الطعن رقم 936 سنة 28 ق – جلسة 07 /10 /1958
أحكام النقض – المكتب الفني – جنائي
العدد الثالث – السنة التاسعة – صـ 773
جلسة 7 من أكتوبر سنة 1958
برئاسة السيد المستشار حسن داود، وبحضور السادة: محمود إبراهيم إسماعيل، ومصطفى كامل، ومحمود محمد مجاهد، ومحمود حلمي خاطر المستشارين.
الطعن رقم 936 سنة 28 القضائية
رشوة. الرشوة في محيط الوظائف العامة. صفة الموظف العمومي. الموظفون
العموميون ومن في حكمهم. المادة 111 ع.
شيخ الحارة. هو من المكلفين بخدمة عامة. استحضار الأشخاص المطلوبين للأقسام من الخدمات
العامة التي يؤديها شيخ الحارة خدمة للأمن العام. الأورنيك رقم 23 شياخات.
يقوم مشايخ الحارات في المدن – كما يبين من مطالعة الأورنيك "رقم 23" شياخات – بخدمات
عامة لصالح المجتمع، أي أنهم من المكلفين بخدمة عامة، ومن بين هذه الخدمات استحضار
الأشخاص المطلوبين للأقسام خدمة للأمن العام – فإذا أخذ أحدهم عطية مقابل عدم إحضار
أحد الأشخاص المطلوبين إلى مكتب الآداب فإن عمله هذا يعد رشوة.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة الطاعنين بأنهما في خلال المدة من 10/ 4/ 1956 إلى مايو سنة 1956. بصفتهما موظفين مكلفين بخدمة عامة – الأول أمباشى من قوة بوليس قسم العطارين والثاني سيخ حارة بقسم العطارين: طلبا وأخذا عطية لأداء عمل زعما أنه من أعمال وظيفتيها وكان ذلك بأن أخذ المتهم الأول من "كوستا خلفا زاكى" مبلغ 160 قرشا صاغا وأخذ المتهم الثاني منه مبلغ 190 قرشا صاغا بعد أن زعم له المتهم الأول أن المتهم الثاني سيقوم بضمانته وأنهما سيقومان بالتصرف في المحضر رقم 81 أحوال المسلة يوم 10/ 4/ 1956 المحرر له بمعرفة رجال مكتب الآداب وأنه لن يتخذ بصدد هذا المحضر الإجراءات القانونية المعتادة، وطلبت من غرفة الاتهام إحالتهما إلى محكمة الجنايات لمحاكمتهما طبقا للمواد 103، 103 مكرر, 110, 111 من قانون العقوبات المعدلة بالقانون رقم 69 لسنة 1953، فصدر قرارها بذلك. ومحكمة جنايات الإسكندرية قضت عملا بمواد الاتهام سالفة الذكر بمعاقبة كل من المتهمين بالأشغال الشاقة لمدة 5 سنين وبتغريم كل منهما ألف جنيه وبمصادرة المبلغ المضبوط. فطعن المحكوم عليهما في هذا الحكم بطريق النقض.
المحكمة
من حيث إن الطاعن الأول وإن قرر بالطعن، إلا أنه لم يقدم أسبابا
لطعنه، فيتعين الحكم بعدم قبول طعنه شكلا.
وحيث إن الطعن قد استوفى الشكل المقرر بالقانون بالنسبة للطاعن الثاني.
وحيث إن الطاعن الثاني يأخذ على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون، والخطأ في تطبيقه،
والتناقض في الأسباب. وفى بيان ذلك يقول إن ضمان المتهمين أو المشتبه فيهم ليس من قبيل
الخدمة العامة التي يلتزم بأدائها مشايخ الحارات، بل هو خدمة خاصة يكفى للقيام بها
أن يتقدم شخص معروف يثبت شخصيته للقسم – سواء أكان شيخ حارة أم غيره من الأفراد، ويضمن
المتهم أو المشتبه فيه، وقد خلت لوائح مشايخ الحارات من تكليفهم بأداء هذا العمل، وليس
بالقانون ما يحتم أن يقوم مشايخ الحارات وحدهم بضمان المتهمين أو المشتبه فيهم، كما
خلا قانون الإجراءات الجنائية من تنظيم الضمان غير المالي وأن الضامن – سواء كان شيخ
حارة أو غيره – مكلف بإحضار من ضمنه عند الطلب – وهو أمر يكبده النفقات، ومن ثم فلا
ضير على الضامن إن هو أخذ مقابل ذلك مبلغا من النقود دون أن يعتبر فعله رشوة، وقد بين
كتاب المحافظة المرفق بملف الدعوى أن مشايخ الحارات يقومون بالتحري والإرشاد عن الأشخاص
المطلوبين وضمان أفراد القرعة ومرافقة المحضرين وأمثال ذلك من الأعمال الإدارية. إلا
أن الحكم المطعون فيه أضاف إلى أعمالهم ضمان من يفرج عنهم من المشتبه فيهم أو المتهمين،
مع أن هذا العمل لا يعد من قبيل الأعمال الإدارية التي يكلف بأدائها مشايخ الحارات،
وأن هذا الحكم استند في الإدانة إلى أن المتهم طلب لنفسه نقودا من المجني عليه لمرافقته
إلى المحافظة وهى واقعة لم يشهد بها سوى المجني عليه دون أن يؤيدها قول آخر، وقد نفاها
المتهم، وأن الثابت مما قاله المجني عليه إن الطاعن لم يطلب منه شيئا، وإنما فهم هو
ذلك فقدم له هبة "بقشيشا" بعد أن رافقه إلى المحافظة، وقد ذكر المجني عليه في تحقيق
النيابة أن الطاعن لم يزعم أن في إمكانه إنهاء المحضر الذي حرر ضده. ومع ذلك فإن الحكم
المطعون فيه استند في الإدانة إلى أن الطاعن والمتهم الآخر أفهما المجني عليه بأنهما
سيتصرفان فى المحضر، وهو قول لا أصل له في الأوراق، وأنه متى ثبت أن ضمان المتهمين
أو المشتبه فيهم لا يدخل ضمن الأعمال التي يختص بها مشايخ الحارات وفقا للوائح فلا
تقع جريمة الرشوة، ولو اعتقد الطاعن أن الضمان من اختصاصه وأخذ العطية مقابل ذلك، لأن
هذا الاعتقاد لا يغير من حقيقة الأمر وهو أن هذا العمل ليس من الأعمال المكلف بها.
يضاف إلى كل ذلك أن الحكم المطعون فيه جاء مشوبا بالتناقض إذ قال بأن الطاعن يشغل وظيفة
عامة استنادا إلى ما ورد بكتاب المحافظة والتعليمات الواجب مراعاتها عند اختيار وتعيين
مشايخ الحارات والجزاءات التي توقع عليهم، مع أن الكتاب والتعليمات المذكورة تفيد بأن
مركز مشايخ الحارات يختلف تماما عن مركز موظفي الدولة من حيث إجراءات تعيينهم وطريقة
توقيع الجزاءات عليهم، وقد جاء الحكم مشوبا بالتناقض إذ استخلص أن مشايخ الحارات من
الموظفين العموميين، ثم عاد وقال بأنهم من المكلفين بخدمة عامة.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى بما مؤداه: "أنه في يوم 10/ 4/ 1956 ضبط
الجاويش محمود عطية بمكتب الآداب المدعو"كوستا" وهو يتحدث مع فتاة اسمها "نوال" ويتعقبها
فاشتبه فيه، وذهب به للقسم حيث أبلغ عنه، وتحرر ضده المحضر رقم 81 أحوال نقطة المسلة
ثم أرسل إلى قسم العطارين حيث أثبت بدفتر الأحوال بالبند رقم 239 الساعة 7.45 مساء
حضور العسكري السيد إبراهيم من نقطة المسلة إلى القسم، وانصرافه الساعة 8 مساء، وأنه
سلم المحضر وكوستا إلى نوتجبى المراسلات، وهو المتهم الأول مصطفى أحمد سيد أحمد الذي
قام بإخلاء سبيل المذكور، وتبين أن من ضمنه في ذلك شيخ الحارة أحمد السيد المتهم الثاني
(الطاعن) ثم ثبت بالأوراق أن المحضر سلم إلى الكونستابل حسن الروبى، ثم إلى الملازم
أول على جاد الله، ثم للملازم ثاني أحمد حلمي غازي، ولم يعثر عليه بعد ذلك، حيث فقد،
وعندما كان الصاغ صبحي العنتبلى نائب المأمور يراجع المحاضر تبين له عدم تسديد الدفاتر،
وفقد المحضر، فبحث، فتبين له ما تقدم وتبين له أن تسليم المحضر لم يوضح بدفتر العهدة،
ولم يستدل عليه بسركي النوبتجية في اليوم المذكور كما لم يستدل على قيده بدفتر قيد
القضايا بجدول المخالفات أو الجنح. وبحث عنه بالمكاتب وبالقسم جميعه فلم يعثر، فشك
نائب المأمور في الأمر، وتبين له أن يدا لا بد قد عبثت به وأخفته، ورأى المعاون أن
يتبين حقيقة الموضوع فأرسل فى طلب كوستا المذكور الذي متهما في المحضر الفاقد، وسأله
فأخبره بأنه حقيقة اتهم وحقق معه بنقطة المسلة، ثم أحضر بواسطة أحد العساكر إلى قسم
العطارين ومعه المحضر حيث أخلى سبيله المتهم الأول بعد أن دفع له جنيها سلم منه لشيخ
الحارة أربعين قرشا وأخذ هو الستين قرشا الباقية وطلب إليه أن يحضر بعد يومين لإرساله
لمكتب الآداب وقابله المتهم الأول بعدها الساعة 8 صباحا لما حضر، وطلب منه أن يعطيه
جنيها آخر حتى لا يرسله لمكتب الآداب، فأعطاه إياه وانصرف، وأنه فوجئ بعد ذلك بالمتهم
الثاني يحضر إلى محل عمله ويقابل مخدومه ويطلب إليه الحضور معه لمكتب الآداب وأفهمه
أن الأمباشى السابق أي متهم الأول أخذ منه جنيها آخر، وأفهمه أنه لا داعي لذهابه لمكتب
الآداب، فأصر على استصحابه، فلم ير بدا من الذهاب معه إلى المحافظة، ولم تكن مع المتهم
أوراق أو غيرها، وبدلا من أن يصعد معه من المحافظة إلى مكتب الآداب، استوقفه هناك،
وأفهمه أنه سيقابل المسئولين بالمكتب ويعود، وكلفه بانتظاره هو بباب المحافظة، ودخل
المتهم وغاب عنه حوالي عشرين دقيقة، ثم عاد وأبلغه أنه لا داعي للذهاب لمكتب الآداب،
وأنه سيدفع خمسين قرشا فقط قيمة المخالفة، وطلب منه نقودا لقاء عدم ذهابه، فأعطاه جنيها
نظير ذلك، فأستقل المتهم المبلغ فأعطاه خمسين قرشا أخرى، وأراد بذلك أن يتفادى سوء
سمعته وطلبه مرارا إلى مكتب الآداب، وإزاء ذلك كله، رأى الضابط إخطار النيابة بالأمر
حيث حققت الدعوى، وقدم المتهمان للمحاكمة عن تهمة الرشوة" – وبعد أن بين الحكم المطعون
فيه واقعة الدعوى على النحو المتقدم أورد الأدلة التي اعتمد عليها في ثبوتها، وانتهى
إلى إدانة المتهمين في جريمة الرشوة المسندة إليهما، وقد عنيت المحكمة بإثبات توافر
الأركان المكونة لجريمة الرشوة, فقالت ما مؤداه إن شيخ الحارة هو من الموظفين العموميين،
فضلا عن اعتباره من المكلفين بخدمة عامة وأن الطاعنين أخذا من المجني عليه مبلغ الرشوة
لقاء قيام الثاني بضمانه في محضر المخالفة المحرر ضده وزعما له أنهما سيقومان بالتصرف
في هذا المحضر، وأنه لن تتخذ بصدده الإجراءات القانونية المعتادة ولن يذهب به لمكتب
الآداب أو يعمل له "فيش وتشبيه" كالعادة – لما كان ذلك، وكان يبين مما تقدم أن الحكم
المطعون فيه استند في إدانة الطاعن الثاني إلى أنه أخذ عطية مقابل أداء نوعين من الأعمال
(الأول) ضمانه في القضية المتهم فيها (الثاني) التصرف في القضية المتهم فيها وعدم اتخاذ
الإجراءات القانونية المعتادة قبله، وعدم ذهابه إلى مكتب الآداب وتحرير فيش وتشبيه
له، وكان الشارع لم يقصر أحكام الرشوة على الموظفين العموميين، بل سوى بينهم في المادة
111 من قانون العقوبات وبين الأشخاص المكلف بخدمة عمومية، وكان مشايخ الحارات في المدن
يقومون كما يبين من مطالعة الأورنيك رقم 23 شياخات المرفق بالأوراق بخدمات عامة لصالح
المجتمع, أى من المكلفين بخدمة عمومية, وكان من بين هذه الخدمات استحضار الأشخاص المطلوبين
للأقسام خدمة للأمن العام. لما كان ذلك، فإنه لا جدوى من البحث فيما إذا كان مشايخ
الحارات من الموظفين العموميين أم لا، كما لا جدوى من البحث حول صحة ما نعاه الطاعن
على الحكم بشأن ما نسب إليه من أنه زعم بأن التصرف في المحضر يدخل في أعمال وظيفته
ما دام أن الحكم دانه فوق ذلك عن أخذه عطية مقابل عدم إحضاره المجني عليه إلى مكتب
الآداب، وهذا العمل يدخل في صميم الأعمال التي يقوم مشايخ الحارات بأدائها خدمة للأمن
العام، خصوصا وقد أثبت الحكم المطعون فيه ورود إشارة من مكتب الآداب للقسم بتكليف شيخ
الحارة بإحضار المجني للمكتب، كما أثبت الحكم عدم حضور هذا المجني عليه – لما كان ما
تقدم، وكان ما نعاه الطاعن حول تقدير محكمة الموضوع لأقوال المجني عليه لا يعدو أن
يكون جدلا في تقدير محكمة الموضوع لأدلة الثبوت في الدعوى مما لا يجوز إثارته أمام
محكمة النقض، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس ويتعين رفضه موضوعا.
