الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 161 لسنة 2 ق – جلسة 16 /06 /1956 

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الأولى – العدد الثالث (من يونيه سنة 1956 إلى آخر سبتمبر سنة 1956) – صـ 897


جلسة 16 من يونيه سنة 1956

برئاسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني والإمام الإمام الخريبي وعلي إبراهيم بغدادي ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.

القضية رقم 161 لسنة 2 القضائية

كادر العمال – قرار مجلس الوزراء في 14/ 10/ 1953 بعدم صرف فروق عن الماضي للتسويات التي تناولها – انصراف حكم المنع إلى التسويات الاستثنائية التي تتم على خلاف أحكام كادر العمال – أساس ذلك.
إن قرار مجلس الوزراء الصادر في 14 من أكتوبر سنة 1953 القاضي بعدم صرف فروق عن الماضي فيما يختص بالتسويات التي تناولها، إنما ينصرف حكمه فيما يتعلق بمنع اقتضاء هذه الفروق، بحسب ديباجته وسياقه، إلى التسويات الاستثنائية التي تتم على خلاف ما قضت به أحكام كادر العمال، سواء من حيث زيادة المرتب أو رفع الدرجة، عما هو مقرر بهذا الكادر، وما كان ليمس بالانتقاص حقوقاً مكتسبة استمدت من قواعد تنظيمية عامة سابقة أو مراكز قانونية ذاتية ترتبت لأربابها بناء على هذه القواعد. ولما كان الحق في التسوية الاستثنائية هو حق مستحدث، فإنه يخضع من حيث آثاره المالية للقيود التي يفرضها القرار المنشئ له لا لقواعد الكادر الذي تتم مثل هذه التسوية المخالفة لأحكامه.


إجراءات الطعن

في 7 من فبراير سنة 1956 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة سكرتارية المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري (الهيئة الثانية) بجلسة 14 من ديسمبر سنة 1955 في الدعوى رقم 21 لسنة 1 القضائية (استئناف) المقامة من وزارة المواصلات ضد جرجس حنا، القاضي: "برفض الطعن، وتأييد قرار اللجنة القضائية المطعون فيه مع عدم صرف الفروق إلا اعتباراً من خمس السنوات السابقة على تاريخ تقديم التظلم إلى اللجنة القضائية، وألزمت الحكومة بالمصروفات"، وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين للأسباب التي استند إليها في عريضة طعنه "الحكم بقبول هذا الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه فيما قضى به من عدم صرف الفروق إلا اعتباراً من خمس السنوات السابقة على تاريخ تقديم التظلم إلى اللجنة القضائية". وقد أعلن هذا الطعن إلى وزارة المواصلات في 13 من فبراير سنة 1956، وإلى المطعون لصالحه في 19 من فبراير سنة 1956، وعين لنظره جلسة 26 من مايو سنة 1956، وأبلغ الطرفان في 14 من مايو سنة 1956 بميعاد هذه الجلسة، ولم يقدم أي منهما مذكرة بملاحظاته في الميعاد القانوني. وبالجلسة سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات على الوجه المبين بمحضرها، ثم قررت إرجاء النطق بالحكم إلى جلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة تتحصل، حسبما يبين من أوراق الطعن، في أن المطعون لصالحه رفع إلى اللجنة القضائية لوزارة المواصلات التظلم رقم 2057 لسنة 2 القضائية بعريضة أودعها سكرتيرية اللجنة في 29 من ديسمبر سنة 1953 ذكر فيها أنه التحق بخدمة مصلحة السكك الحديدية بقلم الإشارات بوظيفة تلميذ إشراق اعتباراً من 10 من نوفمبر سنة 1911، وأنه أدى امتحاناً على الوجه الأكمل وطلب تسوية حالته وفقاً لأحكام كادر العمال، وبجلسة 3 من مارس سنة 1954 حصر طلباته في تسوية حالته طبقاً لكادر العمال على أساس اعتباره إشراقاً من تاريخ بدء خدمته في 10 من نوفمبر سنة 1911. وقد ردت مصلحة السكك الحديدية على هذا التظلم بأن المتظلم ألحق بالخدمة بوظيفة تلميذ براد (صبي) بدون أجر اعتباراً من 10 من نوفمبر سنة 1911، وعند تطبيق كادر العمال عليه وضع بالدرجة (150/ 240 م) المخصصة لمساعد صانع ومنح أول مربوطها وهو 150 مليماً من أول مايو سنة 1925 تاريخ استمراره بالخدمة؛ لأن مدة خدمته السابقة كانت متقطعة، ثم وضع في درجة صانع دقيق (240/ 400 م) ومنح أول مربوطها في أول مايو سنة 1930 ورقي إلى الدرجة الممتازة (360/ 700 م) في أول مايو سنة 1936 أي بعد ست سنوات من ترقيته لصانع دقيق وبلغت أجرته 460 مليماً يوماً في أول مايو سنة 1944، ثم منح 20 مليماً في أول مايو سنة 1946 وأول مايو سنة 1948 وأول مايو سنة 1950 وأول مايو سنة 1952. وبجلسة 24 من مارس سنة 1954 أصدرت اللجنة القضائية قرارها بـ "أحقية المتظلم في تسوية حالته طبقاً لكادر العمال على أساس أنه التحق بالخدمة اعتباراً من 10 من نوفمبر سنة 1911 كتلميذ براد وباعتبار أن مدة خدمته مستمرة مع ما يترتب على ذلك من آثار"، واستندت في ذلك إلى أنه قد بان لها من الاطلاع على ملف خدمة المتظلم أن مدة خدمته من تاريخ تعيينه في 10 من نوفمبر سنة 1911 كانت مستمرة ومنتظمة خلافاً لما تقرره المصلحة من أن هذه الخدمة لم تكن لها صفة الاستمرار إلا من أول مايو سنة 1925. وخلصت من هذا إلى أن المذكور يكون محقاً في طلب تسوية حالته طبقاً لكادر العمال على أساس أنه التحق بالخدمة في 10 من نوفمبر سنة 1911 بوظيفة إشراق. وقد طعنت الحكومة في هذا القرار أمام محكمة القضاء الإداري بالدعوى رقم 21 لسنة 1 القضائية استئناف بعريضة أودعتها سكرتارية المحكمة في أول سبتمبر سنة 1945 طلبت فيها "الحكم بقبول هذا الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء قرار اللجنة القضائية الصادر لصالح المطعون ضده في التظلم المقدم تحت رقم 2057 لسنة 2 ق، مع إلزامه بالمصاريف ومقابل أتعاب المحاماة."، وأسست طعنها على أن "الوظيفة التي كان يشغلها المطعون ضده من سنة 1911 حتى سنة 1925 كانت وظيفة مؤقتة ليس لها صفة الاستمرار والدوام، وأن مدة خدمته كانت تتخللها انقطاعات عن العمل بحث إن أيام شغله في السنة كانت ثلاثمائة يوم، ولذا لم يطبق عليه كادر العمال إلا من أول مايو سنة 1925 تاريخ استمراره في الخدمة؛ هذا إلى أن اللجنة القضائية قررت استحقاقه لما يترتب على تسوية حالته من آثار مخالفة بذلك ما قضى به قرار مجلس الوزراء الصادر في14 من أكتوبر سنة 1953 من عدم صرف فروق عن الماضي. وقد رد المطعون ضده على هذا الطعن بأنه اكتسب حقاً ذاتياً من القواعد التنظيمية التي تضمنها كادر العمال، وهذا الحق لا يؤثر عليه أي قرار لاحق، وأن الكادر المذكور لم يشترط لتطبيقه ذلك الشرط الذي تستلزمه الحكومة، هذا إلى أن مدة خدمته من تاريخ تعيينه مستمرة ومنتظمة. وقد أودع السيد مفوض الدولة مذكرة بالرأي القانوني انتهى فيها إلى أن خدمة المطعون ضده كانت دائمة ومستمرة في المدة من سنة 1919 إلى سنة 1925، وإلى أنه لم يقم دليل على انقطاعها في الفترة ما بين سنة 1911 وسنة 1918، بل قامت قرائن على استمرارها في هذه الفترة. وأن ما نعته الحكومة على قرار اللجنة القضائية من مخالفته لأحكام قرار مجلس الوزراء الصادر في 14 من أكتوبر سنة 1953 مردود بأن التسويات التي قضى هذا القرار بعدم صرف فروق عنها عن الماضي إنما هي تلك التي تتم استثناء من أحكام كادر العمال وبالزيادة عما تقضي به قواعده، فضلاً عن أن القرار المشار إليه ما كان ليهدر حقوقاً مكتسبة ترتبت على قواعد تنظيمية عامة ولا يجوز المساس بها إلا بقانون، وخلص من هذا إلى طلب تأييد قرار اللجنة القضائية المطعون فيه مع عدم صرف الفروق إلا اعتباراً من خمس السنوات السابقة على تاريخ تقدم التظلم إلى اللجنة القضائية لعدم وجود تظلم إداري في ملف الخدمة سابق على هذا التاريخ. وبجلسة 14 من ديسمبر سنة 1955 أصدرت محكمة القضاء الإداري (الهيئة الثانية) حكمها "برفض الطعن، وتأييد قرار اللجنة القضائية المطعون فيه مع عدم صرف الفروق إلا اعتباراً من خمس السنوات السابقة على تاريخ تقديم التظلم إلى اللجنة القضائية، وألزمت الحكومة بالمصروفات". وأقامت قضاءها على أن القرار المطعون فيه في محله للأسباب التي بني عليها والتي تأخذ بها المحكمة فيما عدا ما قضى به من اقتضاء الفروق المترتبة على التسوية اعتباراً من أول مايو سنة 1945 تاريخ تنفيذ كادر العمال؛ إذ أن المتجمد الذي يطالب به المدعى عليه هو جزء من الأجر الذي كان مستحقاً قانوناً، وهذا الحق يتقادم بخمس سنوات طبقاً لنص المادة 375 من القانون المدني. وقد طعن السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة في هذا الحكم بعريضة أودعها سكرتارية هذه المحكمة في 7 من فبراير سنة 1956 طلب فيها "الحكم بقبول هذا الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه فيما قضى به من عدم صرف الفروق إلا اعتباراً من خمس السنوات السابقة على تاريخ تقدم التظلم إلى اللجنة القضائية"؛ وذكر أنه لا مطعن له على الحكم المطعون فيه فيما قضى به من تأييده قرار اللجنة القضائية، وإنما يقوم طعنه على أن الحكم قد قضى بالتقادم تطبيقاً للمادة 375 من القانون المدني دون أن تدفع به الحكومة ودون أن يشير إلى دفع المفوض بالتقادم، فإذا كانت المحكمة قد قضت بالتقادم من تلقاء نفسها فإنها تكون قد خالفت المادة 387/ 1 من القانون المدني التي تنص على أنه لا يجوز للمحكمة أن تقضي بالتقادم من تلقاء نفسها، بل يجب أن يكون ذلك بناء على طلب المدين أو بناء على طلب دائنيه أو أي شخص له مصلحة فيه ولو لم يتمسك به المدين، وإذ كانت قد استندت ضمناً في قضائها بالتقادم إلى دفع المفوض فإنها تكون أيضاً قد خالفت القانون؛ ذلك أن هيئة مفوضي الدولة لا تنوب عن أحد من طرفي المنازعة الإدارية، سواء الحكومة أو الفرد صاحب الشأن، وإنما هي تمثل الحيدة لصالح القانون وحده، وإبداء الدفع بالتقادم ليس مسألة قانونية، لأنه دفع في الموضوع، وإذ ذهب الحكم المطعون فيه غير هذا المذهب، فإنه يكون قد وقع في هذا الخصوص مخالفاً للقانون، وتكون قد قامت به الحالة الأولى من أحوال الطعن في الأحكام أمام المحكمة الإدارية العليا، المنصوص عليها في المادة 15 من قانون مجلس الدولة.
ومن حيث إنه يتعين قبل التصدي لبحث مسألة التقادم الخمسي التي أثارها الطعن معرفة ما إذا كان للمطعون لصالحه أصل حق يمكن أو لا يمكن أن يجرى عليه حكم هذا التقادم، سواء بناء على طلب هيئة مفوضي الدولة أو من تلقاء نفس المحكمة وذلك على الرغم من تسليم هيئة المفوضين بهذا الحق؛ إذ أن الطعن أمام المحكمة العليا يفتح الباب أمام تلك المحكمة لتزن الحكم المطعون فيه بميزان القانون، وتنزل حكم القانون على الوجه الصحيح في المنازعة الإدارية غير مقيدة بطلبات الهيئة أو الأسباب التي تبديها، والمرد في ذلك إلى مبدأ المشروعية نزولاً على سيادة القانون في روابط هي من روابط القانون العام تختلف في طبيعتها عن روابط القانون الخاص.
ومن حيث إنه يبين من الاطلاع على ملف خدمة المطعون لصالحه أنه التحق بخدمة مصلحة السكك الحديدية اعتباراً من 10 من نوفمبر سنة 1911 بوظيفة تلميذ براد "صبي" ثم منح 20 مليماً في 10 من نوفمبر سنة 1912، ورقى لمساعد براد في 20 من ديسمبر سنة 1916، واعتمد بوظيفة براد تملي بأجرة يومية قدرها 80 مليماً في أول يونيه سنة 1919. وعند تطبيق كادر العمال عليه وضع في درجة مساعد صانع (150/ 240 مليماً) ومنح أول مربوطها اعتباراً من أول مايو سنة 1925 على أساس أن هذا هو تاريخ استمراره في الخدمة وأن مدة خدمته السابقة كانت متقطعة، ثم رقي إلى درجة صانع دقيق (240 – 400 م) ومنح أول مربوطها من أول مايو سنة 1930 ورقي إلى درجة الدقة الممتازة (360 – 700 م) من أول مايو سنة 1936 أي بعد ست سنوات من ترقيته إلى درجة صانع دقيق، حيث بلغت أجرته اليومية 460 م في أول مايو سنة 1944.
ومن حيث إنه جاء بالكشف الخاص بخدمة المطعون لصالحه عن المدة من 10 من نوفمبر سنة 1911 إلى 30 من أبريل سنة 1945 (ص 306 بملف خدمته) أن "مدة التلمذة (تلميذ براد) مستمرة من 10/ 11/ 1911" كما ورد بكشف تسوية حالته (ص 317) أن "المذكور مستمر بالخدمة من تاريخ تعيينه للآن. هذا إلى أنه ثابت بالكشف الأول أن عدد أيام العمل التي اشتغلها بلغت 281 وربع في سنة 1919، و288 في سنة 1920 و276 في سنة 1921 و309 في سنة 1922 و297 وربع في سنة 1923 و265 وربع في سنة 1924 و316 في سنة 1925. وبمراعاة أيام الجمع والأعياد والعطلات الرسمية وكذا الإجازات الاعتيادية والمرضية فإن خدمته في الفترة التي تصفها المصلحة بالتوقيت وتنكر عليه فيها الدوام والاستمرار تكون منتظمة ومتصلة ومتسمة بطابع الاستقرار بما يرتب له حقاً في أن تطبق عليه قواعد كادر العمال من بدء هذه الخدمة.
ومن حيث إن قرار مجلس الوزراء الصادر في 14 من أكتوبر سنة 1953 القاضي بعدم صرف فروق عن الماضي فيما يختص بالتسويات التي تناولها، إنما ينصرف حكمه فيما يتعلق بمنع اقتضاء هذه الفروق، بحسب ديباجته وسياقه، إلى التسويات الاستثنائية التي تتم على خلاف ما قضت به أحكام كادر العمال، سواء من حيث زيادة المرتب أو رفع الدرجة عما هو مقرر بهذا الكادر، وما كان ليمس بالانتقاص حقوقاً مكتسبة استمدت من قواعد تنظيمية عامة سابقة أو مراكز قانونية ذاتية ترتبت لأربابها بناء على هذه القواعد. ولما كان الحق في التسوية الاستثنائية هو حق مستحدث فإنه يخضع من حيث آثاره المالية للقيود التي يفرضها القرار المنشئ له لا لقواعد الكادر الذي تتم مثل هذه التسوية بالمخالفة لأحكامه.
ومن حيث إنه لما تقدم يكون قرار اللجنة القضائية فيما ذهب إليه من أحقية المتظلم في تسوية حالته طبقاً لكادر العمال على أساس أنه التحق بالخدمة اعتباراً من 10 من نوفمبر سنة 1911 كتلميذ براد وباعتبار مدة خدمته مستمرة، ويكون الحكم المطعون فيه فيما قضى به من تأييد قرار اللجنة القضائية في هذا الشق منه قد صادفه الصواب.
ومن حيث إنه فيما يتعلق بالآثار والفروق التي قضى بها قرار اللجنة القضائية على إطلاقها دون قيد والتي حصرها الحكم المطعون فيه في خمس السنوات السابقة على تاريخ تقديم التظلم إلى اللجنة القضائية فإن الثابت من هذا الحكم أنه أشار في صدره إلى الاطلاع على تقرير المفوض وهو التقرير الذي تضمن الدفع بالتقادم الخمسي بالنسبة إلى هذه الفروق، وسواء دفعت الحكومة أو دفع المفوض بهذا التقادم أم لا فقد سبق لهذه المحكمة أن قضت بأن روابط القانون الخاص تختلف في طبيعتها عن روابط القانون العام، وأن قواعد القانون المدني إنما وضعت لتحكم روابط القانون الخاص فلا تطبق وجوباً على روابط القانون العام إلا إذا وجد نص خاص يقضي بذلك فإن لم يوجد فلا يلزم القضاء الإداري بتطبيق القواعد المدنية حتماًًًًً وكما هي، وأن المادة 50 من القسم الثاني من اللائحة المالية للميزانية والحسابات تنص على أن "الماهيات التي لم يطالب بها في مدة خمس سنوات تصبح حقاً مكتسباً للحكومة"، ويظهر من ذلك أن هذه المادة وإن اقتبست من النصوص المدنية مدة التقادم الخمسي، إلا أنها قررت في الوقت ذاته أنه بمجرد انقضاء هذه المدة تصبح تلك الماهيات – ويأخذ حكمها ما يجرى مجراها – حقاً مكتسباً للحكومة، فنفت تخلف أي التزام طبيعي في ذمة الدولة، وافترقت بذلك عن الأحكام المدنية التي يقوم فيها هذا الالتزام الطبيعي والتي تنص بناء على ذلك على أنه لا يجوز للمحكمة أن تقضي بالتقادم من تلقاء نفسها (م 387/ 1 مدني). وأن الاعتبارات التي تقوم عليها المادة 50 سالفة الذكر هي اعتبارات تنظيمية تتعلق بالمصلحة العامة وتهدف إلى استقرار الأوضاع الإدارية وعدم تعرض الميزانية – وهي في الأصل سنوية – للمفاجآت والاضطراب، ومن ثم فإن القاعدة التي قررتها هي قاعدة تنظيمية عامة يتعين على وزارات الحكومة ومصالحها التزامها، وتقضي بها المحاكم من تلقاء نفسها كقاعدة قانونية واجبة التطبيق في علاقة الحكومة بموظفيها، وهي علاقة تنظيمية تحكمها القوانين واللوائح ومن بينها تلك اللائحة.
ومن حيث إنه هذه المحكمة سبق أن قضت أيضاً بأن مقتضيات النظام الإداري تدعو إلى اعتبار الطلب أو التظلم الذي يوجهه الموظف إلى السلطة الرئاسية المختصة متمسكاً فيه بحقه وطالباً أداءه، يقوم مقام المطالبة القضائية في قطع التقادم.
ومن حيث إنه يبين من ملف خدمة المطعون لصالحه – خلافاً لما جاء بالحكم المطعون فيه من أنه لم يثبت من ملف خدمته أنه تظلم إدارياً أو قضائياً – أن المذكور قدم إلى مفتش عموم الهندسة، عن طريق رئيس قلم الإشارات، تظلماً على ورقة دمغة تاريخ 28 من سبتمبر سنة 1952 ومؤشر عليه بأنه ورد إلى المصلحة في 6 من أكتوبر سنة 1952 (ص 353) طلب فيه إنصافه أسوة بزملائه الذين أنصفهم مجلس الدولة. ثم قدم تظلمه إلى اللجنة القضائية بعد ذلك في 29 من ديسمبر سنة 1953، ومن ثم فإنه لا يستحق من الفروق ما انقضى عليه أكثر من خمس سنوات سابقة على تاريخ تقديم تظلمه إلى الجهة الإدارية الرئاسية.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه فيما قضى به من سقوط حق المدعي في الفروق المالية التي انقضى عليها أكثر من خمس سنوات سابقة على تاريخ تقديم تظلمه إلى اللجنة القضائية في 29 من ديسمبر سنة 1953، وباستحقاقه للفروق المالية التي لم ينقض عليها أكثر من خمس سنوات سابقة على تاريخ تقديم تظلمه الإداري في 6 من أكتوبر سنة 1952، وتأييد الحكم فيما عدا ذلك، وألزمت الحكومة بالمصروفات.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات