الرئيسية الاقسام القوائم البحث

قاعدة رقم الطعن رقم 11 لسنة 16 قضائية “تنازع” – جلسة 03 /07 /1995 

أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء السابع
من أول يوليو 1995 حتى آخر يونيو 1996 – صـ 843

جلسة 3 يوليو سنة 1995

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة، وحضور السادة المستشارين/ الدكتور محمد إبراهيم أبو العينين فاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامى فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد عبد القادر عبد الله – أعضاء، وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفى على جبالى – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ حمدى أنور صابر – أمين السر.

قاعدة رقم
القضية رقم 11 لسنة 16 قضائية "تنازع"

1- دعوى تنازع تنفيذ الأحكام المتناقضة "شروط قبولها".
التناقض الذى يستنهض ولاية المحكمة الدستورية العليا للفصل فيه، هو ذلك الذى يقوم بين حكمين نهائيين صادرين من جهتين قضائيتين مختلفتين إذا ما كانا متعامدين على محل واحد، وأن يكون أعمال أحد هذين الحكمين متهادماً مع إنفاذ الآخر.
2- اختصاص "قضاء القيم" – حراسة – تشريع "القانون رقم 34 لسنة 1971"
اختصاص كل من محكمة القيم والمحكمة العليا للقيم – سواء فى مجال فرض الحراسة على أموال بذواتها أو مصادرتها – لا يقع إلا على الأموال وفى الأحوال المنصوص عليها فى القانون رقم 34 لسنة 1971 بتنظيم فرض الحراسة وتأمين سلامة الشعب، ووفقا للضوابط المحددة فيه – فرض الحراسة طبقاً له مناطها إتيان أفعال بذواتها يكون المال عادةً أداتها ووسيلتها.
3- حراسة – تشريع "القانون رقم 34 لسنة 1971".
نص الفقرة الأولى من المادة 18 من القانون المشار إليه على مبدأ عام مؤداه أن الحراسة لا تشمل إلا الأموال التى تكون فى ملك الخاضع فعلاً فى تاريخ فرضها مع جواز مدها استثناء – وعملاً بفقرتها الثالثة – إلى غيرها من الأموال الخاضعة لسيطرته الفعلية، ولو كانت على اسم زوجته أو أولاده القصر أو البالغين أو غير هؤلاء إذا كان الخاضع هو مصدر هذه الأموال.
4- حراسة – مصادرة – تشريع "القانون رقم 34 لسنة 1971".
الحراسة والمصادرة – على ضوء المفهوم المشار إليه فى البند السابق – لا تتناولان اصلاً إلا الأموال التى يملكها الخاضع فى تاريخ فرضها – إجازة التصرفات التى نقل الخاضع بها بعض أمواله إلى الغير إذا نفذ العقد المتعلق بها ولو لم يكن قد سجل، أو كان ثابت التاريخ قبل منعه التصرف فى أمواله، عدم الاعتداد بالتصرفات الصورية التى هى فى ظاهرها خروج أموال بذاتها من ذمته وحقيقتها بقاؤها من الناحية الواقعة تحت سيطرته الفعلية – هذه الحقيقة الواقعة كافية وحدها لحمل قضاء محكمة القيم.
5- مصادرة "قضاء القيم – القضاء العادى – عدم تناقض".
تقرير المحكمة العليا للقيم لحقيقة بقاء أموال بذاتها تحت السيطرة الفعلية للخاضع لا يناقض أحكاماً نهائية صادرة من جهة القضاء العادى تقرر بموجبها ملكية أغيار لبعض الأموال التى تناولتها المصادرة.
6- دعوى تنازع تنفيذ الأحكام المتناقضة "قضاء موضوعى – قضاء مستعجل – لا تناقض".
لا يثور التناقض بين قضائين أحدهما صادر فى موضوع نزاع معين والآخر فى الشق المستعجل منه.
1- إن التناقض الذى يستنهض ولاية المحكمة الدستورية العليا للفصل فيه وفقاً للبند ثالثاً من المادة 25 من قانونها، هو ذلك الذى يقوم بين حكمين نهائيين صادرين من جهتين قضائيتين مختلفين، إذا كان متعامدين على محل واحد، وتعذر تنفيذهما معاً، فإذا كان غير متحدين محلاً أو مختلفين نطاقاً، فلا تناقض. وكذلك الأمر كلما كان التعارض بينهما ظاهرياً لا يتعمق الحقائق القانونية، أو كان مما تزول الشبهة فيه من خلال التوفيق بين دلالة ما رميا إليه. بما مؤداه أن شرط هذا التناقض أن يكون إعمال هذين الحكمين متهادماً مع إنفاذ الآخر. ولازم ذلك أن يكون موضوعها واحداً.
2- إن الاختصاص المعقود لكل من محكمة القيم، والمحكمة العليا للقيم – سواء فى مجال فرض الحراسة على أموال بذواتها، أو مصادرتها، بالتطبيق لأحكام القانون رقم 34 لسنة 1971 بتنظيم فرض الحراسة وتأمين سلامة الشعب – لا يقع إلا على الأموال، وفى الأحوال المنصوص عليها فى هذا القانون، ووفقاً للضوابط التى حددها، ولتحقيق أغراض من بينها – مثلما هو الحال فى الدعوى الراهنة – درء المخاطر المرتبة على إتيان أفعال من شأنها الإضرار بالمصالح الاقتصادية للمجتمع الاشتراكي، وإفساد الحياة السياسية فى البلاد، أو تعريض الوحدة الوطنية للخطر. بما مؤداه أن فرضها لا يتمحض عن عقوبة مقيدة للحرية، بل مناطها إتيان أفعال بذواتها يكون المال عادة أداتها أو وسيلتها. ومن ثم كان أمر الجزاء وفقاً لأحكام القانون رقم 34 لسنة 1971 المشار إليه، عائداً إلى الأموال، بقصد إجهاض حركتها التى تنافى مصالح الجماعة، ولرد شرور الأضرار الناشئة عن استخدامها غير المشروع.
3 – أموال الشخص كلها أو بعضها هى التى يجوز إخضاعها للحراسة أو المصادرة. وهى كذلك محل دعواها، ولا يتصور وجودها بدونها. ومن ثم كان اتصال الحراسة والمصادرة بهذه الأموال، أوثق من ارتباطها بشخص من يملكها، أو من كان من الناحية الواقعيه قد أخضعها لسيطرته الفعلية. وقد ابتغى المشرع بتقرير أحوال فرضها، تقويم سلوك يناقض فى تقديره القيم التى حددها، والتى تقوم الدلائل الجدية على الانحراف عنها. ومن ثم آثر المشرع أن يقرر بنص الفقرة الأولى من المادة 18 من القانون رقم 34 لسنة 1971 آنف البيان مبدأ عاماً فى شأن الأموال التى تقوم الدلائل الجدية على اتصالها بالأفعال التى حظر هذا القانون ارتكابها، مؤداه أن الحراسة لا تشمل إلا الأموال التى تكون فى ملك الخاضع فعلاً فى تاريخ فرضها، مع جواز مداها استثناءً – وعملاً بفقرتها الثالثة – إلى غيرها من الأموال التى يكون الخاضع قد أدخلها واقعاً فى سيطرته الفعلية، ولو كانت على اسم زوجته أو أولاده القصر أو البالغين، أو غير هؤلاء، إذا كان الخاضع هو مصدر هذه الأموال.
4، 5، 6- إن الحراسة والمصادرة – على ضوء هذا المفهوم – لا تتناولان أصلاً إلا الأموال التى يملكها الخاضع فى تاريخ فرضها، ولا شأن لأيهما بما يؤول إليه من الأموال بعد هذا التاريخ؛ وكانت التصرفات التى أجازتها الفقرة الثانية من المادة 18 من القانون رقم 34 لسنة 1971 المشار إليه، هى تلك التى يكون الخاضع قد نقل بها بعض أمواله إلى الغير إذا كان العقد المتعلق بها- ولو لم يكن قد سجل – قد نفذ، أو كان ثابت التاريخ قبل منعه من التصرف فى أمواله؛ وكان المشرع قد دل بالفقرة الثالثة من المادة 18 ذاتها على عدم الاعتداد بالتصرفات التى يكون الخاضع قد أجراها، إذا لابستها الصورية التى تحمل معها دلائل التواطؤ، ليكون ظاهرها خروج أموال بذاتها من ذمته، وحقيقتها بقاؤها من الناحية الواقعية تحت سيطرته الفعلية، يوجهها الوجهة التى ينبغى بها الإضرار ببعض المصالح الحيوية؛ فإن قضاء القيم بدرجيته – سواء فى مجال فرض الحراسة على أموال بذواتها، أو مصادرتها – لا يرتبط لزوماً – "وفى كل الأحوال" – بما يكون منها مملوكاً للخاضع فى تاريخ إيقاعها. بل يجوز استثناءً مدها إلى غيرها من الأموال التى أخرجها من ملكه ظاهراً، وأبقاها حقيقة فى دائرة نفوذه، ليهيمن عليها، ويقبض بيده على زمامها؛ وكانت هذه الحقيقة الواقعة – وهى بقاء أموال تحت سيطرة الخاضع، ولو كان ظاهر التصرفات التى أجراها فى شأنها يدل على أنها أنشأت لغيره أو نقلت إليه حق الملكية بصددها – كافية وحدها لحمل قضاء القيم، وهى التى انبنى عليها الحكم الصادر من المحكمة العليا للقيم – وهو حكم نهائى – فإن تقرير هذه الحقيقة الواقعة بذلك الحكم، لا يناقض أحكاماً نهائية أصدرتها جهة القضاء العادى – ولو تلغها محكمة النقض – تقرير بموجبها ملكية أغيار لبعض الأموال التى تناولتها المصادرة. كذلك ليس ثمة تعارض بين قضاء القيم، والأحكام التى أصدرتها جهة القضاء الإدارى فى الشق المستعجل من نزاع معروض عليها. ذلك أن التناقض الذى يستنهض ولاية المحكمة الدستورية العليا للفصل فيه – وعلى ما جرى به قضاؤها – لا يثور بين قضاءين أحدهما صادر فى موضوع نزاع معين، والآخر فى الشق المستعجل منه، باعتبار أن ثانيهما لا يعرض إلا لهذا الشق على ضوء ظاهر الأوراق، ودون قضاء قاطع فى شأن مضمونها، وذلك خلافاً لإنهاء أولهما للخصومة المرددة بين أطرافها، من خلال الفصل فى موضوعها.


الإجراءات

بتاريخ 26 يونيه سنة 1994 أقام المدعون هذه الدعوى بإيداع صحيفتها قلم كتاب المحكمة طالبين الحكم بتنفيذ الاحكام الصادرة فى الدعوى رقم 37 لسنة 1986 مدنى كلى الجيزة "ضرائب" والاستئناف رقم 238 لسنة 106 قضائية – القاهرة، والدعوى رقم 830 لسنة 1984 الصادر من محكمة طامية الجزئية والمؤيد بالاستئناف رقم 300 لسنة 21 قضائية، والحكم الصادر فى الطعن بالنقض رقم 2549 لسنة 56 قضائية، وكذا الحكم الصادر من محكمة القضاء الإدارى فى الدعوى 2335 لسنة 36 قضائية، وحكم المحكمة الإدارية العليا فى الطعنين رقمى 813 لسنة 28 قضائية، 558 لسنة 29 قضائية عليا، وذلك دون الحكم الصادر من المحكمة العليا للقيم فى الطعون المنضمة أرقام 42 لسنة 10 قضائية عليا "جنائي"، 42، 65، 70 لسنة 10 قضائية، 14 لسنة 11 قضائية عليا "مدني".
وبعد تحضير الدعوى أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل فى أن المدعى العام الاشتراكى كان قد أصدر القرار رقم 44 لسنة 1984 بمنع المدعى عليه الثالث صلاح يوسف الطحاوي، من التصرف فى أمواله، استناداً إلى ارتكابه أفعالاً من شأنها الإضرار بالمصالح الاقتصادية للمجتمع الاشتراكي. ثم أحاله إلى محكمة القيم بالدعوى رقم 13 لسنة 14 قضائية "حراسات". وإذ كان من بين الأموال المطلوب فرض الحراسة عليها، صيدلية يقول المدعون الثلاثة الأول بأن مورثهم يملكها وآلت إليهم من بعده، وكذلك قطعة أرض زراعية بالفيوم تدعى ملكيتها المدعية الرابعة، فضلاً عن جراج لا زال مستغلاً من قبلها، فقد طلبت التدخل فى تلك الدعوى على سند من أن الحراسة لا تشمل إلا الأموال التى يملكها الخاضع فعلاً فى تاريخ فرضها. إلا أن محكمة الفيوم قضت فى الدعوى المذكورة – بتاريخ 9 يونيو سنة 1984 – برفض طلب التدخل، وبرفض الحراسة على أموال صلاح يوسف الطحاوى بما فى ذلك الصيدلية والأرض الزراعية والجراج المتنازع عليها.
وحيث إنه على إثر ما تقدم، ثابر المدعون فى الدعوى الراهنة على ادعائهم عدم اشتمال الحراسة على بعض الاموال التى قالوا باستغلالهم لها أو تملكها، مستندين فى ذلك بوجه خاص إلى حكمين: أولهما، الحكم الصادر فى الدعوى رقم 37 لسنة 1986 مدنى كلى الجيزة "ضرائب" واستئنافها رقم 238 لسنة 106 قضائية – القاهرة وذلك بالنسبة لصيدلية ريفولي. وقد قضى الحكم الصادر فى تلك الدعوى – والمؤيد استئنافياً – بأن مورث المدعين الثلاثة الأول هو المستغل الفعلى لها، ولا شأن للخاضع بها، وأن الربط الضريبى عليها يقع باطلاً. ثانيهما، الحكم الصادر فى الدعوى رقم 830 لسنة 1984 من محكمة طامية الجزئية فى شأن الأطيان الزراعية الكائنة بالفيوم. وقد قضى هذا الحكم فى – منازعة تنفيذ موضوعية – برفع الحجز الموقع على تلك الأطيان من مصلحة الضرائب العقارية، وببراءة ذمة المدعية الرابعة من الدين المحجوز من أجله، وذلك استناداً إلى تملكها تلك الأطيان بمقتضى الحكم الصادر فى الدعويين رقمى 10479، 10480 لسنة 1984 مدنى كلى الجيزة. وقد صار الحكم الصادر من قاضى التنفيذ نهائياً بتأييده استئنافياً من محكمة بنى سويف، فى الاستئناف رقم 300 لسنة 21 قضائية، كما صار باتاً بالحكم الصادر من محكمة النقض فى الطعن رقم 2549 لسنة 56 قضائية القاضى بعدم قبول الطعن.
كذلك يبين من الدعوى رقم 2335 لسنة 36 قضائية – التى أقامتها المدعية الرابعة أمام محكمة القضاء الإدارى فى شأن الجراج الكائن بالعقار رقم 76 شارع النيل بالدقى – أن الحكم الصادر فيها قضى بأن حق استغلال هذا الجراج ثابت لها دون الخاضع. وقد تأيد هذا الحكم من المحكمة الإدارية العليا فى الطعنين رقمى 813 لسنة 28 قضائية، 558 لسنة 29 قضائية.
وحيث إنه فضلاً عن الأحكام السالف بيانها، الصادرة عن جهة القضاء العادي، والتى تمثل – فى تقدير المدعين – أحد حدى التناقض المدعى به، فإن البين من قضاء محكمة القيم فى الدعوى رقم 13 لسنة 14 قضائية "حراسات" أنها انتهت بحكمها الصادر فى 3 مارس سنة 1990، إلى مصادرة أموال الخاضع صلاح يوسف الطحاوى السابق فرض الحراسة عليها. ومن ثم طعن المدعون على هذا القضاء أمام المحكمة العليا للقيم. إلا أن المحكمة المذكورة قضت فى الطعون المنضمة أرقام 42 لسنة 10 قضائية عليا "جنائي" و42 و65 و70 لسنة 10 قضائية، 14 لسنة 11 قضائية عليا "مدني"، بتأييد حكم محكمة القيم بالمصادرة، وذلك تأسيساً على أن الخاضع بدأ حياته عاملاً بمصنع عطور، ثم انغمس فى الاتجار بالمواد المخدرة على ما ثبت من الجنائية رقم 2 لسنة 1977 عابدين، وأنه جعل بعضاً من أملاكه باسم شقيقه شكرى المهاجر إلى أمريكاً [مورث المدعين الثلاثة الأول] وشقيقته سوزان [المدعية الرابعة]، وأن ثروته المنقولة والعقارية بلغت 3،277.309 جنيها، ناجمة عناصرها جميعها عن هذا النشاط الآثم، وأنها لا تزال فى حيازة الخاضع وتحت سيطرته، وأنه مصدر هذه الأموال، وقد فرضت الحراسة عليها إعمالاً للمادة 18 من القانون رقم 34 لسنة 1971 بتنظيم فرض الحراسة وتأمين سلامة الشعب، التى تقضى بأنه "ويجوز للمحكمة أيضاً أن تفرض الحراسة على أى مال يكون فى الواقع تحت سيطرة الشخص الخاضع للحراسة، ولو كان على اسم زوجته أو أولاده القصر أو البالغين، أو غير هؤلاء، إذا كان الخاضع هو مصدر ذلك المال"، وهو ما يعنى أن المشرع قد احتاط لسد التلاعب الذى قد يلجأ إليه المطلوب فرض الحراسة على أمواله من خلال التصرفات الصورية أو التدليسية التى يكون قد أبرمها تهرباً من الخضوع للقانون، فأجاز لرد مقصدهم إليهم، أن تمد المحكمة نطاق الحراسة لتشمل أموالا تقدر – على ضوء الواقع – أن الخاضع مصدرها وأنها تقع فى سيطرته. ولا تعدو الأوراق التى قدمها المدعون تدليلاً على صحة ادعائهم بملكيتهم للاموال المتنازع عليها، أن تكون إطاراً لتصرفات صورية لا تتوخى غير مجرد الإفلات من حكم القانون.
وحيث إن التناقض الذى يستنهض ولاية المحكمة الدستورية العليا للفصل فيه وفقا للبند ثالثا من المادة 25 من قانونها، هو ذلك الذى يقوم بين حكمين نهائيين صادرين من جهتين قضائيتين مختلفين، إذا كانا متعامدين على محل واحد، وتعذر تنفيذهما معاً، فإذا كان غير متحدين محلاً أو مختلفين نطاقاً، فلا تناقض. وكذلك الأمر كلما كان التعارض بينهما ظاهرياً لا يتعمق الحقائق القانونية، أو كان مما تزول الشبهة فيه من خلال التوفيق بين دلالة ما رميا إليه. بما مؤداه أن شرط هذا التناقض أن يكون إعمال هذين الحكمين متهادماً مع إنفاذ الآخر. ولازم ذلك أن يكون موضوعها واحداً.
وحيث إن البين من الأوراق أن الحكم الصادر فى الدعويين رقم 10479 و10480 لسنة 1984 مدنى كلى الجيزة – والمؤيد استئنافيا – كان قد طعن فيه بالنقض، وقيد الطعن برقم 2398 لسنة 55 قضائية، حيث قضى فيه بنقض الحكم المطعون فيه، وبإلغائه، وبعدم اختصاص القضاء العادى ولائياً بنظر الدعوى، واختصاص محكمة القيم بالفصل فيها.
وحيث إن الاختصاص المعقود لكل من محكمة القيم، والمحكمة العليا للقيم – سواء فى مجال فرض الحراسة على أموال بذواتها، أو مصادرتها، بالتطبيق لأحكام القانون رقم 34 لسنة 1971 بتنظيم فرض الحراسة وتأمين سلامة الشعب – لا يقع إلا على الأموال، وفى الأحوال المنصوص عليها فى هذا القانون، ووفقاً للضوابط التى حددها، ولتحقيق أغراض من بينها – مثلما هو الحال فى الدعوى الراهنة – درء المخاطر المرتبة على إتيان أفعال من شأنها الإضرار بالمصالح الاقتصادية للمجتمع الاشتراكي، وإفساد الحياة السياسية فى البلاد، أو تعريض الوحدة الوطنية للخطر. بما مؤداه أن فرضها لا يتمحض عن عقوبة مقيدة للحرية، بل مناطها إتيان أفعال بذواتها يكون المال عادة أداتها أو وسيلتها. ومن ثم كان أمر الجزاء وفقاً لأحكام القانون رقم 34 لسنة 1971 المشار إليه، عائداً إلى الأموال، بقصد إجهاض حركتها التى تنافى مصالح الجماعة، ولرد شرور الأضرار الناشئة عن استخدامها غير المشروع.
وحيث إن لازم ما تقدم، أن أموال الشخص كلها أو بعضها هى التى يجوز إخضاعها للحراسة أو المصادرة. وهى كذلك محل دعواها، ولا يتصور وجودها بدونها. ومن ثم كان اتصال الحراسة والمصادرة بهذه الأموال، أوثق من ارتباطها بشخص من يملكها، أو من كان من الناحية الواقعية قد أخضعها لسيطرته الفعلية. وقد ابتغى المشرع بتقرير أحوال فرضها، تقويم سلوك يناقض فى تقديره القيم التى حددها، والتى تقوم الدلائل الجدية على الانحراف عنها. ومن ثم آثر المشرع أن يقرر بنص الفقرة الأولى من المادة 18 من القانون رقم 34 لسنة 1971 آنف البيان مبدأ عاماً فى شأن الأموال التى تقوم الدلائل الجدية على اتصالها بالأفعال التى حظر هذا القانون ارتكابها، مؤداه أن الحراسة لا تشمل إلا الأموال التى تكون فى ملك الخاضع فعلاً فى تاريخ فرضها، مع جواز مداها استثناءً – وعملاً بفقرتها الثالثة – إلى غيرها من الأموال التى يكون الخاضع قد أدخلها واقعاً فى سيطرته الفعلية، ولو كانت على اسم زوجته أو أولاده القصر أو البالغين، أو غير هؤلاء، إذا كان الخاضع هو مصدر هذه الأموال.
وحيث إن الحراسة والمصادرة – على ضوء هذا المفهوم – لا تتناولان أصلاً إلا الأموال التى يملكها الخاضع فى تاريخ فرضها، ولا شأن لأيهما بما يؤول إليه من الأموال بعد هذا التاريخ؛ أمواله وكانت التصرفات التى أجازتها الفقرة الثانية من المادة 18 من القانون رقم 34 لسنة 1971 المشار إليه، هى تلك التى يكون الخاضع قد نقل بها بعض أمواله إلى الغير إذا كان العقد المتعلق بها- ولو لم يكن قد سجل – قد نفذ، أو كان ثابت التاريخ قبل منعه من التصرف فى أمواله؛ وكان المشرع قد دل بالفقرة الثانية من المادة 18 ذاتها على عدم الاعتداد بالتصرفات التى يكون الخاضع قد أجراها، إذ لابستها الصورية التى تحمل معها دلائل التواطؤ، ليكون ظاهرها خروج أموال بذاتها من ذمته، وحقيقتها بقاؤها من الناحية الواقعية تحت سيطرته الفعلية، يوجهها الوجهة التى ينبغى بها الإضرار ببعض المصالح الحيوية؛ فإن قضاء القيم بدرجيته – سواء فى مجال فرض الحراسة على أموال بذواتها، أو مصادرتها – لا يرتبط لزوماً – "وفى كل الأحوال" – بما يكون منها مملوكاً للخاضع فى تاريخ إيقاعها. بل يجوز استثناءً مدها إلى غيرها من الأموال التى أخرجها من ملكه ظاهراً، وأبقاها حقيقةً فى دائرة نفوذه، ليهيمن عليها، ويقبض بيده على زمامها؛ وكانت هذه الحقيقة الواقعة – وهى بقاء أموال تحت سيطرة الخاضع، ولو كان ظاهر التصرفات التى أجراها فى شأنها يدل على أنها أنشأت لغيره أو نقلت إليه حق الملكية بصددها – كافية وحدها لحمل قضاء القيم، وهى التى انبنى عليها الحكم الصادر من المحكمة العليا للقيم – وهو حكم نهائى – فإن تقرير هذه الحقيقة الواقعة بذلك الحكم، لا يناقض أحكاماً نهائية أصدرتها جهة القضاء العادى – ولو تلغها محكمة النقض – تقرير بموجبها ملكية أغيار لبعض الأموال التى تناولتها المصادرة. كذلك ليس ثمة تعارض بين قضاء القيم، والأحكام التى أصدرتها جهة القضاء الإدارى فى الشق المستعجل من نزاع معروض عليها. ذلك أن التناقض الذى يستنهض ولاية المحكمة الدستورية العليا للفصل فيه – وعلى ما جرى به قضاؤها – لا يثور بين قضاءين أحدهما صادر فى موضوع نزاع معين، والآخر فى الشق المستعجل منه، باعتبار أن ثانيهما لا يعرض إلا لهذا الشق على ضوء ظاهر الأوراق، ودون قضاء قاطع فى شأن مضمونها، وذلك خلافا لانهاء أولهما للخصومة المرددة بين أطرافها، من خلال الفصل فى موضوعها.

فلهذه الأسباب:

حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات