الرئيسية الاقسام القوائم البحث

قاعدة رقم الطعن رقم 2 لسنة 17 قضائية “تفسير” – جلسة 21 /10 /1995 

أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء السابع
من أول يوليو 1995 حتى آخر يونيو 1996 – صـ 821

جلسة 21 أكتوبر سنة 1995

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين/ الدكتور محمد إبراهيم أبو العينين وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامى فرج يوسف ومحمد على سيف الدين وعدلى محمود منصور، وحضور السيد المستشار الدكتور/ عادل عمر الشريف – المفوض، وحضور السيد/ حمدى أنور صابر – أمين السر.

قاعدة رقم
القضية رقم 2 لسنة 17 قضائية "تفسير"

1- تفسير تشريعى "المحكمة الدستورية العليا".
ولاية المحكمة الدستورية العليا بتفسير النصوص القانونية تفسيراً تشريعياً ملزماً، طبقاً للمادتين 175 من الدستور و26 من قانونها.
2- تفسير تشريعى "استظهار إرادة المشرع: أساليبه".
على المحكمة الدستورية العليا استظهار إرادة المشرع وقوفاً عليها. مع الاستهداء فى ذلك بالتطور التاريخى للنصوص التى تفسرها وأعمالها التحضيرية الممهدة لها.
3- تفسير تشريعى "عدم ارتباطه بالدستورية".
من غير الجائز أن ينزلق التفسير التشريعى للنصوص القانونية إلى الفصل فى دستوريتها – استخلاص ارادة المشرع منها سواء أكان مضمونها ملتئما مع أحكام الدستور أم كان منافياً لها.
4- تفسير تشريعى "شروطه".
تطبيق المادة 26 من قانون المحكمة الدستورية العليا مشروط بشرطين:
– أن يكون للنصوص القانونية المراد تفسيرها أهمية جوهرية.
– أن تكون – فوق أهميتها – قد أثار تطبيقها فيما بين القائمين على إنفاذ أحكامها، خلافاً حاداً متعلقاً بمضمونها.
5- تفسير تشريعى "ولاية المحكمة الدستورية العليا: انحسارها".
عدم انسحاب ولاية المحكمة فى مجال التفسير التشريعى إلى نصوص قانونية قليلة الأهمية ولا إلى نصوص متراخية فى تطبيقها وحتى تقديم طلب تفسيرها، وأياً كان الجدل حولها.
6- تفسير تشريعى – تشريع "القانون رقم 93 لسنة 1995".
نصوص القانون المشار إليه المطلوب تفسيرها – ومع التسليم بأهميتها لارتباطها بحرية التعبير – عدم تطبيقها وحتى تقديم طلب تفسيرها: عدم قبول هذا الطلب.
7- المحكمة الدستورية العليا "ولاية التصدي: مناطها".
مناط تطبيق الرخصة لهذه المحكمة فى التصدى المنصوص عليها فى المادة 27 من قانونها هو اتصال النصوص القانونية التى تتصدى للفصل فى دستوريتها بخصومة قضائية منظورة أمامها، تدور معها وجوداً وعدماً.
8- تفسير تشريعى "خصومة قضائية".
التفسير التشريعى الصادر عن المحكمة الدستورية العليا شأن التفسير الصادر عن السلطة التشريعية – كلاهما لا يثير نزاعاً من نوع الخصومة القضائية ولا يندرج تحت مفهومها.
9- خصومة قضائية "تقرير الحق الموضوعي".
الخصومة القضائية تعكس بذاتها حدة التناقض بين مصالح أطرافها – الفصل فيها عن طريق القضاء انفراداً – اعتبارها أداة لتقرير الحق الموضوعى محل الحماية القضائية.
10- تفسير تشريعى "خصومة قضائية".
خروج التفسير التشريعى عن معنى الخصومة القضائية.
11- تفسير تشريعى "مسألة أولية".
استقلال التفسير التشريعى عن اعتباره مسألة يقتضيها الفصل فى خصومة قضائية قائمة.
12- تفسير تشريعى "حجته".
قرار التفسير التشريعى الصادر من المحكمة الدستورية العليا يعد ملزماً للناس أجمعين، نافذاً فى شأن السلطات العامة والجهات القضائية – ارتداده إلى تاريخ العمل بالنصوص القانونية محله.
13- تفسير تشريعى "تدخل".
من غير المتصور أن يكون للتفسير التشريعى وهو بخصومة قضائية – أطراف يتعددون بالتدخل.
1- إن المادة 175 من الدستور تنص على أن [تتولى المحكمة الدستورية العليا دون غيرها الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح. وتتولى تفسير النصوص القانونية وذلك كله على الوجه المبين فى القانون]. وإعمالاً لهذا التفويض – الذى يرتد فى مصدره إلى الدستور – نصت المادة 26 من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979، على أن [تتولى المحكمة الدستورية العليا تفسير نصوص القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية، والقرارات بقوانين الصادرة من رئيس الجمهورية وفقاً لأحكام الدستور، وذلك إذا أثارت خلافاً فى التطبيق، وكان لها من الأهمية ما يقتضى توحيد تفسيرها].
والبين من هذين النصين، أن الدستور، خول المحكمة الدستورية العليا – فى الحدود التى فصلها قانونها – تفسير النصوص القانونية تفسيراً تشريعياً ملزماً، يكون كاشفاً عن إرادة المشرع التى صاغ على ضوئها هذه النصوص، مشكلاً مضمونها، نائياً عن تحوير هذه الإرادة، أو توهمها أو انتحالها، ملتزماً حقيقة أبعادها ومقاصدها، فلا تفسر تلك النصوص بما ينال من مضمونها الحق، أو يخرجها عن أهدافها، بل تحمل على تلك الإرادة، لضمان أن تكون معبرة عنها، مبلورة لها، وإن كان تطبيقها قد باعد بينها وبين ما توخاه المشرع منها.
2- إن إعمال المحكمة الدستورية العليا لسلطتها هذه، يقتضيها – على ضوء ما تقدم – ألا تعزل نفسها عن إرادة المشرع أو تنحيها، بل عليها أن تستظهرها، وقوفاً عليها، والتزاماً بها، وألا تخوض بعدئذ فيما يجاوز تحريها لنطاقها، مع الاستهداء فى ذلك بالتطور التاريخى للنصوص القانونية التى تفسرها، وما لابسها من الأعمال التحضيرية الممهدة لها، سواء كانت هذه الأعمال قد سبقتها أو عاصرتها، باعتبار أن ذلك كله مما يعينها على استخلاص مقاصد المشرع التى يُفترض فى النصوص القانونية محل التفسير، أنها ترددها وتعكس حقيقتها، ذلك أن الأصل فى النصوص التشريعية، هو ألا تفسر عباراتها بما يمسخها أو ينتزعها من سياقها، أو يفصلها عن موضوعها، أو يشوهها، أو يردها إلى غير مقاصدها التواءً بأهدافها، على تقدير أن المعانى التى تدل عليها النصوص – والتى لا يجوز تحريفها – هى التى تفصح عن حقيقة محتواها، وتدل على ما قصده المشرع منها، وعناه بها.
3- إن ما تقدم مؤداه، أن التفسير التشريعى للنصوص القانونية، لا يجوز أن ينزلق إلى الفصل فى دستوريتها، ذلك أن المادة 26 من قانون المحكمة الدستورية العليا، لا تخولها غير استصفاء إرادة المشرع من خلال استخلاصها "دون تقييم لها" وعلى أساس أن النصوص القانونية إنما ترد دوماً إلى هذه الإرادة، وتحمل عليها حملاً، سواء كان المشرع حين صاغها مجانباً الحق أم منصفاً، وسواء أكان مضمونها ملتئماً مع أحكام الدستور أم كان منافياً لها. ولا يتصور بالتالى أن يكون طلب تفسير النصوص القانونية تفسيراً تشريعياً، متضمناً أو مستنهضاً الفصل فى دستوريتها لتقرير صحتها أو بطلانها على ضوء أحكام الدستور، فما لذلك تقرير التفسير التشريعي، سواء فى الأسس لتى يقوم عليها، أو الأغراض التى يتوخاها.
4- إن البين من نص المادة 26 من قانون المحكمة الدستورية العليا، أن تطبيقها مشروط بشرطين:
أولهما: أن يكون للنصوص القانونية المراد تفسيرها، أهمية جوهرية لا ثانوية أو عرضية – تتحدد بالنظر إلى طبيعة الحقوق التى تنظمها ووزن المصالح المرتبطة بها. فإذا كان دورها فى تشكيل العلائق الاجتماعية موضوعها، محدوداً، فلا يجوز تفسيرها. بما مؤداه أن النصوص القانونية التى لا تنحصر آفاقها، بل يكون مداها مترامياً، وهى وحدها التى يجوز تفسيرها إذا صدر بها قانون أو قرار بقانون، لينحسر هذا الاختصاص عما دونها شكلاً وموضوعاً.
ثانيتهما: أن تكون هذه النصوص – فوق أهميتها – قد أثار تطبيقها فيما بين القائمين على إنفاذ أحكامها، خلافاً حاداً يتعلق بمضمونها أو آثارها، ويقتضى ذلك أن يكون خلافهم حولها مستعصياً على التوفيق، متصلاً بتلك النصوص عند إعمالها، مؤدياً إلى تعدد تأويلاتها، لتختل وحدة المعايير اللازمة لضبطها، بما يؤول عملاً De Facto إلى التمييز فيما بين المخاطبين بها، فلا يعاملون وفقا لقاعدة قانونية استقر مضمونها بل كان تطبيقها متفاوتاً، بما يخل بمساواتهم أمام القانون .De Jure وهى مساواة يجب ضمانها بين الذين تتماثل مراكزهم القانونية.
5- إنه على ضوء هذين الشرطين، لا تنسحب ولاية المحكمة الدستورية العليا – فى مجال التفسير التشريعى – إلى نصوص قانونية تتدنى أهميتها، ولا إلى نصوص ظل تطبيقها – وحتى تقديم طلب التفسير إليها – متراخيا، ولو كان الجدل حول معناها أو غايتها ممتدا إلى قاعدة عريضة من المواطنين، عميقا فى وجدانهم، مثيرا لاهتمامهم، أو كان جدلاً يقوم على التنظير والتأصيل، أو يطرح تصورا مجردا فى شأن الأبعاد المحتملة لتطبيقها، أو يعرض لجوانبها السلبية وانعكاسها على حرية التعبير التى كفلها الدستور، إذ لا يتصل ذلك كله بدخولها حيز التنفيذ الفعلي، ولا باحتيارها من خلال تطبيق يكون مُظْهِراً للخلاف حول معناها، أو كاشفا عن استقرار مفهومها، ومستثيرا بالتالى ولاية المحكمة الدستورية العليا، أو نافيا لها.
6- ومتى كانت النصوص القانونية المطلوب تفسيرها – ومع التسليم بأهميتها بالنظر إلى ارتباطها المباشر بحرية التعبير عن الآراء التى لا يتصور قيام النظام الديمقراطى بدونها – لم يجر تطبيقها منذ صدورها، وحتى تقديم طلب تفسيرها إلى المحكمة الدستورية العليا – بل ظل تنفيذها خامدا Dormant provisions. ولم يثر بالتالى خلاف بشأنها تأتى من إعمالها – بالمعنى المقصود فى قانون المحكمة الدستورية العليا – فإن طلب التفسير يكون غير مقبول.
7- طلب نقابة الصحفيين الفصل فى دستورية النصوص القانونية التى عينتها، من خلال إعمال المحكمة الدستورية العليا لرخصتها فى التصدى المنصوص عليها فى المادة 27 من قانونها – مردود بأن البين فى هذه المادة، أنها تخولها الحكم بعدم دستورية نص فى قانون أو لائحة يعرض لها بمناسبة ممارستها لاختصاصاتها، "ويتصل بالنزاع المعروض عليها". ومن ثم يكون مناط تطبيقها، اتصال النصوص القانونية التى تتصدى للفصل فى دستوريتها، بنزاع لا زال قائماً أمامها. ولا يتصور أن يطرح نزاع عليها – وبوصفها هيئة قضائية – إلا إذا اتخذ شكل الخصومة القضائية التى تتناقض من خلالها مصالح أطرافها. فلا نزاع أمام القضاء بلا خصومة يقيمها مدعى الحق لطلبه بعد إنكاره. ولا يستقيم معنى الخصومة القضائية بالتالي، إلا إذا تنازع أطرافها الحقوق موضوعها سواء لإثباتها أو نفيها.
8- وهذه الخصومة القضائية، هى التى يجب أن تتصل بها النصوص القانونية التى تدعى المحكمة الدستورية العليا للفصل فى دستوريتها إعمالاً لنص المادة 27 من قانونها؛ وبشرط أن يكون تقرير صحتها أو بطلانها مؤثراً فى المصلحة النهائية لهذه الخصومة أياً كان موضوعها أو أطرافها. فمن خلال تلك الخصومة – وبمناسبتها – تباشر المحكمة الدستورية العليا – عرضا – رقابتها على الشرعية الدستورية لتلك النصوص التى تتصل بالنزاع المعروض عليها. ومن ثم تقوم علاقة بين فرع واصل: بين النصوص العرضية المدعى مخالفتها للدستور، والخصومة القضائية الأصلية التى تتصل هذه النصوص بها، التى ما كان الفصل فى دستوريتها – وفقاً لنص المادة 27 المشار إليه – ليثور أصلاً، لولا قيام تلك الخصومة أمامها، واتصالها بها وفقاً للأوضاع المنصوص عليها فى قانونها. ومن ثم ترتبط هذه النصوص بالخصومة الأصلية، وتدور معها وجوداً وعدماً، فلا تقبل إلا معها، وتزول بزوالها، وهو ما استقر عليه قضاء المحكمة الدستورية العليا.
9، 10- ينحصر طلب التفسير المقدم إلى هذه المحكمة من وزير العدل – سواء فى مضمونه أو من زاوية الأغراض التى يتوخاها – فى مجرد استخلاص إرادة المشرع التى قام على ضوئها النصوص القانونية محل التفسير، ابتغاء حمل هذه النصوص على تلك الإرادة، فلا تناقضها، ليتحدد مضمونها بالرجوع إليها، وتقيداً بها. شأن التفسير التشريعى الصادر عن المحكمة الدستورية العليا إعمالاً للمادة 26 من قانونها، شأن التفسير الصادر عن السلطة التشريعية فيما تراه مبهماً من النصوص القانونية المعمول بها تبعاً لخفاء إرادة المشرع والتباسها على القائمين بتطبيقها. فكلاهما لا يثير نزاعاً من نوع الخصومة القضائية، ولا يندرج تحت مفهومها، بل ينفصل تماماً عن مقوماتها ويستقل عنها، ذلك أن الخصومة القضائية، تعكس بذاتها حدة التناقض بين مصالح أطرافها، ولا يتم الفصل فيها إلا على ضوء ضماناتها، وعن طريق القضاء انفراداً، وباعتبارها – فى صورتها الأعم – أداء لتقرير الحق الموضوعى محل الحماية القضائية من خلال الأعمال التى تكونها. كذلك لا تقوم الخصومة القضائية لتأمين مصالح مجردة، بل توجهها المصلحة الشخصية المباشرة باعتبار أن غايتها اجتناء تلك المنفعة التى يقرها القانون، والتى تعكسها الترضية القضائية التى يطلبها المدعى أو يتوقعها. والأمر على نقيض ذلك فى التفسير التشريعي، ذلك أن الأصل فيه هو أن تتولاه السلطة التشريعية بنفسها إذا استبان لها أن من يقومون بتطبيق النصوص القانونية، ينحلون لها غير المعانى التى قصد إليها المشرع. فإذا عهدت السلطة التشريعية بمهام التفسير هذه لغيرها، فإنها تقيدها بالشروط التى تفرضها لإجرائه. وليس لازماً بحال أن تكون هذه الجهة قضائية فى تكوينها. وأياً كانت الجهة التى تتولى التفسير التشريعى وتقوم عليهن فإن إرادة المشرع التى شكل على ضوئها النصوص القانونية محل التفسير، هى مدار ولايتها، ذلك أن عملها ينحصر فى استكناهها ولا يكون تحريها إلا عملاً مجرداً يتم وفق ضوابط موضوعية مردها إلى عبارة النص ودلالتها، والأغراض المقصودة منها، ودون إخلال بالأوضاع التى لابستها، وبمراعاة موضوعها من سياق النصوص التى تتكامل معها محددة معناها ومرماها، ليخرج التفسير التشريعى بذلك عن معنى الخصومة القضائية التى تثير بالضرورة – وبطبيعتها – نزاعاً بين أخصام تتعارض مصالحهم، وتتنافر توجهاتهم.
11، 12- إن ما تقدم مؤداه، أنه فيما خلا الشروط التى قيد بها قانون المحكمة الدستورية العليا اختصاصها فى مجال التفسير التشريعى – كتلك التى تعلق بأهمية النصوص القانونية التى تتولى تفسيرها، وإثارتها خلافاً حول تطبيقها يقتضى تدخلها لضبط معانيها على ضوء إرادة المشرع توحيداً لمدلولها – فإن المحكمة الدستورية العليا تحل محل السلطة التشريعية ذاتها فى مباشرتها لمهمتها هذه، وهى بذلك تلتزم بضوابطها فى مجال هذا التفسير، فلا يكون تدخلها بالتفسير التشريعى تحريفاً للنصوص القانونية عن معناها أو إفساداً لمقاصدها. وهى كذلك لا تقوم بهذا التفسير باعتباره مسألة أولية يقتضيها الفصل فى خصومة قضائية يناضل أطرافها من أجل تقرير الحقوق المدعى بها أو نفيها، بل يستقل تماماً عنها، باعتبار أن مبناه، صون النصوص القانونية مما يُلبس معانيها بغيرها لضمان أن يستقيم تطبيقها فى مواجهة المخاطبين بها، فلا تتعدد تأويلاتها. ومن ثم كان هذا التفسير ملزماً للناس أجمعين، ونافذاً فى شأن السلطات العامة والجهات القضائية على اختلافها. وليس لإحداها بالتالى أن تقحم على القاعدة القانونية التى فسرتها المحكمة الدستورية العليا "عناصر جديدة" تعدل فى محتواها، أو تنال من جوهرها، أو تردها إلى غير الدائرة التى تعمل فى نطاقها. بل يكون قرار المحكمة الدستورية العليا فى شأن هذه النصوص، محدداً لدلالتها تحديداً جازماً لا رجوع فيه، ليندمج هذا القرار فى تلك النصوص باعتباره جزءاً منها لا ينفصل عنها. ومن ثم يرتد إلى تاريخ العمل بها، ليكون نفاذها – على ضوء التفسير التشريعى لمضمونها – لازماً منذ سريانها.
13- التدخل – إنضمامياً كان أو اختصامياً – لا يكون إلا بعد بدء الخصومة الأصلية. ومؤداه أن يكون المتدخل طرفاً فيها – لا ليعرقل الخصومة الاصلية – بل ليعاون أحد أطرافها من خلال الانضمام إليه دفاعاً عن الحقوق التى يطلبها إذا كان التدخل انضمامياً؛ أو ليكون مدعياً أثناء نظر تلك الخصومة – وفى مواجهة كل أطرافها – بحق خاص يتصل بها، إذا كان التدخل هجومياً. بما مؤداه اتصال التدخل – فى صورتيه – بقيام خصومة أصلية وبمناسبتها، وبعد بدئها. ولا كذلك طلب التفسير التشريعي، إذ لا يضم – وعلى ما سلف بيانه – أخصاماً يتنازعون فيما بينهم، ويدعون لأنفسهم – وعلى ضوء مصالحهم الشخصية المباشرة – تلك الحقوق الذاتية التى تعود عليهم فائدة تأمينها، ورد العدوان عنها، ولا يتصور بالتالى أن يكون للتفسير التشريعى أطراف يتعددون بالتدخل.


الإجراءات

بتاريخ 25 يونيه سنة 1995، ورد كتاب السيد المستشار وزير العدل بطلب تفسير بعض نصوص مواد القانون رقم 93 لسنة 1995 بتعديل بعض أحكام قانونى العقوبات والإجراءات الجنائية، والقانون رقم 76 لسنة 1970 بإنشاء نقابة الصحفيين، وذلك بناء على طلب السيد الدكتور رئيس مجلس الوزراء.
وبعد تحضير الطلب، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظر الطلب على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن السيد المستشار وزير العدل – وبناء على طلب السيد الدكتور رئيس مجلس الوزراء المؤرخ 24/ 6/ 1995 – قدم إلى المحكمة الدستورية العليا طلباً بتفسير خمس مواد تضمنها القانون رقم 93 لسنة 1995 بتعديل بعض أحكام قانونى العقوبات والإجراءات الجنائية، والقانون رقم 76 لسنة 1970 بإنشاء نقابة الصحفيين، وقد أوضح السيد وزير العدل أن النصوص المراد تفسيرها، هى تلك التى حددها كتاب السيد الدكتور رئيس مجلس الوزراء، ومذكرة نقابة الصحفيين. وقد تضمنا بياناً بالنصوص القانونية التى يشوبها غموض وخلاف حول معناها، بالنظر إلى خفاء بعض كلماتها وعباراتها، مما قد يؤدى لتضارب الآراء بشأنها، وأوضحا أن طلب تفسير هذه النصوص وفقاً للمادتين 26، 33 من قانون المحكمة الدستورية العليا، يجب أن يكون مقترناً بإعمالها لرخصة التصدى المنصوص عليها فى المادة 27 من هذا القانون. وفى بيان المناعى الدستورية التى ارتأتها نقابة الصحفيين فى شأن نصوص القانون رقم 93 لسنة 1995 المشار إليه، استهلت هذه النقابة مذكرتها بالقول بأن صدور هذا القانون صادف مرور الوطن بمرحلة من أدق مراحل حياته؛ دعوة للسلام يقتضى تحقيقها تحولات خطيرة؛ واختيار للحرية الاقتصادية فى العمل والإنتاج؛ وخروج من طور الدولة المدنية المستهلكة، إلى دولة ذات اقتصاد متوازن تشارك فى الإنتاج العالمى بنصيب ملحوظ؛ وذلك إلى ما يتطلبه البنيان الداخلى للوطن والمواطنين من جهود كبيرة لتحقيق التنمية فى مختلف المجالات؛ وأن ذلك كله كان يقتضى إتاحة الفرصة كاملة لحرية التعبير وتبادل الآراء، ولا يتحقق ذلك إلا بإطلاق حرية الصحافة فى النشر والتعبير، مساهمة منها فى خدمة الرأى العام، بل فى توجيهه. بيد أن هذا القانون – بما يحمله من قيود، وبما يعمد إليه من تأثيم العديد من صور النشر – برجاء مخيباً للآمال، مثبطاً للهمم، ومخالفاً كذلك للدستور من الناحيتين الشكلية والموضوعية. فمن ناحية الشكل لم يكتمل – عند نظر هذا القانون – النصاب القانونى لانعقاد مجلس الشعب، وذلك على خلاف نص المادة 107 من الدستور التى تؤكد بصريح لفظها أن انعقاد المجلس لا يكون صحيحاً إلا بحضور أغلبية أعضائه. ولم يتضمن جدول أعمال جلسة مجلس الشعب التى دعى إليها أعضاء المجلس، الإشارة إلى مشروع القانون المذكور، بما مؤداه بطلان اجتماع ذلك المجلس من الناحية الدستورية، وبطلان إقراره لذلك القانون. وهو بعد قانون كان يجب أن يعرض ابتداء على المجلس الأعلى للصحافة، وأن يؤخذ فيه كذلك رأى مجلس الشورى ومجلس الدولة كليهما. وقد قصد بالسرعة التى صدر بها هذا القانون، قطع طريق الاعتراض عليه من قبل المعنيين بالصحافة مما يلقى ظلالاً من الشك حول استكماله لمختلف جوانب شرعيته. ولم يقف الأمر بالقانون المطروح عند هذه العيوب الشكلية، بل جاوزها منزلقاً إلى عيوب موضوعية من بينها القيود التى فرضها القانون محل الجدل على حرية التعبير، لا تندرج تحت تنظيمها، بل تفرغها من مضمونها، وتتسم العقوبات التى فرضها للأفعال التى أثمها، بالغلو والقسوة بما يخرجها عن أغراضها الاجتماعية. وهو ما ينعكس سلباً على تقدم المجتمع، إذ تغيب عنه الحقائق التى تكشف عن الأخطاء وتعالج أوجه النقض والقصور. وخلا هذا القانون كذلك، من تحديد قاطع لمضمون الجرائم التى حددها بما يحول دون التباسها بغيرها استصحاباً لخاصية الوضوح واليقين فى القوانين الجزائية التى تتوخى ضمان الحرية الفردية فى نطاق مجموعة القيم التى تكفل لحقوق المتهم الحد الأدنى من الحماية التى لا يجوز النزول عنها أو الانتقاص منها، وهو ما يعتبر اقتحاماً للحدود التى اعتبرها الدستور مجالا حيويا لمباشره الحقوق والحريات التى كفلها، بما يخل بالضوابط الجوهرية التى تقوم عليها المحاكمة المنصفة. كذلك فإن إلغاء ما تضمنته المادة 235 من قانون الاجراءات الجنائية، من عدم جواز حبس الصحفى احتياطياً، هو قيد جديد على حرية التعبير عن الآراء. ذلك أن تقرير هذه الضمانة – قبل إلغائها – تم بوصفها شرطاً ضروريا لحماية حرية الرأى والتعبير والنقد، ولم يكن هدفها مطلقاً إسباغ ميزة للصحفيين يتقدمون بها على من سواهم. وإهدارها يخل بمبدأ المساواة أمام القانون.
وحيث إن السيد وزير العدل قد طلب التفسير الماثل استناداً للمادة 33 من قانون المحكمة الدستورية العليا التى تنص فقرتها الأولى على أن يقدم طلب التفسير من وزير العدل بناء على طلب رئيس مجلس الوزراء، أو رئيس مجلس الشعب، أو رئيس المجلس الأعلى للهيئات القضائية.
وحيث إن المادة 175 من الدستور تنص على أن [تتولى المحكمة الدستورية العليا دون غيرها الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح. وتتولى تفسير النصوص القانونية وذلك كله على الوجه المبين فى القانون]. وإعمالاً لهذا التفويض – الذى يرتد فى مصدره إلى الدستور – نصت المادة 26 من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979، على أن [تتولى المحكمة الدستورية العليا تفسير نصوص القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية، والقرارات بقوانين الصادرة من رئيس الجمهورية وفقاً لأحكام الدستور، وذلك إذا أثارت خلافاً فى التطبيق، وكان لها من الأهمية ما يقتضى توحيد تفسيرها].
وحيث إن البين من هذين النصين، أن الدستور، خول المحكمة الدستورية العليا – فى الحدود التى بينها القانون – تفسير النصوص القانونية تفسيراً تشريعياً ملزماً، يكون كاشفاً عن إرادة المشرع التى صاغ على ضوئها هذه النصوص، مشكلاً مضمونها، نائياً عن تحوير هذه الإرادة، أو توهمها أو انتحالها، ملتزماً حقيقة أبعادها ومقاصدها، فلا تفسر تلك النصوص بما ينال من مضمونها الحق، أو يخرجها عن أهدافها، بل تحمل على تلك الإرادة، لضمان أن تكون معبرة عنها، مبلورة لها، وإن كان تطبيقها قد باعد بينها وبين ما توخاه المشرع منها.
وحيث إن إعمال المحكمة الدستورية العليا لسلطتها هذه، يقتضيها – على ضوء ما تقدم – ألا تعزل نفسها عن إرادة المشرع أو تنحيها، بل عليها أن تستظهرها، وقوفاً عليها، والتزاماً بها، وألا تخوض بعدئذ فيما يجاوز تحريها لنطاقها، مع الاستهداء فى ذلك بالتطور التاريخى للنصوص القانونية التى تفسرها، وما لابسها من الأعمال التحضيرية الممهدة لها، سواء كانت هذه الأعمال قد سبقتها أو عاصرتها، باعتبار أن ذلك كله مما يعينها على استخلاص مقاصد المشرع التى يُفترض فى النصوص القانونية محل التفسير، أنها ترددها وتعكس حقيقتها، ذلك أن الأصل فى النصوص التشريعية، هو ألا تفسر عباراتها بما يمسخها أو ينتزعها من سياقها، أو يفصلها عن موضوعها، أو يشوهها، أو يردها إلى غير مقاصدها التواءً بأهدافها، على تقدير أن المعانى التى تدل عليها النصوص – والتى لا يجوز تحريفها – هى التى تفصح عن حقيقة محتواها، وتدل على ما قصده المشرع منها، وعناه بها.
وحيث إن ما تقدم مؤداه، أن التفسير التشريعى للنصوص القانونية، لا يجوز أن ينزلق إلى الفصل فى دستوريتها، ذلك أن المادة 26 من قانون المحكمة الدستورية العليا، لا تخولها غير استصفاء إرادة المشرع من خلال استخلاصها "دون تقييم لها" وعلى أساس أن النصوص القانونية إنما ترد دوماً إلى هذه الإرادة، وتحمل عليها حملاً، سواء كان المشرع حين صاغها مجانباً الحق أم منصفاً، وسواء أكان مضمونها ملتئماً مع أحكام الدستور أم كان منافياً لها. ولا يتصور بالتالى أن يكون طلب تفسير النصوص القانونية تفسيراً تشريعياً، متضمناً أو مستنهضاً الفصل فى دستوريتها لتقرير صحتها أو بطلانها على ضوء أحكام الدستور، فما لذلك تقرر التفسير التشريعي، سواء فى الأسس لتى يقوم عليها، أو الأغراض التى يتوخاها.
وحيث إن البين من نص المادة 26 من قانون المحكمة الدستورية العليا، أن تطبيقها مشروط بشرطين:
أولهما: أن يكون للنصوص القانونية المراد تفسيرها، أهمية جوهرية لا ثانوية أو عرضية – تتحدد بالنظر إلى طبيعة الحقوق التى تنظمها ووزن المصالح المرتبطة بها. فإذا كان دورها فى تشكيل العلائق الاجتماعية موضوعها، محدوداً، فلا يجوز تفسيرها. بما مؤداه أن النصوص القانونية التى لا تنحصر آفاقها، بل يكون مداها مترامياً، وهى وحدها التى يجوز تفسيرها إذا صدر بها قانون أو قرار بقانون، لينحسر هذا الاختصاص عما دونها شكلاً وموضوع
ثانيتهما: أن تكون هذه النصوص – فوق أهميتها – قد أثار تطبيقها فيما بين القائمين على إنفاذ أحكامها، خلافاً حاداً يتعلق بمضمونها أو آثارها، ويقتضى ذلك أن يكون خلافهم حولها مستعصياً على التوفيق، متصلاً بتلك النصوص عند إعمالها، مؤدياً إلى تعدد تأويلاتها، لتختل وحدة المعايير اللازمة لضبطها، بما يؤول عملا ًDe Facto إلى التمييز فيما بين المخاطبين بها، فلا يعاملون وفقا لقاعدة قانونية استقر مضمونها بل كان تطبيقها متفاوتاً، بما يخل بمساواتهم أمام القانون .De Jure وهى مساواة يجب ضمانها بين الذين تتماثل مراكزهم القانونية.
وحيث إنه على ضوء هذين الشرطين، لا تنسحب ولاية المحكمة الدستورية العليا – فى مجال التفسير التشريعى – إلى نصوص قانونية تتدنى أهميتها، ولا إلى نصوص ظل تطبيقها – وحتى تقديم طلب التفسير إليها – متراخيا، ولو كان الجدل حول معناها أو غايتها ممتداً إلى قاعدة عريضة من المواطنين، عميقاً فى وجدانهم، مثيرا لاهتمامهم؛ أو كان جدلاً يقوم على التنظير والتأصيل؛ أو يطرح تصوراً مجرداً فى شأن الأبعاد المحتملة لتطبيقها؛ أو يعرض لجوانبها السلبية وانعكاسها على حرية التعبير التى كفلها الدستور؛ إذ لا يتصل ذلك كله بدخولها حيز التنفيذ الفعلي، ولا باختبارها من خلال تطبيق يكون مُظْهِراً للخلاف حول معناها، أو كاشفا عن استقرار مفهومها، ومستثيراً بالتالى ولاية المحكمة الدستورية العليا، أو نافيا لها.
وحيث إنه متى كان ذلك وكانت النصوص القانونية المطلوب تفسيرها – ومع التسليم بأهميتها بالنظر إلى ارتباطها المباشر بحرية التعبير عن الآراء التى لا يتصور قيام النظام الديمقراطى بدونها – لم يجر تطبيقها منذ صدورها، وحتى تقديم طلب تفسيرها إلى المحكمة الدستورية العليا – بل ظل تنفيذها خامد Dormant provisions. ولم يَثُر بالتالى خلاف بشأنها تأتى من إعمالها – بالمعنى المقصود فى قانون المحكمة الدستورية العليا – فإن طلب التفسير يكون غير مقبول.
وحيث إنه طلب الفصل فى دستورية النصوص التى عينتها نقابة الصحفيين – من خلال إعمال المحكمة الدستورية العليا لرخصتها فى التصدى المنصوص عليها فى المادة 27 من قانونها – فإن البين فى هذه المادة، أنها تخولها الحكم بعدم دستورية نص فى قانون أو لائحة يعرض لها بمناسبة ممارستها لاختصاصاتها، "ويتصل بالنزاع المعروض عليها". ومن ثم يكون مناط تطبيقها، اتصال النصوص القانونية التى تتصدى للفصل فى دستوريتها، بنزاع لا زال قائماً أمامها. ولا يتصور أن يطرح نزاع عليها – وبوصفها هيئة قضائية – إلا إذا اتخذ شكل الخصومة القضائية التى تتناقض من خلالها مصالح أطرافها. فلا نزاع أمام القضاء بلا خصومة يقيمها مدعى الحق لطلبه بعد إنكاره. ولا يستقيم معنى الخصومة القضائية بالتالي، إلا إذا تنازع أطرافها الحقوق موضوعها سواء لإثباتها أو نفيها.
وهذه الخصومة القضائية، هى التى يجب أن تتصل بها النصوص القانونية التى تدعى المحكمة الدستورية العليا للفصل فى دستوريتها إعمالاً لنص المادة 27 من قانونها؛ وبشرط أن يكون تقرير صحتها أو بطلانها مؤثراً فى المصلحة النهائية لهذه الخصومة أياً كان موضوعها أو أطرافها. فمن خلال تلك الخصومة – وبمناسبتها – تباشر المحكمة الدستورية العليا – عرضا – رقابتها على الشرعية الدستورية لتلك النصوص الت يتتصل بالنزاع المعروض عليها. ومن ثم تقوم علاقة بين فرع وأصل: بين النصوص العرضية المدعى مخالفتها للدستور، والخصومة القضائية الأصلية التى تتصل هذه النصوص بها، التى ما كان الفصل فى دستوريتها – وفقاً لنص المادة 27 من قانون المحكمة الدستورية العليا – ليثور أصلاً، لولا قيام تلك الخصومة أمامها، واتصالها بها وفقاً للأوضاع المنصوص عليها فى قانونها. ومن ثم ترتبط هذه النصوص بالخصومة الأصلية، وتدور معها وجوداً وعدماً، فلا تقبل إلا معها، وتزول بزوالها، وقضاء هذه المحكمة فيهما معاً، لا يكون إلا بحكم يصدر عنها بعدم تقديم الخصوم لأدلتهم الواقعية والقانونية وفقاً لفرص تتعادل من خلالها أسلحتهم.
ولا كذلك الأمر فى شأن طلب التفسير المقدم إليها من وزير العدل، ذلك أن مضمون هذا الطلب، والأغراض التى يتوخاها، ينحصر فى مجرد استخلاص إرادة المشرع التى أقام على ضوئها النصوص القانونية محل التفسير، ابتغاء حمل هذه النصوص على تلك الإرادة، فلا تناقضها، ليتحدد مضمونها بالرجوع إليها، وتقيداً بها. شأن التفسير التشريعى الصادر عن المحكمة الدستورية العليا إعمالاً للمادة 26 من قانونها، شأن التفسير الصادر عن السلطة التشريعية فيما تراه مبهماً من النصوص القانونية المعمول بها تبعاً لخفاء إرادة المشرع والتباسها على القائمين بتطبيقها. فكلاهما لا يثير نزاعاً من نوع الخصومة القضائية، ولا يندرج تحت مفهومها، بل ينفصل تماماً عن مقوماتها ويستقل عنها، ذلك أن الخصومة القضائية، تعكس بذاتها حدة التناقض بين مصالح أطرافها، ولا يتم الفصل فيها إلا على ضوء ضماناتها، وعن طريق القضاء انفراداً، وباعتبارها – فى صورتها الأعم – أداء لتقرير الحق الموضوعى محل الحماية القضائية من خلال الأعمال التى تكونها. كذلك لا تقوم الخصومة القضائية لتأمين مصالح مجردة، بل توجهها المصلحة الشخصية المباشرة باعتبار أن غايتها اجتناء تلك المنفعة التى يقرها القانون، والتى تعكسها الترضية القضائية التى يطلبها المدعى أو يتوقعها.
والأمر على نقيض ذلك فى التفسير التشريعي، ذلك أن الأصل فيه هو أن تتولاه السلطة التشريعية بنفسها إذا استبان لها أن من يقومون بتطبيق النصوص القانونية، ينحلون لها غير المعانى التى قصد إليها المشرع، فإذا عهدت السلطة التشريعية بمهام التفسير هذه لغيرها، فإنها تقيدها بالشروط التى تفرضها لإجرائه. وليس لازماً بحال أن تكون هذه الجهة قضائية فى تكوينها. وأياً كانت الجهة التى تتولى التفسير التشريعى وتقوم عليه، فإن إرادة المشرع التى شكل على ضوئها النصوص القانونية محل التفسير، هى مدار ولايتها، ذلك أن عملها ينحصر فى استكناهها ولا يكون تحريها إلا عملاً مجرداً يتم وفق ضوابط موضوعية مردها إلى عبارة النص ودلالتها، والأغراض المقصودة منها، ودون إخلال بالأوضاع التى لابستها، وبمراعاة موضعها من سياق النصوص التى تتكامل معها محددة معناها ومرماها، ليخرج التفسير التشريعى بذلك عن معنى الخصومة القضائية التى تثير بالضرورة – وبطبيعتها – نزاعاً بين أخصام تتعارض مصالحهم، وتتنافر توجهاتهم.
وحيث إن ما تقدم مؤداه، أنه فيما خلا الشروط التى قيد بها قانون المحكمة الدستورية العليا اختصاصها فى مجال التفسير التشريعى – كتلك التى تتعلق بأهمية النصوص القانونية التى تتولى تفسيرها، وإثارتها خلافاً حول تطبيقها يقتضى تدخلها لضبط معانيها على ضوء إرادة المشرع توحيداً لمدلولها – فإن المحكمة الدستورية العليا تحل محل السلطة التشريعية ذاتها فى مباشرتها لمهمتها هذه، وهى بذلك تلتزم بضوابطها فى مجال هذا التفسير، فلا يكون تدخلها بالتفسير التشريعى تحريفاً للنصوص القانونية عن معناها أو إفساداً لمقاصدها. وهى كذلك لا تقوم بهذا التفسير باعتباره مسألة أولية يقتضيها الفصل فى خصومة قضائية يناضل أطرافها من أجل تقرير الحقوق المدعى بها أو نفيها، بل يستقل تماماً عنها، باعتبار أن مبناه، صون النصوص القانونية مما يُلبس معانيها بغيرها لضمان أن يستقيم تطبيقها فى مواجهة المخاطبين بها، فلا تتعدد تأويلاتها. ومن ثم كان هذا التفسير ملزماً للناس أجمعين، ونافذاً فى شأن السلطات العامة والجهات القضائية على اختلافها. وليس لإحداها بالتالى أن تقحم على القاعدة القانونية التى فسرتها المحكمة الدستورية العليا "عناصر جديدة" تعدل فى محتواها، أو تنال من جوهرها، أو تردها إلى غير الدائرة التى تعمل فى نطاقها. بل يكون قرار المحكمة الدستورية العليا فى شأن هذه النصوص، محدداً لدلالتها تحديداً جازماً لا رجوع فيه، ليندمج هذا القرار فى تلك النصوص باعتباره جزءاً منها لا ينفصل عنها. ومن ثم يرتد إلى تاريخ العمل بها، ليكون نفاذها – على ضوء التفسير التشريعى لمضمونها – لازماً منذ سريانها.
وحيث إن الطلب الماثل المقدم من وزير العدل يتوخى أمرين: أولهما: تفسير بعض النصوص التى تضمنها القانون رقم 93 لسنة 1995 بتعديل بعض أحكام قانونى العقوبات والإجراءات الجنائية، والقانون رقم 76 لسنة 1970 بإنشاء نقابة الصحفيين، وثانيهما استنهاض اختصاص المحكمة الدستورية العليا فى مجال استعمال رخصتها المنصوص عليها فى المادة 27 من قانونها، وذلك بتصديها لدستورية النصوص القانونية التى حددتها نقابة الصحفيين.
وحيث إن السياق المنطقى لهذين الطلبين، يفترض أن يكون ثانيهما تالياً لأولهما ومترتباً عليه، ذلك أن الفصل فى دستورية النصوص القانونية يقتضى ابتداء تحديد مضمونها. وهو ما تتولاه المحكمة الدستورية العليا من خلال تفسيرها تفسيرا تشريعيا وفقا للشروط المنصوص عليها فى المادة 26 من قانونها، بما مؤداه أن الفصل فى دستوريتها لا يعرض لها كخصومة أصلية تستقل بذاتيتها، بل بوصفها خصومة فرعية تتصل بطلب التفسير التشريعى وفقاً لنص المادة 27 من هذا القانون، وهو ما يعنى أن طلب التفسير التشريعى هو الأصل، وأن الفصل فى دستورية بعض النصوص ذات الصلة بالنصوص المراد تفسيرها، لا يتأتى إلا تبعاً. وإذ كان طلب التفسير التشريعى – محدداً على ضوء الخصائص التى ينفرد بها – لا يقيم خصومة قضائية يتنازع أطرافها حقوقاً يطلبونها أو يجحدونها، ولا يتم الفصل فيه على ضوء طلباتهم الختامية التى تؤيدها وسائل دفاعهم التى يتكافأون بها فى أسلحتها Equality of arms؛ وكان اعمال المحكمة الدستورية العليا للرخصة المنصوص عليها فى المادة 27 من قانونها، يقتضيها أن تتحقق من قيام تلك الصلة بين النصوص القانونية المدعى مخالفتها للدستور، والنزاع المعروض عليها؛ وكان معنى النزاع – وعلى ما تقدم – يقابل الخصومة القضائية التى لا يندرج تحتها طلب التفسير، فإن مباشرتها لرخصتها هذه، لا يكون لها من سند يسوغ إعمالها.
وحيث إن الأستاذ عبد الحليم رمضان المحامى قدم أثناء نظر الطلب التفسير الماثل، مذكرتين متتاليتين، أبان فيهما عن أن قضاء المحكمة الدستورية العليا فى الدعاوى الدستورية، وكذلك قراراتها بتفسير النصوص القانونية، يُحتج بها على الناس أجمعين عَلَموا بها أم لم يعلموا ، وهم ملزمون بنتيجتها ولو لم يكن لها قول فيها. وقد قُدّمَ طلب التفسير إلى المحكمة الدستورية العليا دون تقيد بالشروط التى تطلبها قانونها لجوازه، ومن بينها وجود خلاف سابق فى تطبيق القانون المطلوب تفسيره. إذ كان ذلك، فإن مصلحته فى التدخل فى هذا الطلب تكون قائمة، ويظاهرها أمران: أولهما : الاعتراض عليه بكل وجوه ووسائل الدفاع التى يملكها. ثانيهما: أن تفسير النصوص القانونية محل الطلب لا يجوز قبل الفصل فى دستوريتها. وإنكار حق المواطنين فى الطعن عليها، ينحل إلى تقييد لما هو مباح أصلاً، ولا يكون ذلك إلا بنص فى مرتبة النصوص الدستورية ذاتها التى تكفل لكل إنسان حق التقاضي.
وحيث إن طلب التدخل بناء على هذين الوجهين مردود أولاً: بأن التدخل لا يكون إلا بعد بدء الخصومة الأصلية. وهو يفترض قيامها عند التدخل سواء كان انضمامياً أو اختصامياً. ومؤداه أن يكون المتدخل طرفاً فيها – لا ليعرقل الخصومة الأصلية – بل ليعاون أحد أطرافها من خلال الانضمام إليه دفاعاً عن الحقوق التى يطلبها إذا كان التدخل انضمامياً؛ أو ليكون مدعياً أثناء نظر تلك الخصومة – وفى مواجهة كل أطرافها – بحق خاص يتصل بها، إذا كان التدخل هجومياً. بما مؤداه اتصال التدخل – فى صورتيه – بقيام خصومة أصلية وبمناسبتها، وبعد بدئها. ولا كذلك طلب التفسير التشريعي، إذ لا يضم – وعلى ما سلف بيانه – أخصاماً يتنازعون فيما بينهم، ويدعون لأنفسهم – وعلى ضوء مصالحهم الشخصية المباشرة – تلك الحقوق الذاتية التى تعود عليهم فائدة تأمينها، ورد العدوان عنها، ولا يتصور بالتالى أن يكون للتفسير التشريعى أطراف يتعددون بالتدخل.
ومردود ثانياً: بأن تصدى المحكمة الدستورية العليا لدستورية النصوص القانونية التى عرضتها نقابة الصحفيين اعمالا للمادة 27 من قانونها، مشروط باتصالها بنزاع مطروح عليها أصلاً، متخذاً الخصومة القضائية اطارا، حال أن طلب التفسير التشريعى – فى تطبيق أحكام قانون المحكمة الدستورية العليا – لا يعتبر كذلك، ومن ثم يتعين الالتفات عن طلب التدخل.

فلهذه الأسباب:

قررت المحكمة عدم قبول الطلب.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات