الطعن رقم 49 لسنة 2 ق – جلسة 23 /06 /1956
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الأولى – العدد الثالث (من يونيه سنة 1956 إلى آخر سبتمبر سنة 1956) – صـ 919
جلسة 23 من يونيه سنة 1956
برئاسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني والإمام الإمام الخريبي وعلي إبراهيم بغدادي ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.
القضية رقم 49 لسنة 2 القضائية
موظف – تعريف الموظف العمومي – ثبوت أن المدعي يعمل إماماً بمسجد
تابع لوقف أهلي مشمول بحراسة وزارة الأوقاف – عدم اختصاص القضاء الإداري بنظر دعوى
التسوية المرفوعة منه ضد الوزارة.
لكي يعتبر الشخص موظفاً عاماً خاضعاً لأحكام الوظيفة العامة يجب أن يعين بصفة مستقرة
غير عارضة للمساهمة بعمل دائم في خدمة مرفق عام تديره الدولة بالطريق المباشر. فإذا
كان الثابت أن المدعي يعمل إماماً بمسجد تابع لأحد الأوقاف الأهلية الموضوعة تحت حراسة
وزارة الأوقاف، وأن الواقفة قد شرطت في وقفها الأهلي مرتبات لجهة من جهات البر هي إقامة
الشعائر في مسجد في حدود مبلغ معين شهرياً يوزع على الوجه الذي عينته، ومن ذلك مبلغ
لإمام المسجد، فإن المركز القانوني للمدعى عليه في هذا الخصوص مرده إلى شرط الواقفة
وحالة ريع الأعيان الموقوفة، وليس إلى موارد ميزانية الوزارة العامة ومزايا الوظيفة
فيها حسبما تنظمه القوانين واللوائح، كما أن ولاية الوزارة على الوقف الأهلي لا تعدو
أن تكون ولاية موقوتة بصفة حارس قضائي، فعلاقة المدعى عليه والحالة هذه بالوزارة هي
علاقة استحقاق لمرتب مشروط في وقف تديره مما يدخل في مجال القانون الخاص، وليس علاقة
وظيفة عامة مما يدخل في نطاق القانون العام، ومن ثم لا يعتبر المطعون عليه من الموظفين
العامين الذين يحق لهم الإفادة من قواعد الإنصاف حتى يختص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري
بالمنازعات الخاصة بذلك، وبالتالي يكون الحكم المطعون فيه – إذ قضى بتطبيق قواعد الإنصاف
عليه بوصفه موظفاً عاماً – قد جاء مخالفاً للقانون، ويتعين إلغاؤه والقضاء بعدم اختصاص
محكمة القضاء الإداري بنظر الدعوى.
إجراءات الطعن
في 31 من ديسمبر سنة 1955 أودع رئيس هيئة مفوضي الدولة طعناً في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري (الهيئة الأولى) بجلسة أول نوفمبر سنة 1955 في الدعوى رقم 7652 لسنة 8 ق المرفوعة من وزارة الأوقاف ضد ورثة المرحوم الشيخ الغنيمي إبراهيم سلامة، القاضي: "بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع برفضه، وتأييد القرار المطعون فيه، وألزمت الوزارة بالمصروفات"، وطلب رئيس هيئة المفوضين للأسباب التي استند إليها في عريضة الطعن "الحكم بقبول هذا الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، وإلغاء قرار اللجنة القضائية ورفض التظلم، وإلزام ورثة المرحوم الشيخ الغنيمي إبراهيم سلامة بالمصروفات". وقد أعلن الطعن للوزارة في 3 من يناير سنة 1956، ثم تداول نظر الطعن بالجلسات إلى أن نظر بجلسة 2 من يونيه سنة 1956، وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات، ثم أرجأت النطق بالحكم لجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الملاحظات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة، حسبما يبين من الأوراق، تتحصل في مورث المطعون ضدهم
قدم تظلماً إلى اللجنة القضائية لوزارة الأوقاف طالباً منحه راتباً قدره 12 جنيهاً
من تاريخ تعيينه أو على الأقل من شهر يناير سنة 1953 والعلاوة الاجتماعية وهو الراتب
المقرر لمؤهله وهي شهادة العالمية. وقد ردت وزارة الأوقاف على التظلم بأن المتظلم حاصل
على شهادة العالمية المؤقتة وهو يعمل إماماً في مسجد تابع للأوقاف الأهلية ومرتبات
هذه الأوقاف ذات مربوط ثابت بالميزانية وتقدر بحسب حالة الوقف وريعه. وبجلسة 3 من نوفمبر
سنة 1953 قررت اللجنة "استحقاق المتظلم للدرجة السادسة بمرتب 10.5 جنيه من تاريخ دخوله
الخدمة وما يترتب على ذلك من آثار وصرف الفروق". وبصحيفة أودعت سكرتارية محكمة القضاء
الإداري في 17 من مايو سنة 1954 طعنت وزارة الأوقاف في قرار اللجنة القضائية سالف الذكر
طالبة إلغاءه، للسبب الذي أبدته أمام اللجنة القضائية، ولأن أحكام القانون الإداري
قد استقرت على أن التسويات طبقاً لقواعد الإنصاف مقصورة الأثر على المعينين في الخدمة
قبل 9 من ديسمبر سنة 1944 والمطعون ضده عين بالوزارة في سنة 1950. وبجلسة أول نوفمبر
سنة 1955 قضت المحكمة "بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع برفضه وتأييد القرار المطعون،
وألزمت الوزارة بالمصروفات"؛ وأقامت المحكمة قضاءها على أن قواعد الإنصاف كما تسري
على المعينين قبل 9 من ديسمبر سنة 1944 تسري أيضاً على من عينوا بعد هذا التاريخ وكانوا
حاصلين على المؤهل قبل التعيين، وأنه "لما كان المدعي قد عين في ظل هذه القواعد فإنه
يكون مستحقاً للتعيين في الدرجة السادسة المخفضة المقررة لمؤهله وذلك منذ دخوله الخدمة،
ولا يؤثر على حقه صدور قانون التوظف رقم 210 لسنة 1951 ولا القانون رقم 371 لسنة 1953؛
لأن القانون رقم 210 لسنة 1951 إذ كان ألغى قواعد الإنصاف فإنه ألغاها بالنسبة للمستقبل
وليس له أثر رجعي، أما بالنسبة لقانون المعادلات الدراسية فإنه لا يعمل به إلا بالنسبة
إلى المؤهلات الدراسية الواردة بالجداول الملحقة، ولما كانت شهادة العالمية المؤقتة
التي يحملها مورث المطعون ضدهم غير واردة في تلك الجداول فلا يؤثر هذا القانون على
الحقوق التي كسبها مورث المطعون ضدهم في ظل قواعد الإنصاف قبل إلغائها".
ومن حيث إن الطعن يقوم على أن مورث المطعون عليهم حاصل على شهادة العالمية المؤقتة
سنة 1920، وأنه عين بخدمة وزارة الأوقاف بوظيفة خطيب ومدرس بمسجد الأربعين الأهلي بمرتب
قدره 4 جنيه اعتباراً من 26 من مايو سنة 1950 بلا درجة ويصرف مرتبه من ريع الوقف الأهلي،
وقد شرط الواقف (وقف أم خليفة الأهلي) بالنسبة لمسجد الأربعين الأهلي بمليج المعين
به المطعون عليه أن تكون مصاريف إقامة الشعائر به في حدود مبلغ 300 و7 ج موزعة بين
الإمام والخدم وقارئ الصورة، يصيب الإمام منها مبلغ أربعة جنيهات – وإنه ولئن صح أن
مورث المطعون عليهم موظف بوزارة الأوقاف على أساس أنها هي التي تولت تعيينه وتتولى
تأديبه وفصله من الخدمة، إلا أن مصرف وظيفته لا يخضع لنظام مصاريف الوظائف الحكومية،
وإنما هو يخضع لشرط الواقف بالنسبة للمسجد المعين به، كما يخضع لمقدار غلة الأعيان
الموقوفة، ومن ثم قواعد الإنصاف لا يتولد عنها أثرها بالنسبة إليه؛ لأن ذلك غير ممكن
وغير جائز قانوناً لتقييد مقدار مرتبه بشرط الواقف وهو كنص الشارع، ولتقييده أيضاً
بمقدار غلة الأعيان الموقوفة. وإذ ذهب الحكم المطعون فيه غير هذا المذهب فإنه يكون
قد بني على مخالفة القانون.
ومن حيث إن هذه المنازعة تثير بادئ ذي بدء ما إذا ما كان مورث المطعون عليهم يعتبر
موظفاً عاماً فيحق له بهذه المثابة الإفادة من قواعد الإنصاف ويختص مجلس الدولة بهيئة
قضاء إداري بالمنازعة الخاصة بذلك طبقاً للمادة 8 من القانون رقم 165 لسنة 1955 أم
أنه ليس كذلك، ومن ثم لا تطبق في شأنه هذه القواعد كما لا يختص المجلس بنظر المنازعات
التي تقوم بينه وبين الوزارة.
ومن حيث إن لكي يعتبر الشخص موظفاً عاماً خاضعاً لأحكام الوظيفة العامة يجب أن يعين
بصفة مستقرة غير عارضة للمساهمة بعمل دائم في خدمة مرفق عام تديره الدولة بالطريق المباشر.
ومن حيث إنه بان للمحكمة من الاطلاع على الأوراق أن مورث المطعون عليهم قدم لوزارة
الأوقاف طلباً في 6 من يونيه سنة 1949 قال فيه "إنه توجد وظيفة خالية بمسجد الأربعين
بمليج وقف أهلي الست أم خليفة "خطيب ومدرس" نظراً لتعيين الشيخ السابق تبع الوقف الخيري"،
والتمس بناء على ذلك إلحاقه بهذه الوظيفة. وقد رفع قسم المساجد مذكرة إلى وكيل الوزارة
يرشح فيها المذكور لهذه الوظيفة، وقد جاء بهذه المذكرة أن هذه الوظيفة تتبع (وقف أهلي)
وأن مرتبها أربعة جنيهات شهرياً. وقد عين مورث المطعون عليهم في هذه الوظيفة في مايو
سنة 1950، كما جاء بكتاب قسم المساجد المؤرخ 28 من أبريل سنة 1956 في صدد تعيين خدم
وأئمة المساجد التابعة للأوقاف الأهلية أن تعيينهم "يتم طبقاً لشروط الواقفين الواردة
بحجج أوقافهم كما وأن المشروط بوقف أم خليفة الأهلي بالنسبة لمسجد الأربعين الأهلي
بمليج أن تكون مصاريف إقامة الشعائر في حدود مبلغ 300 م و7 ج شهرياً توزع كالآتي: 4
ج مرتب الإمام – 2 ج مرتب خادمين – 1 ج مرتب المؤذن – 300 م مرتب قارئ الصورة، والصرف
في الأوقاف مقيد بما نص عليه الواقف، ومورث المطعون عليهم لا تربطه بالوزارة صلة الاستخدام
ولكن يربطه بها صلة استحقاق في ريع هذا الوقف طبقاً لما شرطه الواقف، كما أن ولاية
الوزارة على أعيان الأوقاف الأهلية ولاية موقوتة وما هي إلا حارس قضائي يدير أعيان
هذه الأوقاف لوقت قد يطول أو يقصر في بعض الأحيان حسب الحالة.
ومن حيث إنه يبين مما تقدم أن الواقفة قد اشترطت في وقفها الأهلي مرتبات لجهة من جهات
البر هي إقامة الشعائر في مسجد الأربعين الأهلي بمليج في حدود مبلغ 7 جنيه و300 مليم
شهرياً يوزع على الوجه الذي عينته، ومن ذلك أربعة جنيهات لإمام المسجد، فالمركز القانوني
لمورث المطعون عليهم في هذا الخصوص مرده إلى شرط الواقفة وحالة ريع الأعيان الموقوفة،
وليس إلى موارد ميزانية الوزارة العامة ومزايا الوظيفة فيها حسبما تنظمه القوانين واللوائح،
كما أن ولاية الوزارة على الوقف الأهلي لا تعدو أن تكون ولاية موقوتة بصفة حارس قضائي،
فعلاقة مورث المطعون عليهم – والحالة هذه – بالوزارة هي علاقة استحقاق لمرتب مشروط
في وقف تديره في مجال القانون الخاص، وليس علاقة وظيفة عامة مما يدخل في نطاق القانون
العام، ومن ثم لا يعتبر المطعون عليه من الموظفين العامين الذين يحق لهم الإفادة من
قواعد الإنصاف حتى يختص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري بالمنازعات الخاصة بذلك.
ومن حيث إنه لما تقدم يكون الحكم المطعون فيه إذ قضى بتطبيق قواعد الإنصاف على مورث
المطعون عليهم بوصفه موظفاً عاماً قد جاء مخالفاً للقانون، ويتعين إلغاؤه، والقضاء
بعدم اختصاص محكمة القضاء الإداري بنظر الدعوى.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبعدم اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري بنظر الدعوى، وألزمت المطعون عليهم بصفتهم بالمصروفات.
