الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 23 لسنة 15 قضائية “دستورية” – جلسة 05 /02 /1994 

المحكمة الدستورية العليا – الجزء السادس
من أول يوليو 1993 حتى آخر يونيو 1995 – صـ 140

جلسة 5 فبراير سنة 1994

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر – رئيس المحكمة، وحضور السادة المستشارين: الدكتور محمد إبراهيم أبو العينين ومحمد ولي الدين جلال وفاروق عبد الرحيم غنيم وسامي فرج يوسف ومحمد على سيف الدين وعدلي محمود منصور – أعضاء، وحضور السيد المستشار/ نجيب جمال الدين علما – المفوض، وحضور السيد/ رأفت محمد عبد الواحد – أمين السر.

(القاعدة رقم 15)
القضية رقم 23 لسنة 15 قضائية "دستورية"

1 – رقابة على الشرعية الدستورية – دستور "ضمانة – وثيقة تقدميه".
الرقابة على الشرعية الدستورية تفترض دستوراً مدوناً جامداً, الدستور يمثل ضمانة رئيسية لإنقاذ الإرادة الشعبية في توجهها نحو مثلها الأعلى, وبوجه خاص في مجال إرسائها نظاماً للحكم لا يقوم على هيمنة السلطة وانفرادها, والدستور فوق هذا يولي الاعتبار الأول لمصالح الجماعة بما يصون مقوماتها، الدستور وثيقة تقدميه نابضة بالحياة, الشرعية الدستورية هي التي تكفل ارتكاز السلطة على الإرادة العامة وتقوم اعوجاجها, الدستور يظل دائما فوق كل هامة, معتلياً القمة في مدارج التنظيم القانوني, وله السيادة كحقيقة مستقر أمرها, مستعصية على الجدل.
2 – دستور "لا رقابة عليه: أساس ذلك".
الدستور لا يندرج في مفهوم القوانين التي تباشر المحكمة الدستورية العليا الرقابة عليها, النصوص الدستورية تغاير النصوص القانونية في مصدرها ومرتبتها. مباشرة كل من السلطتين التشريعية والتنفيذية ولايتها وفق القواعد التي ضبطها الدستور بها, النصوص القانونية التي أقرتها السلطة التشريعية أو أصدرتها السلطة التنفيذية تكون بالتالي – دون القواعد الدستورية – أهمية ووزناً، لأن الدستور يعتبر مرجعاً نهائياً لصحتها أو بطلانها.
3 – دستور "تكامل نصوصه – أثر ذلك:".
النصوص الدستورية لا تتعارض أو تتنافر فيما بينها, ولكنها تتكامل, ويتعين دوماً الاعتداد بهذه النصوص بوصفها متآلفة. لا محل – بالتالي – لقالة إلغاء بعضها البعض بقدر تصادمها، إنفاذ الوثيقة الدستورية يفترض العمل بها في مجموعها.
4 – دستور – قانون المحكمة الدستورية العليا "ولايتها".
قصر الدستور وقانون هذه المحكمة ولايتها – في مجال مراقبة الشرعية الدستورية – على النصوص التشريعية دون غيرها.
5 – المحكمة الدستورية العليا "تفسير الدستور".
تفسير هذه المحكمة للنصوص الدستورية لا يكون إلا من خلال خصومة قضائية تدخل في ولايتها.
6 – المحكمة الدستورية العليا "عدم انصراف رقابتها إلى النصوص الدستورية".
ليس للمحكمة الدستورية أن تفصل في طعن بعدم دستورية المادتين 76 و77 من الدستور.
1 – إن الرقابة على الشرعية الدستورية تفترض دستوراً مدوناً جامداً تتصدر أحكامه القواعد القانونية الأدنى مرتبة منها وتعلوها, ذلك أن الدستور يمثل أصلاً – وكلما كان مواكباً لتطور النظم الديمقراطية, هادفاً إلى حماية الحرية الفردية ودعم انطلاقها إلى آفاق مفتوحة تكون بذاتها عاصماً من جموح السلطة أو انحرافها – ضمانة رئيسية لإنفاذ الإرادة الشعبية في توجهها نحو مثلها الأعلى, وبوجه خاص في مجال إرسائها نظاماً للحكم لا يقوم على هيمنة السلطة وانفرادها، بل يعمل على توزيعها في إطار ديمقراطي بين الأفرع المختلفة التي تباشرها لضمان توازنها وتبادل الرقابة فيما بينها, وعلى أن يكون بعناصره مستجيباً للتطور, ملتزماً إرادة الجماهير، مقرراً مسئولية القائمين بالعمل العام أمامها, مبلوراً لطاقاتها وملكاتها, مقيداً بما يحول دون اقتحام الحدود المنطقية لحقوقها الثابتة ولحرياتها الأصلية, رادعاً بالجزاء كل إخلال بها أو نكول عنها، وكان الدستور فوق هذا يولي الاعتبار الأول لمصالح الجماعة بما يصون مقوماتها، ويكفل إنماء قيمها الاجتماعية والخلقية، بالغاً من خلال ضمانها ما يكون في تقديره محققاً للتكافل بين أفرادها, نابذاً انغلاقها، كافلاً الرعاية للحقائق العلمية, عاملاً على الارتقاء بالفنون على تباين ألونها, مقيماً حرية الإبداع على دعائمها, وكان الدستور بالحقوق التي يقررها، والقيود التي يفرضها – وأياً كان مداها أو نطاقها – لا يعمل في فراغ، ولا ينتظم مجرد قواعد آمرة لا تبديل فيها إلا من خلال تعديلها وفقاً للأوضاع التي ينص عليها, إذ هو وثيقة تقديمه نابضة بالحياة, تعمل, من أجل تطوير مظاهرها في بيئة بذاتها متخذة من الخضوع للقانون إطاراً لها. ولا مناص من الرجوع إليها تغليباً لأحكامها التي تتسنم القواعد الآمرة, ولأن الشرعية الدستورية في نطاقها, هي التي تكفل ارتكاز السلطة على الإرادة العامة، وتقوم اعوجاجها, ومنها تستمد السلطة فعاليتها, بما يعزز الأسس التي تنهض بها الجماعة ويرعى تقدمها. متى كان ما تقدم, وكان من المقرر أنه سواء كان الدستور قد بلغ غاية الآمال المعقودة عليه في مجال تنظيم العلاقة بين الدولة ومواطنيها, أم كان قد أغفل بعض جوانبها أو تجنبها, فإن الدستور يظل دائما فوق كل هامة, معتلياً القمة من مدارج التنظيم القانوني باعتبار أن حدوده قيد على كل قاعدة تدنوه بما يحول دون خروجها عليها, وهو ما عقد للدستور السيادة كحقيقة مستقر أمرها في الوجدان والضمير الجمعي, وهي بعد حقيقة مستعصية على الجدل رددتها ديباجة دستور جمهورية مصر العربية بإعلانها انعقاد عزم الإرادة الشعبية التي منحته لنفسها على الدفاع عنه وحماية وضمان احترامه, وليس لأحد بالتالي أن يكون لأحكام الدستور عصياً, ولا أن يُعرض عنها إنكاراً لها.
2 – إن الدستور لا يندرج في مفهوم القوانين التي تباشر المحكمة الدستورية العليا الرقابة عليها في نطاق ولايتها المنصوص عليها في صدر المادة 29 من قانونها, ذلك أن الدستور مظهر الإرادة الشعبية ونتاجها في تجمعاتها المختلفة المترامية على امتداد النطاق الإقليمي للدولة, ولا يعدو تبنيها للدستور أن يكون توكيداً لعزمها على أن تصوغ الدولة – بمختلف تنظيماتها – تصرفاتها وأعمالها وفق أحكامه, باعتباره قاعدة لنظام الحكم فيها, وإطاراً ملزماً لحقوق الجماهير وحرياتها, وعماداً للحياة الدستورية بكل أقطارها. وهو بذلك ضابط لها يحدد ملامحها ويقيم بنيانها, وفق قواعد جامدة لا يجوز تعديلها بإتباع الأوضاع الإجرائية التي تعدل بها القوانين الصادرة من السلطة التشريعية، بل وفق قواعد شكلية معقدة متزمتة, هي تلك المنصوص عليها في المادة 189 من الدستور, بما مؤداه أن النصوص الدستورية تغاير النصوص القانونية في مصدرها ومرتبتها, وهي مغايرة لازمها أن تكون الإرادة الأعلى التي تصدر عنها النصوص الدستورية مُحددة – إملاءً – للقيود التي تعمل السلطتان التشريعية والتنفيذية في إطارها, ومبلورة لقواعد آمرة هي الأحق بالنزول عليها احتكاماً إليها وامتثالاً لها. وإذ كان الدستور قد أقام كلاً من السلطتين التشريعية والتنفيذية, مبيناً حدود العلاقة بينهما لتباشر كل منهما ولايتها وفق القواعد التي ضبطها الدستور بها, فإن تأسيس هاتين السلطتين على مقتضى أحكام الدستور, يفترض انبثاقهما عن قواعده, ويدل على أن النصوص القانونية التي أقرتها السلطة التشريعية أو أصدرتها السلطة التنفيذية – وأياً كان موضعها أو نطاق تطبيقها أو طبيعة الموضوع الذي تتولاه بالتنظيم – هي في حقيقة تكييفها ومنزلتها, دون القواعد الدستورية أهمية ووزناً, ذلك أن مشروعيتها الدستورية لا تقاس إلا على ضوء أحكام الدستور, الشكلية منها والموضوعية. ومن ثم يكون الدستور مرجعاً نهائياً لصحتها أو بطلانها.
3 – النصوص الدستورية لا تتعارض أو تتهادم أو تتنافر فيما بينها, ولكنها تتكامل في إطار الوحدة العضوية التي تنتظمها من خلال التوفيق بين مجموع أحكامها وربطها بالقيم العليا التي تؤمن بها الجماعة في مراحل تطورها المختلفة. ويتعين دوماً أن يعتد بهذه النصوص بوصفها متآلفة فيما بينها لا تتماحى أو تتآكل، بل تتجانس معانيها وتتضافر توجهاتها, ولا محل بالتالي لقالة إلغاء بعضها البعض بقدر تصادمها، ذلك أن إنفاذ الوثيقة الدستورية وفرض أحكامها على المخاطبين بها, يفترض العمل بها في مجموعها, وشرط ذلك اتساقها وترابطها والنظر إليها باعتبار أن لكل نص منها مضموناً ذاتياً لا ينعزل به عن غيره من النصوص أو ينافيها أو يسقطها, بل يقوم إلى جوارها متسانداً معها, مقيداً بالأغراض النهائية والمقاصد الكلية التي تجمعها.
4 – قصر الدستور وقانون المحكمة الدستورية العليا كلاهما, ولايتها – في مجال مراقبة الشرعية الدستورية – على النصوص القانونية دون غيرها, سواء في ذلك تلك التي أقرتها السلطة التشريعية، أو التي أصدرتها السلطة التنفيذية في حدود صلاحياتها الدستورية. القول بإخضاع الدستور لرقابتها, يجاوز حدود ولايتها، ويقوض تخومها.
5 – إن تفسير المحكمة الدستورية العليا للنصوص الدستورية لا يكون إلا من خلال خصومة قضائية تدخل في ولايتها, وترفع إليها وفقاً للأوضاع المنصوص عليها في قانونها, وكلما كان إعمال النصوص الدستورية – في نطاق هذه الخصومة – لازماً للفصل في المسائل التي تثيرها والتي تدعي هذه المحكمة لتقول كلمتها فيها. وأكثر ما يقع ذلك في الدعاوى الدستورية, إذ يتحدد موضوعها بالفصل في التعارض المدعي به بين نص تشريعي, وقاعدة في الدستور.
6 – النعي على المادتين 76 و77 من الدستور – اللتان تعرضان لطريقة ترشيح رئيس الجمهورية, ومدة ولايته – إهدارها للأحكام التي تضمنها بابه الثالث الخاص بالحريات والحقوق والواجبات العامة, وإخلالهما بوجه خاص بمبدأ المساواة أمام القانون المنصوص عليه في المادة 40 من الدستور, وكذلك بحق كل مواطن في الانتخاب، والترشيح، وإبداء الرأي في الاستفتاء، لا يعدو أن يكون طلباً بتسليط رقابة المحكمة الدستورية العليا على النصوص الدستورية ذاتها, وهو ما يخرج عن ولايتها المنصوص عليها في المادة 29 من قانونها.


الإجراءات

بتاريخ 27 يونيه 1993 أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا, طالباً الحكم أولاً: بقبول الدعوى شكلاً, وفي الموضوع بعدم دستورية نص المادتين 76, 77 من الدستور لتعارضهما مع أحكام بابه الثالث الخاص بالحريات، والحقوق، والواجبات العامة, وخاصة المادتين 40، 62 منه, وما يترتب على ذلك من آثار من حيث إلغاء هذين النصين، أو تفسيرهما بما يتفق وحكم الدستور.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة بدفاعها.
وبعد تحضير الدعوى, أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة, وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الإطلاع على الأوراق, والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعي أقامها بوصفها دعوى أصلية طالباً أصلياً الحكم بعدم دستورية المادتين 76, 77 من الدستور، واحتياطياً تفسير هاتين المادتين بما يتفق وأحكام الدستور, وقال شرحاً لها: إن الرقابة على دستورية القوانين في مصر مرت بمراحل متعددة بلغت نهاية مطافها بالقانون رقم 48 لسنة 1979 بإصدار قانون المحكمة الدستورية العليا, وأنه وإن كانت المادة 29 من هذا القانون قد خولت هذه المحكمة مباشرة رقابتها على دستورية القوانين واللوائح من خلال الدفع الفرعي, إلا أن نصوص الدستور لا تحول دون نظر الدعوى الأصلية بعدم الدستورية باعتبار أن من كان مختصاً بالفرع يكون كذلك مختصاً بالأصل. هذا بالإضافة إلى أنه من غير المنطقي أن يؤول إلى المحكمة الدستورية العليا أمر الرقابة التي كانت للمحاكم على اختلافها مع حرمانها من مواجهة المسائل الدستورية عن طريق الدعوى الأصلية التي تعتبر المجال الطبيعي لرقابتها, ولو كان الأمر المعروض عليها متعلقاً بالتعارض بين نصين في الدستور، أو بالتفسير الصحيح لهما, إذ يمتد اختصاص المحكمة الدستورية العليا إلى هاتين الحالتين باعتبار أن الدستور يعد قانوناً أساسياً لا يجوز أن تتعارض أحكامه فيما بينها, ولأن أعمال أحكام الدستور دون تناقض, أو تفسيرها بما يوفق بينها, لا يعتبر تعديلاً لها بل توكيداً لمضمونها لضمان احترامها وتجانسها.
وحيث إن المدعي أقام دعواه الأصلية الماثلة بمقولة أن المادتين 76, 77 من الدستور، تناقضان الأحكام التي تضمنها بابه الثالث الخاص بالحريات والحقوق والواجبات العامة, وبوجه خاص المادتان 40, 62 منه، ذلك أن أولى المادتين المطعون عليهما تنظم ترشيح السلطة التشريعية لرئيس الجمهورية, وتورث ثانيتهما هذه الوظيفة بإجازتها تولى أعبائها بصفة مؤبدة, وهو ما يتعارض بوجه خاص ومبدأ مساواة المواطنين أمام القانون المنصوص عليه في المادة 40 من الدستور, ويخل كذلك بما قررته المادة 62 منه, من ضمان حق كل مواطن في الانتخاب والترشيح, وإبداء الرأي في الاستفتاء وفقاً لأحكام القانون.
وحيث إن ما ساقه المدعي مردود – أولاً – بأن الرقابة على الشرعية الدستورية تفترض دستوراً مدوناً جامداً تتصدر أحكامه القواعد القانونية الأدنى مرتبة منها وتعلوها, ذلك أن الدستور يمثل أصلاً – وكلما كان مواكباً لتطور النظم الديمقراطية, هادفاً إلى حماية الحرية الفردية ودعم انطلاقها إلى آفاق مفتوحة تكون بذاتها عاصماً لمن جموح السلطة أو انحرافها – ضمانة رئيسية لإنفاذ الإرادة الشعبية في توجهها نحو مثلها الأعلى, وبوجه خاص في مجال إرسائها نظاماً للحكم لا يقوم على هيمنة السلطة وانفرادها، بل يعمل على توزيعها في إطار ديمقراطي بين الأفرع المختلفة التي تباشرها لضمان توازنها وتبادل الرقابة فيما بينها, وعلى أن يكون بعناصره مستجيباً للتطور, ملتزماً إرادة الجماهير، مقرراً مسئولية القائمين بالعمل العام أمامها, مبلوراً لطاقاتها وملكاتها, مقيداً بما يحول دون اقتحام الحدود المنطقية لحقوقها الثابتة ولحرياتها الأصلية, رادعاً بالجزاء كل إخلال بها أو نكول عنها، وكان الدستور فوق هذا يولي الاعتبار الأول لمصالح الجماعة بما يصون مقوماتها، ويكفل إنماء قيمها الاجتماعية والخلقية، بالغاً من خلال ضمانها ما يكون في تقديره محققاً للتكافل بين أفرادها, نابذاً انغلاقها، كافلاً الرعاية للحقائق العلمية, عاملاً على الارتقاء بالفنون على تباين ألونها, مقيماً حرية الإبداع على دعائمها, وكان الدستور بالحقوق التي يقررها، والقيود التي يفرضها – وأياً كان مداها أو نطاقها – لا يعمل في فراغ، ولا ينظم مجرد قواعد آمرة لا تبديل فيها إلا من خلال تعديلها وفقاً للأوضاع التي ينص عليها, إذ هو وثيقة تقدميه نابضة بالحياة, تعمل, من أجل تطوير مظاهرها في بيئة بذاتها متخذة من الخضوع للقانون إطاراً لها, ولا مناص من الرجوع إليها، تغليباً لأحكامها التي تتسنم القواعد الآمرة, ولأن الشرعية الدستورية في نطاقها. هي التي تكفل ارتكاز السلطة على الإرادة العامة، وتقوم اعوجاجها, ومنها تستمد السلطة فعاليتها, بما يعزز الأسس التي تنهض بها الجماعة ويرعي تقدمها. متى كان ما تقدم, وكان من المقرر أنه سواء كان الدستور قد بلغ غاية الآمال المعقودة عليه في مجال تنظيم العلاقة بين الدولة ومواطنيها, أم كان قد أغفل بعض جوانبها أو تجنبها, فإن الدستور يظل دائما فوق كل هامة, معتلياً القمة من مدارج التنظيم القانوني، باعتبار أن حدوده قيد على كل قاعدة تدنوه بما يحول دون خروجها عليها, وهو ما عقد للدستور السيادة كحقيقة مستقر أمرها في الوجدان والضمير الجمعي, وهي بعد حقيقة مستعصية على الجدل رددتها ديباجة دستور جمهورية مصر العربية بإعلانها انعقاد عزم الإرادة الشعبية التي منحته لنفسها على الدفاع عنه وحماية وضمان احترامه, وليس لأحد بالتالي أن يكون لأحكام الدستور عصياً, ولا أن يعرض عنها إنكاراً لها.
ومردود – ثانياً – بأن الدستور لا يندرج في مفهوم القوانين التي تباشر المحكمة الدستورية العليا الرقابة عليها في نطاق ولايتها المنصوص عليها في صدر المادة 29 من قانونها, ذلك أن الدستور مظهر الإرادة الشعبية ونتاجها في تجمعاتها المختلفة المترامية على امتداد النطاق الإقليمي للدولة, ولا يعدو تبنيها للدستور أن يكون توكيداً لعزمها على أن تصوغ الدولة – بمختلف تنظيماتها – تصرفاتها وأعمالها وفق أحكامه, باعتباره قاعدة لنظام الحكم فيها, وإطاراً ملزماً لحقوق الجماهير وحرياتها, وعماداً للحياة الدستورية بكل أقطارها، وهو بذلك ضابط لها يحدد ملامحها ويقيم بنيانها, وفق قواعد جامدة لا يجوز تعديلها بإتباع الأوضاع الإجرائية التي تعدل بها القوانين الصادرة من السلطة التشريعية، بل وفق قواعد شكلية معقدة متزمتة, هي تلك المنصوص عليها في المادة 189 من الدستور, بما مؤداه: أن النصوص الدستورية تغاير النصوص القانونية في مصدرها ومرتبتها, وهي مغايرة لازمها أن تكون الإرادة الأعلى التي تصدر عنها النصوص الدستورية مُحددة – إملاءً – للقيود التي تعمل السلطتان التشريعية والتنفيذية في إطارها, ومبلورة لقواعد آمرة هي الأحق بالنزول عليها احتكاماً إليها وامتثالاً لها. وإذ كان الدستور قد أقام كلاً من السلطتين التشريعية والتنفيذية, مبيناً حدود العلاقة بينهما لتباشر كل منهما ولايتها وفق القواعد التي ضبطها الدستور بها, فإن تأسيس هاتين السلطتين على مقتضى أحكام الدستور, يفترض انبثاقهما عن قواعده, ويدل على أن النصوص القانونية التي أقرتها السلطة التشريعية، أو أصدرتها السلطة التنفيذية – وأياً كان موضعها أو نطاق تطبيقها أو طبيعة الموضوع الذي تتولاه بالتنظيم – هي في حقيقة تكييفها ومنزلتها, دون القواعد الدستورية أهمية ووزناً, ذلك أن مشروعيتها الدستورية لا تقاس إلا على ضوء أحكام الدستور, الشكلية منها والموضوعية، ومن ثم يكون الدستور مرجعاً نهائياً لصحتها أو بطلانها.
ومردود – ثالثاً – بأن النصوص الدستورية لا تتعارض أو تتهادم أو تتنافر فيما بينها, ولكنها تتكامل في إطار الوحدة العضوية التي تنتظمها من خلال التوفيق بين مجموع أحكامها، وربطها بالقيم العليا التي تؤمن بها الجماعة في مراحل تطورها المختلفة. ويتعين دوماً أن يعتد بهذه النصوص بوصفها متآلفة فيما بينها لا تتماحى أو تتآكل، بل تتجانس معانيها وتتضافر توجهاتها, ولا محل بالتالي لقالة إلغاء بعضها بالبعض بقدر تصادمها، ذلك أن إنفاذ الوثيقة الدستورية وفرض أحكامها على المخاطبين بها, يفترض العمل بها في مجموعها, وشرط ذلك اتساقها وترابطها والنظر إليها باعتبار أن لكل نص منها مضموناً ذاتياً لا ينعزل به عن غيره من النصوص أو ينافيها أو يسقطها, بل يقوم إلى جوارها متسانداً معها, مقيداً بالأغراض النهائية والمقاصد الكلية التي تجمعها.
ومردود – رابعاً – بأن الدستور وقانون المحكمة الدستورية العليا كلاهما – إذ قصرا ولاية المحكمة الدستورية العليا – في مجال مراقبة الشرعية الدستورية – على النصوص القانونية دون غيرها, سواء في ذلك تلك التي أقرتها السلطة التشريعية، أو التي أصدرتها السلطة التنفيذية في حدود صلاحياتها الدستورية, فإن قالة إخضاع الدستور لهذه الرقابة, تكون مجاوزة حدود هذه الولاية، مقوضة لتخومها.
وحيث إن المدعي توخى بطلبه الاحتياطي أن تفسر المحكمة الدستورية العليا نص المادتين 76, 77 من الدستور بما يزيل ما تصوره من تعارض بينهما وبين أحكامه.
وحيث إن هذا الطلب مردود بأن تفسير المحكمة الدستورية العليا للنصوص الدستورية لا يكون إلا من خلال خصومة قضائية تدخل في ولايتها, وترفع إليها وفقاً للأوضاع المنصوص عليها في قانونها, وكلما كان إعمال النصوص الدستورية – في نطاق هذه الخصومة – لازماً للفصل في المسائل التي تثيرها والتي تدعي هذه المحكمة لتقول كلمتها فيها. وأكثر ما يقع ذلك في الدعاوى الدستورية, إذ يتحدد موضوعها بالفصل في التعارض المدعي به بين نص تشريعي, وقاعدة في الدستور.
متى كان ذلك، وكان الطلب الاحتياطي المقدم من المدعي لا يطرح على المحكمة الدستورية العليا خصومة قضائية مما تقدم, بل يقوم في مبناه على قالة تصادم بعض النصوص الدستورية وتماحيها بإدعاء تعارضها فيما بينها, فإن هذا الطلب يكون بدوره مجاوزاً ولاية المحكمة الدستورية العليا.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم اختصاصها بنظر الدعوى وبمصادرة الكفالة، وألزمت المدعي المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات