طعن رقم 533 سنة 28 ق – جلسة 03 /06 /1958
أحكام النقض – المكتب الفني – جنائي
العدد الثاني – السنة التاسعة – صـ 616
جلسة 3 من يونيه سنة 1958
برئاسة السيد حسن داود المستشار, وبحضور السادة: محمود إبراهيم إسماعيل, ومحمود محمد مجاهد, وأحمد زكي كامل, ومحمود حلمي خاطر المستشارين.
طعن رقم 533 سنة 28 ق
تفتيش. ماهية التفتيش الذي يجريه مأمور الضبط القضائي وفقا للمادة
46 إجراءات.
إن التفتيش الذي يجريه مأمور الضبط القضائي على من يقبض عليه في إحدى الحالات المبينة
بالمادة 34 من قانون الإجراءات الجنائية هو إجراء صحيح من إجراءات جمع الاستدلالات
التي تلزم للتحقيق وفقاً للمادة 46 من القانون المذكور التي ورد نصها بين نصوص الباب
الثاني من الكتاب الأول الذي عنوانه "في جمع الاستدلالات ورفع الدعوى" والقول بأن التفتيش
المشار إليه في هذه المادة قصد به التفتيش الوقائي هو خروج بالنص من مجال التعميم التي
تدل عليه عبارته إلى نطاق التخصيص الذي لا موقع له من موضع النص ولا من صيغته التي
أحال فيها بصورة مطلقة على الأحوال التي تجيز القبض قانوناً على المتهم.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة الطاعن بأنه: أحرز جواهر مخدرة (أفيوناً) في غير الأحوال المصرح بها قانونا, وطلبت من غرفة الاتهام إحالته إلى محكمة الجنايات لمحاكمته بالمواد 1 و2 و33جـ و35 من المرسوم بقانون رقم 351 لسنة 1952 والجدول (أ) المرفق به, فقررت بذلك. ومحكمة جنايات المنيا قضت حضورياً بمعاقبة المتهم بالأشغال الشاقة المؤبدة وتغريمه ثلاثة آلاف جنيه ومصادرة المادة المخدرة المضبوطة تطبيقاً لمواد الاتهام المطلوب محاكمته بها. فطعن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض….. الخ.
المحكمة
… وحيث إن الطاعن يبني طعنه على أن الحكم المطعون فيه مشوب بفساد
الاستدلال والتناقض والخطأ في الإسناد فضلاً عن الخطأ في تطبيق القانون, ويقول تفصيلاً
لذلك أن المحكمة استدلت بأقوال ضابط المباحث عن أنه شاهد ورقة كان يخفيها المتهم بيده,
وتبين ما بداخلها مع أن الإخفاء لا يسمح بالرؤية خصوصاً إذا لوحظ أن الحادث وقع مساء
حيث يخيم الظلام, وأن الضابط كان يضع على عينة قطعة من القطن ويلبس نظارة سوداء, ثم
إن الطاعن يشتغل بقالاً, ومجرد تسلمه نقوداً وإعطائه شيئاً لمن يترددون على محله هو
أمر مألوف ولا يدعو للاشتباه في أن ما أعطاه كان مخدراً, هذا إلى أن الحكم استند إلى
المعاينة وقال أن الشاهد رأى الواقعة أخذاً بما دلت عليه هذه المعاينة, مع أنها لم
تتعرض لإمكان الرؤية حيث أجراها المحقق ظهراً والحادثة وقعت في المساء ولم يتسن للمحقق
أن يتبن أثر ضوء المصباحين الموجود أحدهما بمحل المتهم والآخر في الطريق, وعلى ذلك
فلم يكن محضر المعاينة يتضمن شيئا عن إمكان الرؤية كذلك لم تفصل المحكمة أقوال الشاهد
الثاني, واكتفت بالإشارة إلى أنه أقواله تتفق مع رواية الشاهد السابق, اكتفت المحكمة
بهذه الإشارة على الرغم من اختلاف أقوال الشاهدين اختلافاً جوهرياً في واقعة رؤية الورق
وما بها من مادة داكنة تشبه المخدر, لم يتفق الشاهدان في تقرير واقعة وجود المتهم بالمحل
عند حضور المشتري, وقد دفع المتهم التهمة بأنها ملفقة لضغائن بينه وبين الضابط العسكري
– فقالت المحكمة إنه لم يذكر هذه الضغائن, مع أنه أفصح عنها في التحقيق الابتدائي أمام
النيابة, لم يشر الحكم على شهود النفي الذين شهدوا لمصلحته في التحقيق مما يؤخذ منه
أنها لم تتنبه لشهادتهم, إلا لأشارت إليها في الحكم, وأخيراً اعتمد الحكم من في تصحيح
التفتيش على المادة 34 من قانون الإجراءات الجنائية وعلى المادة 46, مع أن التفتيش
الذي تشير إليه المادة الأخيرة هو التفتيش الوقائي الذي يجريه رجل الضبط القضائي ليأمن
من أذى المقبوض علي في حين أن التفتيش الذي أجراه الضابط لم يكن يهدف لهذا الغرض وإنما
كان تحصيلاً لدليل ويجب أن يخضع للقاعدة العامة التي تجيزه في حالة التلبس أو عند صدور
إذن كتابي من سلطة التحقيق.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى بقوله "إنه وصل إلى علم ضابط مباحث بندر
المنيا الملازم أول جابر موسى نزلاوي من أن المتهم علي موسى الفخساني يتجر في المواد
المخدرة وأن الأهالي يترددون علي بحانوته لشراء هذه المواد منه, وفي يوم 11/ 2/ 1956
قام الضابط المذكور وهو يرتدي الملابس البلدية ليخفي شخصيته ومعه العسكري إبراهيم محمد
الحلو متخفياً أيضاً بمراقبة حانوت المتهم الكائن ببندر المنيا وذلك في الساعة السابعة
مساء بأن جلس هو والعسكري على أفريز الشارع على مسافة مترين من الحانوت بالقرب من مدخل
منزل مجاور وفي وضع يمكنهما من مشاهدة المترددين على الحانوت, وفي الساعة السابعة ونصف
حضر شخص وأسر في أذن المتهم ببعض كلمات أثارت اشتباهه فأشار علي المتهم بالجلوس في
مدخل المحل ثم توجه إلى منزله الذي يخفي به المخدرات وعاد بعد لحظات واقترب من هذا
الشخص وقد تبين الضابط أن المتهم يخفي بيده لفافة من ورق السلوفان بها مادة داكنة اشتبه
في أن تكون مخدراً, وقبل قيام المتهم بتسليمها لهذا الشخص هجم عليه الضابط وضبط بيده
اللفافة التي حاول التخلص منها وبفض اللفافة تبين أن بداخلها مادة يشتبه في أن تكون
أفيوناً, فقبض على المتهم وأمر العسكري باقتياده إلى البندر حيث أثبت الضابط واقعة
الضبط وبوشر التحقيق". ثم أورد الحكم الأدلة على ثبوت هذه الواقعة في حق الطاعن وهي
أدلة سائغة من شانها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها, ولما كان الحكم قد أثبت تحصيلاً
من المعاينة التي أجراها المحقق أن مكان وقوف الضابط أثناء مراقبته للمتهم يبعد عن
محل الأخير بحوالي مترين وأنه يوحد على ناصية الشارع الذي حضر منه المتهم عقب أن أفضى
إليه الشخص المشتري بحديثه نور كهربائي "عامود نور", وقد أيد العسكري الشاهد الثاني
الضابط فيما أرشد عنه وتبين للمحقق أن مكان وقوف الشاهدين يسمح لهما برؤية القادم من
شارع الدرب الأخضر, كما أنهما يستطيعان بسهولة أن يريا من يقف أمام محل المتهم, ثم
عرض الحكم لدفاع المتهم ورد عليه في قوله: "إن المحكمة لا تعول على إنكار المتهم أو
دفاعه الذي لم يقم عليه دليل ويناقض ما شهد به شاهد الإثبات وشهادتهما متساندة تطمئن
إليها المحكمة لأن مكان كمون الضابط والعسكري والضوء المنبعث من الحانوت والآخر الذي
كان على ناصية الشارع يمكنهما من رؤية الوقائع التي شهد بها" – لما كان ذلك, وكانت
المحكمة قد اطمأنت إلى صدق الشاهدين, إلى أن الضوء الذي كان يشع على مكان الحادث قد
أبرز لهما صور الوقائع التي جرت أمامها, فأبصراها واضحة, وكان الطاعن لكم يدفع أمام
محكمة الموضوع باستحالة الرؤية أو تعذرها وهو من الدفوع الموضوعية التي تحتاج إلى تحقيق,
فلا يقبل منه أن يتحدث في ذلك لأول مرة أمام محكمة النقض, لما كان ذلك, وكان لا تثريب
على المحكمة إذا هي استدلت بما اتفق عليه الشاهدان من وقائع, ثم أشارت إلى ما اختلفا
فيه وعللته بما قاله الشاهد الثاني بالجلسة من أن الحادث انقضى على وقوعه زمن طويل
أنساه تفاصيله ولأنه شغل بتتبع الشخص المشتري الذي هرب فور ضبط المتهم, وهو تعليل مقبول,
ولما كان تصريح المحكمة في الحكم بأنها لا تعول على دفاعه المتهم يتضمن أنها لم تر
التعويل على ما قاله شهود النفي, وهي بعد ذلك غير ملزمة بتبرير اطراحها لهذه الشهادة
وأخذها بشهادة شهود الإثبات, لما كان ذلك وكان الحكم قد أثبت أن الضابط قد شاهد الطاعن
وهو يقول بعملية بيع المخدر الذي كان يحرزه وأن المظاهر التي تبدت له وقد تكفل الحكم
بيانها – تنبئ بذاتها عن حيازته المخدر المضبوط معه لهذا الغرض, ثم عقب الحكم على ذلك
بأن القبض تم بناء على المادة 34 من قانون الإجراءات الجنائية. كما أن تفتيشه تم عملا
بالمادة 46 من هذا القانون, وهو تقرير صحيح وتطبيق سليم للقانون, لما كان ذلك, وكان
التفتيش الذي يجريه مأمور الضبط القضائي في إحدى الحالات المبينة بالمادة 34 من قانون
الإجراءات الجنائية هو إجراء صحيح لجمع الاستدلالات التي تلزم للتحقيق وفقاً للمادة
46 من القانون المذكور التي ورد نصها بين نصوص الباب الثاني من الكتاب الأول الذي عنوانه
"في جمع الاستدلالات ورفع الدعوى" وما يقوله الطاعن في أن التفتيش المشار إليه في هذه
المادة قصد منه التفتيش الوقائي هو خروج النص من مجال التعميم التي تدل عليه عبارته
إلى نطاق التخصيص الذي لا موقع له من موضع النص ولا من صيغته التي أحال فيها بصورة
مطلقة على الأحوال التي تجيز القبض قانوناً على المتهم.
وحيث إنه لما تقدم يكون الطعن برمته على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً.
