر والطغيان, مبتعداً بالعقوبة عن أغراضها الاجتماعية. الدساتير المعاصرة: حرصها على فرض القيود على سلطان المشرع في مجال التجريم لصون حقوق الفرد وحرياته الأساسية، بما يحول دون استخدام العقوبة تشويها لأغراضها. تحقق ذلك بوجه خاص من خلال ضوابط صارمة لتحديد ماهية المنهي عن ارتكابها, وعلى نحو يجرد محكمة الموضوع من السلطة التقديرية التي تقرر بها قيام الجريمة, أو فرض عقوبة بغير نص.
2 – الحرية الفردية "دستور" – درجة اليقين في القوانين الجزائية.
الدستور: إعلاؤه قدر الحرية الفردية. ضماناً لتلك الحرية: – ينبغي أن تكون درجة اليقين التي تكشف أحكام القوانين الجزائية عنها – وكقاعدة مبدئية – في أعلى مستوياتها. لازم ألا يكون النص العقابي مشوباً بالغموض أو متميعاً.
3 – نصوص عقابية "غموضها – أثره:".
غموض النص العقابي يعوق محكمة الموضوع عن إعمال قواعد صارمة تحدد لكل جريمة أركانها, وتقرر عقوبتها بما لا لبس فيه, ويحمل في ثناياه مخاطر اجتماعية لأن تطبيقه يكون انتفائياً منطوياً على التحكم في أغلب الأحوال. الأضرار المترتبة على هذا الغموض لا تكمن في مجرد التجهيل بالأفعال المنهي عنها, بل يعود إلى عنصر أكثر خطراً يتمثل في افتقارها إلى الحد الأدنى من الأسس اللازمة لضبطها, والتي تحول كأصل عام بين القائمتين على تنفيذها, وإطلاق العنان لنزواتهم, أو سوء تقديراتهم.
4 – نصوص عقابية "أسلوب صياغتها".
الأصل في النصوص العقابية، هو أن تصاغ في حدود ضيقة لضمان أن يكون تطبيقها محكماً، وأن يكون النص العقابي حاداً قاطعاً لا يؤذن بتداخل معانيه أو تشابكها, كي لا تتسع دائرة التجريم, وليظل دوماً في إطار الدائرة التي يكفل الدستور في نطاقها قواعد الحرية المنظمة.
5 – نصوص عقابية "انبهامها – أسلوب صياغتها".
انبهام النص العقابي, أو مجاوزته لغاياته, يجمعها التجهيل بحقيقة الأفعال المنهي عنها, وذلك ما يناقض ضرورة أن تكون القيود على الحرية الشخصية التي تفرضها القوانين الجزائية محددة يقيناً لا التباس فيها. ضرورة أن تصاغ النصوص العقابية بما يحول دون انسيابها، أو القياس عليها, أو تباين الآراء حول مقاصدها.
6 – دستور "المادة 66 منه" – جريمة "ركنها المادي".
نص الدستور في المادة 66 منه، على أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على قانون, ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لصدور القانون الذي ينص عليها. دلالة ذلك: أن لكل جريمة ركناً مادياً لا قوام لها بغيره, يتمثل أساساً في فعل أو امتناع وقع بالمخالفة لنص عقابي, وأن الأفعال ذاتها هي مناط التأثيم وعلته, ولا يتصور وجود جريمة في غيبة ركنها المادي, فإذا كان الأمر غير متعلق بأفعال أحدثتها إرادة مرتكبها, وتم التعبير عنها خارجياً في صورة مادية لا تخطئها العين, فليس ثمة جريمة.
7 – تشريع "قانون الجمارك – الأفعال التي أثمها بالفقرتين الأولى والثانية من المادة 121 منه – ماهيتها".
المادة 121 من القانون الجمركي: تحديدها صوراً من التهريب، منها ما يكون تهريباً حقيقياً وكاملاً، ومنها ما يعد تهريباً حكمياً أجرى عليه المشرع حكم التهريب الحقيقي.
8 – تشريع "قانون الجمارك" "دلالة الفقرة الثانية من المادة 121 منه".
السلع التي لم تزل بعد وراء الحدود الخارجية للدائرة الجمركية, ولكن أفعالاً اتصلت بها, ترجح احتمال تهريبها, تحكمها المادة 121 فقرة ثانية من قانون الجمارك.
9 – جمارك "الفقرة الثانية من المادة 121 من قانون الجمارك الصادر بالقرار بقانون رقم 66 لسنة 1963 – وضوح الأفعال المعاقب عليها – عدم مخالفة الدستور".
الأفعال التي انتظمتها هذه الفقرة محددة بطريقة واضحة. فلم يكن للمشرع من خيار في مجال تحديد الأفعال المنهي عنها, إلا أن يبينها من خلال ضابط عام لا يثير اللبس حول حقيقتها, ويحدد محتواها بالرجوع إلى الغرض المقصود منها. جاعلاً بذلك مناط تجريمها, ارتكابها بقصد التخلص من الضريبة الجمركية المقررة على البضاعة التي يُراد تهريبها، لئن كان القانون الجمركي قد اختص بالبيان, صوراً بذواتها من الأفعال التي تدخل في إطار هذا المعيار, العام وتعتبر من تطبيقاته, إلا أن ذلك لا يعزلها عن تلك التي ترمي إلى التخلص من الضريبة الجمركية بوجه آخر. إفراغ النص المطعون فيه على هذا النحو تعريفاً بالأفعال التي جرمها, لا يعدو أن يكون تبيناً للقوالب الفنية للصياغة التي يلجأ فيها المشرع إلى التعميم بعد التخصيص. وبيان الأفعال على ذلك النحو لا يناهض أحكام الدستور الذي خول السلطة التشريعية في مجال تنظيمها للحقوق, أن تحدد وفق أسس موضوعية، أركان كل جريمة, دون أن يفرض عليها طرائق بذاتها, ودون إخلال بضرورة أن تكون الأفعال المجرمة غير مشوبة بالغموض.
10 – تجريم "سلطة المشرع في هذا النطاق – حدودها".
لم يفرض الدستور على المشرع طرائق بذاتها يحدد في خلالها الأفعال المعاقب عليها. يكفي المشرع – في مجال تنظيم الحقوق – أن يحدد هذه الأفعال بما لا إخلال فيه بالمصلحة العامة, ووفق أسس موضوعية، وبمراعاة أن تكون الأفعال التي جرمها, قاطعة في بيان الحدود الضيقة لنواهيها, فلا يشوبها الغموض أو تتداخل معها أفعال مشروعة يحميها الدستور.
1 – كان الجزاء الجنائي عبر أطوار قاتمة في التاريخ أداة طيعة للقهر والطغيان، محققاً للسلطة المستبدة أطماعها, ومبتعداً بالعقوبة عن أغراضها الاجتماعية, وكان منطقياً وضرورياً أن تعمل الدول المتمدينة، على أن تقيم تشريعاتها الجزائية وفق أسس ثابتة تكفل بذاتها انتهاج الوسائل القانونية السليمة في جوانبها الموضوعية والإجرائية, لضمان ألا تكون العقوبة أداة قامعة للحرية عاصفة بها بالمخالفة للقيم التي تؤمن بها الجماعة في تفاعلها مع الأمم المتحضرة واتصالها بها, وغدا لازماً – في مجال دعم الاتجاه وتثبيته – أن تقرر الدساتير المعاصرة القيود التي ارتأتها على سلطان المشرع في مجال التجريم, تعبيراً عن إيمانها بأن حقوق الإنسان وحرياته لا يجوز التضحية بها في غير ضرورة تمليها مصلحة اجتماعية لها اعتبارها؛ واعترافاً منها بأن الحرية في أبعادها الكاملة لا تنفصل عن حرمة الحياة, وأن الحقائق المريرة التي عايشتها البشرية على امتداد مراحل تطورها، تفرض نظاماً متكاملاً يكفل للجماعة مصالحها الحيوية, ويصون – في إطار أهدافه – حقوق الفرد وحرياته الأساسية, بما يحول دون إساءة استخدام العقوبة تشويهاً لأغراضها. وقد تحقق ذلك بوجه خاص من خلال ضوابط صارمة, ومقاييس أكثر إحكاماً لتحديد ماهية الأفعال المنهي عن ارتكابها, بما يزل غموضها, وعلى نحو يجرد محكمة الموضوع من السلطة التقديرية التي تقرر بها قيام جريمة أو فرض عقوبة بغير نص, كي تظل المصلحة الاجتماعية – في مدارجها العليا – قيداً على السلطة التشريعية، تحرياً للشرعية في أعماق منابتها.
2 – أعلى الدستور قدر الحرية الفردية, فاعتبرها من الحقوق الطبيعية الكامنة في النفس البشرية, والتي لا يمكن فصلها عنها, ومنحها بذلك الرعاية الأوفى والأشمل توكيداً لقيمتها, وبما لا إخلال فيه بالحق في تنظيمها، وبمراعاة أن القوانين الجزائية قد تفرض على هذه الحرية – بطريق مباشر أو غير مباشر – أخطر القيود وأبلغها أثراً. وينبغي بالتالي – وضماناً لتلك الحرية وإرساء لأبعادها التي تمليها طبيعتها – أن تكون درجة اليقين التي تكشف أحكام هذه القوانين عنها – وكقاعدة مبدئية لا تقبل الجدل – في أعلى مستوياتها, وأظهر فيها منها في غيرها، ولازم ذلك ألا يكون النص العقابي مشوباً بالغموض vague أو متميعاً. Over broad
3 – إن غموض النص العقابي يعني أن يكون مضمونه خافياً على أوساط الناس باختلافهم حول فحواه, ومجال تطبيقه, وحقيقة ما يرمي إليه, فلا يكون معرفاً بطريقة قاطعة بالأفعال المنهي عن ارتكابها, بل مجهلاً بها ومؤدياً إلى إنبهامها؛ ومن ثم يكون إنفاذه مرتبطاً بمعايير شخصية قد تخالطها الأهواء, وهي بعد معايير مرجعها إلى تقدير القائمين على تطبيقه لحقيقة محتواه, وإحلال فهمهم الخاص لمقاصده محل مراميه التي غالباً ما يجاوزونها التواء بها أو تحريفاً لها لينال من الأبرياء، وبوجه خاص فإن غموض النص العقابي يعوق محكمة الموضوع عن إعمال قواعد صارمة جازمة, تحدد لكل جريمة أركانها, وتقرر عقوبتها بما لا لبس فيه. وهي قواعد لا ترخص فيها, وتمثل إطاراً لعملها لا يجوز اقتحام حدوده. كذلك فإن غموض النص العقابي، يحمل في ثناياه مخاطر اجتماعية, لا ينبغي التهوين منها. ويقع ذلك لان تطبيقه يكون انتقائياً منطوياً على التحكم في أغلب الأحوال وأعمها, ولأن المواطنين الذي اختلط عليهم نطاق التجريم, والتوت بهم مقاصد المشرع, يقعدون عادة – حذر العقوبة وتوقياً لها – عن مباشرة الأفعال التي داخلتهم شبهة تأثيمها, وإن كان القانون بمعناه العام يسوغها. بل إن الاتجاه المعاصر والمقارن في شأن النصوص العقابية، يؤكد أن الأضرار المترتبة على غموضها, لا تكمن في مجرد التجهيل بالأفعال المنهي عنها, بل تعود – في تطبيقاتها – إلى عنصر أكثر خطراً، وابرز أثراً، يتمثل في افتقارها إلى الحد الأدنى من الأسس اللازمة لضبطها, والتي تحول كأصل عام بين القائمين على تنفيذها، وإطلاق العنان لنزواتهم, أو سوء تقديراتهم.
4 – إذ كان الأصل أن النصوص العقابية، هو أن تصاغ في حدود ضيقة Narrowly Tailored لضمان أن يكون تطبيقها مُحكماً, فقد صار من الحتم أن يكون تميعها محظوراً, ذلك أن عموم عباراتها واتساع قوالبها, قد يصرفها إلى غير الأغراض المقصودة منها, وهي تحض دوماً على عرقلة حقوق كفلها الدستور, أو تتخذ ذريعة للإخلال بها, وفي مقدمتها حرية التعبير, وحرية التنقل, والحق في تكامل الشخصية، وفي أن يُؤمن كل فرد ضد القبض أو الاعتقال غير المشروع. ولئن جاز القول بأن تقدير العقوبة وتقرير أحوال فرضها هو مما يدخل في نطاق السلطة التقديرية التي يمارسها المشرع في مجال تنظيم الحقوق, وفق الأسس الموضوعية التي يراها أصون لمصالح الجماعة, وأحفظ لقيمها, إلا أن هذه السلطة حدها قواعد الدستور, ويندرج تحتها ألا يكون أمر التجريم فُرُطَا. وهو ما يتحقق في كل حال كلما كان النص العقابي محملاً بأكثر من معنى، مرهقاً بأغلال تعدد تأويلاته, مرناً مترامياً على ضوء الصيغة التي أفرع فيها, مُتغولاً – من خلال انفلات عباراته – حقوقاً أرساها الدستور, مقتحماً ضماناتها, عاصفاً بها, وحائلاً دون تنفسها بغير عائق. ويتعين بالتالي أن يكون النص العقابي حاداً وقاطعاً، لا يُؤذِن بتداخل معانيه أو تشابكها, كي لا تنداح دائرة التجريم, وليظل دوماً في إطار الدائرة التي يكفل الدستور في نطاقها, قواعد الحرية المنظمة ordered liberty.
5 – انبهام النص العقابي, أو الانحراف عن الأغراض الاجتماعية التي يتوخاها، يجمعها التجهيل بحقيقة الأفعال المنهي عنها, وهو ما يناقض ضرورة أن تكون القيود على الحرية الشخصية التي تفرضها القوانين الجزائية, محددة بصورة يقينية لا التباس فيها, ذلك أن هذه القوانين تدعو المخاطبين بها إلى الامتثال لها, كي يدفعوا عن حقهم في الحياة, وكذلك عن حرياتهم، تلك المخاطر التي تعكسها العقوبة. ومن ثم كان أمراً مقضياً أن تصاغ النصوص العقابية بما يحول دون انسيابها, أو القياس عليها, أو تباين الآراء حول مقاصدها.
6 – الدستور في اتجاهه إلى ترسم النظم المعاصرة، ومتابعة خطاها, والتقيد بمناهجها التقدمية، قد نص في المادة 66 منه, على أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون, ولا عقاب إلى على الأفعال اللاحقة لصدور القانون الذي ينص عليها, وكان الدستور قد دل بهذه المادة على أن لكل جريمة ركناً مادياً لا قوام لها بغيره, يتمثل أساساً في فعل أو امتناع وقع بالمخالفة لنص عقابي, مفصحاً بذلك عن أن ما يركن إليه القانون الجنائي ابتداء من زواجره ونواهيه, هو مادية الفعل المؤاخذ على ارتكابه, إيجابياً كان هذا الفعل أم سلبياً، ذلك أن العلائق التي ينظمها هذا القانون في مجال تطبيقه على المخاطبين بأحكامه, محورها الأفعال ذاتها, في علاماتها الخارجية, ومظاهرها الواقعية, وخصائصها المادية, إذ هي مناط التأثيم وعلته, وهي التي يتصور إثباتها ونفيها, وهي التي يتم التميز على ضوئها على حكم العقل لتقييمها وتقدير العقوبة المناسبة لها, بل إنه في مجال تقدير توافر القصد الجنائي, لا تعزل محكمة الموضوع نفسها عن الواقعة محل الاتهام التي قام الدليل عليها قاطعاً واضحاً ولكنها تجيل بصرها فيها, منقبة من خلال عناصرها عما قصد إليه الجاني حقيقة من وراء ارتكابها. ومن ثم تعكس هذه العناصر تعبيراً خارجياً ومادياً عن إرادة واعية. ولا يتصور بالتالي وفقاً لأحكام الدستور أن توجد جريمة في غيبة ركنها المادي، ولا إقامة الدليل على توافر علاقة السببية بين مادية الفعل المؤثم والنتائج التي أحدثها بعيداً عن حقيقة هذا الفعل ومحتواه, ولازم ذلك أن كل مظاهر التعبير عن الإرادة البشرية – وليس النوايا التي يضمرها الإنسان في أعماق ذاته – تعتبر واقعة في منطقة التجريم كلما كانت تعكس سلوكاً خارجياً مؤاخذاً عليه قانوناً. فإذا كان الأمر غير متعلق بأفعال أحدثتها إرادة مرتكبها، وتم التعبير عنها خارجياً في صورة مادية لا تخطئها العين، فليس ثمة جريمة.
7 – نظم قانون الجمارك الصادر بالقانون رقم 66 لسنة 1963 – في المادة 121 منه – بفقرتيها الأولى والثانية صوراً مختلفة من التهريب، منها ما يعد تهريباً حقيقاً وكاملاً, ومنها ما يعتبر تهريباً حكمياً أجرى عليه المشرع حكم التهريب الحقيقي, فأورد الفقرة الأولى من المادة 121 المشار إليها لبيان الأحوال التي يكون فيها التهريب حقيقياً وتاماً، فحصرها في إدخال البضائع من أي نوع إلى جمهورية مصر العربية, أو إخراجها منها بطرق غير مشروعة بدون أداء المكوس الجمركية المستحقة عليها كلها أو بعضها أو بالمخالفة للنظم المعمول بها في شأن البضائع الممنوعة. ثم أعقبتها الفقرة الثانية التي تنظم الأحوال التي لا تكون السلعة فيها قد اجتازت حدود الدائرة الجمركية، ولكنها تعامل باعتبار أن أفعالاً بذواتها قد قارنتها, وأن اتصال هذه الأفعال بها, يجعل احتمال تهريبها أكثر رجحاناً. وأدنى إلى الوقوع. ومن ثم اختص المشرع تلك الأفعال بالتجريم, واعتبر إتيانها جريمة تهريب تامة حكماً, وليس شروعاً في ارتكابها, ولو لم يكن تهريب السلعة قد تم فعلاً. وفي هذا الإطار جرى نص الفقرة الثانية من المادة 121 من القانون الجمركي – في أجزائها المطعون عليها – التي صاغها المشرع على النحو الآتي "ويعتبر في حكم التهريب تقديم مستندات، أو فواتير مزورة, أو مصطنعة, أو وضع علامات كاذبة, أو إخفاء البضائع، أو العلامات، أو ارتكاب أي فعل آخر يكون الغرض منه التخلص من الضرائب الجمركية كلها أو بعضها, أو بالمخالفة للنظم المعمول بها في شأن البضاعة الممنوعة".
8 – البين من الفقرة المطعون عليها – السالف بيانها – أنها تواجه السلع التي لم تزل بعد وراء الحدود الخارجية للدائرة الجمركية، ولكن أفعالاً اتصلت بها وترجح احتمال تهريبها. وتندرج هذه الأفعال تحت فئتين. أولهما: أفعال توخي المشرع بتجريمها حماية المصلحة الضريبية من خلال تأثيم كل فعل, أو امتناع يلحق في هذا النطاق الضرر بالخزانة العامة, أو يعرض حقوقها للخطر، وبوجه خاص في مجال التحايل على الواقعة المنشئة للضريبة الجمركية التي تستحق على البضاعة موضوعها, أو مخالفة النظم المعمول بها لتحديد وعائها أو لضمان تحصيلها. وقد حدد المشرع هذه الأفعال من خلال الغرض المقصود منها, فكلما كان ارتكابها مستهدفاً التخلص من الضريبة الجمركية كلها أو بعضها, دل ذلك على وقوع مرتكبها في دائرة التجريم. ثانيتهما: أفعال تغيا المشرع بتجريمها حماية المصلحة الاقتصادية للدولة في غير مجالاتها الضريبية, وبوجه خاص في مجال حماية الصناعة الوطنية وتأمين انتعاشها. وقد حدد المشرع هذه الأفعال كذلك بالنظر إلى مراميها, ذلك أن مرتكبها يؤاخذ عنها قانوناً كلما سعى بمقارفتها إلى مخالفة النظم المعمول بها في شأن الممنوع استيرادها أو تصديرها.
وهاتان الفئتان من الأفعال تجمعهما نظرة غائبة واحدة, ذلك أن القانون الجمركي. توخي صون المصلحة الكامنة وراء كل منهما, ومن المنطقي بالتالي أن يؤمن المشرع الحقوق المرتبطة بكلتيهما من خلال تجريم الأفعال التي تخل بها سواء اقترن إتيان هذه الأفعال بطرق احتيالية أم تجرد منها, وسواء بلغ المخاطبون بالنص المطعون فيه, الأغراض المنافية للقانون التي يلتمسونها, أم حالت دونها عوائق الرقابة الجمركية وحواجزها.
9 – ارتبط تأثيم الفئة الثانية من الأفعال التي نهت الفقرة الثانية من المادة 121 من قانون الجمارك عن ارتكابها, بالنظم المعمول بها في شأن البضائع الممنوع استيرادها أو تصديرها، وهي نظم قائمة لم يمتد الطعن الماثل إليها أو يتناولها بالتجريح, أما الفئة الأولى من الأفعال التي أثمها المشرع – وهي تلك التي ترمي إلى العدوان على محض المصلحة الضريبية – فقد دل الواقع العملي على صعوبة حصرها وإيرادها واحداً واحداً. ذلك أن الطرق والوسائل التي يبتدعها المكفلون بأداء الضريبة الجمركية بقصد التخلص منها, يتعذر رصدها أو إحصاؤها أو توقعها, وهي تتنوع في صورها تبعاً لتطور العلوم التي تحمل معها ألواناً جديدة من المعرفة وكان التنبؤ بها, أو الإرهاص باحتمالاتها, بعيداً. ولم يكن أمام المشرع من خيار في مجال تحديد الأفعال المنهي عنها, إلا أن يُبينها من خلال ضابط عام لا يُجهَّل بمضمونها, أو يثير اللبس حول حقيقتها. بل يحدد محتواها بالرجوع إلى مرماها أو الغرض المقصود منها, جاعلاً بذلك مناط تجريمها, ارتكابها بقصد التخلص من الضريبة الجمركية المقررة على البضاعة التي يراد تهريبها. وقد أورد القانون الجمركي – من خلال النص المطعون عليه – صوراً من الأفعال التي تدخل في إطار هذا المعيار العام, وتعتبر من تطبيقاته، ومن ذلك تزوير الجاني لأوراق, أو اصطناعها في شأن البضائع موضوعها, أو وضع علامات كاذبة عليها, أو محاولة إخفائها, توقياً لأداء الضريبة الجمركية المقررة عليها. بيد أن هذه الأفعال جميعها، وإن اختصها القانون الجمركي بالبيان, إلا أنها لا تختلف في غاياتها عن تلك التي ترمي إلى التخلص من الضريبة الجمركية بوجه آخر. وإفراغ النص المطعون فيه على هذا النحو, تعريفاً بالأفعال التي جَرمَّها, لا يعدو أن يكون تبنياً للقوالب الفنية للصياغة التشريعية التي يلجأ فيها لمشرع إلى التعميم بعد التخصيص. كذلك فإن اعتداد القانون الجمركي بضابط عام يكون كاشفاً عن ماهية الأفعال التي حظرها ومُحَدداً لمضمونها, لا ابتداع فيه, وليس أمراً فريداً أو دخيلاً. ذلك أن القانون الجنائي – وهو الشريعة العامة التي تنتظم الجرائم وتحدد عقوباتها – كثيراً ما يعتمد هذا المنحى في التأثيم، ودليل ذلك أن جريمة استيلاء الموظف العام على الأموال العامة, وفقاً لنص المادة 113 من قانون العقوبات, تتحقق بأن فعل يأتيه الجاني لانتزاع حيازتها بقصد تملكها بغير حق "وبأية وسيلة يراها مؤدية إلى الحصول عليها". كذلك تقع جريمة القتل المنصوص عليها في المادة 230 من هذا القانون، "بكافة صور الاعتداء على حق الإنسان في الحياة" – هو حق متأصل فيه – "وذلك كلما كان القصد منها إزهاق الروح".
10 – متى كان بيان الأفعال التي عينها النص التشريعي المطعون فيه على النحو المتقدم, لا يناهض أحكام الدستور الذي خول السلطة التشريعية في مجال تنظيمها للحقوق – وبما لا إخلال فيه بالمصلحة العامة – أن تحدد وفق أسس موضوعية, ومن خلال النظم العقابية التي تقرها أركان كل جريمة دون أن يفرض عليها طرائق بذاتها لضبطها تعريفاً بها, ودون إخلال بضرورة أن تكون الأفعال التي جرمتها هذه النظم قاطعة, في بيان الحدود الضيقة لنواهيها, فلا يشوبها الغموض أو تتداخل معها أفعال مشروعة يحميها الدستور, وكان من المقرر أن القوانين الجنائية لا تتناول إلا صور النشاط المحددة معالمها, الواضحة حدودها, والتي يمكن ربطها بمضار اجتماعية، وكان القانون الجزائي معنياً بالأفعال الخارجية التي تناقض المصلحة المقصودة بالحماية، أو التي يمكن أن تضر بها, وكان الركن المادي لكل جريمة يعكس التعبير الخارجي عن إرادة مرتكبها، باعتبارها إرادة واعية مختارة يسيطر الفاعل من خلالها على ظروف مادية معينة, ابتغاء بلوغ نتيجة إجرامية تتمثل في الاعتداء على الحق الذي يحميه القانون, وكانت إرادة إتيان الأفعال محل التنظيم التشريعي الماثل مع العلم بالوقائع التي تعطيها دلالتها الإجرامية, هي التي يتوافر بها القصد الجنائي العام, فإن التنظيم العقابي المطعون عليه – وقد تحقق في الجريمة التي نص عليها ركناها المادي والمعنوي معاً – لا يكون مخالفاً للدستور.


الإجراءات

بتاريخ 27 من ديسمبر سنة 1990 أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى، طالباً الحكم – وعلى ما يبين منها – بعدم دستورية الفقرة الثانية من المادة 121 من قانون الجمارك الصادر بالقرار بقانون رقم 66 لسنة 1963 المعدل بالقانون رقم 75 لسنة 1980، وذلك فيما تضمنته من النص على: "أو أي فعل آخر".
أودعت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت في ختامها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها القانوني.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة, وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق, والمداولة.
وحيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن النيابة العامة كانت قد أقامت الدعوى الجنائية في القضية رقم 77 لسنة 1989 جنح مالية ضد المدعي بوصف أنه في يوم 17 من مارس سنة 1987 "بدائرة قسم عابدين" هرب البضائع المبينة وصفاً وقيمة بالأوراق من أداء الرسوم الجمركية المستحقة عليها, وكان ذلك بقصد الاتجار, بأن قام بإدخالها إلى البلاد بنظام الإعفاءات الجمركية لأغراض السياحة, وتصرف فيها على خلاف الغرض الذي خصص لها, وطلبت عقابه بالمواد 5, 13, 28, 121, 122, 124, 124 مكرراً من قانون الجمارك الصادر بالقرار بقانون رقم 66 لسنة 1963 المعدل بالقانون رقم 75 لسنة 1980، بالمادتين 6, 22 من القانون رقم 7 لسنة 1973 بشأن المنشآت الفندقية والسياحية، وبجلسة 30 من يناير سنة 1990 قضت محكمة الجرائم المالية الجزئية غيابياً بحبس المدعي سنتين مع الشغل وكفالة خمسمائة جنيه وغرامة ألف جنيه، وإلزامه بدفع مبلغ ثمانمائة وواحد وثمانين ألف وثمانمائة وستة عشر جنيهاً وسبعين مليماً كتعويض للجمارك متضمنة بدل مصادرة والمصروفات الجنائية, ومستندة – ضمن النصوص القانونية التي أقامت عليها حكمها – على النص التشريعي المطعون فيه. وقد عارض المدعي في هذا الحكم, ودفع – أثناء نظر معارضته بجلسة 4 من ديسمبر سنة 1990 – بعدم دستورية الفقرة الثانية من المادة 121 من قانون الجمارك المشار إليه, وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية هذا الدفع, فقد أجلت نظر المعارضة لجلسة الأول من يناير سنة 1991 مع الترخيص للمدعي بإقامة دعواه الدستورية, فأقام الدعوى الماثلة. وبجلسة 26 من فبراير سنة 1991، قررت المحكمة المذكورة وقف الدعوى الجنائية تعليقاً لحين الفصل في الطعن الراهن بعدم الدستورية.
وحيث إن المادة 121 من قانون الجمارك الصادر بالقرار بقانون رقم 66 لسنة 1963 – وبعد أن قضت هذه المحكمة بجلسة 2 من فبراير سنة 1992 في الدعوى رقم 13 لسنة 12 قضائية "دستورية" بعدم دستورية هذه المادة فيما تضمنته فقرتها الثانية من افتراض العلم بالتهريب إذا لم يقدم من وجدت في حيازته البضائع بقصد الاتجار, المستندات الدالة على أن الضرائب الجمركية المقررة قد سددت عنها – غدت تنص على ما يأتي:
فقرة أولى: "يعتبر تهريباً إدخال البضائع من أي نوع إلى الجمهورية وإخراجها منها بطرق غير مشروعة بدون أداء الضرائب الجمركية المستحقة كلها أو بعضها, أو بالمخالفة للنظم المعمول بها في شأن البضائع الممنوعة".
فقرة ثانية: "ويعتبر في حكم التهريب حيازة البضائع الأجنبية بقصد الاتجار مع العلم بأنها مهربه".
"……… كما يعتبر في حكم التهريب تقديم مستندات أو فواتير مزورة أو مصطنعة أو وضع علامات كاذبة أو إخفاء البضائع أو العلامات أو ارتكاب أي فعل آخر يكون الغرض منه التخلص من الضرائب الجمركية المستحقة كلها أو بعضها أو بالمخالفة للنظم المعمول بها في شأن البضائع الممنوعة".، كما تنص المادة 122 من القانون ذاته – ووفق القواعد المبينة فيها – على معاقبة التهريب أو الشروع فيه بالحبس والغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين, وذلك دون الإخلال بأية عقوبة أشد يقضي بها قانون آخر, فضلاً عن مصادرة البضائع موضوع التهريب في جميع الأحوال".
وحيث إن المدعي ينعى على الفقرة الثانية من المادة 121 من القانون الجمركي فيما تضمنته من النص على "أو ارتكاب أي فعل آخر…." مضمونه غير المحدد وغموضه وإمكان تأويله، وانطواؤه بالتالي على مخالفة مبدأ ألا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون – الذي قررته المادة 66 من الدستور – بما يقتضيه من ضرورة تحديد الجرائم تحديد دقيقاً في نصوص قانونية واضحة تبين أركان كل منها, والعقوبات المقررة لها.
وحيث إن الجزاء الجنائي كان عبر أطوار قاتمة في التاريخ، أداة طيعة للقهر والطغيان، محققاً للسلطة المستبدة أطماعها, ومبتعداً بالعقوبة عن أغراضها الاجتماعية, وكان منطقياً وضروريا أن تعمل الدول المتمدينة، على أن تقيم تشريعاتها الجزائية وفق أسس ثابتة، تكفل بذاتها انتهاج الوسائل القانونية السليمة في جوانبها الموضوعية والإجرائية, لضمان ألا تكون العقوبة أداة قامعة للحرية عاصفة بها بالمخالفة للقيم التي تؤمن بها الجماعة في تفاعلها مع الأمم المتحضرة واتصالها بها, وغدا لازماً – في مجال دعم الاتجاه وتثبيته – أن تقرر الدساتير المعاصرة القيود التي ارتأتها على سلطان المشرع في مجال التجريم, تعبيراً عن إيمانها بأن حقوق الإنسان وحرياته لا يجوز التضحية بها في غير ضرورة تمليها مصلحة اجتماعية لها اعتبارها, واعترافاً منها بأن الحرية في أبعادها الكاملة لا تنفصل عن حرمة الحياة, وأن الحقائق المريرة التي عايشتها البشرية على امتداد مراحل تطورها، تفرض نظاماً متكاملاً يكفل للجماعة مصالحها الحيوية, ويصون – في إطار أهدافه – حقوق الفرد وحرياته الأساسية, بما يحول دون إساءة استخدام العقوبة تشويها لأغراضها, وقد تحقق ذلك بوجه خاص من خلال ضوابط صارمة, ومقاييس أكثر إحكاماً لتحديد ماهية الأفعال المنهي عن ارتكابها, بما يزل غموضها, وعلى نحو يجرد محكمة الموضوع من السلطة التقديرية التي تقرر بها قيام جريمة، أو فرض عقوبة بغير نص, كي تظل المصلحة الاجتماعية – في مدارجها العليا – قيداً على السلطة التشريعية تحرياً للشرعية في أعماق منابتها.
وحيث إن الدستور أعلى قدر الحرية الفردية, فاعتبرها من الحقوق الطبيعية الكامنة في النفس البشرية, والتي لا يمكن فصلها عنها, ومنحها بذلك الرعاية الأوفى والأشمل توكيداً لقيمتها, وبما لا إخلال فيه بالحق في تنظيمها، وبمراعاة أن القوانين الجزائية قد تفرض على هذه الحرية – بطريق مباشر أو غير مباشر – أخطر القيود وأبلغها أثراً. وينبغي بالتالي – وضماناً لتلك الحرية وإرساء لأبعادها التي تمليها طبيعتها – أن تكون درجة اليقين التي تكشف أحكام هذه القوانين عنها – وكقاعدة مبدئية لا تقبل الجدل – في أعلى مستوياتها, وأظهر فيها منها في غيرها. ولازم ذلك ألا يكون النص العقابي مشوباً بالغموض vague أو متميعاً over broad.
وحيث إن غموض النص العقابي يعني أن يكون مضمونه خافياً على أوساط الناس باختلافهم حول فحواه, ومجال تطبيقه, وحقيقة ما يرمي إليه, فلا يكون معرفاً بطريقة قاطعة بالأفعال المنهي عن ارتكابها, بل مجهلاً بها ومؤدياً إلى انبهامها, ومن ثم يكون إنفاذه مرتبطاً بمعايير شخصية قد تخالطها الأهواء, وهي بعد معايير مرجعها إلى تقدير القائمين على تطبيقه لحقيقة محتواه, وإحلال فهمهم الخاص لمقاصده محل مراميه التي غالباً ما يجاوزونها التواء بها أو تحريفاً لها لينال من الأبرياء. وبوجه خاص فإن غموض النص العقابي يعوق محكمة الموضوع عن إعمال قواعد صارمة جازمة, تحدد لكل جريمة أركانها, وتقرر عقوبتها بما لا لبس فيه, وهي قواعد لا ترخص فيها, وتمثل إطاراً لعملها لا يجوز اقتحام حدوده. كذلك فإن غموض النص العقابي، يحمل في ثناياه مخاطر اجتماعية, لا ينبغي التهوين منها. ويقع ذلك لان تطبيقه يكون انتقائياً منطوياً على التحكم في أغلب الأحوال وأعمها, ولأن المواطنين الذي اختلط عليهم نطاق التجريم, والتوت بهم مقاصد المشرع, يقعدون عادة – حذر العقوبة وتوقياً لها – عن مباشرة الأفعال التي داخلتهم شبهة تأثيمها. وإن كان القانون بمعناه العام يسوغها. بل إن الاتجاه المعاصر والمقارن في شأن النصوص العقابية، يؤكد أن الأضرار المترتبة على غموضها, لا تكمن في مجرد التجهيل بالأفعال المنهي عنها, بل تعود – في تطبيقاتها – إلى عنصر أكثر خطراً، وأبرز أثراً، يتمثل في افتقارها إلى الحد الأدنى من الأسس اللازمة لضبطها, والتي تحول كأصل عام بين القائمين على تنفيذها، وإطلاق العنان لنزواتهم, أو سوء تقديراتهم.
وحيث إنه متى كان ذلك, وكان الأصل أن النصوص العقابية هو أن تصاغ في حدود ضيقة Narrowly Tailored لضمان أن يكون تطبيقها مُحكماً, فقد صار من الحتم أن يكون تميعها محظوراً, ذلك أن عموم عباراتها واتساع قوالبها, قد يصرفها إلى غير الأغراض المقصودة منها, وهي تحض دوماً على عرقلة حقوق كفلها الدستور, أو تتخذ ذريعة للإخلال بها, وفي مقدمتها حرية التعبير, وحرية التنقل, والحق في تكامل الشخصية، وفي أن يُؤمن كل فرد ضد القبض أو الاعتقال غير المشروع. ولئن جاز القول بأن تقدير العقوبة وتقرير أحوال فرضها هو مما يدخل في نطاق السلطة التقديرية التي يمارسها المشرع في مجال تنظيم الحقوق وفق الأسس الموضوعية التي يراها أصون لمصالح الجماعة, وأحفظ لقيمها, إلا أن هذه السلطة حدها قواعد الدستور, ويندرج تحتها ألا يكون أمر التجريم فُرُطاً. وهو ما يتحقق في كل حال كلما كان النص العقابي محملاً بأكثر من معنى، مرهقاً بأغلال تعدد تأويلاته, مرناً مترامياً على ضوء الصيغة التي أفرع فيها, مُتغولاً – من خلال انفلات عباراته – حقوقاً أرساها الدستور, مقتحماً ضماناتها, عاصفاً بها, وحائلاً دون تنفسها بغير عائق, ويتعين بالتالي أن يكون النص العقابي حاداً وقاطعاً لا يُؤذِن بتداخل معانيه أو تشابكها, كي لا تنداح دائرة التجريم, وليظل دوماً في إطار الدائرة التي يكفل الدستور في نطاقها, قواعد الحرية المنظمة ordered liberty.
وحيث إنه سواء كان النص العقابي غامضاً أو متميعاً فإن انبهامه أو مجاوزته لغاياته, يجمعهما التجهيل بحقيقة الأفعال المنهي عنها, وهو ما يناقض ضرورة أن تكون القيود على الحرية الشخصية التي تفرضها القوانين الجزائية, محددة بصورة يقينية لا التباس فيها, ذلك أن هذه القوانين تدعو المخاطبين بها إلى الامتثال لها؛ كي يدفعوا عن حقهم في الحياة, وكذلك عن حرياتهم تلك المخاطر التي تعكسها العقوبة. ومن ثم كان أمراً مقضياً أن تصاغ النصوص العقابية بما يحول دون انسيابها, أو القياس عليها, أو تباين الآراء حول مقاصدها.
وحيث إن الدستور في اتجاهه إلى ترسم النظم المعاصرة، ومتابعة خطاها, والتقيد بمناهجها، قد نص في المادة 66 منه, على أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون, ولا عقاب إلى على الأفعال اللاحقة لصدور القانون الذي ينص عليها, وكان الدستور قد دل بهذه المادة على أن لكل جريمة ركناً مادياً لا قوام لها بغيره, يتمثل أساساً في فعل أو امتناع وقع بالمخالفة لنص عقابي, مفصحاً بذلك عن أن ما يركن إليه القانون الجنائي ابتداء من زواجره ونواهيه, هو مادية الفعل المؤاخذ على ارتكابه, إيجابياً كان هذا الفعل أم سلبياً، ذلك أن العلائق التي ينظمها هذا القانون في مجال تطبيقه على المخاطبين بأحكامه, محورها الأفعال ذاتها, في علاماتها الخارجية, ومظاهرها الواقعية, وخصائصها المادية, إذ هي مناط التأثيم وعلته, وهي التي يتصور إثباتها ونفيها, وهي التي يتم التمييز على ضوئها بين الجرائم بعضها البعض، وهي التي تديرها محكمة الموضوع على حكم العقل لتقييمها وتقدير العقوبة المناسبة لها, بل إنه في مجال تقدير توافر القصد الجنائي, لا تعزل محكمة الموضوع نفسها عن الواقعة محل الاتهام التي قام الدليل عليها قاطعاً واضحاً ولكنها تجيل بصرها فيها منقبة من خلال عناصرها عما قصد إليه الجاني حقيقة من وراء ارتكابها, ومن ثم تعكس هذه العناصر تعبيراً خارجياً ومادياً عن إرادة واعية، ولا يتصور بالتالي وفقاً لأحكام الدستور أن توجد جريمة في غيبة ركنها المادي، ولا إقامة الدليل على توافر علاقة السببية بين مادية الفعل المؤثم والنتائج التي أحدثها بعيداً عن حقيقة هذا الفعل ومحتواه, ولازم ذلك أن كل مظاهر التعبير عن الإرادة البشرية – وليس النوايا التي يضمرها الإنسان في أعماق ذاته – تعتبر واقعة في منطقة التجريم كلما كانت تعكس سلوكاً خارجياً مؤاخذاً عليه قانوناً، فإذا كان الأمر غير متعلق بأفعال أحدثتها إرادة مرتكبها، وتم التعبير عنها خارجياً في صورة مادية لا تخطئها العين، فليس ثمة جريمة.
وحيث إن القانون الجمركي الصادر بالقانون رقم 66 لسنة 1963 – في المادة 121 منه – بفقرتيها الأولى والثانية صوراً مختلفة من التهريب، منها ما يعد تهريباً حقيقاً وكاملاً, ومنها ما يعتبر تهريباً حكمياً أجرى عليه المشرع حكم التهريب الحقيقي, فأورد الفقرة الأولى من المادة 121 المشار إليها لبيان الأحوال التي يكون فيها التهريب حقيقياً وتاماً، فحصرها في إدخال البضائع من أي نوع إلى جمهورية@ مصر العربية, أو إخراجها منها بطرق غير مشروعية بدون أداء المكوس الجمركية المستحقة عليها كلها أو بعضها أو بالمخالفة للنظم المعمول بها في شأن البضائع الممنوعة. ثم أعقبتها الفقرة الثانية التي تنظم الأحوال التي لا تكون السلعة فيها قد اجتازت حدود الدائرة الجمركية، ولكنها تعامل باعتبار أن أفعالاً بذواتها قد قارنتها, وأن اتصال هذه الأفعال بها, يجعل احتمال تهريبها أكثر رجحاناً وأدنى إلى الوقوع، ومن ثم اختص المشرع تلك الأفعال بالتجريم, واعتبر إتيانها جريمة تهريب تامة حكماً, وليس شروعاً في ارتكابها, ولو لم يكن تهريب السلعة قد تم فعلاً. وفي هذا الإطار جرى نص الفقرة الثانية من المادة 121 من القانون الجمركي – في أجزائها المطعون عليها – التي صاغها المشرع على النحو الآتي "ويعتبر في حكم التهريب تقديم مستندات، أو فواتير مزورة, أو مصطنعة, أو وضع علامات كاذبة, أو إخفاء البضائع، أو العلامات، أو ارتكاب أي فعل آخر يكون الغرض منه التخلص من الضرائب الجمركية كلها أو بعضها, أو بالمخالفة للنظم المعمول بها في شأن البضاعة الممنوعة".
وحيث إن البين من الفقرة المطعون عليها أنها تواجه السلع التي لم تزل بعد وراء الحدود الخارجية للدائرة الجمركية، ولكن أفعالاً اتصلت بها وترجح احتمال تهريبها. وتندرج هذه الأفعال تحت فئتين: أولاهما: أفعال توخي المشرع بتجريمها حماية المصلحة الضريبية من خلال تأثيم كل فعل, أو امتناع يلحق في هذا النطاق الضرر بالخزانة العامة, أو يعرض حقوقها للخطر، وبوجه خاص في مجال التحايل على الواقعة المنشئة للضريبة الجمركية التي تستحق على البضاعة موضوعها, أو مخالفة النظم المعمول بها لتحديد وعائها أو لضمان تحصيلها. وقد حدد المشرع هذه الأفعال من خلال الغرض المقصود منها, فكلما كان ارتكابها مستهدفاً التخلص من الضريبة الجمركية كلها أو بعضها, دل ذلك على وقوع مرتكبها في دائرة التجريم. ثانيهما: أفعال تغيا المشرع بتجريمها حماية المصلحة الاقتصادية للدولة في غير مجالاتها الضريبية, وبوجه خاص في مجال حماية الصناعة الوطنية وتأمين انتعاشها. وقد حدد المشرع هذه الأفعال كذلك بالنظر إلى مراميها, ذلك أن مرتكبها يؤاخذ عنها قانوناً كلما سعى بمقارفتها إلى مخالفة النظم المعمول بها في شأن السلع الممنوع استيرادها.
وحيث إنه متى كان ما تقدم, وكانت النظرة الغائية هي الجامعة بين هاتين الفئتين من الأفعال، وكان القانون الجمركي قد توخي صون المصلحة الكامنة وراء كل منهما, فإن من المنطقي أن يؤمن المشرع الحقوق المرتبطة بكلتيهما من خلال تجريم الأفعال التي تخل بها سواء اقترن إتيان هذه الأفعال بطرق احتيالية أم تجرد منها, وسواء بلغ المخاطبون بالنص المطعون فيه, الأغراض المنافية للقانون التي يلتمسونها, أم حالت دونها عوائق الرقابة الجمركية وحواجزها.
وحيث إن قالة التجهيل بالأفعال المعاقب عليها وفقاً للفقرة المطعون عليها لا محل لها, ذلك أن الأفعال التي انتظمتها هذه الفقرة محددة بطريقة واضحة لا التواء فيها وهي قاطعة في اتجاهها مباشرة إلى الأغراض التي توختها لتأمين المصلحة المقصودة بالحماية. وقد ارتبط تأثيم الفئة الثانية من الأفعال التي نهت تلك الفقرة عن ارتكابها, بالنظم المعمول بها في شأن البضائع الممنوع استيرادها أو تصديرها، وهي نظم قائمة لم يمتد الطعن الماثل إليها أو يتناولها بالتجريح. أما الفئة الأولى من الأفعال التي أثَّمها المشرع – وهي تلك التي ترمي إلى العدوان على محض المصلحة الضريبية – فقد دل الواقع العملي على صعوبة حصرها وإيرادها واحداً واحداً, ذلك أن الطرق والوسائل التي يبتدعها المكلفون بأداء الضريبة الجمركية بقصد التخلص منها, يتعذر رصدها أو إحصاؤها أو توقعها, وهي تتنوع في صورها تبعاً لتطور العلوم التي تحمل معها ألواناً جديدة من المعرفة كان التنبؤ بها أو الإرهاص باحتمالاتها بعيداً. ولم يكن أمام المشرع من خيار في مجال تحديد الأفعال المنهي عنها, إلا أن يُبينها من خلال ضابط عام لا يجهل بمضمونها, أو يثير اللبس حول حقيقتها, بل يحدد محتواها بالرجوع إلى مرماها أو الغرض المقصود منها, جاعلاً بذلك مناط تجريمها, ارتكابها بقصد التخلص من الضريبة الجمركية المقررة على البضاعة التي يراد تهريبها. وقد أورد القانون الجمركي – من خلال النص المطعون عليه – صوراً من الأفعال التي تدخل في إطار هذا المعيار العام, وتعتبر من تطبيقاته، ومن ذلك تزوير الجاني لأوراق, أو اصطناعها في شأن البضائع موضوعها, أو وضع علامات كاذبة عليها, أو محاولة إخفائها, توقياً لأداء الضريبة الجمركية المقررة عليها. بيد أن هذه الأفعال جميعها، وإن اختصها القانون الجمركي بالبيان, إلا أنها لا تختلف في غاياتها عن تلك التي ترمي إلى التخلص من الضريبة الجمركية بوجه آخر. وإفراغ النص المطعون فيه على هذا النحو تعريفاً بالأفعال التي جرمها, لا يعدو أن يكون تبيناً للقوالب الفنية للصياغة التشريعية التي يلجأ فيها المشرع إلى التعميم بعد التخصيص. كذلك فإن اعتداد القانون الجمركي بضابط عام يكون كاشفاً عن ماهية الأفعال التي حظرها ومُحَدداً لمضمونها, لا ابتداع فيه, وليس أمراً فريداً أو دخيلاً، ذلك أن القانون الجنائي – وهو الشريعة العامة التي تنتظم الجرائم وتحدد عقوباتها – كثيراً ما يعتمد هذا المنحي في التأثيم، ودليل ذلك أن جريمة استيلاء الموظف العام على الأموال العامة, وفقاً لنص المادة 113 من قانون العقوبات, تتحقق بأن فعل يأتيه الجاني لانتزاع حيازتها بقصد تملكها بغير حق وبأية وسيلة يراها مؤدية إلى الحصول عليها. كذلك تقع جريمة القتل المنصوص عليها في المادة 230 منه بكافة صور الاعتداء على حق الإنسان في الحياة – هو حق متأصل فيه – وذلك كلما كان القصد منها إزهاق الروح.
وحيث إنه متى كان ذلك, وكان بيان الأفعال التي عينها النص التشريعي المطعون فيه على النحو المتقدم لا يناهض أحكام الدستور الذي خول السلطة التشريعية في مجال تنظيمها للحقوق – وبما لا إخلال فيه بالمصلحة العامة – أن تحدد وفق أسس موضوعية ومن خلال النظم العقابية التي تقرها، أركان كل جريمة دون أن يفرض عليها طرائق بذاتها لضبطها تعريفاً بها, ودون إخلال بضرورة أن تكون الأفعال التي جرمتها هذه النظم قاطعة, في بيان الحدود الضيقة لنواهيها, فلا يشوبها الغموض أو تتداخل معها أفعال مشروعة يحميها الدستور, وكان من المقرر أن القوانين الجنائية لا تتناول إلا صور النشاط المحددة معالمها الواضحة حدودها, والتي يمكن ربطها بمضار اجتماعية، وكان القانون الجزائي معنياً بالأفعال الخارجية التي تناقض المصلحة المقصودة بالحماية أو التي يمكن أن تضر بها, وكان الركن المادي لكل جريمة يعكس التعبير الخارجي عن إرادة مرتكبها باعتبارها إرادة واعية مختارة يسيطر الفاعل من خلالها على ظروف مادية معينة, ابتغاء بلوغ نتيجة إجرامية تتمثل في الاعتداء على الحق الذي يحميه القانون, وكانت إرادة إتيان الأفعال محل التنظيم التشريعي الماثل مع العلم بالوقائع التي تعطيها دلالتها الإجرامية, هي التي يتوافر بها القصد الجنائي العام, فإن التنظيم العقابي المطعون عليه – وقد تحقق في الجريمة التي نص عليها ركناها المادي والمعنوي معاً – لا يكون مخالفاً للدستور.

فلهذه الأسباب

حكمت برفض الدعوى, وبمصادرة الكفالة، وألزمت المدعي المصروفات ومائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات