الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 195 لسنة 2 ق – جلسة 30 /06 /1956 

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الأولى – العدد الثالث (من يونيه سنة 1956 إلى آخر سبتمبر سنة 1956) – صـ 969


جلسة 30 من يونيه سنة 1956

برئاسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة بدوي إبراهيم حمودة والإمام الإمام الخريبي وعلي إبراهيم بغدادي ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.

القضية رقم 195 لسنة 2 القضائية

( أ ) ترقية – الرخصة التي خولها المشرع للإدارة في إجراء الترقية بالتطبيق للمادة 22 من قانون نظام موظفي الدولة – اعتبارها استثناء من قواعد الترقية المنصوص عليها بالمواد 38 و39 و40 من ذلك القانون – إعمال الإدارة لهذه الرخصة أياً كانت طبيعة الوظيفة المرقى إليها، ولو كانت غير متميزة بطبيعتها بحسب تخصيص الميزانية.
(ب) ترقية – تحديد الميزانية للوظائف المختلفة وتعيين درجاتها وتوزيعها إنما يقوم على أساس من المصلحة العامة – وجود نوعين من الوظائف: الأولى تتميز بطبيعتها فتقضي حسب تخصيص الميزانية تأهيلاً خاصاً وصلاحية معينة، والثانية لا تتميز بطبيعتها بهذا التميز – وجوب مراعاة هذا الفارق عند إجراء الترقية ولو كانت بالأقدمية – إعمال الأقدمية في الترقية على إطلاقها لا يكون إلا في النوع الثاني دون الأول – كيفية إعمال الأقدمية في وظائف النوع الأول.
(جـ) ترقية – شروط الترقية بالاختيار.
إن المادة 22 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة مرت بمرحلتين تشريعيتين كان نصها في المرحلة الأولى يجرى كما يلي:
"لا تمنح الدرجة المخصصة للوظيفة إلا لمن يقوم بعملها فعلاً ولا يجوز بغير مرسوم أن يقيد الموظف على درجة وظيفة من الوظائف التي يكون التعيين فيها بمرسوم"، وقد قصد بهذا النص ألا يرقى موظف على درجة وظيفة إذا كان لا يقوم بأعبائها؛ إذ التلازم واجب بين الدرجة والوظيفة، ولكن لما كانت بعض الوظائف تزداد أعباؤها ومسئولياتها، وقد يدعو ذلك إلى رفع درجة الوظيفة تمشياً مع قاعدة الأجر نظير العمل، كما أن بعض الموظفين يندبون أو يقيدون على وظائف أعلى من درجاتهم وليس من المصلحة بعد أن تثبت صلاحيتهم للقيام بأعباء تلك الوظائف أن ينقلوا منها ليشغلها غيرهم، لذلك صدر القانون رقم 579 لسنة 1952 في 20 من نوفمبر سنة 1952 بتعديل الفقرة الأولى من المادة 22 السالفة الذكر على الوجه الآتي: "لا تمنح الدرجة المخصصة للوظيفة إلا لمن يقوم بعملها فعلاً وإذا قام الموظف بأعباء وظيفة درجتها أعلى من درجته لمدة سنة على الأقل سواء بطريق الندب أو القيد على الدرجة أو رفعها جاز منحه الدرجة إذا توافرت فيه شروط الترقية إليها……". وغني عن البيان أن ذلك جوازي للإدارة متروك لتقديرها، كما أن الندب أو القيد لا يكسب الموظف المندوب أو المقيد على وظيفة درجتها أعلى من درجته لمدة تقل عن سنة أي حق في الترقية إلى الدرجة الأعلى، إذ ألغى ندبه أو قيده عليها خلال السنة (المذكرة الإيضاحية للقانون المذكور). ويظهر من ذلك أن القانون المشار إليه قد استحدث حكماً تشريعياً أعطى الإدارة بمقتضاه رخصة في ترقية الموظف المندوب أو المقيد على وظيفة درجتها أعلى وقام بأعبائها خلال تلك المدة لمدة سنة على الأقل إلى درجتها متى توافرت فيه شروط الترقية إليها، وهذه الرخصة استثناء من قواعد الترقية حسبما نصت عليه المواد 38 و39 و40 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة، فتجوز الترقية بمقتضى المادة 22 معدلة دون التقيد بنسبة الأقدمية أو بنسبة الاختيار أو البدء بالجزء المخصص للأقدمية. وهذه الرخصة تعملها الإدارة بمقتضى هذا التعديل أياً كانت طبيعة الوظيفة المرقى إليها، ولو كانت غير متميزة بطبيعتها بحسب تخصيص الميزانية.
2 – إن تحديد ميزانية الدولة للوظائف المختلفة وتعيين درجاتها وتوزيعها في كل وزارة أو مصلحة إنما يقوم على أساس من المصلحة العامة وفقاً لاحتياجات المرافق بما يكفل سيرها على الوجه الأمثل، غير أن من الوظائف ما هو متميز بطبيعته بما يقتضى بحسب تخصيص الميزانية له تأهيلاً خاصاً وصلاحية معينة، بحيث لا يقوم أفراد المرشحين بحسب دورهم في الأقدمية بعضهم مقام البعض الآخر في هذا الشأن، ومنها ما ليس متميزاً بطبيعته هذا التمييز الخاص، مما لا مندوحة معه من مراعاة هذا الفارق الطبعي عند إجراء الترقية حتى بالنسبة لما يجب أن يتم منها بالأقدمية بالتطبيق للمواد 38 و39 و40 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة؛ ذلك أن إعمال الأقدمية في الترقية على إطلاقها لا يكون بداهة إلا في النوع الثاني من الوظائف، أما بالنسبة إلى النوع الأول فلا يمكن إعمال الأقدمية على إطلاقها وإلا كان ذلك متعارضاً مع وجه المصلحة العامة الذي قصدت إليه الميزانية من هذا التخصص، بل تجد الأقدمية حدها الطبعي في إعمال أثرها فيما بين المرشحين الذين يتوافر فيهم التأهيل الخاص والصلاحية المعينة اللذان يتطلبهما تخصيص الميزانية؛ فلا يرقى مثلاً مهندس حيث تتطلب الوظيفة قانونياً أو يرقى كيمائي حيث تتطلب مهندساً أو مجرد مهندس حيث تتطلب الوظيفة تخصيصاً في نوع معين من الهندسة وهكذا، ولو انتظمتهم جميعاً أقدمية مشتركة في وحدة إدارية قائمة بذاتها في خصوص الترقية؛ كل هذا مرده إلى طبائع الأشياء لتحقيق الغرض الذي استهدفته الميزانية من تمييز الوظيفة هذا التميز الخاص.
3 – إنه وإن كان مفاد المواد 38 و39 و40 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة تخصيص نسبة معينة للترقية بالأقدمية يجب أن تتم فيها على هذا الأساس وأخرى يجوز الترقية فيها بالاختيار للكفاية وذلك في الترقيات لغاية الدرجة الثانية، وأن الترقية من الدرجة الثانية إلى الدرجة الأولى ومن الدرجة الأولى إلى ما يعلوها فيجوز أن تكون جميعها بالاختيار دون التقيد بالأقدمية، إلا أن الترقية بالاختيار تجد حدها الطبيعي – إذا رؤى ترقية الأحدث – في أن يكون الأحدث أكفأ من الأقدم، أما عند التساوي في درجة الكفاية فتكون الترقية بمراعاة الأقدمية فيما بين المرشحين.


إجراءات الطعن

في 9 من فبراير سنة 1956 أودع رئيس هيئة المفوضين طعناً في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري (الهيئة الثالثة) بجلسة 15 من ديسمبر سنة 1955 في الدعوى رقم 3590 سنة 7 ق المرفوعة من أحمد خاكى محمد ضد وزارة التربية والتعليم، القاضي: "أولاً – فيما يتعلق بالطعن رقم 8605 سنة 8 ق بقبوله شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء قرار اللجنة القضائية المطعون فيه، ورفض التظلم، وألزمت المدعى عليه بالمصروفات. ثانياً – فيما يتعلق بالدعوى رقم 3590 سنة 7 ق برفض الدفع بعدم قبولها، وبقبولها شكلاً، وفي الموضوع برفضها، وألزمت المدعي بالمصروفات". وطلب رئيس هيئة المفوضين للأسباب التي استند إليها في عريضة الطعن "الحكم بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء في الدعويين رقمي 3590 سنة 7 ق و 8605 سنة 8 ق بإلغاء القرار الوزاري رقم 12288 الصادر في 31 من مايو سنة 1953 فيما تضمنه من ترقية الأستاذ يوسف سيد إلى الدرجة الأولى، وإلزام الحكومة بالمصروفات". وأعلن الطعن إلى الحكومة في 15 من فبراير سنة 1956 وإلى المدعي في 23 من فبراير سنة 1956، وعين لنظر الطعن جلسة 19 من مايو سنة 1956، وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات على الوجه المبين بمحضر الجلسة، ثم أرجأت النطق بالحكم لجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة، حسبما يبين من الأوراق، تتحصل في أن المدعي قدم تظلماً إلى للجنة القضائية لوزارة التربية والتعليم قيد برقم 11009 سنة 1 ق طالباً "إلغاء القرار الوزاري رقم 12288 الصادر في 31 من مايو سنة 1953 فيما تضمنه من ترقية الأستاذ يوسف سيد إلى الدرجة المالية الأولى متخطياً إياه في ذلك"، وقال في بيان تظلمه إنه تدرج في وظائف وزارة المعارف حتى منح الدرجة الثانية في سبتمبر سنة 1950 ووقع عليه الاختيار مديراً لمكتب البعثة المصرية بواشنجتون في 21 من أكتوبر سنة 1951 وكان مخصصاً لهذه الوظيفة في ميزانية 1951/ 1952 الدرجة الأولى، وفي الميزانية التالية خفضت الدرجات الأولى المخصصة لمديري مكاتب البعثات المصرية إلى الدرجة الثانية وأصبح من عدد الدرجات الأولى (بعد رفع واحدة من الخامسة إلى الأولى) ثلاث درجات ذكر أمامها في الميزانية أنها لمديري مكاتب بعثات ومراقب عام، ثم صدر على إثر ذلك قرار بتعيين الأستاذ يوسف سيد مراقباً عاماً، وتلاه قرار آخر رقم 12288 في 31 من مايو سنة 1953 تضمن ترقيته إلى الدرجة الأولى مع النص صراحة في القرار على أن السبب الوحيد لذلك هو أن الدرجة التي رقي إليها مخصصة لوظيفته. ويقول المدعي في تظلمه إن القرار المذكور صدر مخالفاً للقانون ومشوباً بعيب إساءة استعمال السلطة، أما وجه مخالفته للقانون فذلك أن الدرجة التي رقي إليها الأستاذ يوسف سيد ليست مخصصة لوظيفته وإنما هي داخلة ضمن وحدة هرمية بحيث تعتبر حقاً مشاعاً لكل موظفي الدرجة الثانية، ولما كان المتظلم أقدم من الأستاذ يوسف سيد فهو أحق منه بالترقية إلى هذه الدرجة. وإذا فرض جدلاً بأن الدرجة المرقى إليها مخصصة لوظيفة الأستاذ يوسف سيد فإن التفسير الصحيح للمواد 22 و38 و39 من قانون موظفي الدولة يقتضي ألا يرقى الموظف إلى الدرجة المخصصة لوظيفته إلا إذا سبقه في الترقية إلى مثل هذه الدرجة من هم أقدم منه في الدرجة القديمة. وأما أن القرار مشوب بعيب إساءة استعمال السلطة فذلك أن القرار استهدف ترقية الأستاذ يوسف سيد وحرمان المتظلم شخصياً من الترقية. وقد ردت الحكومة على المتظلم بأن ترقية الأستاذ يوسف سيد كانت للدرجة المخصصة لوظيفة المراقب العام التي يشغلها فعلاً منذ 4 من نوفمبر سنة 1951؛ وذلك بالتطبيق لحكم المادة 22 من قانون موظفي الدولة التي تنص على ألا تمنح درجة الوظيفة إلا لمن يشغلها ويقوم بأعمالها فعلاً، هذا إلى أن الترقية إلى الدرجة الأولى تكون بالاختيار، وللوزارة مطلق الحرية في إجرائها دون معقب عليها في ذلك ما دام خلا تصرفها من إساءة استعمال السلطة. وبجلسة 9 من مارس سنة 1954 قررت اللجنة القضائية "إلغاء القرار الوزاري رقم 12288 الصادر في 31 من مايو سنة 1953 بترقية الأستاذ يوسف سيد إلى الدرجة الأولى تاركاً المتظلم في الترقية إلى هذه الدرجة وما يترتب على ذلك من آثار"، واستندت اللجنة في إصدار قرارها إلى أنه يبين من الاطلاع على ميزانية الوزارة (إدارة البعثات) للسنة المالية 1952/ 1953 التي أجريت الترقية خلالها أنه أدرج بها ثلاث درجات أولى لمديري البعثات العلمية بالخارج ومراقب عام ولا مراء في أن إيرادها على هذا النحو إنما يعني أن هذه الدرجات الثلاث غير متميزة ظاهراً بل هي كتلة واحدة داخلة في التدرج الهرمي التصاعدي للدرجات، فهي بهذه المثابة مخصصة تخصيصاً عاماً لعدد من الوظائف غير المتميزة في النوع، وليس لها كيان ذاتي مستقل عن باقي الوظائف التي ينتظمها السلم الإداري، ومن ثم تخضع في شغلها لأحكام الفصل الثالث من الباب الأول من القانون رقم 210 لسنة 1951 الذي يضع شروطاً للترقية ونسباً مختلفة في كل درجة للترقية بالأقدمية أو بالاختيار. وأن مجرد شغل الوظيفة لا يكسب الموظف حقاً في الترقية إلى درجتها إلا إذا كانت صلاحيته للوظيفة مسلماً بها، فإذا كانت الوزارة تسلم بأقدمية المتظلم وجدارته للترقية، فإن الاختيار الحق يحتم الوقوف عنده وعدم تخطيه إلى من يليه في الأقدمية إلا لمبررات قوية. وإذ كان المتظلم أقدم من المطعون ضده فضلاً عن أنه يمتاز بكفاية نادرة ولم يثبت من جهة أخرى أن المطعون ضده يفوقه كفاية ولا هو ظاهر الامتياز غير منازع فيه، فيكون طلب المتظلم قائماً على أساس سليم من القانون. وبصحيفة أودعت سكرتارية محكمة القضاء الإداري في 13 من يونيه سنة 1954 طعنت الحكومة في قرار اللجنة القضائية سالف الذكر وقيد الطعن برقم 8605 سنة 8 ق واستندت الحكومة في طعنها إلى الأسباب التي أبدتها أمام اللجنة القضائية. وكان المدعي – بعد أن قدم تظلمه إلى اللجنة القضائية – قد أقام الدعوى رقم 3590 سنة 7 ق أمام محكمة القضاء الإداري بصحيفة أودعت سكرتارية المحكمة في 15 من أغسطس سنة 1953 طالباً الطلبات ذاتها التي تقدم بها إلى اللجنة القضائية. وقد نظرت الدعويان معاً، وبجلسة 15 من ديسمبر سنة 1955 قضت المحكمة فيهما: "(أولاً) فيما يتعلق بالطعن رقم 8605 سنة 8 ق بقبوله شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء قرار اللجنة القضائية المطعون فيه، ورفض التظلم، وألزمت المدعي عليه بالمصروفات. (ثانياً) فيما يتعلق بالدعوى رقم 3590 سنة 7 ق برفض الدفع بعدم قبولها، وبقبولها شكلاً، وفي الموضوع برفضها، وألزمت المدعي بالمصروفات"؛ وأقامت المحكمة قضاءها على أنه يبين من الاطلاع على ميزانية 1952/ 1953 "أنه مخصص لوظيفة مراقب عام البعثات الدرجة الأولى، ولا يغير من هذا النظر ورودها في الميزانية مع درجتين أوليين لمديري بعثات، فإن هذا لا يمنع من أن تكون خاصة بمراقب عام البعثات وأن تظل الدرجتان شائعتين بين مديري البعثات تكون من حق أقدمهما في الدرجة السابقة دون تخصيص فيما بينهم" وأنه "ما دامت ثمة درجة أولى مخصصة لوظيفة مراقب عام البعثات التي يشغلها الأستاذ يوسف سيد فعلاً منذ 4 من نوفمبر سنة 1951 فإن من حقه أن يرقى إليها وتكون ترقيته إلى هذه الدرجة إعمالاً سليماً للمادة 22 من قانون نظام موظفي الدولة رقم 210 لسنة 1951".
ومن حيث إن الطعن يقوم على أن الحكم المطعون فيه اعتبر الدرجة الأولى محل النزاع مخصصة لوظيفة مراقب عام البعثات التي يشغلها المطعون في ترقيته ومن أجل ذلك يتعين توضيح المقصود من الدرجة المخصصة للوظيفة في مفهوم المادة 22 من القانون رقم 210 لسنة 1951 التي تنص على أنه لا تمنح الدرجة المخصصة للوظيفة إلا لمن يقوم بعملها فعلاً. فثمة نوعان من الدرجات: أما النوع الأول فينتظم درجات مالية ترتبها الميزانية في تسلسل هرمي تصاعدي لكل وزارة أو مصلحة ولا تكون مخصصة لوظائف معينة بذاتها أو تكون مخصصة تخصيصاً عاماً لعدد من الوظائف غير المتميزة في النوع أو في الاختصاص والتي لا يكون لها كيان مستقل عن باقي الوظائف التي ينتظمها السلم الإداري بحيث يبين من أن هذا التخصيص لم يقصد به إلى إخراج هذه الدرجات التي يشملها الهرم التصاعدي الذي ترتبه الميزانية بل تقتصر دلالة هذا التخصيص على مجرد تحديد عدد الدرجات التي يشغلها الموظفون القائمون بكل فرع من فروع العمل في الوزارة أو المصلحة لكي لا يترك للإدارة توزيع الدرجات المخصصة لكل وزارة أو مصلحة بين فروع العمل المختلفة فيها. ومثل هذه الدرجات تنظم طريقة شغلها أحكام الفصل الثالث من الباب الأول من قانون نظام موظفي الدولة التي تضع شروطاً للترقية ونسباً مختلفة في كل درجة للترقية بالأقدمية أو بالاختيار. أما النوع الثاني من الدرجات، فهو الذي تخصصه الميزانية لوظائف بعينها وتبرز هذا التخصيص واضحاً في ترتيبها لوظائف الوزارة أو المصلحة ودرجاتها بحيث لا تكون لهذه الدرجات ذاتية مستقلة، بل تكون تابعة للوظائف المخصصة لها. ويراعى في هذا التخصيص أن بعض الوظائف يكون لها من الاستقلال والأهلية اللازم توافرها فيمن يقوم بها ما يدعو إلى إفرادها بوضع خاص في الميزانية وتخصيص درجة مالية لها تكون تابعة لها وملحقة بها، ومن ثم لا تدخل في نطاق التدرج الهرمي للدرجات، ولا تجري عليها أحكام الترقية المبينة في الفصل الثالث من الباب الأول من قانون نظام موظفي الدولة، بل يكون الحصول عليها نتيجة للتعين في الوظيفة التي هي مخصصة لها. وهذا النوع الثاني من الدرجات هو المقصود بالمادة 22 من قانون نظام موظفي الدولة؛ ومن هنا جاءت هذه المادة في الفصل الثاني الخاص بالتعيين في الوظائف لا في الفصل الثالث الذي ينظم الترقية إلى الدرجات. ويبين من مطالعة ميزانية عام 1952/ 1953 أن الدرجة الأولى محل النزاع وردت في القسم 8 – وزارة المعارف العمومية فرع 8 البعثات العلمية بند أ – ماهيات وأجر ومرتبات، تحت عنوان الوظائف العالية الإدارة ضمن ثلاث درجات أولى لمدير البعثات العلمية بالخارج ومراقب عام. وورود هذه الدرجة في الميزانية على هذا النحو قاطع بأنها ضمن دائرة الدرجات التي يشملها الهرم التصاعدي الذي رتبته الميزانية لوظائف الكادر العالي الإداري في الفرع 8 البعثات العلمية، وناطق أيضاً بأن وظيفة مراقب عام البعثات لم تفرد بوضع خاص في الميزانية، وإنما جمعت مع وظيفة مدير البعثات العلمية بالخارج في صعيد واحد ومتى كان الأمر كذلك، فلا يصح التحدي بأن الدرجة الأولى محل النزاع مخصصة لوظيفة مراقب عام البعثات، ومن ثم تخرج عن مجال تطبيق المادة 22 سالفة الذكر وتجرى عليها أحكام الترقية المنصوص عليها في الفصل الثالث من الباب الأول من قانون موظفي الدولة، وهذه الأحكام تحتم أن تكون الترقيات من الدرجة الثانية إلى الدرجة الأولى كلها بالاختيار. وحينما يحتم القانون حصول الترقية على هذا النحو فإنه يتعين بعد المفاضلة بين المرشحين ترقية الأقدم إذا تساوى في درجة الكفاية مع الأحدث. ولما كان قرار الترقية المطعون فيه قد بني على أن الدرجة المرقى إليها مخصصة لوظيفة مراقب عام البعثات التي يشغلها المطعون في ترقيته فإن وقع مخالفاً للقانون. أما اختيار المدعي بعد إجراء المفاضلة بين جميع المرشحين فهذا أمر مرجعه إلى تقدير الإدارة العامة بمراعاة القيد العام الذي يقيد ولاية الترقية بالاختيار، وهو مراعاة ترقية الأقدم عند التساوي في الجدارة، فقد تصيبه الترقية بالاختيار وقد لا تصيبه، تبعاً لنتيجة المفاضلة عندما تعيد الإدارة النظر في الترقية بعد إلغاء القرار المطعون فيه. وإذ ذهب الحكم المطعون فيه غير هذا المذهب فإنه يكون قد خالف القانون.
ومن حيث إنه يبين مما تقدم أن النقطة القانونية مثار النزاع تنحصر فيما إذا كان يجوز ترقية المطعون عليه بالتطبيق للمادة 22 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة، أو باعتبار الدرجة موضوع النزاع هي من الدرجات المخصصة لوظيفة متميزة بطبيعتها بحسب تخصيص الميزانية، وأن المطعون عليه هو الذي يتوافر فيه التأهيل أو الصلاحية المعينة لهذه الوظيفة، أو بالاختيار على أساس المفاضلة بينه وبين أقرانه، أم أنه لا تجوز ترقيته على أي أساس من الأسس المتقدمة.
ومن حيث إنه يتعين من أجل ذلك بيان الحكم القانوني في كل حالة من الحالات الثلاث المشار إليها، وذلك لاستجلاء قصد الشارع في ضوء الحكمة التشريعية التي استلهمها.
ومن حيث إن المادة 22 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة مرت بمرحلتين كان نصها في المرحلة الأولى يجرى كما يلي: "لا تمنح الدرجة المخصصة للوظيفة إلا لمن يقوم بعملها فعلاً ولا يجوز بغير مرسوم أن يقيد الموظف على درجة وظيفة من الوظائف التي يكون التعيين فيها بمرسوم"، وقد قصد بهذا النص ألا يرقى موظف على درجة وظيفة إذا كان لا يقوم بأعبائها؛ إذ التلازم واجب بين الدرجة والوظيفة، ولكن لما كانت بعض الوظائف تزداد أعباؤها ومسئولياتها، وقد يدعو ذلك إلى رفع درجة الوظيفة تمشياً مع قاعدة الأجر نظير العمل، كما أن بعض الموظفين يندبون أو يقيدون على وظائف أعلى من درجاتهم وليس من المصلحة بعد أن تثبت صلاحيتهم للقيام بأعباء تلك الوظائف أن ينقلوا منها ليشغلها غيرهم، لذلك صدر القانون رقم 579 لسنة 1953 في 30 من نوفمبر سنة 1953 بتعديل الفقرة الأولى من المادة 22 السالفة الذكر على الوجه الآتي: "لا تمنح الدرجة المخصصة للوظيفة إلا لمن يقوم بعملها فعلاً وإذا قام الموظف بأعباء وظيفة درجتها أعلى من درجته لمدة سنة على الأقل سواء بطريق الندب أو القيد على الدرجة أو رفعها جاز منحه الدرجة إذا توافرت فيه شروط الترقية إليها……". وغني عن البيان أن ذلك جوازي للإدارة متروك لتقديرها، كما أن الندب أو القيد لا يكسب الموظف المندوب أو المقيد على وظيفة درجتها أعلى من درجته لمدة تقل عن سنة أي حق في الترقية إلى الدرجة الأعلى، إذ ألغي ندبه أو قيده عليها خلال السنة (المذكرة الإيضاحية للقانون المذكور). ويظهر من ذلك أن القانون المشار إليه قد استحدث حكماً تشريعياً أعطى الإدارة بمقتضاه رخصة في ترقية الموظف المندوب أو القيد على وظيفة درجتها أعلى وقام بأعبائها تلك المدة لمدة سنة على الأقل إلى درجتها متى توافرت فيه شروط الترقية إليها، وهذه الرخصة استثناء من قواعد الترقية حسبما نصت عليه المواد 38 و39 و40 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة، فتجوز الترقية بمقتضى المادة 22 معدلة دون التقيد بنسبة الأقدمية أو بنسبة الاختيار أو البدء بالجزء المخصص للأقدمية. وهذه الرخصة تعلمها الإدارة بمقتضى هذا التعديل أياً كانت طبيعة الوظيفة المرقي إليها، ولو كانت غير متميزة بطبيعتها بحسب تخصيص الميزانية.
ومن حيث إن تحديد ميزانية الدولة للوظائف المختلفة، وتعيين درجاتها وتوزيعها في كل وزارة أو مصلحة إنما يقوم على أساس من المصلحة العامة وفقاً لاحتياجات المرافق بما يكفل سيرها على الوجه الأمثل، غير أن من الوظائف ما هو متميز بطبيعته بما يقتضى، بحسب تخصيص الميزانية له، تأهيلاً خاصاً وصلاحية معينة، بحيث لا يقوم أفراد المرشحين – بحسب دورهم في الأقدمية – بعضهم مقام البعض الآخر في هذا الشأن، ومنها ما ليس متميزاً بطبيعته هذا التميز الخاص، مما لا مندوحة معه من مراعاة هذا الفارق الطبعي عند إجراء الترقية حتى بالنسبة لما يجب أن يتم منها بالأقدمية بالتطبيق للمواد 38 و39 و40 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة؛ ذلك أن إعمال الأقدمية في الترقية على إطلاقها لا يكون بداهة إلا في النوع الثاني من الوظائف، أما بالنسبة إلى النوع الأول فلا يمكن إعمال الأقدمية على إطلاقها وإلا كان ذلك متعارضاً مع وجه المصلحة العامة الذي قصدت إليه الميزانية من هذا التخصيص، بل تجد الأقدمية حدها الطبيعي في إعمال أثرها فيما بين المرشحين الذين يتوافر فيهم التأهيل الخاص والصلاحية المعنية اللذان يتطلبهما تخصيص الميزانية؛ فلا يرقى مثلاً مهندس حيث تتطلب الوظيفة قانونياً أو يرقى كيمائي حيث تتطلب مهندساً أو مجرد مهندس حيث تتطلب الوظيفة تخصيصاً في نوع معين من الهندسة وهكذا، ولو انتظمتهم جميعاً أقدمية مشتركة في وحدة إدارية قائمة بذاتها في خصوص الترقية؛ كل هذا مرده إلى طبائع الأشياء لتحقيق الغرض الذي استهدفته الميزانية من تميز الوظيفة هذا التميز الخاص.
ومن حيث إنه ولئن كان مفاد المواد 38 و39 و40 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة تخصيص نسبة معينة للترقية بالأقدمية يجب أن تتم فيها على هذا الأساس، وأخرى يجوز الترقية فيها بالاختيار للكفاية وذلك في الترقيات لغاية الدرجة الثانية، وأن الترقية من الدرجة الثانية إلى الدرجة الأولى ومن الدرجة الأولى إلى ما يعلوها فيجوز أن تكون جميعها بالاختيار دون التقيد بالأقدمية – لئن كان ذلك كذلك إلا أن الترقية بالاختيار تجد حدها الطبعي، إذا رؤى ترقية الأحدث في أن يكون الأحدث أكفأ من الأقدم، أما عند التساوي في درجة الكفاية فتكون الترقية بمراعاة الأقدمية فيما بين المرشحين.
ومن حيث إنه يبين من الاطلاع على ميزانية الدولة في السنة المالية 51/ 52 وفي السنة 1952/ 1953 أنه ورد بميزانية وزارة التربية والتعليم في السنة الأولى قسم 9 فرع 8 "البعثات العلمية" صحيفة 329 ثلاث درجات ثانية لوظائف مديري بعثات تعليمية بالخارج ومراقب، ودرجتان أولى لمديري بعثات تعليمية بالخارج ثم ورد بميزانية السنة التالية قسم 8 فرع 8 "البعثات العلمية" صحيفة 332 ثلاث درجات ثانية لمديري بعثات تعليمية بالخارج ومراقب، وثلاث درجات أولى لمديري بعثات تعليمية بالخارج ومراقب عام، ويؤخذ من ذلك أن ما استحدث في الميزانية الأخيرة هو وظيفة جديدة من الدرجة الأولى لمراقب عام بإدارة البعثات العلمية.
وبما أنه بتطبيق الأصول المتقدمة على خصوصية النزاع يبين أن ترقية المطعون عليه استناداً إلى المادة 22 من القانون رقم 210 لسنة 1951 في غير محله؛ ذلك أن هذه الترقية تمت في 31 من مايو سنة 1953 قبل تعديل تلك المادة بالقانون رقم 576 لسنة 1953، كما لا وجه للتحدي بأن هذه الترقية قد تمت إلى وظيفة من الوظائف المتميزة تميزاً خاصاً بطبيعتها بحسب تخصيص الميزانية؛ لأن هذا التمييز الخاص غير قائم، وإنما هي لا تعدو أن تكون من الوظائف التي لا تتطلب تأهيلاً خاصاً وصلاحية معينة بذاتها على النحو الذي سلف تحديده، هذا فضلاً عن أن المطعون ضده لا يتميز عن المدعي بتأهيل خاص أو صلاحية معينة أياً كانت طبيعة تلك الوظيفة، فلا يبقى بعد ذلك إلا استظهار الحالة الأخيرة وهي ماذا كان يجوز ترقيته بالاختيار للكفاية بالتطبيق للفقرة الأخيرة من المادة 38 من قانون نظام موظفي الدولة التي تنص على أن "الترقيات من الدرجة الثانية إلى الأولى ومن الأولى إلى ما يعلوها من درجات فكلها بالاختيار دون التقيد بالأقدمية"، وليس من شك في أن المدعي – وهو الأقدم – لا يقل في درجة الكفاية عن المطعون عليه، فما كان يجوز والحالة هذه تخطية في الترقية حتى بالاختيار؛ إذ أن الترقية على هذا الأساس تجد حدها الطبعي حسبما سلف إيضاحه في أن يرقى الأحدث إذا كان أكفأ من الأقدم، أما عند التساوي في درجة الكفاية فتكون الترقية بالأقدمية فيما بين المرشحين، ومن ثم يكون الحكم المطعون فيه قد أخطأ في تطبيق القانون ويتعين إلغاؤه، ولما كانت المنازعة، بعد ترقية المدعي إلى الدرجة الأولى في 4 من نوفمبر سنة 1954، قد أصبحت محصورة في ترتيب أقدميته بين أقرانه، فيجب إلغاء قرار الترقية المطعون فيه إلغاء جزئياً في هذا الخصوص، ورد الأمر إلى نصابه القانوني على الوجه المبين في المنطوق.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، في موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه، وباعتبار أقدمية المطعون لصالحه في الدرجة الأولى راجعة إلى 31 من مايو سنة 1953، وألزمت الحكومة بالمصروفات.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات