الطعن رقم 1660 لسنة 28 ق – جلسة 02 /12 /1958
أحكام النقض – المكتب الفني – جنائي
العدد الثالث – السنة التاسعة – صـ 1033
جلسة 2 من ديسمبر سنة 1958
برئاسة السيد مصطفى فاضل وكيل المحكمة، وبحضور السادة: محمود محمد مجاهد، وأحمد زكي كامل، والسيد أحمد عفيفي، ومحمد عطية إسماعيل المستشارين.
الطعن رقم 1660 لسنة 28 القضائية
حكم. عيوب التسبيب والتدليل. قصور البيان. فساد الاستدلال. مثال.
في جريمة قتل عمد مع سبق الإصرار.
بيان قاصر وتدليل معيب على أن الجثة التي سبق أن نسبت خطأ لامرأة على قيد الحياة –
هي لزوجة المتهم الغائبة.
بيان قاصر وتدليل معيب على توافر سبق الإصرار.
إذا كان الحكم لم يتعرض فيما تعرض له من الأوصاف التي أوردها التقرير الطبي الشرعي
للجثة إلى ما أثبته الطبيب "من أن حلمتي الثديين غير بارزتين، وأن الهالة حولها فاتحة
اللون، وأن جدار البطن خال من التشققات ومن عدم وجود خط أسمر بمنتصفه"، لم يشر كذلك
إلى ما أظهره التشريح من أن "فتحة عنق الرحم مستديرة ملساء" فأغفل بذلك الإشارة إلى
هذه المشاهدات، ولم يستظهر ما يمكن أن يكون لها من أثر في تمييز شخصية القتيل، ولم
يتجه إلى الكشف عن دلالتها، وهل يصح أن تكون لامرأة متكررة الولادة كزوجة المتهم،
أم لا تكون، بحيث يجدي النظر بعدئذ إلى باقي ما ذكر من أوصاف، وتقدير ما يمكن أن يكون
له من قيمة في التعرف على شخصية صاحبة الجثة التي نازع الدفاع بالجلسة في أنها الزوجة
المدعي بقتلها. إذا كان ما تقدم فإن الحكم يكون في تدليله على أن الجثة – التي سبق
أن نسبت خطأ لامرأة على قيد الحياة – هي لزوجة المتهم قاصراً ومعيباً ويتعين لذلك نقضه.
2- إذا كان مما استند إليه الحكم في التدليل على توافر ظرف سبق الإصرار ما أبداه من
أن المتهم اشترى في يوم أول يوليه سنة 1956 – بينما كانت المجني عليها لا تزال حية
– الصندوق الذي احتوى جثتها دون أن يبين كيف أمكنه تحديد يوم الشراء على وجه اليقين،
كما استند إلى دعوى جدول حصول الزوج تحت تأثير التهديد بالقتل، مما لا يتصل بواقعة
الدعوى لا يلزم عنه اتجاه النية إلى قتل الزوجة بعد إتمام الزواج، ثم إلى القول بحصول
نزاع بين الزوجين لم يستطع القطع بسببه أو تحديد مداه. إذا كان ما تقدم، فإن الحكم
يكون في تدليله على توافر ظرف الإصرار قاصراً ومعيباً ويتعين لذلك نقضه.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة: 1- سلمى محمد عثمان و2- وعمارة عمارة أحمد (الطاعنين) و3- حسن محمد عبده السيد بأنهم: قتلوا عمدا مع سبق الإصرار فايقه عبده الخشن بأن بيتوا النية وعقدوا عزمهم على إزهاق روحها وأمسكوا بها ثم كتموا أنفاسها قاصدين قتلها فحدثت بها الإصابات المبينة بتقرير الصفة التشريحية والتي أودت بحياتها، وطلبت من غرفة الاتهام إحالتهم إلى محكمة الجنايات لمعاقبتهم بالمادتين 230 و231 من قانون العقوبات، فقررت بذلك ولدى نظر الدعوى أمام محكمة الجنايات بورسعيد عدّلت النيابة وصف التهمة بأن جعلتها بأنهم جميعاً: الأول قتل عمداً مع سبق الإصرار فايقه عبده الخشن بأن بيت النية وعقد عومه على إزهاق روحها حتى إذا ما ظفر بها كتم أنفاسها حتى فارقت الحياة. والمتهم الثاني علم بوقوع جناية قتل من المتهم الأول وقام بإخفاء معالم الجريمة سالفة الذكر ليتمكن المتهم الأول من الفرار من وجه القضاء. والمتهمون الثاني والثالث والرابع أخفوا جثة المجني عليها بأن نقلها المتهم الثاني من مكان وقوع الجريمة إلى المنزل الذي يقيم به محمد عبده السيد "المتهم الثالث" وحسن محمد عبد السيد "المتهم الرابع" دون أن يخبروا الجهات المختصة بذلك، وطلبت معاقبتهم بالمادتين 230 و231 من قانون العقوبات بالنسبة للأول بالمادتين 145/ 1 و2 و239 من ذات القانون بالنسبة للباقين. ومحكمة الجنايات بورسعيد قضت حضورياً أولاً – بمعاقبة سلمى محمد عثمان بالإعدام شنقاً. وثانياً – بمعاقبة عمارة عمارة أحمد بالحبس مع الشغل لمدة سنتين وذلك تطبيقاً لمواد الاتهام المطلوب محاكمتهما بها. وثالثاً – ببراءة كل من عبده السيد وحسن محمد عبده السيد مما أسند إليهما تطبيقاً للمادتين 304/ 1 و381/ 1 من قانون الإجراءات الجنائية. فطعن المحكوم عليهما في هذا الحكم بطريق النقض…… إلخ.
المحكمة
ومن حيث إن الطاعن الثاني قرر بالطعن ولم يقدم أسبابا لطعنه فيكون
طعنه غير مقبولاً شكلاً.
وحيث إن الطعن قد استوفى الشكل المقرر في القانون بالنسبة للطاعن الأول.
وحيث إنه مما ينعاه الطاعن الأول على الحكم المطعون فيه أنه مشوب بالقصور وفساد الاستدلال
ذلك بأنه وهو في مقام التدليل على شخصية المجني عليها وإثبات أنها لزوجة الطاعن الغائبة
لم يورد عن الجثة غير أوصاف عامة لا تميز امرأة بذاتها ولا تنفي احتمال الواقع في خطأ
جديد كالذي أشار إليه حين ذكر أن هذه الجثة نسبت بادئ الأمر لامرأة ظهر – رغم الاستعراف
– أنها على قيد الحياة. فضلا عن أن الجثة لم تعرض على أولاد صاحبة الشخصية المدعاة،
وقد كان الأمر يتطلب من المحكمة في مثل هذه الظروف وبالنظر إلى العقوبة الكبرى التي
قدرتها مزيداً من الحيطة والحذر حتى يستقيم التدليل، ويضيف الطاعن أن الحكم لم يدلل
على توفر سبق الإصرار بما ينتجه استقلالاً، بل أيده بما ساقه في حديثه عن نية القتل
من وقائع لم يمحصها، وفي بيان ذلك يقول إن المحكمة افترضت وجود الزوجة حية في يوم أول
يوليه سنة 1956 استناداً إلى ما جاء بالتقرير الطبي التشريحي المؤرخ في 5 من يوليه
سنة 1956 من أن الوفاة حصلت على الراجح من ثلاثة أيام سابقة على تحريره في حين أن هذا
التقدير لا يعدو – مع تقدم التعفن الرمي الموصوف – أن يكون تقديراً تقريبياً لا ينفي
إمكان حصول الوفاة في تاريخ سابق على يوم 2 يوليه سنة 1956 الذي أرجعت إليه، ولكن المحكمة
في سبيل أن تصور أن الطاعن إنما كان يعد لقتل زوجته عندم
ما اشترى الصندوق في أول يوليه – وهذه واقعة معيبة التاريخ أيضاً – قطعت تحكماً بأن
الزوجة كانت لا تزال حية في ذلك اليوم، فأخذته بالظن مخالفة بذلك أصول المحاكمات الجنائية.
وذهب الحكم أيضاً إلى أن الطاعن إذ طلب قبل شراء الصندوق من أحد الشهود أن يحدث حفرة
بمنزله، قد أردا أن يحفر قبراً لزوجته، في حين أن هذا الشاهد أبدى أن الطاعن بدأ بأن
طلب تجديد بلاط المنزل مما لا يمكن أن يكون من تدابير التمهيد للقتل، بل يرجح أن الفكرة
قد انصرفت إلى إخفاء المخدرات التي شاع عن الطاعن أنه يتجر فيها. فضلاً عن أن مواراة
الجثة بالمنزل ليس بالأمر المأمون لأن الرائحة لا تلبث أن تنم عنها هذا عدا ما أضافه
الحكم أخداً من تدليله على توفر نية القتل من دعوى إكراه الزوجة على الزواج من الطاعن
بالتهديد ليلاً بمسدس، مما لا يتصل بواقعة الدعوى وطمعه في مالها مما لم يمحصه المحكمة
ولم تقم دليلاً عليه وما قيل من حصول نزاع بنيهما على المسكن مما لا يستغرب بين الأزواج.
وحيث إن الحكم المطعون فيه أقام قضاءه بالإدانة على أن الطاعن قتل زوجته فايقه عبده
الخشن عمداً مع سبق الإصرار، وهو في تدليله على أن الجثة التي سبق أن نسبت خطأ لامرأة
حية هي لزوجته فقال: "دلت التحريات الأخيرة على أنها لفايفه عبده الخشن زوجة المتهم
الأول "الطاعن" وأنه قد تزوج منها في غضون رمضان سنة 1375، 30 من أبريل سنة 1956 كما
قرر في بلاغه للنيابة، وأنه تزوجها على غير رغبة أولادها وقتلها طمعاً في مالها وقد
أدلى أولادها وخضرة يوسف عميش بأوصافها والملابس التي اعتادت ارتداءها وقد وجدت مطابقة
لتلك التي أثبتها الطبيب الشرعي في تقريره الأمر الذي لا يدع مجالاً للشك في أن الجثة
التي عثر عليها في الصندوق والذي ثبت أنه هو الذي اشتراه، هي لزوجته، يؤكد ذلك أيضاً
أنه اضطرب في تحديد تاريخ اختفائها إذ قرر ببلاغة المؤرخ 3 من يوليه سنة 1956 أنه عاد
أمس أي في يوم 2 من يوليه سنة 1956، وهذا التاريخ أي يوم 2 من يوليه سنة 1956 أو ليلة
2 من يوليه سنة 1956 هو الذي يرجح الطبيب الشرعي أن القتل حدث فيه، ثم نسي ذلك وقرر
أنها اختفت في 27 يونيه سنة 1956، وهذا التناقض يدل على أنه يعلم حقيقة ما حدث لها،
كما قرر ابنها محمد السقا أنه سمع من الناس أن القتيل هي أمه، وليس من المعقول أن تكون
المصادفة وحدها هي التي جعلتها تختفي، كما ادعى المتهم الأول في الوقت الذي اتهم فيه
بقتلها، يضاف إلى ذلك أنه مضى على اختفائها المزعوم ما يقرب من العامين دون أن يثبت
أنها على قيد الحياة في أي مكان اعتادت التردد عليه، ورغم تقديم المتهم الأول بلاغاً
عن اختفائها، فإنه لم يدل بأوصافها للبوليس للبحث عنها، ولم يزعم أن لها أوصافاً غير
التي أصبتها الطبيب الشرعي في تقريره أو أولادها وخضرة عميش في أقوالهم والتي لم يناقشها
أو يفندها أو يثبت أنها ليست أوصاف زوجته الحقيقة مكتفياً لمجرد الإنكار بموقفه من
الحادث". هذا وقد وصفت الجثة بالتقرير الطبي الشرعي "بأنها "لأنثى" بدينة طولها حوالي
160سم، وشعر الفروة أسود حالك، وبطول حوالي 20 سم في المتوسط، والحاجبين غير مقرونين،
والعينين لا يمكن معرفة لونهما أو القطع بسلامتها اعتراهما من تغييرات ناشئة من جراء
التعفن الذي اعترى الجثة، والأنف مدبب، والشفتين متوسطا الحجم، الأذنين بحجم عادي وشحميتهما
غير لاصقتين، ولا يوجد بأي واحدة منها ثقب، والثديين كبيري الحجم، والحلمتين غير بارزتين
والهالة حول كل منهما قاتمة اللون وجدار البطن خال من التشققات، ولا يوجد الخط الأسمر
بمنتصف جدار البطن، وشعر العانة مزال وكذلك شعر تحت الإبطين، والأسنان جميعها موجودة
وكذلك الأضراس بما فيها ضرس العقل – ثم أورد بعد التشريح أن الرحم يبدو بحجم عادي وخال
من الحمل، وفتحة عنقه مستديرة وملساء" – لما كان ذلك، وكان فيما أورده الحكم – فيما
سبق من أدلة لإثبات أن الجثة هي لزوجة الطاعن ما لا يصلح له، وكان يتعين عند استبعاده
– أن يعاد النظر في مبلغ كفاية الباقي لحمل هذه النتيجة ولما كان الحكم فوق ذلك لم
يتعرض فيما تعرض له من الأوصاف التي أوردها تقرير الطبي الشرعي إلى ما أثبته الطيب
من أن "حلمتي" الثديين غير بارزتي، أن الهالة حولها فاتحة اللون، وأن جدار البطن خال
من التشققات ومن عدم وجود خط أسمر بمنتصفه، لم يشر كذلك إلى ما أظهره التشريح من أن
"فتحة عنق الرحم مستديرة وملساء" فأغفل بذلك الإشارة إلى هذه المشاهدات، ولم يستظهر
ما يمكن أن يكون لها من أثر في تمييز شخصية القتيل، ولم يتجه إلى الكشف عن دلالتها
وهل يصح أن يكون تكون لامرأة متكررة الولادة كزوجة الطاعن، أم لا تكون بحيث يجدي النظر
بعدئذ إلى باقي ما ذكر من أوصاف، وتقدير ما يمكن أن يكون له من قيمة في التعرف على
شخصية صاحبة الجثة التي نازع الدفاع بالجلسة في أنها الزوجة المدعي بقتلها. لما كان
ما تقدم، وكان ما استند إليه الحكم في التدليل على توفر ظرف سبق الإصرار ما أبداه من
أن الطاعن اشترى الصندوق في يوم أول يوليه سنة 1956، بينما كانت المجني عليها لا تزال
حية، دون أن يبين كيف أمكنه تجديد يوم الشراء على وجه اليقين، كما استند إلى دعوى جدول
حصول الزوج تحت تأثير التهديد بالقتل، مما لا يتصل بواقعة الدعوى، لا يلزم عنه اتجاه
النية إلى قتل الزوجة بعد إتمام الزواج، ثم إلى القول بحصول نزاع بين الزوجين لم يستطع
القطع بسببه أو تحديد مداه – لما كان كل ذلك، فإن الحكم يكون في تدليله قاصراً ومعيباً
ويتعين لذلك نقضه بالنسبة للطاعنين معاً تحقيقاً لحسن سير العدالة.
