الطعن رقم 3419 لسنة 37 قضائية – عليا – جلسة 10 /05 /1997
مجلس الدولة – المكتب الفني لرئيس مجلس الدولة
– مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثانية والأربعون – الجزء الثاني (من أول مارس سنة 1997 إلى آخر سبتمبر1997)
– صـ 981
جلسة 10 من مايو سنة 1997
برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ فاروق عبد السلام شعت – نائب رئيس مجلس الدولة، وعضوية السادة الأساتذة المستشارين: منصور حسن على غربي، وأبو بكر محمد رضوان، وغبريال جاد عبد الملاك، وسعيد أحمد برغش – نواب رئيس مجلس الدولة.
الطعن رقم 3419 لسنة 37 قضائية – عليا
مخاصمة القضاة ورجال النيابة – كيفيتها – أسبابها.
المواد 494، 495، 497، 499، 500 من قانون المرافعات قبل تعديله بالقانون رقم 23 لسنة
1982.
المشرع أحاط دعوى مخاصمة القضاة ورجال النيابة بقواعد وإجراءات خاصة بقصد توفير الضمانات
للقاضي أو رجال النيابة في أعمالهم وأحاط ذلك بسياج من الحماية بما يجعلهم في مأمن
من كيد العابثين الذين يحاولون النيل منهم والمساس بكرامتهم وهيبتهم بمقاضاتهم لمجرد
التشهير بهم، ومن ثم وجب الألتزام بأحكام تلك القواعد الخاصة والتي من بينها أن الفصل
في دعوى المخاصمة يتم على مرحلتين: – الأولى: مرحلة الفصل في تعلق أوجه المخاصمة بالدعوى
وجواز قبولها – الثانية: مرحلة الفصل في موضوعها إذا قضى بجواز المخاصمة إما برفضها
أو بصحتها والتعويض وبطلان التصرف – والفصل في دعوى المخاصمة وهى في مرحلتها الأولى،
لا يكون إلا على أساس ما يرد في تقرير المخاصمة والأوراق المودعة معه وما يقدمه القاضي
المخاصم من أوراق ومستندات مؤيدة لدفاعه وحق المحكمة في الإسناد إلى ما يحويه ملف الدعوى
الموضوعية من أوراق ومستندات ولا يجوز للمخاصم في هذه المرحلة تقديم أوراق أو مستندات
غير التي أودعها مع التقرير – وقد وازن المشرع بين حق القاضي في توفير الضمانات له
فلا يتحسب في قضائه سوى وجه الحق ولا يهتز وجدانه من مظنة النيل منه أو يستنفد الجهد
في سبيل الرد على من ظن الجور وآثر الكيد له وبين حق المتقاضى في الاطمئنان إلى أن
قاضيه مقيد بالعدل في حكمه فإن جنح عنه لم تغلق الأبواب في وجهه فله أن يسلك طريق الخصومة
التي يدين بها قضاءه ويبطل أثره، وكل هذا يجب حده الطبيعي في أن القضاء ولاية تقدير
وأمانة تقرير وأن مجرد الخلاف أو الخطأ لا يسقط بهما منطق العدل وإنما يسقطه الجور
والانحراف في القصد – والمشرع قد حدد أسباب المخاصمة ومنها الغش والتدليس والخطأ المهني
الجسيم، والمقصود بالغش في هذا المقام هو ارتكاب القاضي الظلم عن قصد بدافع المصلحة
الشخصية أو بدوافع الكراهية لأحد الخصوم أو محاباة الطرف الآخر، أما الخطأ الجسيم فهو
الخطأ الذي ينطوي على أقصى ما يمكن تصوره من الإهمال في أداء الواجب، ويكون ارتكابه
نتيجة غلط فاضح ما كان ليساق إليه لو اهتم بواجبه الاهتمام العادي أو بسبب إهماله إهمالاً
مفرطاً يعبر عن خطأ فاحش مثل الجهل الفاضح بالمبادئ الأساسية للقانون، وبذلك لا يعتبر
خطأ مهنياً جسيماً فهم رجل القضاء للقانون على نحو معين ولو خالف فيه إجماع الشراح
ولا تقديره لواقعة معينة أو إساءة الاستنتاج، كما لا يدخل في نطاق الخطأ المهني الجسيم
الخطأ في استخلاص الوقائع أو تفسير القانون أو قصور الأسباب، وعليه يخرج من نطاق هذا
الخطأ كل رأى أو تطبيق قانوني يخلص إليه القاضي بعد إمعان النظر والاجتهاد في استنباط
الحلول للمسألة القانونية المطروحة ولو خالف في ذلك أحكام القضاء وآراء الفقهاء – تطبيق.
إجراءات الطعن
بتاريخ 17/ 7/ 1991 أودع الأستاذ/ ………… المحامى بصفته وكيلاً
عن الطاعنة، قلم كتاب المحكمة، تقرير الطعن الراهن في حكم محكمة القضاء الإدارى الصادر
في دعوى المخاصمة رقم 6427 لسنة 44 ق بجلسة 12/ 5/ 1991 والقاضي بعدم جواز المخاصمة،
وألزمت المدعية (الطاعنة حاليا) المصروفات، وغرامة قدرها مائتا جنيه، ورفض طلب التعويض
المبدي من المخاصمين.
وطلبت الطاعنة في ختام تقرير الطعن وللأسباب المبينة به تحضير الطعن لعرضه على دائرة
فحص الطعون للنظر في الطعن وبقبوله شكلاً وبإحالته إلى المحكمة الإدارية العليا لتقضى
بإلغاء الحكم المطعون فيه فيما قضى به من عدم جواز قبول دعوى المخاصمة والغرامة، وبقبول
هذه الدعوى وبإحالتها إلى الدائرة المختصة بمحكمة القضاء الإدارى المشكلة وفقاً للمادة/
497 مرافعات لتفصل في موضوع المخاصمة بعد تحضير الدعوى بهيئة مفوضي الدولة، وبإلزام
المطعون ضدهم المصروفات.
وتم إعلان المطعون ضدهم قانوناً بتقرير الطعن.
وقد أعدت هيئة مفوضي الدولة تقريراً بالرأي القانوني في الطعن ارتأت فيه الحكم بقبول
الطعن شكلاً ورفضه موضوعاً وإلزام الطاعنة المصروفات.
وتحدد لنظر الطعن أمام المحكمة جلسة 28/ 10/ 1996 (الدائرة الأولى) وفيها تم التأجيل
لجلسة 10/ 11/ 1996، وبالجلسة الأخيرة تقرر أحالة الطعن إلى الدائرة الرابعة بالمحكمة
الإدارية العليا ليصدر الحكم ولتحدد جلسة لنظره يخطر بها الخصوم.
وتحدد لنظر الطعن أمام هذه الدائرة جلسة 8/ 2/ 1997.
وبناء على طلب مقدم من المطعون ضده الثاني تم تقصير الأجل المذكور لجلسة 21/ 12/ 1996
وتم نظر الطعن أمام الدائرة الرابعة على النحو الموضح بمحاضر الجلسات حتى تقرر بجلسة
25/ 1/ 1997 إصدار الحكم بجلسة اليوم.
وبتاريخ 29/ 1/ 1997 قدم وكيل الطاعنة مذكرة تعقيباً على تقرير هيئة مفوضي الدولة وبجلسة
اليوم صدر الحكم وأودعت مسودته مشتملة على أسبابه عند النطق به.
المحكمة
بعد الإطلاع على الأوراق، وسماع الإيضاحات، وبعد المداولة قانوناً.
من حيث إن الطعن أقيم خلال المواعيد القانونية، واستوفى سائر أوضاعه الشكلية الأخرى،
فمن ثم يكون مقبولاً شكلاً.
ومن حيث إن عناصر المنازعة تتحصل في أنه بتاريخ 5/ 8/ 1990 أقامت الطاعنة دعوى المخاصمة
الصادرة فيها الحكم المطعون فيه بموجب تقرير موقع منها ومن الأستاذ الدكتور/…….
المحامى ضد كل من المطعون ضدهم بطلب الحكم: –
أولاً: بقبول المخاصمة شكلاً وبتعلق أسباب المخاصمة بالدعوى وبجواز قبول المخاصمة وفى
موضوعها بصحتها.
ثانياً: بإلزام المختصمين (المطعون ضدهم) الأول متضامنين مع المختصم (المطعون ضده)
الرابع بأداء 15000 ج (خمسة عشر ألف جنيه) إلى المدعية (الطاعنة) تعويضاً مؤقتاً عما
أصابها من الإضرار المادية والأدبية.
ثالثاً: ببطلان الحكم الصادر من الدائرة المختصمة بجلسة 11/ 10/ 1988 في الدعوى رقم
2661 لسنة 42 ق مع ما يترتب على ذلك من آثار.
رابعاً: إلزام المختصمين (المطعون ضدهم) الأربعة متضامنين المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة.
وأودعت الطاعنة رفق تقرير المخاصمة حافظة المستندات المؤيدة لدعواها وقالت شرحا لتلك
الدعوى أنها سبق أن أقامت الدعوى رقم 2661 لسنة 42 ق أمام محكمة القضاء الإدارى بتاريخ
22/ 2/ 1988 وأودعت بها حافظة مستندات اشتملت على أربعة وعشرين مستنداً هي خطاب عميد
كلية التجارة جامعة المنصورة بطلب اشتراك الكلية في الإشراف على رسالتها وخطاب عميد
الكلية ذاتها لاستعجال الأستاذ المشرف في تقدم التقرير عن الرسالة وكتاب الأستاذ المشرف
إلى الكلية بأنه غير راض عن تقدم الطاعنة في رسالتها وإحدى وعشرين صفحة من الرسالة
عليها تعليقات الأستاذ المشرف المؤشر بها.
وقد أوضحت الطاعنة بصحيفة الدعوى سالفة الذكر أنها كانت الأولى في الثانوية العامة
على مستوى الجمهورية عام 1971 وحصلت على بكالوريوس الاقتصاد بتقدير جيد جداً ثم على
الماجستير بتقدير ممتاز، عينت معيدة بكلية التجارة جامعة المنصورة التي دأبت على اضطهادها
بسبب عدم اشتراك أحد أساتذتها مع الأستاذ الدكتور…….. المشرف على رسالتها للدكتوراه،
وأنها بعد أن قطعت شوطاً كبيراً في رسالتها فوجئت بنقل الإشراف على الرسالة إلى الأستاذ
الدكتور/……… بدعوى استيفاء المشرف الأول نصاب الرسائل حيث أصر المشرف الجديد
على تغيير موضوع الرسالة إلى : أثر مشروعات القانون رقم 43 لسنة 1974 في عدالة التوزيع
في السبعينات واستهل بتزكيته عملها وتقدمها الملحوظ بخطابه المؤرخ 27/ 11/ 1985 إلا
أنه عاد وعمد إلى تعطيلها فطلب بتاريخ 12/ 6/ 1986 عرض الفصل الأول على الدكتور………
لما اشتمل عليه من بحث عدالة التوزيع في الشريعة الإسلامية وانه قد أشر بأنه قرأه إلا
أنه لم يحطها بأي توجيه ارتآه زميله في حين إنها استوفت جميع ملاحظاته، ومع ذلك بقى
الفصل بين يديه سنين طويلة، بل إن أشر على صفحاته بكلمات تزري جهدها وتعلى لشأن الفكر
الشيوعي وتطبيقه، وأعرض عن لقائها إلا قليلاً وامتنع عن توجيه بحثها وأشر على مبحثي
الفصل الثاني بأن كليهما هزيل ويستحق صفراً بجدارة ولم يكمل قراءة الفصل الثالث وكلف
الطاعنة بترجمة فصول كاملة من مراجع أجنبية لا تتصل بموضوع الرسالة، وكتب إلى كلية
التجارة بأنه غير راض عن تقدمها ولا يستطيع التكهن بالمدة التي تنتهي فيه من إعداد
الرسالة وأخفى الفصل الثالث ليوهم ببطء الإجراءات حال أنه هو السبب في ذلك ولم يرسل
التقرير المطلوب بجامعة المنصورة إلا في 14/ 1/ 1988 مما سبب له إضراراً ضاعف منها
إصابتها بمرض السكر ونفقات التقاضي مما دعاها لرفع دعواها بما يلي:
أولاً: بصفة مستعجلة بوقف تنفيذ القرارات الآتية:
1 – قرار تنحيه الأستاذ الدكتور……….. عن الإشراف على رسالتها.
2 – قرار إسناد الإشراف على تلك الرسالة إلى الأستاذ الدكتور/…….. 3 – قرار تقدير
جهود المدعية (الطاعنة) في الرسالة الذي تضمنه كتاب الأستاذ الدكتور/ …… رقم 75
المؤرخ 14/ 1/ 1988.
4 – القرار السلبي بامتناع الأستاذ المشرف عن موافاة جامعة المنصورة بتقرير صحيح عن
تقدم المدعية في رسالتها وإعدادها فصولها الثلاثة ليتسنى صرف مرتبات البعثة التي توقفت.
5 – القرار السلبي بامتناع الأستاذ المشرف عن اعتماد فصول الرسالة الثلاثة التي عرضت
عليه.
6 – القرار السلبي بامتناع قسم الاقتصاد عن تعيين مشرف متخصص يقوم على مالا يحسنه المشرف
من الجانب الإسلامي ليتسنى عرض الرسالة على لجنة الحكم للمناقشة في أقرب فرصة حتى لا
يتأخر الحصول على الدكتوراه بغير مبرر وينتهي الميعاد القانوني أصلاً في شهر يونيه
سنة 1988.
ثانياً: الحكم بصفة مستعجلة بإثبات حالة الرسالة بفصولها الثلاثة وتأشيرات الأستاذ
المشرف عليها وامتناعه عن إتمام مراجعتها وشكلية ملاحظاته وخطئه وانجاز الفصل الثالث
الذي جحد تقديمه إليه.
ثالثاً: الحكم بإلغاء القرارات الإدارية الستة السابقة المطلوب وقف تنفيذها.
رابعاً: الحكم باستبعاد الفترة التي مضت من أول تسجيل الرسالة وحتى توفر جامعة القاهرة
الإشراف الصحيح عليها من المدة المقررة للحصول على الدكتوراه.
خامساً: الحكم بإلزام الأستاذ الدكتور/…………. وجامعة القاهرة متضامنين بأداء
خمسمائة إلف جنيه إلى المدعية (الطاعنة) عن الإضرار التي أصابتها من القرارات الإدارية
السابقة ومن المسلك الخاطئ الذي سلكه المدعى عليه الثاني مع إلزام المدعى عليهما المصروفات.
وذكرت الطاعنة بتقرير المخاصمة أن الدائرة المختصمة قد أثبتت في صدر حكمها طلباتها
كاملة غير منقوصة إلا أن المستشار المقرر عمد في تلخيصه إلى إغفال أعمال الانحراف في
سلوك المشرف على الرسالة ولم يذكر من مستندات الحافظة سوى الخطابات الثلاثة المتبادلة
بين المشرف والكلية وأغفل صفحات الرسالة المثبتة لامتناع المشرف عن القيام بواجباته
وإساءته إليها في كرامتها، وفى غمرة مما اعتبرته الدائرة المختصمة تكييفاً صحيحا لطلبات
المدعية (الطاعنة) بدلت حقيقة الدعوى وانتقصت من أطرافها وأدخلت دعوى إثبات الحالة
مع قرارات تقدير جهد المدعية في طلبات وقف التنفيذ والإلغاء رغم مغايرة الطبيعة القانونية
لإثبات الحالة عن وقف التنفيذ وتعلقه بصفة جوهرية بعمل المشرف وإساءته لأدائه كما أسقطت
طلب استبعاد مدة تقاعس المشرف عن فترة الرسالة وتناست أن تعرض لمسلكه ومظاهر انحرافه،
ورغم رفضها الدفع بعدم قبول الدعوى بالنسبة للمشرف لتعلق التعويض بمدى مسئوليته عن
الأضرار المادية والأدبية التي لحقت بالمدعية، فإنها ذهبت في حكمها إلى أن المشرف قام
بمراجعة ما أنجز من الرسالة وأرسل تقريراً إلى جامعة المنصورة متضمناً رأيه العلمي
والفني في تقييمه، وأن أعمال الامتحانات وتقدير الدرجات والحكم على الرسائل العلمية
وتقديرها من الأمور الفنية التي تختص بها الجامعات وتدخل في صميم سلطتها التقديرية
دون رقابة للقضاء عليها طالما خلا مسلكها من الانحراف بالسلطة أو إساءة استعمالها،
وأن الدائرة المخاصمة ذكرت أن المدعية (الطاعنة) لم تقدم ما يفيد انحراف المشرف عن
سلطته في حين أن ذلك مخالف للحقيقة الثابتة بمدونات الدعوى، كما أن تلك الدائرة أغمضت
عن الدفع المثار من الجامعة بعدم الاختصاص بنظر دعوى إثبات الحالة تماشياً لبيان حقيقة
الطلب فبدلت موضوعه وأوردت أن المشرف قدم تقريراً برأيه العلمي في الرسالة والجهد الذي
بذل في الجزء الذي قام بمراجعته ومدى التقدم الذي حققته المدعية في أعمالها ومن ثم
فلا يجوز تشكيل لجنة للحكم على هذا الجزء من الرسالة لمخالفة ذلك لقانون الجامعات الذي
يجعل تقييم الأعمال العلمية من الأمور الفنية التي تستقل بها الجهات العلمية وهو قول
لا يتفق في شيء مع الثابت بظاهر الأوراق فإثبات الحالة المطلوب لا يعدو إثبات المحكمة
للواقع المادي لما كتبته المدعية من الرسالة وما جرى من المشرف من تعويض وإساءة في
شأن الفصل الثالث الذي أخفاه، وقد عادت المحكمة في منطوق حكمها إلى القضاء في طلب إثبات
الحالة بغير تحضيره من قبل هيئة مفوضي الدولة وإعداد تقرير بالرأي القانوني بالمخالفة
لما يفرضه القانون وأنها ختمت منطوق حكمها بالأمر بإحالة الدعوى إلى هيئة مفوضي الدولة
لإعداد تقرير بالرأي القانوني في طلبي الإلغاء والتعويض بعد أن رفضت طلبات وقف التنفيذ
ودعوى إثبات الحالة وأغفلت استبعاد مدة توقف المشرف من فترة الرسالة ولم تذكر المشرف
بشئ من الانحراف في أداء واجبه وفى استعمال سلطته وهو أساس الدعوى.
وذكر تقرير المخاصمة أن المخالفة المنسوبة إلى المختصمين (المطعون ضدهم) إن لم تكن
بسوء قصد وبعلم أعضاء الدائرة المختصمة ووقعت بدون قصد من المستشار المقرر فإن المستشارين
اللذين وقعا الحكم كان يسيراً عليهما أن يقفا على حقيقة تلك المخالفات من قراءة الحكم
ذاته ومن مراجعة أوراق الدعوى وتحدد تلك المخالفات فيما يلي:
1 – إخفاء دليل الدعوى، ذلك أن المستشار المقرر لم يشر إلا إلى ثلاث مستندات من تلك
المقدمة من المدعية (الطاعنة) والتي تشير إلى تأخر المشرف في تقديم تقريره عن الرسالة
كما أغفل صفحات الرسالة المقدمة بالحافظة الحاملة للتأشيرات المثبتة عليها والتي تفيد
تعطيل المشرف للإنجاز وتربصه بالمدعية (الطاعنة) وتقصيره في أداء واجبات الإشراف وهى
أمور جوهرية تبطل الحكم أخذاً بنص المادة/ 178 مرافعات فتسأل الدائرة مجتمعة عن تجريد
الدعوى من الدليل المادي الجوهري المقدم إليها وإذ صدر ذلك بغير قصد يعد من الأخطاء
المهنية الجسيمة الموجبة لمسئولية الدائرة المختصمة.
2 – تغيير سبب الدعوى إذ أن المستشار المقرر أورد بالحكم أن الطاعنة أبدت أن المشرف
وضع العراقيل في سبيلها، إلا أنه أمسك عن ذكر ما فصلته المدعية من إخلال المشرف بواجبات
الإشراف وإيذائه لها في كرامتها وجهدها بل عمد المستشار المقرر إلى الإيهام بأن العراقيل
التي تشكو منها المدعية (الطاعنة) تتعلق بتوجيه البحث العلمي الذي يختص المشرف بتقديره،
وهو ما يختلف عن الثابت بأوراق الرسالة، وبذلك بدلت الدائرة سبب الدعوى، وإذ اقترن
ذلك بإغفال دليل الدعوى الجوهري فإنه يضحى من أشد الأخطاء القضائية جسامة.
3 – اختلاق دفاع غير صحيح وذلك أن الدائرة ذهبت إلى أن ما تضمنه خطاب المشرف المؤرخ
14/ 1/ 1988 هو تقييم علمي وفني وأن أوراق الدعوى خلت مما يفيد إساءة استعمال السلطة
في حين أن هذا الدفاع لم يجادل به المشرف عن نفسه وأن ما نسبته المدعية للمشرف ثابت
بما سطره في خطاباته، وبذلك تكون الدائرة المختصمة قد اختلقت بعضاً من دفاع غير صحيح
مما دعا المشرف إلى التمسك به بعد ذلك أمام دائرة فحص الطعون بالمحكمة الإدارية العليا.
4 – تقرير ما يخالف الحقيقة عند نظر الطعن المقام في تلك الدعوى حيث ذهبت الدائرة المختصمة
إلى القول بأن المدعية لم تقدم ما يدل على إساءة استعمال السلطة وأن أوراق الدعوى خلت
من ذلك في حين أن الخطابات المقدمة من المدعية الدالة على تراخى المشرف في تقديم تقريره
وتذبذبه في تقييم جهد المدعية وما كتبه عنها بما يسئ إلى مشاعرها يدل على انحراف المشرف
عن أداء واجبه، وأن ارتباط هذه المخالفة بالمخالفة السابقة لا يقع من قاصد متبصر ويرجح
صدورها عن قصد غير صالح.
5 – الالتفات عن دفاع جوهري، وذلك حين حجبت الدائرة المختصمة نفسها عن بيان السبب الحقيقي
للدعوى كما أوضحته المدعية وهو إساءة المشرف استعمال سلطته عل النحو الذي تظهره خطاباته
وتأشيراته، ولكن الدائرة المختصمة انصرفت عن تحقيق ذلك الدفاع إلى السبب الذي ابتدعته
للدعوى وكان يتعين استقصاء كل ما يقدمه الخصوم من طلب أو دفاع منتج وإذ أغفلت الدائرة
ذلك كان حكمها باطلاً ويكون رجالها قد أصدوره عن سوء قصد إن علموا به وإلا فهو الخطأ
القضائي الجسيم.
6 – تبديل الواقع في دعوى إثبات الحالة ويتمثل ذلك فيما قامت به الدائرة المختصمة من
تبديل لطلبات المدعية بشأن إثبات حقيقة الواقع المادي لفصول الرسالة الثلاثة وما سطره
المشرف على صفحاتها وذلك بقصد تهيئة الدليل على سوء استعمال المشرف لسلطته وتفويت الفرصة
على المدعية حتى تنتهي مواعيد الحصول على الدكتوراه وتنقل من وظائف التدريس فكان الهدف
استبعاد مدة توقف المشرف من فترة إعداد الرسالة، وإقامة الدليل على استحقاق التعويض
ولكن الدائرة المختصمة بدلت ذلك وجعلته متعلقاً بتشكيل لجنة للحكم على ما أنجز من الرسالة
وتقييم رأى المشرف ورأت أن ذلك مخالف لقانون الجامعات وأن خطأ الدائرة على هذا النحو
يدل على الاستهتار بما يتطلبه واجب القضاء ويدل على جسامة الخطأ بالميل إلى جانب المشرف
بالتستر على انحرافه بوجه لا تثبت معه الحيدة المفترضة لأداء القضاء وعدالته.
7 – انتقاص إجراءات دعوى إثبات الحالة، وحاصل ذلك أن الدائرة المختصمة عند تكييفها
للدعوى أدخلت دعوى إثبات الحالة في طلبات إعادة تقدير جهد المدعية المطلوب وقف تنفيذها،
ثم عادت وقضت في منطوق برفض طلب إثبات الحالة رغم أن دعوى إثبات الحالة تختلف عن طلبات
وقف التنفيذ، ولا يجوز الحكم في دعوى إثبات الحالة ما لم تقدم هيئة مفوضي الدولة تقريرها
بشأنها ولكن الدائرة المذكورة قضت برفضها دون أن تقدم هيئة مفوضي الدولة تقريراً بشأنها،
وهذا الذي أجرته الدائرة المختصمة إن لم يكن عن سوء قصد فهو الخطأ الجسيم.
8 – إسقاط طلب استبعاد مدة توقف المشرف عن العمل من مدة الرسالة وتتمثل هذه المخالفة
في أن الدائرة المختصمة لم تتعرض في أسباب حكمها لطلب المدعية استبعاد الفترة التي
مضت من أول تسجيل الرسالة حتى توفر الجامعة الإشراف الصحيح عليها من المدة المقررة
للحصول على درجة الدكتوراه كما أنها أغفلت هذا الطلب في منطوق الحكم وأسقطته كطلب كما
أحالته إلى هيئة مفوضي الدولة وتحاشت بذلك أن تعرض أدلة المدعية المثبتة لتوقف المشرف
وإضاعته مدة الرسالة سدى، وهذا الذي أجرته الدائرة المختصمة من شأنه أن يثير من الشك
ما يعقد سير الخصومة ويظاهر دأب الدائرة على إخفاء إساءات المشرف ويدخل بذلك في نطاق
الخطأ المهني الجسيم إن لم يكن إغفالاً مقصوداً عن ميل إلى الخصم.
وأردفت المدعية (الطاعنة) بتقرير دعوى المخاصمة سالفة الذكر قولها أن المخالفات سالفة
الذكر تخل بالقواعد الأساسية في التقاضي التي يجب أن يحيط بها كل من يجلس للحكم بين
الناس وأنها أجمعت على هدف واحد هو التنكر لحقها في إنجاز رسالتها في الميعاد وإيثار
المشرف بإخفاء انحرافه وإخلاله بأمانته بالميل الذي ينفى الحيدة حيال دائرة بحكم تشكيلها
لها من الخبرة والدراية والكفاية ما يجعلها أقدر على إصابة وجه الحق فإذا اجتمعت على
ألا تتدارك شيئاً من المخالفات الصارخة فإن ذلك يثبته سبب المخاصمة ويحق على مستشاريها
متضامنين مع رئيس مجلس الدولة الذي يتبعونه تعويضاً عن الأضرار التي لحقتها من الحكم
كما يحق البطلان على الحكم ذاته إعمالاً لحكم المادة/ 499 مرافعات.
وأخيراً اختتمت المخاصمة (الطاعنة) دعوى المخاصمة ببيان ما أصابها من أضرار تمثلت في
تأخير حصولها على الدكتوراه وتأخر تعيينها في وظيفة مدرس عن أقرانها وما لحقها من مرض
نقص السكر في الدم والتهاب نسيج المخ وهو ما أقعدها عن مواصلة البحث في رسالتها وألزمها
الاعتكاف عن العمل بإجازة مرضية رسمية عقب صدور الحكم فضلاً عن عناء التقاضي ونفقاته
بغير أن يفئ عليها بحق وهو ما تقدره بما لا يقل عن خمسة عشر ألف جنيه.
وأمام المحكمة التي نظرت دعوى المخاصمة طلب كل من المختصمين (المطعون ضدهم) الثلاثة
الأول إلزام المخاصمة (الطاعنة) بأن تؤدى لكل منهم مبلغاً وقدره مائة ألف جنيه تعويضاً
عن الأضرار التي أصابتهم وقدموا مذكرة بدفاعهم.
كما طلب الحاضر عن المخاصمة إلزام مقدمي المذكرة (المطعون ضدهم المذكورين) بأن يؤدوا
للمدعية تعويضاً قدره خمسون ألف جنيه.
وبعد إبداء هيئة مفوضي الدولة رأيها القانوني في الدعوى صدر الحكم المطعون فيه بجلسة
21/ 5/ 1991 بمنطوقة سالف الذكر، وأقام قضاءه على أساس تخلف ما يفيد وقوع أى من أعضاء
الدائرة المخاصمة في الغش أو التدليس أو الانحراف في عمله أو ارتكابه خطأ مهنياً جسيماً
بما يجعل أوجه المخاصمة غير متعلقة بالدعوى، وذلك بعد أن استعرض الحكم المطعون فيه
أسباب المخاصمة على النحو التالي:
1 – بالنسبة للسبب الأولى المتعلقة بإخفاء دليل الدعوى فقد أورى الحكم المطعون فيه
إلى أن إغفال الإشارة إلى مستند ما عند تحصيل الوقائع لا يفيد في حد ذاته عدم إطلاع
المحكمة على كافة مستندات الدعوى وإذا لم يتحدث الحكم عن مستند في الدعوى رغم تمسك
الخصم به فإن ذلك لا يكون سبباً من أسباب الطعن للقصور في التسبيب وهو ما تمسكت به
المخاصمة (الطاعنة) بالطعن المقام منها أمام المحكمة الإدارية العليا في الحكم الصادر
في الدعوى الأصلية وقضى فيه بإجماع الآراء بالرفض، فضلاً عن أن المستقر علي أن المحكمة
غير ملزمة بتعقب كل مستندات وحجج الخصوم والرد عليها استقلالاً وبالتالى لا يكون هذا
السبب من المخاصمة قائماً على سبب يصلح أن يكون سنداً للمخاصمة.
2 – بالنسبة للسبب الثاني المتعلقة بتغيير سبب الدعوى فقد ذهب الحكم المطعون فيه إلى
أن المستقر عليه أنه متى أقامت المحكمة قضاءها على ما يكفى لحمله، فإنها لا تكون ملزمة
بالتحدث عن كل قرينة من القرائن التي يدلى بها الخصوم، كما أنها غير مكلفة بأن تورد
كل الحجج التي تمسك بها الخصوم وتفندها إذ أن في قيام الحقيقة التي اقتنعت بها التعليل
الضمني لإخراج هذه القرائن، وإن صح إن يكون دفاع المخاصمة سبباً في الطعن إلا أنه لا
يعتبر سبباً للمخاصمة إذ لا يوصم بالغش أو التدليس أو الخطأ المهني الجسيم كما هو في
الحالة المعروضة فإن المحكمة المخاصمة قد أوردت بمدونات حكمها أنها بإطلاعها على أوراق
الدعوى تبين لها انتفاء ركن الانحراف بالسلطة في جانب المشرف، وبذلك فإنها لم تغير
سبب الدعوى على النحو الذي تتمسك به المخاصمة (الطاعنة).
3 – بالنسبة للسبب الثالث المتعلق بالقول باختلاق الدائرة المخاصمة دفاعاً غير صحيح
فقد أورى الحكم المطعون فيه أن الثابت أن كتاب المشرف رداً على كلية التجارة جامعة
المنصورة بشأن طلبها منه تقديم تقرير عن موعد انتهاء المخاصمة (الطاعنة) من رسالتها
قد أفاد فيه المشرف بتأخره في الرد حتى يقف بدقة على موقف الرسالة وموعد انتهاء الباحثة
(الطاعنة) من إعدادها وأنها أعدت الفصل الأول الثاني وتمت مراجعتهما معها عدة مرات
ويعتقد أن المجهود المطلوب منها لا زال كبيراً وأنه غير راض عن معدل تقدمها في عملها
بما يمكنه من التكهن بالمدة التي ستنتهي فيها من إعداد رسالتها.
وأورى الحكم المطعون فيه أن المحكمة المخاصمة وهى تملك سلطة تقدير وفهم أوراق الدعوى
إن رأت عدم رضا المشرف عن معدل تقدم الرسالة بعد مراجعة الفصلين الأول والثاني، يعد
تقييماً علمياً وفنياً فإنه لا يكون ذلك مجادلة بدفاع غير صحيح ذلك أن المحكمة المذكورة
أقامت قضاءها على ما حصلته من فهم الواقع في الدعوى، ورأت أنها خلت من دليل على إساءة
استعمال السلطة فلا يكون ثمة تثريب عليها في ذلك إذ ليس في الموازنة بين الأدلة والأخذ
بدليل منها وطرح آخر مسخ لواقعة الدعوى وليس فيه إيثار لأحد الخصوم أو نكاية في غيره
تحقيقاً لصالح خاص لأي من أفرادها كما لا يندرج ضمن الخطأ الجسيم الذي يبرر المخاصمة.
4 – بالنسبة للسبب الرابع المتعلق بالقول بأن المخاصمين (المطعون ضدهم) قرروا ما يخالف
الحقيقة بقولهم أن المدعية (الطاعنة) لم تقدم أدلة إساءة استعمال السلطة في حين أن
ذلك يخالف الثابت بمدونات الدعوى، فقد أورى الحكم المطعون فيه أن المحكمة المخاصمة
قررت أنها اطلعت على ما بالأوراق من مستندات، و من ثم فإنها لم تر فيها ما يمكن اعتباره
دليلاً على انحراف المشرف بسلطته وهو أمر يدخل في سلطتها التقديرية للموازنة بين الأدلة
والأخذ بما تراه منها وإذا كانت المخاصمة ترى في الأوراق المقدمة منها دليلاً على الانحراف
فمجال ذلك الطعن على الحكم بالطرق المقررة قانوناً، إلا أن ذلك لا يرقى إلى نسبة الغش
أو التدليل أو الخطأ المهني الجسيم إلى المخاصمين (المطعون ضدهم) إذ لا يعدو ذلك أن
يكون مجادلة فيما تستقل بتقديره المحكمة مصدرة الحكم المخاصم.
5 – بالنسبة للسبب الخامس من أسباب المخاصمة المتعلقة بالقول بالالتفات عن الدفاع الجوهري
للمدعية (الطاعنة) في إثبات انحراف المشرف في استعمال سلطته، فقد بين الحكم المطعون
فيه أن محكمة الموضوع متى أقامت قضاءها على ما يكفى لحمله فإنها لا تكون ملزمة بتتبع
الخصوم في مناحي دافعهم والرد عليهم استقلالاً متى كان ما أورده الحكم يحمل الرد الضمني،
وأنه في الحالة المعروضة فإن مدونات الحكم تكشف أن المحكمة رأت بعد الإطلاع على أوراق
الدعوى أنها لا تحوى دليلاً على الانحراف، وأن إغفال الدفاع الجوهري إن تحققت شروطه
يصلح سبباً للطعن على الحكم، وهذا ما أفردته المخاصمة (الطاعنة) سبباً من أسباب طعنها
أمام المحكمة الإدارية العليا إلا أن هذه المحكمة "دائرة فحص الطعون" لم ترفيه سبباً
حقيقياً يشوب الحكم بالخطأ، وبالتالى فلا يجوز أن ينسب إلى مصدريه الخطأ المهني الجسيم
ويضحى هذا السبب فاقداً سنده بما لا يجيز المخاصمة على أساسه.
6 – بالنسبة للسبب السادس من أسباب المخاصمة المتعلقة بالقول بتبديل الواقع في دعوى
إثبات الحالة فقد بين الحكم المطعون فيه أن الحكم المخاصم أثبت طلب إثبات الحالة كما
ورد بصحيفة الدعوى كما أورده ضمن طلبات المدعية ضمن طلباتها لدى تكييف الطلبات فيها
وأنه أشار إليه بإيجاز بقوله أنها تطلب .. وإثبات حالة هذه الرسالة وأفرد لطلبها هذا
حيثية ذكر فيها أن تقييم الأعمال العلمية من الأمور الفنية التي تستقل بها الجهة العلمية
وأن الأستاذ المشرف قدم تقريراً برأيه في الرسالة والجهد الذي بذل في إعداد الجزء الذي
قام بمراجعته ومدى التقدم الذي حققته المدعية "الطاعنة" في أعمالها، وفى ضوء ذلك انتهى
الحكم المخاصم بأنه لا يجوز تشكيل لجنة أخرى للحكم على هذا الجزء من الرسالة لمخالفته
لقانون تنظيم الجامعات وانتهى إلى رفض طلب إثبات الحالة، فإن ما أورده الحكم المخاصم
يكون إعمالاً لسلطة المحكمة في الهيمنة على تكييف الخصوم لطلباتهم الذي يدخل في سلطة
المحكمة حسبما تستظهره من قصد الخصوم من وراء تلك الطلبات بأن تعطى الدعوى وصفها الحق
وتكييفها السليم وإذ كان ثمة خطأ في تكييف المحكمة لطلبات المدعية فمجاله الطعن بالطرق
المقررة قانوناً ولكنه لا يعد من الأخطاء المهنية الجسيمة التي تجيز المخاصمة.
7 – بالنسبة للسبب السابع من أسباب المخاصمة المتعلقة بانتقاص إجراءات دعوى إثبات الحالة
بالفصل فيها بغير تحضيرها بهيئة مفوضي الدولة، فقد ذكر الحكم المطعون فيه أن هذا السبب
– إن صح – لا يعدو أن يكون مخالفة قانونية مما قد يصلح لتغييب الحكم المخاصم أمام المحكمة
الإدارية العليا ولكنه لا يرقى بحال أن يكون سبباً لاستنهاض دعوى المخاصمة مع انتفاء
أية شبهة لوقوع غش أو تدليس أو خطأ مهني جسيم في حق المخاصمين (المطعون ضدهم).
8 – بالنسبة للسبب الثامن من أسباب المخاصمة المتمثل في القول بإسقاط طلب استبعاد مدة
توقف المشرف عن العمل من مدة الرسالة، فقد أوضح الحكم المطعون فيه بشأنه أن أمر تكييف
حدود هذا الطلب وما إذا كان يتسع ليبدو طلباً مستقلاً بذاته أو أنه من بين الآثار المترتبة
على القضاء للمدعية (الطاعنة) في طلبات وقف التنفيذ وإلغاء القرارات الأخرى المطعون
فهيا ومن بينها قرار المشرف بالامتناع عن اعتماد فصول الرسالة الثلاثة التي عرضت عليه،
هو أمر من الأمور التي تندرج في نطاق سلطة المحكمة في الهيمنة على تكييف الخصوم لطلباتهم،
كما أنه لو تحقق إسقاط أحد الطلبات الجوهرية في الحالة المعروضة فإن مجال استدراك ذلك
عند تحقق موجباته استخدام ما أجازته المادة/ 193 من قانون المرافعات التي تقرر لصاحب
الشأن إذا ما أغفلت المحكمة الحكم في بعض الطلبات الموضوعية أن يقوم بإعلان خصمه بصحيفة
لنظر الطلب أمام المحكمة المعنية، وليس بالولوج إلى طريق المخاصمة، وبالتالى فليس فيما
نسبته المخاصمة (الطاعنة) إلى المخاصمين (المطعون ضدهم) في هذا الصدد مع تخلف شروط
الغش والتدليس والخطأ الجسيم، ما يصلح سنداً مجيزاً للمخاصمة.
ومن حيث إن مبنى الطعن صدور الحكم المطعون فيه مشوباً بما يلي:
أولاً: تناقض الأسباب وتهافتها: ويتمثل ذلك بالنسبة للمخالفة الأولى (السبب الأول من
أسباب المخاصمة) المتعلقة بإخفاء دليل الدعوى، قال الحكم المطعون فيه صواباً أن هذا
الوجه متعلق بالدعوى ثم عاد بآخر الأسباب إلى قوله أنه وإذ تخلف عن أسباب المخاصمة
ما يفيد وقوع أى من أعضاء الدائرة المختصمة في الغش أو الخطأ الجسيم، فإن أوجه المخاصمة
لا تكون متعلقة بالدعوى، وهو ما يمثل تناقضاً مع نفسه كما خالف الظاهر من واقع الدعوى
و ما أثبته مفوض الدولة من تعلق المخالفات كلها بالدعوى.
ثانياً: الخطأ في تطبيق القانون وفساد الاستدلال وقصور التسبيب على النحو التالي:
اقتصر الحكم المطعون فيه على نفس جسامة أخطاء الدائرة المختصمة الثمانية استناداً لإمكان
تدارك ذلك بطريق الطعن وقياس الخطأ بهدا المعيار غير صحيح ذلك أن كل خطأ يسيراً كان
أم جسيماً يقبل الطعن بسببه وتملك المحكمة الإدارية العليا إبطاله ولكنها لا تختص بالتعويض
عن الضرر الذي نتج عنه وإنما معيار الخطأ المتطلب قانوناً للتعويض هو انحراف المسئول
عن سلوك الشخص المعتاد في مثل الظروف التي وقع فيها العمل غير المشروع وتتحدد جسامته
بمدى هذا الانحراف، وخطأ الدائرة المختصمة تقاس جسامته بشدة انحراف مستشاريها عن سلوك
القضاة المتبصرين الذين تتيح لهم أقدميتهم الجلوس في مستوى الدائرة المختصمة، وبذلك
يكون الحكم المطعون فيه قد أخطأ في تطبيق المعيار القانوني للخطأ الجسيم في أحكام المسئولية
المدنية وأحاط به فساد في الاستدلال في نفى هذا الخطأ عن المختصمين.
يضاف إلى ذلك أن انصراف الحكم المطعون فيه عن تقدير أوجه المخاصمة من حيث كثرتها واتجاهها
كلها إلى هدف واحد بلغت الغاية منهم وقد أجمعت تلك المخالفات على إخفاء ما ورد بصحيفة
الدعوى ومستنداتها عن إساءة المشرف وانحرافاته التي عددتها المدعية (الطاعنة) ولم تذكر
الدائرة المختصمة كلمة واحدة منها.
ثالثاً: انتقاص أسباب المخاصمة وتفويت أخطرها: وذلك أن الحكم المطعون فيه قد اقتصر
في استعراضه لمخالفات الدائرة المختصمة على نفي الخطأ الجسيم ولم تعرض أسبابه للغش
الذي بينته الطاعنة وقد جاء قول الحكم المطعون فيه بتخلف وقوع الغش من الدائرة المختصمة
في أوجه المخاصمة قولاً يعوزه الدليل ومنتقصاً لشطر من أسباب المخاصمة وهو الغش الذي
هو أخطر من الخطأ المهني الجسيم وقد بينت الطاعنة القرائن المفصلة على قصد الدائرة
المختصمة إخفاء انحراف المشرف المتنكر لطلبات المدعية (الطاعنة) ويكون الحكم المطعون
فيه إذ انتقص أخطر أسباب المخاصمة قد أهدر حق الطاعنة في الدفاع عن طلباتها وأثر عليها
المختصمين (المطعون ضدهم) بالمجاوزة عن أشد ما نسب إليهم بغير دليل يبرئ ساحتهم مما
تختل به الحيدة في فصل الخصومة وتوجب إبطال الحكم.
رابعاً: الخلط بين عدم قبول الدعوى ورفضها.
كان من واجب الحكم المطعون فيه طبقاً للمادة/ 496 مرافعات ألا يتناول موضوع المخاصمة
إلا بالقدر اللازم لذلك باعتباره صادراً من المرحلة الأولى من المخاصمة إلا أن الحكم
المطعون فيه تجاوز هذا النفي للخطأ الجسيم عن المختصمين وأقحم نفسه في نظر موضوعها
الذي لا يكون إلا من المرحلة الثانية من المخاصمة ولذا لا يعتد بالحكم فيما لا يختص
به من ذلك الاستقصاء الموضوعي لأسباب المخاصمة.
خامساً: الإخلال بحق الدفاع
فقد وقعت الطاعنة ببطلان تقرير هيئة مفوضي الدولة في شأن ما ارتآه من رفض المخاصمة
إذ لم يستقص ما أسندته المدعية إلى الدائرة المختصمة من غش وخطأ مهني جسيم إلا أن الحكم
المطعون فيه أغفل هذا الطلب الجوهري وخاض في الاستقصاء بغير تقرير كما أوجه القانون
الذي بدونه يترتب البطلان.
سادساً: الافتئات على اختصاص الدائرة
خاضت المحكمة مصدرة الحكم المطعون فيه في أسباب المخالفة ونفت الخطأ الجسيم عن كل مخالفة،
وهذا يخالف نص المادة/ 497 مرافعات التي جعلت ذلك من اختصاص الدائرة المختصة بنظر المرحلة
الثانية من المخاصمة، مما يجعل الحكم متضمناً افتئاتاً على الدائرة الأخرى.
وخلص تقرير الطعن إلى الطلبات السابق إيرادها.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه صادر في دعوى مخاصمة لمستشاري الدائرة الأولى بمحكمة
القضاء الإداري بمجلس الدولة فإنه في مجال إعمال الرقابة على هذا الحكم فإن الأمر يستوجب
التعرض للأحكام والنصوص القانونية التي وضعها المشرع لمخاصمة القضاة وهي التي تضمنها
قانون المرافعات المدنية والتجارية الصادر بالقانون رقم 13 لسنة 1968 باعتبار أن نصوص
قانون مجلس الدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1972 قد خلت من نصوص متعلقة بأحكام
مخاصمة أعضائه ومستشاريه.
ومن حيث إن قانون المرافعات المدنية والتجارية المشار إليه قبل تعديله بالقانون رقم
23 لسنة 1982 باعتبار أن الحكم المطعون فيه صدر قبل التعديل بالقانون الأخير، قد نظم
أحكام مخاصمة القضاة وأعضاء النيابة العامة في الباب الثاني من الكتاب الثالث منه،
حيث نصت المادة/ 494 على أن: تجوز مخاصمة القضاة أو أعضاء النيابة في الأحوال الآتية:
1 – إذا وقع من القاضي أو عضو النيابة في عملهما غش أو تدليس أو غدر أو خطأ مهني جسيم.
2 – إذا امتنع القاضي عن الإجابة على عريضة قدمت له أو في الفصل في قضية صالحة للحكم
وذلك بعد إنذاره مرتين على يد محضر……
3 – في الأحوال الأخرى التي يقضي فيها القانون بمسئولية القاضي والحكم عليه بالتعويضات.
وتنص المادة/ 495 من ذات القانون على أن:
ترفع دعوى المخاصمة بتقرير في قلم كتاب محكمة الاستئناف التابع لها القاضي أو عضو النيابة
يوقعه الطالب أو من يوكله توكيلاً خاصاً.
ويجب أن يشتمل التقرير على بيان أوجه المخاصمة وأدلتها وأن تودع معه الأوراق المؤيدة
لها.
وتعرض الدعوى على إحدى دوائر محكمة الاستئناف بأمر من رئيسها بعد تبليغ صورة التقرير
إلى القاضي أو عضو النيابة وتنظر في أول جلسة تعقد بعد ثمانية أيام التالية للتبليغ
ويقوم قلم الكتاب بإخطار الطالب بالجلسة.
كما تنص المادة/ 496 من ذات القانون على أن:
"تحكم المحكمة في تعلق أوجه المخاصمة بالدعوى وجواز قبولها وذلك بعد سماع الطالب أو
وكيله أو عضو النيابة المخاصم حسب الأحوال وأقوال النيابة العامة إذا تدخلت في الدعوى".
كما تنص المادة/ 497 من القانون ذاته على أنه:
إذا حكم بجواز قبول المخاصمة وكان المخاصم أحد قضاة المحكمة الابتدائية أو أحد أعضاء
النيابة لديها حدد الحكم جلسة لنظر موضوع المخاصمة في جلسة علنية أمام دائرة أخرى من
دوائر محكمة الاستئناف ….. وإذا كان المخاصم مستشاراً في إحدى محاكم الاستئناف أو
النائب العام أو المحامي العام فتكون الإحالة على دائرة خاصة مؤلفة من سبعة من المستشارين
بحسب ترتيب أقدميتهم، أو ما إذا كان المخاصم مستشاراً بمحكمة النقض فتكون الإحالة إلى
دوائر المحكمة مجتمعة.
كما تنص المادة/ 499 من القانون ذاته على أنه:
إذا قضت المحكمة بعدم جواز المخاصمة أو برفضها حكم على الطالب بغرامة لا تقل عن خمسين
جنيهاً ولا تزيد على مائتي جنيه مع التعويضات أن كان لها وجه، وإذا قضت بصحة المخاصمة
حكمت على القاضي أو عضو النيابة المخاصم بالتعويضات والمصاريف وببطلان تصرفه …..
وأخيراً تنص المادة/ 500 من ذات القانون على أنه:
لا يجوز الطعن في الحكم الصادر في دعوى المخاصمة إلا بطريق النقض.
ومن حيث إن المستفاد من النصوص المتقدمة أن المشرع أحاد ذلك بسياج من الحماية بما يجعلهم
في مأمن من كيد العابثين الذين يحاولون النيل منهم والمساس بكرامتهم وهيبتهم بمقاضاتهم
لمجرد التشهير بهم، ومن ثم وجب الالتزام بأحكام تلك القواعد الخاصة والتي من بينها
أن الفصل في دعوى المخاصمة يتم على مرحلتين:
الأولى: مرحلة الفصل في تعلق أوجه المخاصمة بالدعوى وجواز قبولها.
الثانية: مرحلة الفصل في موضوعها إذا قضى بجواز المخاصمة إما برفضها أو بصحتها والتعويض
وبطلان التصرف.
كما أن الفصل في دعوى المخاصمة وهي في مرحلتها الأولي، لا يكون إلا على أساس ما يرد
في تقرر المخاصمة والأوراق المودعة معه وما يقدمه القاضي المخاصم من أوراق ومستندات
مؤيدة لدفاعه وحق المحكمة في الاستناد إلى ما يحويه ملف الدعوى الموضوعية من أوراق
ولا يجوز للمخاصم في هذه المرحلة تقديم أوراق أو مستندات غير التي أودعها مع التقرير.
وقد وازن المشرع بالنصوص والأحكام المتقدمة بين حق القاضي في توفير الضمانات له فلا
يتحسب في قضائه إلا وجه الحق، ولا يهتز وجدانه من مظنة النيل منه أو يستنفذ الجهد في
سبيل الرد على من ظن الجور وآثر الكيد له وبين حق المتقاضي في الاطمئنان إلى أن قاضيه
مقيد بالعدل في حكمه فإن جنح عنه لم تغلق الأبواب في وجهه فله أن يسلك طريق الخصومة
التي يدين بها قضاءه ويبطل أثره، وكل هذا يجد حده الطبيعي في أن القضاء ولاية تقدير
وأمانة تقرير وأن مجرد الخلاف أو الخطأ لا سقط بهما منطق العدل وإنما يسقطه الجور والانحراف
في القصد.
ومن حيث إنه في ضوء ما تقدم فإن المشرع قد حدد أسباب المخاصمة ومنها الغش والتدليس
والخطأ المهني الجسيم والتي تدور حولها المنازعة المطروحة والمقصود بالغش في هذا المقام
هو ارتكاب القاضي الظلم عن قصد بدافع المصلحة الشخصية أو بدافع الكراهية لأحد الخصوم
أو محاباة الطرف الآخر، أما الخطأ الجسيم فهو حسبما استقر عليه الرأي والقضاء هو الخطأ
الذي ينطوي على أقصى ما يمكن تصوره من الإهمال في أداء الواجب فهو في سلم الخطأ أعلى
درجاته، ويكون ارتكابه نتيجة غلط فاضح ما كان ليساق إليه لو اهتم بوجباته الاهتمام
العادي أو بسبب إهماله إهمالاً مفرطاً يعبر عن خطأ فاحش مثل الجهل الفاضح بالمبادئ
الأساسية للقانون وبذلك لا يعتبر خطأ مهنياً جسيماً فهم رجل القضاء للقانون على نحو
معين ولو خالف فيه إجماع الشراح ولا تقديره لواقعة معينة أو إساءة الاستنتاج، كما لا
يدخل في نطاق الخطأ المهني الجسيم الخطأ في استخلاص الوقائع أو تفسير القانون أو قصور
الأسباب.
وعليه يخرج من نطاق هذا الخطأ كل رأي أو تطبيق قانوني يخلص إليه القاضي بعد إمعان النظر
والاجتهاد في استنباط الحلول للمسألة القانونية المطروحة ولو خالف في ذلك أحكام القضاء
وأراء الفقهاء.
ومن حيث إنه قبل التعرض لأسباب الطعن الراهن يجدر الإشارة إلى أن الحكم الصادر من المطعون
ضدهم من الأول إلى الثالث في الدعوى رقم 2661 لسنة 42 ق قضى بما يلي:
"حكمت المحكمة برفض الدفع بعدم قبول الدعوى بالنسبة للمدعي عليه الثاني (الدكتور/………
المشرف على الرسالة) وبعدم قبول الدعوى بالنسبة للقرار الصادر بتنحيه الأستاذ الدكتور/……
وتعيين الأستاذ الدكتور/…… مشرفاً على رسالة المدعية (الطاعنة) لإقامة الدعوى بعد
الميعاد المقرر قانوناً وبرفض طلب وقف تنفيذ باقي القرارات المطعون فيها وإلزام المدعية
(الطاعنة) بمصروفات هذه الطلبات، ورفض طلب إثبات الحالة وألزمت المدعية (الطاعنة) مصروفاته،
وأمرت بإحالة الدعوى إلى هيئة مفوضي الدولة لإعداد تقرير بالرأي القانوني في طلبي الإلغاء
والتعويض.
ومن حيث إن الحكم متقدم الذكر فيما قضى به من رفض طلب وقف تنفيذ باقي القرارات، قد
صدر بصفة مستعجلة ومن المستقر عليه أن الحكم الصادر بصفة مستعجلة في طلب وقف التنفيذ
هو حكم يصدر من ظاهر الأوراق دون التعمق فيها لمخالفة ذلك للصفة المستعجلة فيه، كما
أنه حكم بطبيعته مؤقت لا يكتسب حجية عند التعرض للموضوع ولا يمنع حتى الدائرة التي
أصدرته أن تقضي على خلافه أما ما قضى به الحكم متقدم الذكر بعدم قبول الدعوى بالنسبة
للقرار الصادر بتنحية الدكتور/ ….. وتعيين الدكتور/……. مشرفاً على الرسالة ورفض
طلب إثبات الحالة، فإنه وإن كان ذلك القضاء في غير مجال وقف التنفيذ بصفة مستعجلة لحين
الفصل في موضوعها، إلا أن الثابت أن الحكم المشار إليه قد تم الطعن فيه برمته سواء
فيما قضى به في طلب وقف التنفيذ أو بعدم القبول أو الرفض وذلك بالطعن رقم 129 لسنة
35 ق. ع المقام من ذات الطاعنة أمام المحكمة الإدارية العليا، وأن هذه المحكمة "الدائرة
الأولى فحص الطعون" بهيئة مغايرة، قد حكمت في ذلك الطعن بجلسة 7/ 5/ 1990 بإجماع الآراء
برفضه وذلك استناداً إلى أن الطعن غير قائم على أساس من القانون و من ثم يكون الحكم
الصادر من المطعون ضدهم من الأول إلى الثالث، وقد صدر مبرأ من العيوب ومتفقاً وصحيح
حكم القانون في حدود ما تملكه المحكمة من سلطة وينتفي بذلك إلحاق الخطأ به، و من باب
أولي ينتفي الخطأ المهني الجسيم الموجب للمخاصمة القضائية باعتبار أن الخطأ المهني
الجسيم هو في سلم الخطأ أعلى درجاته على التفصيل السابق إيراده، كما أن الغش والتدليس
المبرران للمخاصمة القضائية إنما يشترط فيهما أن يقوم الدليل عليهما من الأوراق، وإذ
كانت الأوراق في الحالة المعروضة قد أجدبت تماماً مما يفيد وجود شيء من مثل هذا، فمن
ثم تفقد المخاصمة أسبابها وذلك كله على التفصيل الوارد بأسباب الحكم المطعون فيه التي
أوردها عند بحث كل سبب من أسباب المخاصمة والتي تتبناها المحكمة لسلامتها وتحيل إليها
منعاً للتكرار.
ومن حيث إنه عن أسباب الطعن فإنه بالنسبة للسبب الأول المتعلق بالقول بتناقض الأسباب
وتهافتها وذلك عندما ذكر الحكم الطعون فيه بشأن إخفاء دليل الدعوى بأن هذا الوجه المتعلق
بالدعوى ثم عاد وذكر بعدم وقوع غش أو خطأ جسيم ولذا فإن أوجه المخاصمة لا تكون متعلقة
بالدعوى فإنه بإمعان النظر في نص المادة/ 496 مرافعات المشار إليه والتي تقضي بأن "تحكم
المحكمة في تعلق أوجه المخاصمة بالدعوى وثانيهما جواز قبولها". ومن ثم فليس كل وجه
يتعلق بالدعوى يجيز قبولها وإنما يشترط في ذلك الوجه أن يتوافر فيه أحد الحالات التي
تبرر المخاصمة (الغش الغدر التدليس – الخطأ المهني الجسيم) فإذا لم يتوافر في ذلك الوجه
أي من هذه الأمور فإنه لا يجوز قبول دعوى المخاصمة حتى ولو تعلق الأمر بأوجه المخاصمة
في الدعوى، وعلى هذا يفهم ما ذكره الحكم المطعون فيه من أن وجه المخاصمة المذكور يتعلق
بالدعوى ثم إذ تبين له عدم توافر الغش أو الخطأ المهني الجسيم، فإنه لا تقبل دعوى المخاصمة،
ولا يكون ثمة تناقض في أسباب الحكم المطعون فيه ويغدو هذا الوجه من الطعن فاقداً الأساس
القانوني مستوجباً طرحه.
ومن حيث إنه عن الوجه الثاني من أوجه الطعن المتعلق بالنعي على الحكم المطعون فيه بالخطأ
في تطبيق القانون والفساد في الاستدلال والقصور في التسبيب في تطبيق المعيار القانوني
للخطأ الجسيم في أحكام المسئولية المدنية فإنه حسبما سبق إيضاحه فإن الخطأ المهني الجسيم
الذي تطلبه المشرع كسبب من أسباب المخاصمة هو الخطأ الذي يرتكبه القاضي بوقوعه في غلط
فاضح ما كان ليساق إليه لو اهتم بواجباته الاهتمام العادي أو لإهماله في عمله إهمالاً
مفرطاً ولا يدخل في الخطأ المهني الجسيم مجرد الخطأ في التقدير أو استخلاص الوقائع
أو تفسير القانون أو القصور في الأسباب لأن سبيل تدارك ذلك هو الطعن في الحكم بطريق
الطعن المناسب وهذا ما اتبعته الطاعنة بإقامة الطعن رقم 129 لسنة 35 ق. ع والذي رفض
استناداً إلى عدم قيامه على أساس سليم من القانون، ومن ثم يكون الحكم المطعون فيه قد
طبق معيار الخطأ المهني الجسيم تطبيقاً سليماً، وإذ تبين له عدم توافره.، فإنه يكون
قد أصاب الحق فيما انتهى إليه، ويغدو ما يتمسك به الطعن في هذا الشأن غير قائم على
أساس صحيح قانوناً بما يجعل هذا الوجه من الطعن مستوجباً طرحه.
ومن حيث إنه عما يتمسك به الطعن من قول بانتقاص أسباب المخاصمة وتفويت أخطرها بعدم
التعرض لسبب الغش الذي بينته الطاعنة مما أهدر حق الطاعنة في الدفاع عن طلباتها واثر
عليها المختصمين (المطعون ضدهم) بالمجاوزة عن أشد ما نسب إليهم بغير دليل يبرئ ساحتهم
مما تختل به الحيدة في فصل الخصومة فإن المستقر عليه أن الغش الذي يصلح سبباً للمخاصمة
هو ارتكاب الظلم عن قصد بدافع المصلحة الشخصية أو بدافع الكراهية لأحد الخصوم أو محاباة
الطرف الآخر، ويجب على المخاصم أن يقيم الدليل على سوء نية القاضي أو القضاة المخاصمين
وهو ما لم يحدث في الحالة المعروضة إذ لم يقم دليل من الأوراق على وجود مثل هذا الغش،
أما القول بأن الحكم المطعون فيه تجاوز عما نسب للمختصمين بغير دليل يبرئ ساحتهم فهو
قلب للحقائق التي توجب على المخاصم أن يقيم الدليل على ارتكاب القاضي أو القضاة المخاصمين
للغش، أما القول بإهدار الحكم المطعون فيه حق الطاعنة في الدفاع عن طلباتها وأثر عليها
المختصمين (المطعون ضدهم) فهو قول يتعارض مع الثابت من أن الحكم المطعون فيه قد تولى
تفصيل أسباب المخاصمة التي تمسكت بها الطاعنة وعنى بالرد كل على حده بصورة موضوعية
بما يعني أنه أتاح لها فرصة الدفاع عن طلباتها كاملة ودون أن يشوب الحكم المطعون فيه
أي انحراف أو إيثار المختصمين (المطعون ضدهم) على الطاعنة، بما يجعل هذا القول من جانب
الطاعنة فيه تجاوز كبير عن الحق وبعداً واضحاً عن الصواب بما لا يجوز، ويغدو هذا الوجه
من الطعن فاقداً الأساس القانوني الصحيح ويكون لذلك مستوجباً طرحه.
ومن حيث إنه عما يتمسك به الطعن من قول بخلط الحكم المطعون فيه بين عدم قبول الدعوى
ورفضها والافتئات على اختصاص الدائرة الكبرى وذلك لتعرض الحكم المطعون فيه لموضوع المخاصمة
ونفي الخطأ الجسيم عن كل سبب من أسبابها، فإن المستقر عليه أنه وإن كانت ولأية المحكمة
التي تنظر دعوى المخاصمة في مرحلتها الأولى قاصراً على الفصل في تعلق أوجه المخاصمة
بالدعوى وجواز قبولها إلا أن ذلك لا يحجبها عن تمحيص الأوجه والأدلة التي ساقها الخصوم
لتتبين فيها مدى جديتها وارتباطها بأسباب المخاصمة وما إذا كانت منتجة في طلب المخاصمة
أو أنها لا ترقي إلى هذا الحد وذلك حتى يتاح لها الحكم بجواز قبولها أو عدم جوازها
دون التصدي لموضوعها الذي أوجب المشرع تركه لهيئة أخرى.
ومن حيث إن الثابت أن الحكم المطعون فيه وإن كان قد تعرض لأسباب المخاصمة ونفي عن كل
منها الخطأ المهني الجسيم، إلا أن ذلك كان في معرض بيان مدى تعلق أوجه المخاصمة بالدعوى،
وانتهى في ضوء ذلك إلى جواز قبولها ومدى جدية تلك الأسباب وما إذا كانت منتجة في الدعوى،
وانتهى في ضوء ذلك إلى عدم جواز قبول دعوى المخاصمة فمن ثم يكون ما أجراه الحكم المطعون
فيه يدخل في سلطة المحكمة سلطة المحكمة التي تنظر المخاصمة في مرحلتها الأولى وليس
فيه خلط بين عدم قبول الدعوى ورفضها ولا افتئات على اختصاص الهيئة الكبرى، كما يزعم
الطعن، ويغدو هذان الوجهان من أوجه الطعن غير قائمين على أساس صحيح من القانون ويكونان
لذلك مستوجبين الطرح.
ومن حيث إنه عما يتمسك به الطعن من إخلال الحكم المطعون فيه بحق دفاع الطاعنة التي
تمسكت ببطلان تقرير هيئة مفوضي الدولة لأنه لم يستقص ما أسندته الطاعنة إلى الدائرة
المختصة من غش وخطأ مهني جسيم إلا أن الحكم المطعون فيه لم يتعرض لهذا الدفع، فإن المستقر
عليه أن المحكمة ليست ملزمة بتعقب دفاع الخصم في دقائقه وجزئياته والرد على كل منها
وذلك متى أوردت إجمالاً الحجج التي أقامت عليها قضاءها وما يحمله هذا ضمناً من طرح
ما تمسك به ذل الخصم ضمناً، كذلك فإن المستقر عليه أنه متى قدمت هيئة مفوضي الدولة
تقريرها في الدعوى، فإن الدعوى بذلك تستوف شكلها القانوني أياً ما كان قد ورد بذل التقرير
وما إذا كان أغفل وجها من أوجه الدفاع من عدمه إذ أن ذلك من سلطه المحكمة دون التقيد
بما ورد بتقرير هيئة مفوضي الدولة، ولما كان الثابت أن هيئة مفوضي الدولة قد قدمت تقريرها
أمام المحكمة مصدره الحكم المطعون فيه، وأن الحكم المطعون فيه قد أقام قضاءه بعدم جوا
قبول دعوى المخاصمة بعد استعراض أسبابها على النحو المتقدم فإنه يكون قد طرح ضمناً
تمسكت به الطاعنة من بطلان تقرير هيئة مفوضي الدولة بما يجعله قد صدر صحيحاً ومطابقاً
للقانون، ويغدو هذا الوجه من الطعن فاقداً الأساس القانون مستوجباً طرحه.
ومن حيث إنه في ضوء ما تقدم جميعه وقد تبين صحة الحكم المطعون فيه وسلامته وانهيار
كل أسباب الطعن، فمن ثم يكون الطعن لذلك مستوجباً الرفض.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً ورفضه موضوعاً وألزمت الطاعنة المصروفات.
