الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 48 لسنة 2 ق – جلسة 02 /06 /1956 

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الأولى – العدد الثالث (من يونيه سنة 1956 إلى آخر سبتمبر سنة 1956) – صـ 787


جلسة 2 من يونيه سنة 1956

برئاسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة بدوي إبراهيم حمودة والإمام الإمام الخريبي وعلي إبراهيم بغدادي ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.

القضية رقم 48 لسنة 2 القضائية

( أ ) موظف – تقدير درجة كفايته – الإجراءات الخاصة بذلك – حدود اختصاص لجنة شئون الموظفين في هذا الصدد.
(ب) ترقية – ضابط الترقية بالاختيار طبقاً لقانون نظام موظفي الدولة.
1 – يبين من استقراء نصوص القانون رقم 210 لسنة 1951 ولائحته التنفيذية أن المشرع استوجب أن ينشأ لكل موظف ملف خاص اعتبره سجل حياته في الوظيفة، ولذا نص على أن تودع به البيانات والمعلومات الخاصة به مما يكون متصلاًًًًً بوظيفته، كما تودع فيه الملاحظات المتعلقة بعمله والتقارير السنوية المقدمة عنه، وكذلك ما قد يقدم ضده من شكاوي يثبت جديتها. ونظم القانون كيفية إعداد التقارير السنوية، ورسم المراحل والإجراءات التي تمر بها حتى تصبح نهائية؛ فنص على أن يحررها الرئيس المباشر في شهر فبراير من كل عام وتعتمد من وكيل الوزارة أو من مدير المصلحة كل في دائرة اختصاصه ولكل منها أن يبدي ملاحظاته على ما ورد بها، فإذا كانت التقارير من درجة متوسط أو ضعيف كان للموظف أن يقدم ملاحظاته عليها وتعرض هذه التقارير مع ملاحظات الموظف على لجنة شئون الموظفين في شهر مارس من كل عام وتقدر اللجنة بعد اطلاعها على التقارير وملاحظات الموظف درجة كفايته مستهدية في ذلك بما هو وارد بملف الخدمة، فإذا ما انتهت اللجنة من تقدير كفاية الموظف على النحو المتقدم أصبح هذا التقدير نهائياًًًًً وأشر به في ملف الخدمة وسجل الموظفين، كما يؤشر أيضاًًًًً بالتقارير من درجة جيد المعتمدة من وكيل الوزارة أو رئيس المصلحة في ملف الخدمة وسجل الموظفين متى أصبحت نهائية. ثم بين القانون أثر هذه التقارير عند النظر في العلاوات أو في جميع الترقيات، حتى ما كان منها في النسبة المخصصة للاختيار، فنصت المادة 40 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بعد تعديلها بالقانون رقم 579 لسنة 1953 على تخطي الموظف في الترقية في نسبة الأقدمية إذا كان قد قدم عنه تقريران سنويان متتاليان بدرجة ضعيف (وكانت قبل تعديلها تشترط ثلاثة تقارير متتالية بدرجة ضعيف)، كما نصت على أن الترقية بالاختيار تكون بحسب ترتيب درجات الكفاية في العامين الأخيرين (وكانت قبل تعديلها تشترط للترقية بالاختيار أن يكون المرشح حائزاًًًًً على درجة جيد في العامين الأخيرين من مدة وجوده في الدرجة المرقي منها)، كما تنص المادة 40 مكررة الخاصة بترقية قدامي الموظفين على تخطي الموظف في الترقية إذا كان التقريران الأخيرين عنه بدرجة ضعيف، وتنص المادة 42 على أن العلاوة لا تمنح إلا لمن يقوم بعمله بكفاية، وتقرير ذلك يرجع فيه إلى لجنة شئون الموظفين على أساس من التقارير السنوية. ويخلص من هذه النصوص أن الرئيس المباشر هو المنوط به وضع التقارير السنوية عن الموظفين الخاضعين لهذا النظام، وذلك لحكمة ظاهرة؛ إذ هو بحكم اتصاله المباشر بمرءوسيه وإشرافه عليهم ورقابته لهم أقدر من غيره على الحكم على مبلغ كفايتهم وتحري سلوكهم. ولئن كان للجنة شئون الموظفين اختصاص في هذا الشأن، بل هي المرجع النهائي فيه، إلا أن اختصاصها هذا لا يكون مبتدأ بوضع التقارير، وإنما هي تباشر اختصاصها في هذا الصدد عن طريق الإشراف والتعقيب على تقديرات الرؤساء المباشرين، ولها أن تعدل هذه التقديرات بما تراه على أساس ما هو وارد بملف الخدمة بحسب الطريق المرسوم لذلك في القانون، فإذا أصبحت التقديرات نهائية بعد استنفاد المراحل وإتباع الإجراءات التي رسمها القانون، أصبح لا مندوحة للجنة من الأخذ بها عند النظر في العلاوات أو الترقيات، وليس لها أن تضرب صفحاً عنها وتعتمد على معلومات خارجية، أو على آراء أعضائها الشخصية، وحكمة ذلك ظاهرة؛ إذ تقوم على التوفيق بين اعتبارات المصلحة العامة من حيث ضبط درجة كفاية الموظف (لما يرتبه القانون على ذلك من أثر في العلاوات والترقيات) وبين توفير الضمانات للموظف في هذا الشأن (حتى لا يكون عرضة بغير حق للتحكم والأهواء)، ومن أجل ذلك، جعل القانون تلك التقارير السنوية هي الأساس في التقدير عند النظر فيما ذكر؛ حتى لا يؤخذ الموظف في هذا الخصوص بما لم يقم عليه دليل مستمد من أصول ثابتة في الأوراق, ولأنه قد كان من حق وكيل الوزارة أو رئيس المصلحة كل في دائرة اختصاصه أن يعقب على تقديرات درجة الكفاية الواردة بالتقارير عند عرضها عليه للاعتماد، كما كان للجنة أن تعدلها عند انعقادها لبحثها على أساس ما هو ثابت بملف الخدمة. أما إذا كان الموظف ممن لا يخضعون لنظام التقارير، على الأسس المحددة وبحسب الإجراءات المرسومة في القانون لتقدير درجات الكفاية وكيفية التعقيب عليها, فلا تثريب على اللجنة عندئذ إذا اعتمدت على المعلومات الصحيحة التي يبديها أعضاؤها على مسئوليتهم ويدونونها كتابة، وذلك إلى جانب ما هو ثابت بملف الخدمة.
2 – إن قانون موظفي الدولة قد وضع ضابط الترقية بالاختيار؛ بأن جعل أساسها تقارير العاملين السابقين مع مراعاة الأقدمية بين المرشحين عند التساوي في درجة الكفاية على هذا الأساس، فقد جرى نص المادة 40 من القانون رقم 210 لسنة 1951 قبل تعديلها بالقانون رقم 579 لسنة 1953 بما يأتي "أما النسبة المخصصة للترقية بالاختيار فلا يرقى إليها إلا الحائزون على درجة جيد في العامين الأخيرين من مدة وجودهم في الدرجة التي يرقون منها وتكون ترقيتهم أيضاًًًًً بالأقدمية فيما بينهم", ثم عدلت بالقانون المذكور واكتفى بأن يكون الاختيار بحسب درجات الكفاية في العامين الأخيرين دون اشتراط أن يكون في الدرجة المرقي منها, ومتى كان الأمر كذلك فما كان يجوز ترك المطعون عليه (باشمهندس بالري) حتى في الترقية بالاختيار إلى درجة مدير أعمال, وقد امتازت تقاريره لا في السنتين الأخيرتين فحسب بل في جميع السنوات السابقة, وبالتالي لا يجدي في هذا المقام الاستناد إلى القانون رقم 134 لسنة 1953 فيما قض به من أن الترقيات بالتلقيب إلى وظائف الري المختلفة تكون بطريق الاختيار.


إجراءات الطعن

في 31 من ديسمبر سنة 1955 أودع رئيس هيئة المفوضين طعناًًًًً في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري (الهيئة الثالثة) بجلسة 3 من نوفمبر سنة 1955 في الدعوى رقم 7035 لسنة 8 ق المرفوعة من وزارة الأشغال ضد عبد المنعم علي سماحة, القاضي: "بقبول الطعن شكلاًًًًً, وفي الموضوع برفضه وتأييد قرار اللجنة المطعون فيه, وإلزام الحكومة بالمصروفات". وطلب رئيس هيئة المفوضين للأسباب التي استندت إليها في عريضة الطعن "الحكم بقبول هذا الطعن شكلاًًًًً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه وإلغاء قرار اللجنة القضائية ورفض التظلم, وإلزام المتظلم بالمصروفات". وقد أعلن الطعن للحكومة في 4 من يناير سنة 1956 وللمطعون ضده في 7 من يناير سنة 1956, وعين لنظره جلسة 14 من أبريل سنة 1956, وفيما سمعت المحكمة إيضاحات الطرفين على الوجه المبين بمحضر الجلسة, ثم أرجأت النطق بالحكم لجلسة 5 من مايو سنة 1956, وفيما قررت المحكمة مد أجل النطق بالحكم لجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن وقائع هذه المنازعة, حسبما يبين من الأوراق, تتحصل في أن المطعون عليه قدم تظلماًًًًً إلى اللجنة القضائية لوزارة الأشغال قيد برقم 3016 لسنة 1 ق طالباًًًًً إلغاء قرار وزير الأشغال العمومية رقم 180 لسنة 1953 فيما تضمنه من تخطيه في الترقية إلى وظيفة مدير أعمال, وقال في بيان ذلك إنه في 13 من مارس سنة 1953 صدر القرار الوزاري رقم 664/ 52 خاصاً بترقيات رجال الري؛ وعلى أثر الشكاوي الكثيرة التي قدمت طعناً في هذه الحركة أصدر وزير الأشغال قراراً بوقف القرار الوزاري سالف الذكر، وتألفت لجنة وزارية لبحث هذه الشكاوي، ثم صدر تعديل للحركة بالقرار الوزاري رقم 169/ 53 في 3 من سبتمبر سنة 1953, وكان آخر من رقوا من وظيفة باشمهندس إلى وظيفة مدير أعمال المهندس عمر عمر النبراوي وترتيبه في كشف أقدميه الباشمهندسين الثاني والعشرون, وترتيب المتظلم الثالث والعشرون. وبعد ذلك اجتمعت لجنة شئون الموظفين لبحث الترقيات إلى الدرجات التي خلت حديثاًًًًًًًًًً. وفي 4 من سبتمبر سنة 1953 صدر القرار الوزاري رقم 180 لسنة 1953 متخطياًًًًً المتظلم في الترقية إلى مدير أعمال مع أنه أقدم ممن تخطوه في وظيفة باشمهندس, كما تشهد تقاريره السنوية بامتيازه في عمله. ويتحصل رد الحكومة على التظلم في أن ترتيب المتظلم في كشف أقدميه الباشمهندسين من الدرجة الثالثة عند نظر حركة الترقيات المطعون فيها كان الرابع, وقد تخطاه في الترقية اثنا عشر ممن يلونه في الأقدمية, وأن الترقيات تمت بالاختيار بالتطبيق لأحكام القانون رقم 134 لسنة 1953, ولم يقع اختيار أعضاء لجنة شئون موظفي مصلحة الري عليه لأنها رأت أنه قليل الاكتراث بعمله في وظيفة باشمهندس, وإنه ولئن كان تقرير المتظلم عن عام 1953 هو كالآتي: درجة الكفاية: جيد, التوصية: الترقية إلى مدير أعمال – لئن كان التقرير على النحو المذكور, إلا أن اللجنة الوزارية المشكلة لإعادة بحث حركة الترقيات قررت التجاوز عنه في الترقية لضعف تقاريره بالاستناد إلى فتوى قسم الرأي والتشريع لديوان الموظفين المؤرخة 17 من أغسطس سنة 1953. وقد رد المتظلم على دفاع الحكومة بأن أقدميته تؤهله للترقية في النسبة المخصصة للأقدمية وقد أشادت تقاريره لمدة سبعة وعشرين عاماًًًًً بكفايته وامتيازه, وكانت درجته 100 سواء في الأخلاق أو في العمل. وبجلسة 21 من ديسمبر سنة 1953 قررت اللجنة القضائية "إلغاء القرار رقم 180 لسنة 1953 الصادر من السيد وزير الأشغال في 6 من سبتمبر سنة 1953 فيما تضمنه من تخطي المتظلم في الترقية إلى وظيفة مدير أعمال وما يترتب على ذلك من آثار". واستندت اللجنة في إصدار قرارها إلى أنه يبين من الرجوع إلى نص المادة الثانية من القانون رقم 134 لسنة 1953 أن المشرع وأن كان قد قصد إلى عدم التقيد بالأقدمية وأطلق يد جهة الإدارة في اختيار ذوي الكفاية الممتازة, إلا أنه لم يقصد تخطي أصحاب الأقدمية ممن تتوافر فيهم شروط الاختيار؛ ولذا وجب أن يكون الاختيار قائماًًًًً على عناصر ثابتة مستمدة من الأوراق تؤدي إلى النتيجة التي انتهى إليها, وإلا كان الاختيار فاسداً ومبطلاًًًًً للقرار, وأن الفتوى التي تشير إليها الوزارة كانت في صدد مسألة خاصة, ولم تتعرض الفتوى لمدى حق الوزارة في الاختيار بالتطبيق لأحكام القانون رقم 134 لسنة 1953. ثم ردت اللجنة القضائية على دفاع الوزارة فقالت "إنه بالنسبة للسبب الأول فإن القانون رقم 210 لسنة 1951 وضع الأسس التي يبنى عليها تقدير كفاية الموظفين عامة؛ فذكر في المادة 29 وما بعدها أن الأساس في هذا التقدير هو تقارير المتظلم السنوية وملف خدمته" وأنه "بان من الاطلاع على تقارير المتظلم عن السنوات السابقة وخاصة تقرير سنة 1953 أن رؤساءه قد قدروا كفايته بدرجة جيد وهي أعلى درجات التقدير, كما ذكروا في هذه التقارير أن المتظلم يؤدي عمله بكل كفاية وإخلاص, وهذا يتنافي مع ما ذكرته للجنة شئونه الموظفين، ولما كان لا يوجد بملف خدمة المتظلم ما يدل على صحة هذا الاتهام؛ فمن ثم يتعين عدم الأخذ به أو اعتباره سبباً يبرر التخطي" وأنه "بالنسبة للسبب الثاني وهو ضعف تقارير المتظلم, ففضلاًًًًً عن أنه ثبت من الاطلاع على محضر اللجنة الوزارية أنها لم تتعرض لحالة المتظلم أو أوصت بتركه في الترقية, فقد ثبت ما تقدم أن المتظلم نال أعلى درجات التقدير في تقاريره السنوية". وبصحيفة أودعت سكرتارية محكمة القضاء الإداري في أول مايو سنة 1954 طعنت الحكومة في قرار اللجنة القضائية سالف الذكر ورددت في صحيفة الطعن ما سبق أن دفعت به أمام اللجنة القضائية على ما سبق البيان. وبجلسة 3 من نوفمبر سنة 1955 قضت المحكمة "بقبول الطعن شكلاًًًًً, وفي الموضوع برفضه وتأييد قرار اللجنة المطعون فيه, وألزمت الحكومة بالمصروفات", وأقامت المحكمة قضاءها على ما أقامت عليه اللجنة قرارها.
ومن حيث إن الطعن يقوم على أن الحكم المطعون فيه فاته أن اختصاص لجنة شئون الموظفين ليس مقصوراًًًًً على النظر في ترقية الموظفين، وإنما يمتد أيضاًً بحكم القانون إلى إعداد التقارير عن الموظفين, وهي في صدد إعداد التقارير صاحبة اختصاص رئاسي أصيل, فقراراتها عن كفاية الموظفين ليست عنصراً غريباً عن هذه التقارير, وإنما هي من معدنها بل هي المرحلة لها كما يبين ذلك من مراجعة نصوص المواد 30 و31 و32 من القانون رقم 210 لسنة 1951 قبل تعديلها بالقانون رقم 579 لسنة 1953. ونص المادة 32 من القانون رقم 210 لسنة 1951 ناطق بأن لجنة شئون الموظفين عند تحديدها لدرجة الكفاية التي يستحقها كل موظف لا تتقيد بالتقارير المقدمة عن الموظفين من رؤسائهم المباشرين, بل تضع تقديرها الذي تراه؛ ومن ثم فلا يعيب تقديرها مجرد مخالفته لتقدير الرؤساء المباشرين. والثابت من الأوراق أن لجنة شئون الموظفين بمصلحة الري اجتمعت في الأيام 15، 16، 26، 28 من مارس سنة 1953 وقررت أنه نظراًًًًً لأن التقارير السنوية المحررة عن السنوات السابقة قام بتحريرها الرؤساء المباشرون وهم عديدون, وتختلف درجات تقديرهم في النسبة المئوية التي وضعها كل منهم، فقد رأت اللجنة – وهي مكونة من جميع وكلاء الوزارة المختصين ومفتشي عموم مصالح الري ومنهم من اشترك فعلاًًًًً في وضع بعض هذه التقارير – أنه عند الترقية بالاختيار الموازنة بين الحاصلين على درجة الكفاية الممتازة في التقارير السنوية وترتيبهم بالمفاضلة فيما بينهم بحسب درجة امتيازهم، ثم ترقيتهم بالأقدمية بعد ذلك. وبجلسة 20 من مايو سنة 1953 اجتمعت اللجنة وأثبتت مبررات ترك من تركتهم في الترقية, فأثبتت بالنسبة للمدعي أنه ترك لأنه قليل الاكتراث بعمله في وظيفة باشمهندس؛ ولذلك رأت اللجنة إعطاء فرصة أخرى, وصدر بناء على ذلك القرار الوزاري رقم 664 لسنة 1953, ثم صدر القرار الوزاري رقم 812 لسنة 1953 بوقف تنفيذ حركات الترقيات الصادر بشأنها القرار رقم 664 لسنة 1953 حتى يتم بحث جميع الشكاوي ويبت فيها. وصدر قرار مجلس الوزراء في 30 من يونيه سنة 1953 بتأليف لجنة من وزراء العدل والدولة والأشغال العمومية ورئيس ديوان الموظفين للنظر في الحركة المذكورة، واجتمعت اللجنة الوزارية وقررت بادئ الأمر أن لجنة شئون الموظفين التزمت القانون رقم 210 لسنة 1951؛ إذ أنها استعملت حقها المخول لها بمقتضى المادة 32 – قبل تعديلها – في تقدير كفاية المهندسين. وبعد أن بحثت اللجنة الحركات موضوع الشكاوي من جميع نواحيها واستعرضت تقارير من شملتهم الحركة ومن تخطوا فيها, انتهي بحثها إلى أن اتفقت في بعضها مع لجنة شئون الموظفين واختلفت معها في البعض الآخر، ومن ضمن ما اتفقت عليه اللجنة الوزارية مع لجنة شئون الموظفين عدم ورود اسم المدعي من بين أسماء من شملتهم الترقية. ويبين مما تقدم أن مبررات ترك المدعى في الترقية التي أثبتتها لجنة شئون الموظفين كانت موضع بحث اللجنة الوزارية وأقرت فيه لجنة شئون الموظفين. وعلى ذلك فإنه متى كانت لجنة شئون الموظفين بجلستها المنعقدة في 4 من سبتمبر سنة 1953 قد تركت المدعي في الترقية تطبيقاًًًًً للضابط الذي وضعته بترك المهندسين الذين تركتهم اللجنة الوزارية لضعف تقاريرهم أو للشكوك التي تحوم حول سلوكهم على أساس أن تقدير الكفاية الذي وضع لهم يستمر سنة كاملة تبدأ من شهر مارس سنة 1953 – متى كانت اللجنة المذكورة قد فعلت ذلك وصدر بناء على هذا الاختيار القرار المطعون فيه, فإن الوزارة إذ أصدرت القرار المطعون فيه تكون قد استخلصت اختيارها استخلاصا ً سائغاً من عناصر ثابتة في الأوراق؛ ذلك لأن محضر لجنة شئون الموظفين المؤرخ 20 من مايو سنة 1953 قد أثبت أن المدعي قليل الاكتراث بعمله في وظيفة باشمهندس؛ وتحديد لجنة شئون الموظفين لكفاية الموظفين هو المرحلة الأخيرة التي تمر بها التقارير, فهو ذاته من عيون الأوراق التي تجري على ضوئها عملية الاختيار عند النظر في الترقية بالاختيار, كما سلف بيان أن اللجنة في هذه التحديد لا تتقيد بالتقارير المقدمة من الرؤساء المباشرين. وإذ ذهب الحكم المطعون فيه غير هذا المذهب فإنه يكون قد بني على مخالفة للقانون.
ومن حيث إن الحكومة أودعت مذكرة لا تخرج في مجموعها عما تضمنه دفاعها أمام اللجنة القضائية ومحكمة القضاء الإداري وما ورد بعريضة الطعن المقدم من رئيس هيئة المفوضين.
ومن حيث إن المطعون عليه قدم مذكرة بدفاعه بدأها باستعراض تقاريره من سنة 1937 إلى سنة 1953 وأنها كلها تنبئ عن كفايته وامتيازه, ثم انتقل بعد ذلك إلى الحديث عن حركة الترقيات التي صدر بها القرار الوزاري رقم 664 لسنة 1953 وما قدم فيها من شكاوي؛ وصدر القرار الوزاري في 26 من مايو سنة 1953 بوقف تنفيذها، ثم تأليف اللجنة الوزارية للنظر في موضوع هذه الحركة وما انتهى إليه بحث اللجنة المذكورة, وصدور القرار رقم 169 لسنة 1953 بحركة الترقيات حسبما انتهى إليه بحث اللجنة, ثم صدور القرار الوزاري رقم 180 لسنة 1953 المطعون فيه، واستعرضت المذكرة خلال ذلك كله مناقشات لجنة شئون الموظفين في صدد حركات الترقيات المذكورة, ثم استطردت المذكرة إلى بيان وجهة نظرها في تأصيل الضوابط في الترقيات بحسب تفسيرها للمواد 29 و30 و31 و32 وانتهت من ذلك إلى أن تقرير الموظف إنما يضعه رئيسة المباشر ليحدد فيه درجة كفايته، وإذا كان للجنة شئون الموظفين التعقيب على هذه التقرير فمناطه (أولاًًًًً) أن يكون هذا التعقيب بقرار إيجابي من اللجنة أي بتقدير آخر منها لكفاية الموظف, ومناطه (ثانياًًًًً) أن يكون تقدير اللجنة لدرجة الكفاية مستمداًًًًً من واقع ملف الخدمة, فإذا كانت اللجنة لم تعقب على تقدير الرئيس المباشر للموظف وتضع لكفايته تقديراً جديداً، قام تقدير الرئيس المباشر وأصبحت درجة كفاية الموظف هي المبينة فيه، كذلك يكون الحكم إذا أعطت اللجنة من جانبها تقديراً لكفاية الموظف لا تسيغه أوراق ملف خدمته, ثم تناولت المذكرة الرد على ما جاء بصحيفة الطعن من أن اختصاص لجنة شئون الموظفين ليس مقصوراً على النظر في ترقية الموظفين, وإنما يمتد أيضاً بحكم القانون إلى إعداد التقارير عن الموظفين، فقالت إن لجنة شئون الموظفين وإن كانت صاحبة اختصاص في التقارير إلا أن اختصاصها تباشره بالتعقيب على درجة الكفاية التي يضعها الرؤساء المباشرون, فليس للجنة أن تضع عن الموظفين تقارير مبتدأة بل إن الذي يضع التقرير عن الموظف هو رئيسه المباشر وهو الذي يقدر كفايته, ولجنة شئون الموظفين تعقب على تقدير الرئيس المباشر لدرجة كفاية الموظف بعد إطلاعها على تقديره وبالرجوع إلى ملف الخدمة. ومعنى هذا أنه وإن كان للجنة شئون الموظفين اختصاص في الترقية واختصاص في تقدير درجة كفاية الموظفين فهذان الاختصاصان متميزان تباشر اللجنة كل منهما على استقلال, بل رأي القانون أن يجعل بينهما فواصل زمنية دفعاًًًًً للشبهة والتحيز وسوء التقدير, ولهذا لا يقبل القول بأن لجنة شئون الموظفين – ما دامت تملك الاختصاصين ومرد الأمر فيهما إليها – فإنها تملك أولاًًًًً وأخراًًًًً ترقية هذا وترك ذاك دون اعتداد بتقارير الموظفين أو بتقديرات سابقة لدرجة كفايتهم؛ بل يجب اتخاذ الخطوات التي قررها القانون, فيضع الرئيس المباشر تقريره وللجنة أن تعقب عليه فإن لم تفعل بقى تقدير الرئيس المباشر قائماًًًًً, وعند ذلك ينتهي الاختصاص في صدد التقارير وتقديرات الكفاية ويستقر الأمر في هذه المرحلة على هذا النحو. والثابت من الأوراق أن المطعون ضده قد وضع عنه رئيسه المباشر في سنة 1953 تقدير بدرجة جيد (والتقدير المذكور ترتب عليه المادة 36 من قانون موظفي الدولة كل النتائج في شأن الترقيات) وهذا التقدير لم تمسه لجنة شئون الموظفين, وبذلك تكون درجة كفاية المطعون ضده هي درجة جيد أي أعلى درجات التقدير. ومتى كان الأمر كذلك فمن الغرابة بمكان أن تجتمع لجنة شئون الموظفين في 20 من مايو سنة 1953 لتقول إن المطعون ضده قليل الاكتراث بعمله وأنها تخطته في حركة مارس سنة 1953 لهذا السبب دون دليل أو بينة؛ ذلك أنه ليس للجنة أن تلقي على الموظف تهماًًًًً لا صدى لها في ملف خدمته أو تدعي عليه أمراًًًًً لا شاهد له من هذا الملف. هذا ولم تمس اللجنة الوزارية تقدير درجة كفاية المطعون عليه وهي لا تملك ذلك، إذ ليس من سلطتها أو اختصاصها أصلاًًًًً؛ ومن ثم يكون قول الحكومة في دفاعها إن اللجنة الوزارية تركت المطعون ضده لضعف تقاريره، مجافيا ً للصواب. على أن لجنة شئون الموظفين قد رقت بعض من تركتهم اللجنة الوزارية: فالمهندس جورجي غالي تركته لجنة شئون الموظفين في حركة مارس سنة 1953، وجاء في محضرها المؤرخ 20 من مايو سنة 1953 أنه "ترك لأنه ضعيف الشخصية ولا يصلح لشغل الوظائف الرئيسية"، وتركته أيضاًًًًً اللجنة الوزارية، ولكن لجنة شئون الموظفين عادت وقررت ترقيته في 4 من سبتمبر سنة 1953 مخالفة بذلك ما سبق أن ذكرته من أنها تركت المطعون ضده تطبيقاًًًًً للضابط الذي وضعته بترك المهندسين الذين تركتهم اللجنة الوزارية لضعف تقاريرهم. وخلصت المذكرة من ذلك كله إلى أن الأسباب الواردة في تقرير الطعن لا تقوم على سند صحيح.
ومن حيث إنه يبين مما تقدم أن مثار المنازعة هو ما إذا كانت لجنة شئون الموظفين تملك – وهي مجتمعة لنظر حركة ترقيات – أن تعدل في تقديرات كفاية الموظفين التي أصبحت نهائية بعد استنفاد جميع المراحل والإجراءات التي رسمها القانون وتعتمد على معلومات أعضاء اللجنة الشخصية ضاربة صفحاًًًًً عن التقديرات المذكورة, أم أنها تلتزم بها ما دام لم يحصل تعديلها بالطريق القانوني؟ ويتعين من أجل ذلك استظهار حكم القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة في هذا الشأن وذلك على مقتضى نصوصه التي كانت قائمة عند الترقية محل المنازعة, أي قبل تعديلها بالقانون رقم 579 لسنة 1953.
ومن حيث إن المادة 29 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة وقتذاك كانت تنص على أنه "ينشأ لكل موظف ملف تودع فيه البيانات والمعلومات الخاصة به مما يكون متصلاًًًًً بوظيفته, كما تودع فيه الملاحظات المتعلقة بعمله والتقارير السنوية المقدمة عنه والمشار إليها في المادة التالية, وإقرار من الموظف يقدم كل عام عن حالته المالية وما يطرأ عليها من تغيير. وكذلك يودع فيه كل ما يثبت جديته من الشكاوي المقدمة ضده بعد تحقيقها وسماع أقواله فيها وموافقة لجنة شئون الموظفين على إيداعها ملف الخدمة". ونصت المادة 30 على أنه "يخضع لنظام التقارير السنوية جميع الموظفين ما عدا رؤساء المصالح والموظفين الذين في درجته مدير عام فما فوقها (وقد قصر ذلك على الموظفين لغاية الدرجة الثالثة بمقتضى القانون المشار إليه) وتعد هذه التقارير في شهر فبراير من كل عام متضمنة درجة كفاية الموظف باعتباره جيداًًًًً أو متوسطاًًًًً أو ضعيفاًًًًً" (وقد جعلت التقديرات على أساس درجات نهايتها القصوى مائة بمقتضي القانون المذكور) . وتنص المادة 32 على أن "تعد لجنة شئون الموظفين بالوزارة أو المصلحة في شهر مارس من كل عام كشفاًًًًً بأسماء موظفي كل درجة مالية فيها وتقرر اللجنة من واقع ملف كل موظف – وبعد الاطلاع على الملاحظات التي يكون قد قدمها الموظف الذي قدم عنه تقرير بدرجة متوسط أو ضعيف – درجة الكفاية التي يستحقها كل موظف على الأساس المبين في المادة 30 ويؤشر بذلك في ملف الخدمة وفي سجل الموظفين". وتنص المادة 40 الخاصة بالترقيات على أنه "في الترقيات إلى الدرجات المخصص منها نسبة للأقدمية ونسبة أخرى للاختيار يبدأ بالجزء المخصص للترقية بالأقدمية ويرقى فيه أقدم الموظفين ويشترك في هذه الجزء الحاصلون على درجتي جيد ومتوسط مع تخطي الضعيف إذا كان قد قدم عنه ثلاثة تقارير سنوية متتالية بدرجة ضعيف (وقد عدل النص بمقتضي القانون رقم 579 لسنة 1953 الذي اكتفى بتقريرين متتاليين بدرجة ضعيف) . أما النسبة المخصصة للترقية بالاختيار فلا يرقى إليها إلا الحائزون على درجة جيد في العامين الأخيرين من مدة وجودهم في الدرجة التي يرقون منها وتكون ترقيتهم بالأقدمية فيما بينهم (وقد عدل النص بمقتضى القانون المذكورة واكتفى بأن تكون الترقية في هذه النسبة حسب ترتيب درجات الكفاية في العامين الأخيرين)…….."، واشترطت المادة 40 مكررة لانطباق حكمها وترقية قدامى الموظفين قضاء مدة معينة، وألا يكون التقريران الأخيرين عن الموظف بدرجة ضعيف. ونصت المادة 42 في صدد العلاوات على أنه "يمنح الموظف علاوة اعتيادية طبقاً للنظام المقرر بالجداول المرافقة، بحيث لا يجاوز المرتب نهاية مربوط الدرجة. ولا تمنح العلاوة إلا لمن يقوم بعمله بكفاية وتقرير ذلك يرجع فيه إلى لجنة شئون الموظفين المختصة على أساس من التقارير السنوية". كما نصت المادة 14 من اللائحة التنفيذية للقانون رقم 210 لسنة 1951 الصادر بها مرسوم في 8 من يناير سنة 1953 على أن "يحرر الرئيس المباشر التقارير السنوية المنصوص عليها في المادة 30 من القانون على النموذج الذي يعده ديوان الموظفين وتعتمد هذه التقارير من وكيل الوزارة أو رئيس المصلحة كل في دائرة اختصاصه ولكل منهما الحق في إبداء ملاحظات على ما جاء في التقارير وتودع هذه التقارير ملفات الموظفين (وقد ضمن القانون رقم 579 لسنة 1953 هذا الحكم في تعديله للمادتين 30 و31)……..". ونصت المادة 24 من اللائحة أيضاً على أنه "على قسم المستخدمين المختص التأشير بدرجة كفاية الموظف التي تقررها لجنة شئون الموظفين في ملف خدمته وفي سجل الموظفين المنصوص عليه في المادة 32 من القانون خلال أسبوع من تاريخ صدور قرار اللجنة". وأخيراًًًًً نصت المادة 136 من القانون رقم 210 لسنة 1951 على أنه "تحدد درجة كفاية الموظف في الترقي خلال العام الأول من تاريخ العمل بهذا القانون طبقاًًًًً للتقرير المقدم عنه فيه. وفي العام الثاني تحدد هذه الدرجة طبقاًًًًً للتقريرين المقدمين في ذلك العام وفي العام السابق".
ومن حيث إنه يبين من استقراء هذه النصوص القانون استوجب أن ينشأ لكل موظف ملف خاص اعتبره سجل حياته في الوظيفة، ولذا نص على أن تودع به البيانات والمعلومات الخاصة به مما يكون متصلاًًًًً بوظيفته، كما تودع فيه الملاحظات المتعلقة بعمله والتقارير السنوية المقدمة عنه، وكذلك ما قد يقدم ضده من شكاوي يثبت جديتها، ونظم القانون كيفية إعداد التقارير السنوية، ورسم المراحل والإجراءات التي تمر بها حتى تصبح نهائية؛ فنص على أن يحررها الرئيس المباشر في شهر فبراير من كل عام وتعتمد من وكيل الوزارة أو من مدير المصلحة كل في دائرة اختصاصه ولكل منهما أن يبدي ملاحظاته على ما ورد بها، فإذا كانت التقارير من درجة متوسط أو ضعيف كان للموظف أن يقدم ملاحظاته عليها، وتعرض هذه التقارير مع ملاحظات الموظف على لجنة شئون الموظفين في شهر مارس من كل عام، وتقدر اللجنة بعد اطلاعها على التقارير وملاحظات الموظف درجة كفايته مستهدية في ذلك بما هو وارد بملف الخدمة، فإذا ما انتهت اللجنة من تقدير كفاية الموظف على النحو المتقدم أصبح هذا التقدير نهائياًًًًً وأشر به في ملف الخدمة وسجل الموظفين، كما يؤشر أيضاًًًًً بالتقارير من درجة جيد المعتمدة من وكيل الوزارة أو رئيس المصلحة في ملف الخدمة وسجل الموظفين متى أصبحت نهائية. ثم بين القانون أثر هذه التقارير عند النظر في العلاوات أو في جميع الترقيات، حتى ما كان منها في النسبة المخصصة للاختيار، فنصت المادة 40 من القانون رقم 210 لسنة 1951 – بعد تعديلها بالقانون رقم 579 لسنة 1953 – على تخطي الموظف في الترقية في نسبة الأقدمية إذا كان قد قدم عنه تقريران سنويان متتاليان بدرجة ضعيف، (وكانت قبل تعديلها تشترط ثلاثة تقارير متتالية بدرجة ضعيف)، كما نصت على أن الترقية بالاختيار تكون بحسب ترتيب درجات الكفاية في العامين الآخرين (وكانت قبل تعديلها تشترط للترقية بالاختيار أن يكون المرشح حائزاًًًًً على درجة جيد في العامين الأخيرين من مدة وجوده في الدرجة المرقي منها)، كما تنص المادة 40 مكررة الخاصة بترقية قدامى الموظفين على تخطي الموظف في الترقية إذا كان التقريران الأخيران عنه بدرجة ضعيف، وتنص المادة 42 على أن العلاوة لا تمنح إلا لمن يقوم بعمله بكفاية، وتقرير ذلك يرجع فيه إلى لجنة شئون الموظفين على أساس من التقارير السنوية.
ومن حيث إنه يخلص من هذه النصوص أن الرئيس المباشر هو المنوط به وضع التقارير السنوية عن الموظفين الخاضعين لهذا النظام، وذلك لحكمة ظاهرة؛ إذ هو بحكم اتصاله المباشر بمرءوسيه وإشرافه عليهم ورقابته لهم أقدر من غيره على الحكم على مبلغ كفايتهم وتحري سلوكهم، ولئن كان للجنة شئون الموظفين اختصاص في هذا الشأن، بل هي المرجع النهائي فيه، إلا أن اختصاصها هذا لا يكون مبتدأ بوضع التقارير، وإنما هي تباشر اختصاصها في هذا الصدد عن طريق الإشراف والتعقيب على تقديرات الرؤساء المباشرين، ولها أن تعدل هذه التقديرات بما تراه على أساس ما هو وارد بملف الخدمة بحسب الطريق المرسوم لذلك في القانون، فإذا أصبحت التقديرات نهائية – بعد استنفاد المراحل وإتباع الإجراءات التي رسمها القانون – أصبح لا مندوحة للجنة من الأخذ بها عند النظر في العلاوات أو الترقيات، وليس لها أن تضرب صفحاً عنها وتعتمد على معلومات خارجية، أو على آراء أعضائها الشخصية، وحكمة ذلك ظاهرة؛ إذ تقوم على التوفيق بين اعتبارات المصلحة العامة من حيث ضبط درجة كفاية الموظف (لما يرتبه القانون على ذلك من أثر في العلاوات والترقيات)، وبين توفير الضمانات للموظف في هذا الشأن (حتى لا يكون عرضة بغير حق للتحكم والأهواء)، ومن أجل ذلك جعل القانون تلك التقارير السنوية هي الأساس في التقدير عند النظر فيما ذكر حتى لا يؤخذ الموظف في هذا الخصوص بما لم يقم عليه دليل مستمد من أصول ثابتة في الأوراق, ولأنه قد كان من حق وكيل الوزارة أو رئيس المصلحة كل في دائرة اختصاصه أن يعقب على تقديرات درجة الكفاية الواردة بالتقارير عند عرضها عليه للاعتماد، كما كان للجنة أن تعدلها عند انعقادها لبحثها على أساس ما هو ثابت بملف الخدمة. أما إذا كان الموظف ممن لا يخضعون لنظام التقارير، على الأسس المحددة وبحسب الإجراءات المرسومة في القانون لتقدير درجات الكفاية وكيفية التعقيب عليها, فلا تثريب على اللجنة عندئذ إذا اعتمدت على المعلومات الصحيحة التي يبديها أعضاؤها على مسئوليتهم ويدونونها كتابة، وذلك إلى جانب ما هو ثابت بملف الخدمة.
ومن حيث إنه على مقتضى ما تقدم، قد بان للمحكمة من استظهار حالة المطعون عليه من واقع ملف خدمته أنه حصل على دبلوم الهندسة في سنة 1926، والتحق بخدمة وزارة الأشغال في 21 من أكتوبر سنة 1926, وقد عمل بتفتيش ري جرجا وري الفيوم وخزان أسوان ومشروعات ري البحيرة ثم تفتيش ري ثالث وري ثان وتفتيش قناطر محمد علي وري المنوفية وتفتيش الخزانات ثم ري الجيزة. وقد كانت تقاريره السنوية جميعها بدون استثناء منذ التحاقه بالخدمة لغاية سنة 1953 حين صدرت الحركة المطعون فيها وهي مدة طويلة، تسجل له الدرجة الممتازة في الكفاية وفي حسن الخلق والسلوك وتوصي بترقيته ولو في غير دوره، وكان تقريره في عام 1953 – وهو الصادر في ظل أحكام قانون موظفي الدولة – يعطيه درجة جيد في القدرة على العمل وفي المواظبة عليه وفي الإنتاج وهي أعلى درجات التقدير، وتقضي المادة 136 من القانون المذكور بأن تحدد كفاية الموظف في الترقي خلال العام الأول من تاريخ العمل به طبقاًًًًً للتقرير المقدم عنه فيه، وفي العام الثاني تحدد هذه الدرجة طبقاًًًًً للتقريرين المقدمين في ذلك العام وفي العام السابق، كما بان للمحكمة كذلك أنه لما تظلم المطعون عليه في فبراير سنة 1953 من ترقية بعض الباشمهندسين بالنيابة إلى مديري أعمال أعدت مذكرة عنه جاء فيها على لسان مفتش الري: "تقارير السنوية تدل على خبرته طوال المدة التي قضاها في الاشتراك في تنفيذ هذه المنشآت الهامة والتي تبيح له الأولوية في الترقية بالاختيار لوظيفة مدير أعمال لا أن تؤخره وتقدم عليه مساعدي مديري الأعمال وإني أوصي بشدة بإجابة ملتمسة"، وتظلم مرة أخرى في مارس سنة 1954 فكتب مفتش ري الجيزة "أوصي بإنصاف المدعي – باشمهندس ري الجيزة – لما لمسته منه إخلاص في عمله في المدة التي قمت فيها بوظيفة مفتش ري الجيزة بالانتداب"، كما أوصي مفتش ري الجيزة: "بإنصاف عبد المنعم سماحة الباشمهندس لما أعرفه عنه من الكفاية والإخلاص في العمل". ويبين مما سبق تفصيله أن تقارير المطعون عليه تشهد له باطراد – طوال مدة خدمته المديدة – بالكفاية الممتازة والإخلاص في العمل وحسن الخلق، وهي صادرة من رجال كانوا وما زالوا من أكبر رجالات الري في مصر.
ومن حيث إنه لا يجدي في هذا المقام الاستناد إلى القانون رقم 134 لسنة 1953 فيما قضى به من أن الترقيات بالتلقيب إلى وظائف الري المختلفة تكون بطريق الاختيار؛ ذلك أن قانون موظفي الدولة قد وضع ضابط الترقية بالاختيار بأن جعل أساسها – حسبما سلف إيضاحه – تقارير العاملين السابقين مع مراعاة الأقدمية فيما بين المرشحين عند التساوي في درجة الكفاية على هذا الأساس، فقد جرى نص المادة 40 من القانون رقم 210 لسنة 1951 – قبل تعديلها بالقانون رقم 579 لسنة 1953 – بما يأتي "…… أما النسبة المخصصة للترقية بالاختيار فلا يرقى إليها إلا الحائزون على درجة جيد في العامين الأخيرين من مدة وجودهم في الدرجة التي يرقون منها. وتكون ترقيتهم أيضاًًًًً بالأقدمية فيما بينهم…..", ثم عدلت بالقانون المذكور واكتفى بأن يكون الاختيار بحسب درجات الكفاية في العامين الأخيرين دون اشتراط أن يكون في الدرجة المرقى منها, ومتى كان الأمر كذلك فما كان يجوز ترك المطعون عليه حتى في الترقية بالاختيار وقد امتازت تقاريره لا في السنتين الأخيرتين فحسب، بل في جميع السنوات السابقة.
ومن حيث إنه لكل ما تقدم يكون الحكم المطعون فيه، إذ قضى بتأييد قرار اللجنة القضائية فيما قرره من إلغاء القرار رقم 180 لسنة 1953 الصادر من وزير الأشغال في 6 من سبتمبر سنة 1953 فما تضمنه من تخطي المطعن ضده في الترقية إلى وظيفة مدير أعمال وما يترتب على ذلك من آثار، هذا الحكم يكون قد صادف الصواب، ويكون الطعن – والحالة هذه – قد قام على غير أساس سليم من القانون، ويتعين من أجل ذلك رفضه.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاًًًًً، وبرفضه موضوعاً.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات