الطعن رقم 22 لسنة 12 قضائية “دستورية” – جلسة 01 /01 /1994
المحكمة الدستورية العليا – الجزء السادس
من أول يوليو 1993 حتى آخر يونيو 1995 – صـ 105
جلسة أول يناير سنة 1994
برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر – رئيس المحكمة، وحضور السادة المستشارين: محمد إبراهيم أبو العينين وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامي فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد عبد القادر عبد الله – أعضاء، وحضور السيد المستشار/ نجيب جمال الدين علما – المفوض، وحضور السيد/ رأفت محمد عبد الواحد – أمين السر.
(القاعدة رقم 10)
القضية رقم 22 لسنة 12 قضائية "دستورية"
1 – تشريع "المادة 23 من القانون رقم 136 لسنة 1981: بطلان البيع
اللاحق ولو كان مسجلاً".
الفقرة الأولى من المادة 23 من القانون رقم 136 لسنة 1981 بشأن بعض الأحكام الخاصة
بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر, حكمها: بطلان كل تصرف ببيع
الوحدة – لاحق لتاريخ بيعها الأول – ولو كان مسجلاً.
2 – دستور "صون الملكية الخاصة" – حق الملكية "تنظيمه تشريعياً – وظيفتها الاجتماعية".
حرص الدستور على صون الملكية الخاصة وكفالة عدم المساس بها إلا على سبيل الاستثناء.
حق الملكية لم يعد حقاً مطلقاً, أو عصياً على التنظيم التشريعي. تحميل الملكية بالقيود
التي تقتضيها وظيفتها الاجتماعية جائز. ومن المتعين أن ينظم القانون أداء هذه الوظيفة,
مهتدياً بوجه خاص بالقيم التي تنحاز إليها الجماعة في مرحلة معينة من مراحل تطورها,
وبمراعاة أن هذه القيود تبتغي خير الفرد والجماعة.
3 – دستور "الملكية الخاصة غير القائمة على الاستغلال".
المادة 32 من الدستور. كفالتها حماية الملكية الخاصة غير القائمة في جوهرها على الاستغلال
ودعمها بشرط قيامها على الوظيفة الاجتماعية التي يبين المشرع حدودها. صون الملكية من
العدوان عليها, رهن بنأيها عن الاستغلال, والتزامها مصالح الجماعة والعمل على تحقيقها.
4 – سلطة تقديرية – تشريع "الفقرة الأولى من المادة 23 من القانون رقم 136 لسنة 1981
– بطلان البيع اللاحق: أساسه".
تقرير النص التشريعي المطعون فيه أن الأسبق إلى شراء وحدة من مالكها – ولو قبل تسجيل
عقده – هو الأجدر بالحماية ضماناً للثقة المشروعة في التعامل, بطلان البيع اللاحق لهذه
الوحدة باعتبار أن محلها أصبح من الأموال التي لا يجوز التعامل فيها, وصار منهياً عنه
قانوناً بالتالي. صدوره في نطاق السلطة التقديرية للمشرع – في مجال تنظيم الحقوق.
5 – تشريع "الفقرة الأولى من المادة 23 من القانون رقم 136 لسنة 1981: قاعدة آمرة:
مصلحة مشروعة".
انطواء النص التشريعي المطعون فيه, على قاعدة آمرة ناهية, تقريره على ضوء أسس موضوعية
بعد أن شاع التعامل في الوحدة أكثر من مرة انحرافا عن الحق وتمادياً في الباطل, وكان
أمراً محتوماً أن يقرر المشرع بطلان البيوع اللاحقة جميعها بطلاناً مطلقاً حماية لمصلحة
عامة لا يجوز أن تختل, وبثاً للثقة المشروعة في التعامل.
6 – تشريع "النص التشريعي المشار إليه – لا مخالفة للدستور: أساس ذلك".
ما قرره نص الفقرة الأولى من المادة 23 المشار إليها, لا مخالفة فيه للدستور, ذلك أنه
سرى بأثر مباشر اعتباراً من تاريخ العمل به, وتحدد مجال البطلان وفقاً لحكمه بالبيوع
اللاحقة التي تم بيع الوحدة ذاتها لغير من تعاقد معه مالكها على شرائها منه أولاً,
وارتداد هذا البطلان إلى قاعدة آمرة أصون لمصالح الجماعة, بوصفها واقعة في المجال الطبيعي
للنظام العام. نص المادة 135 من القانون المدني على بطلان العقد إذا كان محله مخالفاً
للنظام العام, تقرير النص التشريعي المطعون فيه بطلان عقد البيع اللاحق, وبالتالي تجريده
من الآثار المترتبة عليه كعمل قانوني, يعني أن تسجيله يكون معدوم الأثر, لوروده على
غير محل.
7 – تشريع "النص المشار إليه – انعدام البيع اللاحق".
من المقرر أن الأسبق إلى تسجيل العقد, هو الأحق والأجدر بنقل الملكية إليه, إلا أن
المفاضلة بين عقدين تغليباً لأحدهما, يفترض أن هذين العقدين مستوفيان لأركانهما ولشروط
صحتهما, وهو ما تخلف في تطبيق أحكام النص التشريعي المطعون فيه. ذلك أن عقد البيع اللاحق
– وقد اعتبر باطلاً بطلاناً مطلقاً وفقا لهذا النص – قد أضحى منعدماً. وذلك خلافاً
للعقد الأول الذي لا شبهة في صحته ونفاذه, فضلاً عن أن تسجيل عقد ما لا يدل بالضرورة
على صحته ونفاذه.
8 – تشريع "النص التشريعي المطعون فيه – تدخل المحكمة الجنائية – مصدر البطلان".
تدخل المحكمة الجنائية لا يعتبر لازماً لتقرير بطلان عقد البيع اللاحق وفقاً للنص التشريعي
المطعون فيه, ذلك أن القاعدة الآمرة التي تضمنها هذا النص, تعد بذاتها مصدراً مباشراً
لبطلان هذا العقد.
9 – المحكمة الدستورية العليا "نصوص المرتبة الواحدة".
عدم امتداد اختصاص هذه المحكمة بالفصل في المسائل الدستورية إلى حالات التعارض بين
القوانين واللوائح, أو بين التشريعات ذات المرتبة الواحدة.
1 – تنص الفقرة الأولى من المادة 23 من القانون رقم 136 لسنة 1981 في شأن بعض الأحكام
الخاصة بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر, على أن يعاقب بعقوبة
جريمة النصب المنصوص عليها في قانون العقوبات، المالك الذي يتقاضى بأية صورة من الصور,
بذاته أو بالوساطة, أكثر من مقدم عن ذات الوحدة, أو يؤجرها لأكثر من مستأجر, أو يبيعها
لغير من تعاقد معه على شرائها, ويبطل كل تصرف بالبيع لاحق لهذا التاريخ ولو كان مسجلاً".
2 – حرص الدستور على صون الملكية الخاصة, وكفل عدم المساس بها إلا على سبيل الاستثناء,
وفي الحدود وبالقيود التي أوردها باعتبارها مترتبة – في الأصل – على الجهد الخاص الذي
بذله الفرد بكده وعرقه، وبوصفها حافزة إلى الانطلاق والتقدم, إذ يختص دون غيره بالأموال
التي يملكها, وتهيئة الانتفاع المفيد لها لتعود إليه ثمارها ومنتجاتها وملحقاتها, وكانت
الأموال التي يرد عليها حق الملكية, تعد كذلك من مصادر الثروة القومية التي لا يجوز
التفريط فيها, أو استخدامها على وجه يعوق التنمية, أو يعطل مصالح الجماعة, وكانت الملكية
في إطار النظم الوضعية التي تزاوج بين الفردية وتدخل الدولة، لم تعد حقاً مطلقاً، ولا
هي عصية على التنظيم التشريعي, وإنما يجوز تحميلها بالقيود التي تقتضيها وظيفتها الاجتماعية,
وهي وظيفة يتحدد نطاقها ومرماها على ضوء طبيعة الأموال محل الملكية, والأغراض التي
ينبغي توجيهها إليها, وبمراعاة الموازنة التي يجريها المشرع، ويرجح من خلالها ما يراه
من المصالح, أولى بالرعاية وأجدر بالحماية على ضوء أحكام الدستور, متى كان ذلك. تعين
أن ينظم القانون أداء هذه الوظيفة مهتدياً – بوجه خاص – بالقيم التي تنحاز إليها الجماعة
في مرحلة معينة من مراحل تطورها, وبمراعاة أن القيود التي تفرضها الوظيفة الاجتماعية
على حق الملكية للحد من إطلاقها، لا تعتبر لذاتها, بل غايتها خير الفرد والجماعة.
3, 4 – كفل الدستور في مادته الثانية والثلاثين, حماية الملكية الخاصة التي لا تقوم
في جوهرها على الاستغلال. وهو يرد انحرافها كلما كان استخدامها متعارضاً مع الخير العام
للجماعة, مؤكداً دعمها بشرط قيامها على الوظيفة الاجتماعية التي يبين المشرع حدودها,
مراعياً في ذلك أن تعمل في خدمة الاقتصاد القومي, وفي إطار خطة التنمية, وكان البين
من الأحكام التي اختص بها الدستور الملكية الخاصة، أن صونها من العدوان رهن بتوافر
الشرائط التي تطلبها فيها، ويندرج تحتها نأيها عن الاستغلال, والتزامها مصالح الجماعة
والعمل على تحقيقها, ودون مناهضتها بالاتفاق على خلافها, وكان المشرع في نطاق سلطته
التقديرية في مجال تنظيم الحقوق, قد سن النص المطعون فيه، مقرراً العمل به من تاريخ
نشره, ودالاً بمقتضاه على أن الأسبق إلى شراء وحدة من مالكها – ولو كان ذلك قبل تسجيل
عقده, وبقاؤها بالتالي من الناحية القانونية على ذمة من ابتاعها منه – هو الأجدر بالحماية
ضماناً للثقة المشروعة في التعامل. فإذا باع مالكها الوحدة ذاتها لغير من تعاقد معه
على شرائها أولاً, كان ذلك نوعاً من التعامل فيها يقوم على التحايل والانتهاز, وهو
ما دعا المشرع إلى أن يبطل البيوع اللاحقة للتصرف الأول فيها, باعتبار أن محلها قد
غدا من الأموال التي لا يجوز التعامل فيها – لا بناء على طبيعتها, ولا لأن بيعها يعتبر
منافياً للغرض الذي خصص لها ورصدت عليه – وإنما لأن هذا التعامل يعتبر منهياً عنه بنص
في القانون, وغير مشروع بالتالي.
5, 6 – النص المطعون فيه – فيما تضمنه من قاعدة آمرة ناهية – قد تقرر على ضوء أسس موضوعية,
بعد أن شاع التعامل في الوحدة الواحدة أكثر من مرة, انحرافاً عن الحق وتمادياً في الباطل,
واستمرار للزور والبهتان, وجلباً للمال الحرام وإيثاراً وإثراءً, وضماناً لموارد متجددة
اهتبالاً وانتهاباً, وافتئاتاً, على الحقوق الثابتة إنكاراً, وسعياً من مالكه لنقض
ما تم من جهته عدواناً, فقد كان أمراً محتوماً أن يرده المشرع على أعقابه بإهدار سوء
قصده جزاءً وفاقاً، وأن يقرر بالتالي – وزجراً لتلاعبه – بطلان البيوع اللاحقة جميعها
– وقوامها الانتهاز والتحايل على ما سلف البيان – بطلاناً مطلقاً لضمان انعدامها، باعتبار
أن العدم لا يصير وجوداً ولو أجيز, ولأن بطلان هذه البيوع مؤداه أن لكل ذي مصلحة أن
يتمسك ببطلانها, وللمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها. ولا يعدو بطلان العقد أن يكون
جزءاً على عدم استجماعه لأركانه كاملة مستوفية لشروطها, وهو ما نحاه النص المطعون عليه
بناء على اعتبارات موضوعية, ولحماية مصلحة عامة لا يجوز أن تختل, ضماناً لتعامل يتوخى
رعاية الحقوق لا إهدارها أو الانتقاص منها, وبثاً للثقة المشروعة التي ينبغي أن يكون
محاطاً بها، ملتزماً إطارها, وقمعاً لكل صور الانحراف التي تفسد المعاملات وتنال منها,
ولو كان محل الالتزام قد أضحى غير مشروع حكماً – لا طبيعة – بناء على نص ناه في القانون.
ولا مخالفة في ذلك كله للدستور, ذلك أن النص المطعون فيه قد سرى بأثر مباشر اعتباراً
من تاريخ العمل به, وتحدد مجال البطلان – وفقاً لأحكامه – بالعقود اللاحقة التي تم
بها بيع الوحدة ذاتها لغير من تعاقد مالكها على شرائها منه أولاً. وارتد هذا البطلان
إلى قاعدة آمرة لا يجوز التحلل منها, أو إهدارها, باعتبارها أصون للمصالح الاجتماعية
والاقتصادية المرتبطة بها, وأدعى إلى تنحية المصلحة الفردية التي تناقضها, وبوصفها
واقعة في المجال الطبيعي للنظام العام, وهو يتحدد دائرة ومفهوماً, تخوماً ونطاقاً,
على ضوء العوامل الاجتماعية والاقتصادية الغالبة في بيئة بذاتها خلال زمن معين. متى
كان ذلك. وكان القانون المدني قد نص في المادة 135 على أنه إذا كان محل الالتزام مخالفاً
للنظام العام, وكان العقد باطلاً, وكان النص المطعون فيه دامغاً لمشروعية المحل في
عقود البيع اللاحقة, ومقرراً بطلانها, مجرداً إياها من الآثار المترتبة عليها كأعمال
قانونية, فإن تسجيلها يكون معدوم الأثر لوروده على غير محل, ذلك أن العقد الباطل منعدم
وجوداً من الناحية القانونية, وَهو انعدام لا تتعدد مراتبه أو تتدرج, بل هو درجة واحدة
لا تفاوت فيها. وبه يعود المتعاقدان إلى الحالة التي كانا عليها عند التعاقد, ما لم
يكن ذلك مستحيلاً, فيجوز عندئذ الحكم بتعويض عادل.
7 – ما قرره المدعي من أن النص المطعون فيه مخالف للدستور, تأسيساً على أنه اعتمد العقد
الأسبق غير المسجل, الذي لا ينشئ إلا مجرد التزامات شخصية, منحياً بذلك الأثر المترتب
على تسجيل العقد اللاحق, ممثلاً في خروج الوحدة المتنازع عليها من ملك المتصرف فيها,
سواء كان ذلك بالنسبة إلى المتعاقدين أو في مواجهة الغير, مردود [أولاً] بأن المفاضلة
بين عقدين تغليباً لأحدهما وترجيحاً لأحد المركزين القانونيين على الآخر, يفترض أن
هذين العقدين مستوفيان لأركانهما ولشروط صحتهما, وهو ما تخلف في تطبيق أحكام النص التشريعي
المطعون عليه, ذلك أن عقد البيع اللاحق – وقد اعتبر باطلاً بطلاناً مطلقاً بناء على
نص ناه في القانون – قد أضحى منعدماً لا مجال لإنفاذه, بيما مؤداه زوال كافة الآثار
التي رتبها وعودة الأوضاع إلى حالها قبل إبرامه, كلما كان ذلك ممكناً, وذلك خلافاً
للعقد الأول إذ لا شبهة في صحته ونفاذه, وترتيبه التزاماً شخصياً على البائع بالعمل
على اتخاذ الإجراءات اللازمة لنقل ملكية المبيع. ومردود [ثانياً] بأن تسجيل عقد ما,
لا يدل بالضرورة على صحته ونفاذه, ذلك أن العقد المسجل قد يكون صورياً, أو باطلاً,
أو مستحيل التنفيذ, أو منفسخاً.
8 – لا محل للقول بأن تدخل المحكمة الجنائية يعتبر لازماً لتقرير بطلان عقد البيع اللاحق
في شأن الوحدة ذاتها إعمالاً للنص المطعون فيه الذي اعتبر مالكها متصرفاً فيها بهذا
العقد مخاتلة أو تواطؤاً، ومرتبكاً بالتالي لجريمة تحددت عقوبتها, لا محل لذلك, ذلك
أن البيع اللاحق أبرم بالمخالفة لقاعدة آمرة تعد بذاتها مصدراً مباشراً لبطلانه, ومجرد
إعمالها يعتبر كافياً لإيقاع الجزاء المقترن بها.
9 – ما جرى عليه قضاء المحكمة الدستورية العليا, هو أن اختصاصها بالفصل في المسائل
الدستورية, مبناه مخالفة نص في قانون أو لائحة لقاعدة في الدستور, فلا يمتد لحالات
التعارض بين القوانين واللوائح, أو بين التشريعات ذات المرتبة الواحدة.
الإجراءات
بتاريخ 14 أبريل 1990 أودع المدعي قلم كتاب المحكمة صحيفة الدعوى
الماثلة, طالباً الحكم بعدم دستورية نص المادة 23/ 1 من القانون رقم 136 لسنة 1981,
فيما تضمنه من اعتبار التصرفات التالية للتصرف الأول بالبيع, باطلة ولو كانت مسجلة,
مع إلزام المدعي عليهما الخامس والسادس بالمصروفات ومقابل الأتعاب.
قدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت في ختامها الحكم: أصلياً بعدم قبول الدعوى, واحتياطياً
برفضها.
وبعد تحضير الدعوى, أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها. ونظرت الدعوى على الوجه المبين
بمحضر الجلسة, وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الإطلاع على الأوراق, والمداولة.
وحيث إن الوقائع على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعي عليها
الخامسة, كانت قد اشترت من مورثة المدعي عليهم في الدعوى الماثلة, العقار المبين الحدود
والمعالم بالأوراق, بموجب عقد البيع الابتدائي المؤرخ 20/ 7/ 1978, كما قام الورثة
أنفسهم – بعد وفاة مورثتهم المذكورة وبوصفهم خلفاً عاماً لها – ببيع العقار ذاته مرة
ثانية, إلى المدعي في الدعوى الماثلة بموجب عقد البيع المشهر برقم 620 لسنة 1988 توثيق
شمال القاهرة بتاريخ 28/ 2/ 1988, مما حمل المشتري الأول على أن يقيم أمام محكمة الزيتون
الجزئية الدعوى المقيدة برقم 193 لسنة 1989 التي قضى فيها ببطلان عقد البيع المشهر
المشار إليه آنفاً, ومحو التسجيلات الخاصة به وبصحة ونفاذ عقد البيع المؤرخ 20/ 7/
1978 وبرفض طلب فسخه, وإذ طعن على هذا الحكم استئنافياً أمام محكمة شمال القاهرة الابتدائية
(مدني مستأنف شمال القاهرة)، وكان الحاضر عن المدعي في الدعوى الماثلة, قد دفع بعدم
دستورية نص الفقرة الأولى من المادة 23 من القانون رقم 136 لسنة1981, في شأن بعض الأحكام
الخاصة بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر, وكانت محكمة الموضوع
قد قدرت جدية دفعه, فقد أقام الدعوى الراهنة, وحصر في صحيفتها المسألة الدستورية في
الجملة الأخيرة الواردة في الفقرة الأولى من المادة 23 المشار إليها ونصها "ويبطل كل
تصرف بالبيع لاحق لهذا التاريخ ولو كان مسجلاً".
وحيث إن الفقرة الأولى من المادة 23 من القانون رقم 136 لسنة 1981 في شأن بعض الأحكام
الخاصة بتأجير وبيع الأماكن، وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر, تنص على أن يعاقب
بعقوبة جريمة النصب المنصوص عليها في قانون العقوبات، المالك الذي يتقاضى بأية صورة
من الصور, بذاته أو بالوساطة, أكثر من مقدم عن ذات الوحدة, أو يؤجرها لأكثر من مستأجر,
أو يبيعها لغير من تعاقد معه على شرائها, ويبطل كل تصرف بالبيع لاحق لهذا التاريخ ولو
كان مسجلاً.
وحيث إن المدعي ينعي على الفقرة المشار إليها, أن ما تضمنته من بطلان البيع اللاحق
ولو كان مسجلاً, ينطوي على إهدار لأحكام القانون المدني, وقانون التسجيل خاصة بعد أن
صار الشهر العقاري الدعامة الأساسية التي يقوم عليها الائتمان. وإهدار إجراءاته التي
توخى بها المشرع حماية الملكية الخاصة, يعتبر إخلالاً بها بالمخالفة للدستور الذي كفل
صونها من العدوان بنص المادة 34 منه.
وحيث إن الدستور حرص على صون الملكية الخاصة, وكفل عدم المساس بها إلا على سبيل الاستثناء,
وفي الحدود وبالقيود التي أوردها باعتبارها مترتبة – في الأصل – على الجهد الخاص الذي
بذله الفرد بكده وعرقه، وبوصفها حافزة إلى الانطلاق والتقدم, إذ يختص دون غيره بالأموال
التي يملكها, وتهيئة الانتفاع المفيد لها لتعود إليه ثمارها ومنتجاتها وملحقاتها, وكانت
الأموال التي يرد عليها حق الملكية, تعد كذلك من مصادر الثروة القومية التي لا يجوز
التفريط فيها, أو استخدامها على وجه يعوق التنمية, أو يعطل مصالح الجماعة, كانت الملكية
في إطار النظم الوضعية على تزاوج بين الفردية وتدخل الدولة، لم تعد حقاً مطلقاً، ولا
هي عصية على التنظيم التشريعي, وإنما يجوز تحميلها بالقيود التي تقتضيها وظيفتها الاجتماعية,
وهي وظيفة يتحدد نطاقها ومرماها على ضوء طبيعة الأموال محل الملكية, والأغراض التي
ينبغي توجيهها إليها, وبمراعاة الموازنة التي يجريها المشرع ويرجح من خلالها ما يراه
من المصالح أولى بالرعاية وأجدر بالحماية على ضوء أحكام الدستور. متى كان ذلك, تعين
أن ينظم القانون أداء هذه الوظيفة مهتدياً بوجه خاص بالقيم التي تنحاز إليها الجماعة
في مرحلة معينة من مراحل تطورها، وبمراعاة أن القيود التي تفرضها الوظيفة الاجتماعية
على حق الملكية للحد من إطلاقها، لا تعتبر لذاتها, بل غايتها خير الفرد والجماعة.
وحيث إنه متى كان ما تقدم, وكان الدستور قد كفل في مادته الثانية الثلاثين، حماية الملكية
الخاصة التي لا تقوم في جوهرها على الاستغلال, وهو يرد انحرافها كلما كان استخدامها
متعارضاً مع الخير العام للجماعة, مؤكداً دعمها بشرط قيامها على الوظيفة الاجتماعية
التي يبين المشرع حدودها, مراعياً في ذلك أن تعمل في خدمة الاقتصاد القومي, وفي إطار
خطة التنمية, وكان البين من الأحكام التي اختص بها الدستور المالكية الخاصة أن صونها
من العدوان رهن بتوافر الشرائط التي تطلبها فيها ويندرج تحتها نأيها عن الاستغلال,
والتزامها مصالح الجماعة والعمل على تحقيقها ودون مناهضتها بالاتفاق على خلافها, وكان
المشرع في نطاق سلطته التقديرية في مجال تنظيم الحقوق, قد سن النص المطعون فيه، مقرراً
العمل به من تاريخ نشره, ودالاً بمقتضاه على أن الأسبق إلى شراء وحدة من مالكها – ولو
كان ذلك قبل تسجيل عقده, وبقاؤها بالتالي من الناحية القانونية على ذمة من ابتاعها
منه – هو الأجدر بالحماية ضماناً للثقة المشروعة في التعامل، فإذا باع مالكها الوحدة
ذاتها لغير من تعاقد معه على شرائها أولاً, كان ذلك نوعاً من التعامل فيها يقوم على
التحايل والانتهاز, وهو ما دعا المشرع إلى أن يبطل البيوع اللاحقة لتصرفه الأول فيها,
باعتبار أن محلها قد غدا من الأموال التي لا يجوز التعامل فيها – لا بناء على طبيعتها,
ولا لأن بيعها يعتبر منافياً للغرض الذي خصص لها ورصدت عليه – وإنما لأن هذا التعامل
يعتبر منهياً عنه بنص في القانون, وغير مشروع بالتالي.
وحيث إن النص المطعون فيه – فيما تضمنه من قاعدة آمرة ناهية – قد تقرر على ضوء أسس
موضوعية, بعد أن شاع التعامل في الوحدة الواحدة أكثر من مرة, انحرافاً عن الحق وتمادياً
في الباطل، واستمرار للزور والبهتان, وجلباً للمال الحرام وإيثاراً وإثراءً, وضماناً
لموارد متجددة اهتبالاً وانتهاباً, وافتئاتاً، على الحقوق الثابتة إنكاراً، وسعياً
من مالكه لنقض ما تم من جهته عدواناً, فقد كان أمراً محتوماً أن يرده المشرع على أعقابه
بإهدار سوء قصده جزاءً وفاقا، وأن يقرر بالتالي – وزجراً لتلاعبه – بطلان البيوع اللاحقة
جميعها – وقوامها الانتهاز والتحايل على ما سلف البيان – بطلاناً مطلقاً لضمان انعدامها،
باعتبار أن العدم لا يصير وجوداً ولو أجيز, ولأن بطلان هذه البيوع مؤداه أن لكل ذي
مصلحة أن يتمسك ببطلانها, وللمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها, ولا يعدو بطلان العقد
أن يكون جزاءً على عدم استجماعه لأركانه كاملة مستوفية لشروطها, وهو ما نحاه النص المطعون
عليه بناء على اعتبارات موضوعية, ولحماية مصلحة عامة لا يجوز أن تختل, ضماناً لتعامل
يتوخى رعاية الحقوق لا إهدارها أو الانتقاص منها, وبثاً للثقة المشروعة التي ينبغي
أن يكون محاطاً بها، ملتزماً إطارها, وقمعاً لكل صور الانحراف التي تفسد المعاملات
وتنال منها, ولو كان محل الالتزام قد أضحى غير مشروع حكماً – لا طبيعة – بناء على نص
ناه في القانون؛ ولا مخالفة في ذلك كله للدستور, ذلك أن النص المطعون فيه قد سرى بأثر
مباشر اعتباراً من تاريخ العمل به, وتحدد مجال البطلان – وفقاً لأحكامه – بالعقود اللاحقة
التي تم بها بيع الوحدة ذاتها لغير من تعاقد مالكها على شرائها منه أولاً, وارتد هذا
البطلان إلى قاعدة آمرة لا يجوز التحلل منها, أو إهدارها، باعتبارها أصون للمصالح الاجتماعية
والاقتصادية المرتبطة بها, وأدعى إلى تنحية المصلحة الفردية التي تناقضها, وبوصفها
واقعة في المجال الطبيعي للنظام العام, وهو يتحدد دائرة ومفهوماً، تخوماً ونطاقاً،
على ضوء العوامل الاجتماعية والاقتصادية الغالبة في بيئة بذاتها خلال زمن معين – متى
كان ذلك. وكان القانون المدني قد نص في المادة 135 منه على أنه إذا كان محل الالتزام
مخالفاً للنظام العام, وكان العقد باطلاً، وكان النص المطعون فيه دامغاً لمشروعية المحل
في عقود البيع اللاحقة, ومقرراً بطلانها, مجرداً إياها من الآثار المترتبة عليها كأعمال
قانونية, فإن تسجيلها يكون معدوم الأثر لوروده على غير محل, ذلك أن العقد الباطل منعدم
وجوداً من الناحية القانونية, وهو انعدام لا تتعدد مراتبه أو تتدرج, بل هو درجة واحدة
لا تفاوت فيها, وبه يعود المتعاقدان إلى الحالة التي كانا عليها عند التعاقد, ما لم
يكن ذلك مستحيلاً, فيجوز عندئذ الحكم بتعويض عادل.
وحيث إن المدعي قد قرر – في تدليله على مخالفة النص المطعون فيه للدستور – أن الفرض
في العقد الأسبق أنه غير مسجل بما مؤداه بقاء الوحدة محل النزاع بيد مالكها وجواز تصرفه
فيها, وذلك خلافاًً للعقد اللاحق إذ هو مسجل, وأن من المقرر أن الأسبق في تسجيل العقد.
هو الأحق والأجدر بنقل الملكية إليه, ذلك أن التسجيل – وقد ورد في أحد العقود المنشئة
لحق من الحقوق العينية الأصلية – يفيد لزوما جوازاً الاحتجاج بأثره الناقل للملك, سواء
فيما بين المتعاقدين، أو في مواجهة الأغيار، وكان ما قرره المدعي على النحو المتقدم
مردوداً أولاً، بأن المفاضلة بين عقدين تغليباً لأحدهما وترجيحاً لأحد المركزين القانونيين
على الآخر, يفترض أن هذين العقدين مستوفيان لأركانهما ولشروط صحتهما, وهو ما تخلف في
تطبيق أحكام النص التشريعي المطعون عليه, ذلك أن عقد البيع اللاحق – وقد اعتبر باطلاً
بطلاناً مطلقاً بناء على نص ناه في القانون – قد أضحى منعدماً لا مجال لإنفاذه, بما
مؤداه زوال كافة الآثار التي رتبها، وعودة الأوضاع إلى حالها قبل إبرامه, كلما كان
ذلك ممكناً، وذلك خلافاً للعقد الأول، إذ لا شبهة في صحته ونفاذه, وترتيبه التزاماً
شخصياً على البائع بالعمل على اتخاذ الإجراءات اللازمة لنقل ملكية المبيع. ومردوداً
ثانياً: بأن تسجيل عقد ما، لا يدل بالضرورة على صحته ونفاذه, ذلك أن العقد المسجل قد
يكون صورياً، أو باطلاً، أو مستحيل التنفيذ، أو منفسخاً.
وحيث إنه لا محل كذلك للقول بأن تدخل المحكمة الجنائية يعتبر لازماً لتقرير بطلان عقد
البيع اللاحق في شأن الوحدة ذاتها إعمالاً للنص المطعون فيه الذي اعتبر مالكها متصرفاً
فيها بهذا العقد مخاتلة أو تواطؤاً، ومرتبكاً بالتالي لجريمة تحددت عقوبتها؛ لا محل
لذلك, ذلك أن البيع اللاحق أبرم بالمخالفة لقاعدة آمرة تعد بذاتها مصدراً مباشراً لبطلانه,
ومجرد إعمالها يعتبر كافياً لإيقاع الجزاء المقترن بها.
وحيث إن مما ينعاه المدعي من تعارض بين النص المطعون فيه, وبين كل من القانون المدني
وقانون تنظيم الشهر العقاري، مردود – وبفرض صحة هذا الادعاء – بما جرى عليه قضاء هذه
المحكمة من أن اختصاصها بالفصل في المسائل الدستورية, مبناه مخالفة نص في قانون أو
لائحة لقاعدة في الدستور, فلا يمتد لحالات التعارض بين القوانين واللوائح, أو بين التشريعات
ذات المرتبة الواحدة.
وحيث إنه لما كان ما تقدم, فإن قالة مخالفة النص المطعون فيه للحماية التي كفلها الدستور
لحق الملكية, تكون مفتقرة إلى دعامتها مجردة منها, حرية بالإعراض عنها. متى كان ذلك,
وكان النص المطعون فيه لا يتعارض مع أي حكم آخر في الدستور من أوجه أخرى.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة برفض الدعوى وبمصادرة الكفالة وألزمت المدعي المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.
