الطعن رقم 990 لسنة 33 ق – جلسة 24 /12 /1963
أحكام النقض – المكتب الفني – جنائي
العدد الثالث – السنة 14 – صـ 983
جلسة 24 من ديسمبر سنة 1963
برياسة السيد المستشار/ توفيق أحمد الخشن، وبحضور السادة المستشارين: مختار مصطفى رضوان، ومحمد صبري، ومحمد محمد محفوظ، ومحمد عبد المنعم حمزاوي.
الطعن رقم 990 لسنة 33 القضائية
( أ ) حكم "تسبيبه. تسبيب غير معيب". دفاع. "الإخلال بحق الدفاع".
"ما لا يوفره". محكمة الموضوع.
محكمة الموضوع. متى تلتزم بالرد على أوجه الدفاع الموضوعية؟ أن تثار على وجه الجزم
في أثناء المرافعة وقبل إقفال بابها. وأن يكون الدفاع ظاهر التعلق بموضوع الدعوى.
(ب) محاكمة. "إجراءاتها". دفاع. "الإخلال بحق الدفاع". "ما لا يوفره".
سماع المحكمة مرافعة الدفاع ثم إقفالها باب المرافعة وحجز القضية للحكم. عدم التزامها
بإجابة طلب فتح باب المرافعة لتحقيق دفاع لم يطلب منها بالجلسة.
(جـ) مسئولية جنائية. خطأ. قتل خطأ. جريمة.
الخطأ المشترك في نطاق المسئولية الجنائية لا يخلى المتهم من المسئولية. خطأ المجني
عليه لا يسقط مسئولية المتهم. ما دام أن هذا الخطأ لم يترتب عليه انتفاء أحد الأركان
القانونية لجريمة القتل الخطأ.
1 – يشترط لكي تكون محكمة الموضوع ملزمة بالرد على أوجه الدفاع الموضوعية التي تثار
على وجه الجزم في أثناء المرافعة وقبل إقفال بابها، أن يكون الدفاع ظاهر التعلق بموضوع
الدعوى – أي أن يكون الفصل فيه لازماً للفصل في الموضوع ذاته ومنتجاً فيه.
2 – من المقرر أنه ما دامت المحكمة قد سمعت مرافعة الدفاع وأمرت بإقفال باب المرافعة
وحجزت القضية للحكم، فهي بعد غير ملزمة بإجابة طلب فتح باب المرافعة لتحقيق دفاع لم
يطلب منها بالجلسة.
3 – الخطأ المشترك في نطاق المسئولية الجنائية – بفرض قيامه لا يخلى المتهم من المسئولية،
بمعنى أن خطأ المجني عليه لا يسقط مسئولية المتهم ما دام أن هذا الخطأ لم يترتب عليه
انتفاء أحد الأركان القانونية لجريمة القتل الخطأ المنسوبة إلى المتهم.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة الطاعن بأنه في يوم 8/ 7/ 1962 بدائرة مركز الفشن: تسبب بغير قصد ولا تعمد في قتل "رأفت سماع إسحاق" وكان ذلك ناشئاً عن إهماله وعدم احتياطه ومخالفته اللوائح بأن قاد سيارته بسرعة تزيد عن الحد المقرر ولم يلتزم الجانب الفرعي من الطريق ولم يستعمل آلة التنبيه وانحرف بالسيارة إلى مكان وقوف المجني عليه. فأحدث به الإصابات الموصوفة بالتقرير الطبي والتي أودت بحياته. وطلبت عقابه بالمواد 238 من قانون العقوبات و1 – 2 – 81 و88 من القانون رقم 449 لسنة 1955 و2/ 1 من قرار الداخلية. وقد ادعى والدا المجني عليه بحق مدني قدره قرش صاغ واحد على سبيل التعويض المؤقت قبل المتهم والمسئول عن الحقوق المدنية. ومحكمة الفشن الجزئية قضت حضورياً بتاريخ 3/ 1/ 1963 عملاً بمواد الاتهام: أولاً – بحبس المتهم سنة مع الشغل وكفالة خمسين جنيهاً لوقف التنفيذ بلا مصاريف جنائية. وثانياً – إلزام المسئول بالحقوق المدنية بأن يؤدى للمدعيين بالحق المدني مبلغ قرش صاغ على سبيل التعويض المؤقت والمصاريف ومبلغ جنيهين مقابل أتعاب المحاماة. استأنف المتهم هذا الحكم ومحكمة بنى سويف الابتدائية – بهيئة استئنافية – قضت حضورياً بتاريخ 30/ 4/ 1963 بقبول الاستئناف شكلاً وفى الموضوع برفضه وتأييد الحكم المستأنف بلا مصاريف. فطعن الطاعن في هذا الحكم بطريق النقض…. إلخ.
المحكمة
حيث إن مبنى الطعن هو أن الحكم المطعون فيه إذ دان الطاعن بجريمة
القتل الخطأ قد انطوى على إخلال بحق الدفاع وفساد في الاستدلال وتناقض وقصور في التسبيب
كما أخطأ في تطبيق القانون، ذلك بأن الطاعن تمسك بنفي الخطأ عنه تأسيساً على أن مكان
الحادث يقع عند موقف الأتوبيس العمومي بمدخل مدينة الفشن على بعد لا يتجاوز خمسين متراً
من نقطة المرور التي يقف عندها للتفتيش على سيارة النقل قيادته مما يقتضى السير ببطء
لاستحالة انطلاق السيارة بسرعتها العادية، وقد طلب الطاعن تحقيق هذا الدفاع بمناقشة
محرر المحضر والمهندس الفني، غير أن المحكمة الاستئنافية التفتت عن إجابته إلى طلبه
واستدلت على توافر السرعة الفائقة بأقوال شهود الإثبات في التحقيق وهم والد المجني
عليه وقريب لهما وبما استخلصته من وجود آثار فرامل في أعقاب السيارة بلغت عشرة خطوات
بدعوى أنها لم تنم عن تلك السرعة الشديدة، وهذا الذي أورده الحكم غير سائغ إذ أنه غفل
عن أن يدخل في تقديره طول السيارة النقل البالغ ثمانية أمتار على الأقل – وما كان يسوغ
للمحكمة أن تحل نفسها محل أهل الفن وتعوّل في قضائها على أقوال شهودهم ذوو المجني عليه
وقد نازع الدفاع عن الطاعن في صحة شهادتهم وأهدرت النيابة العامة أقوالهم إذ سبق لها
أن أصدرت أمراً بحفظ التحقيقات لعدم الجناية، وكان من المتعين على المحكمة أن تجرى
تحقيق هذا الدفاع الجوهري عن طريق المختص فنياً، هذا إلى أن الحكم الابتدائي المؤيد
لأسبابه والمكمل للحكم المطعون فيه بعد أن استعرض عناصر الخطأ في حق الطاعن وعدد صوره
المختلفة من سرعة زائدة وعدم استعمال آلة التنبيه والانحراف فجأة إلى أقصى اليسار بغير
تحرز أو انتباه، واستطرد إلى القول بأنه لا يقدح في قيام هذا الركن ما شهد به شاهد
النفي من اختراق الطفل المجني عليه الطريق ثم ارتداده مرة أخرى وترتب الصدمة على هذا
الفعل – وانتهى الحكم إلى أنه مع التسليم جدلاً بخطأ المجني عليه ومشاركته الطاعن في
خطئه فإنه لا يجنب الأخير العقاب بعد ثبوت خطئه. وفى هذا تناقض في تحديد ركن الخطأ
وقصور في بيان مداه وتعيين المسئول عنه وهل هو الطاعن أو المجني عليه أو كلاهما معاً
ومدى استغراق خطأ أحدها خطأ الآخر. ومثل هذا الفرض الجدلي يشكك في تغليب مسئولية أحد
الطرفين على الآخر بالإضافة إلى أنه يخالف التطبيق السليم للقانون مما يصم استدلال
الحكم بما يعيبه ويستوجب نقضه.
وحيث إن الحكم الابتدائي المؤيد لأسبابه والمكمل بالحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى
بما محصله أنه بينما كان الطفل المجني عليه يقف مع ذويه في نهاية الطريق العام من الجهة
الشرقية عند مدخل مباني مدينة الفشن في انتظار سيارة الأتوبيس قدمت سيارة النقل قيادة
الطاعن من الجهة البحرية بسرعة فائقة ودون استعمال آلة التنبيه وانحرف فجأة إلى يسار
الطريق حيث كان يقف المجني عليه فصدمه صدمة أودت بحياته، وبعد أن أورد الحكم أدلة الدعوى
المستمدة من أقوال والدي المجني عليه وقريبه ومن المعاينة والتقرير الطبي عرض إلى دفاع
الطاعن بشان دعواه السير ببطء وتنصله من الخطأ وإلقائه على عاتق المجني عليه فأطرحه
بما أورده من أسباب سائغة تؤدى إلى ما رتبه عليها، كما عرج إلى شهادة شاهد النفي فأهدرها
وأبدى عدم اطمئنانه إليه لتراخيه في الإدلاء بها وتردده في شهادته واختلافه الواضح
مع دفاع الطاعن ثم خلص الحكم إلى توفر عنصر الخطأ في حق الطاعن واستظهره من السير بسرعة
فائقة وعدم استعمال آلة التنبيه والانحراف فجأة إلى أقصى يسار الطريق في عدم تحرز وانتباه
مؤسساً قضاءه على ما ينتجه. لما كان ذلك، وكان ما ينعاه الطاعن على الحكم من قالة الإخلال
بحقه في الدفاع بدعوى إغفال سماع محرر المحضر والمهندس الفني مردوداً بأنه يبين من
الاطلاع على محاضر جلسات المحاكمة الاستئنافية أن الدفاع لم يطلب سوى سماع الضابط الذي
أجرى معاينة مكان الحادث وتولى ضبط الواقعة ثم ترافع في موضوع الدعوى دون أن يتمسك
بدعوى المهندس الفني وأصدرت المحكمة قراراً بحجز القضية للحكم وصرحت بتقديم مذكرات
إلى ما قبل الجلسة المحددة لذلك بأسبوع. وقد عرض الحكم المطعون فيه إلى طلب دعوة الضابط
محرر المحضر وأطرحه في منطق سليم لعدم جدواه، وهو في هذا لم يخرج عن مقتضى القانون.
ذلك بأنه من المقرر أنه يشترط لكي تكون محكمة الموضوع ملزمة بالرد على أوجه الدفاع
الموضوعية التي تثار على وجه الجزم في أثناء المرافعة وقبل إقفال بابها، أن يكون الدفاع
ظاهر التعلق بموضوع الدعوى أي أن يكون الفصل فيه لازماً للفصل في الموضوع ذاته ومنتجاً
فيه. وإذ ما كان الواضح من مدونات الحكم أن المحكمة – في حدود ما هو مقرر لها من حق
في وزن عناصر الدعوى وأدلتها – قد بينت الواقعة على حقيقتها كما ارتسمت في وجدانها
وردت الحادث إلى صورته الصحيحة من مجموع الأدلة المطروحة عليها وأطرحت ما يخالف هذا
التصوير بما يتفق وموجبات العقل والمنطق وانتهت إلى توافر ركن الخطأ في حق الطاعن كما
هو معرف به في القانون وإلى عدم جدوى سماع محرر المحضر، فلا يقبل من الطاعن مصادرة
المحكمة في عقيدتها أو مجادلتها فيما انتهت إليه في هذا الشأن، ولا يجوز له النعي عليها
عدم إجابتها طلب دعوة المهندس الفني الذي لم يثره أمامها وإنما ضمنه مذكرته التي قدمها
في فترة حجز القضية للحكم كما يبين من الاطلاع على المفردات التي أمرت المحكمة بضمها
تحقيقاً للطعن، ذلك أنه من المقرر أنه ما دامت المحكمة قد سمعت مرافعة الدفاع وأمرت
بإقفال باب المرافعة وحجزت القضية للحكم فهي بعد غير ملزمة بإجابة طلب فتح باب المرافعة
لتحقيق دفاع لم يطلب منها تحقيقه بالجلسة. لما كان ذلك، وكان ما ينعاه الطاعن على الحكم
من تناقض وقصور في التسبيب إذ جمع بين خطأ الطاعن وبين تسليمه جدلاً بخطأ المجني عليه
مردوداً بأنه يبين من الاطلاع على الحكم المطعون فيه أنه بعد أن بين واقعة الدعوى بما
تتوافر به كافة العناصر القانونية لجريمة القتل الخطأ التي دان الطاعن بها وأورد على
ثبوتها في حقه أدلة من شأنها أن تؤدى إلى ما رتبه الحكم عليها قال "وحتى مع التسليم
جدلاً بأن المجني عليه قد أخطأ وشارك المتهم – الطاعن – في خطئه فليس هذا بدفاع يجنب
المتهم العقاب طالما أنه هو الآخر قد أخطأ وخطأه كان نتيجته صدمة المجني عليه وإحداث
إصابته التي أوراها التقرير الطبي والتي أودت بحياته". وما انتهى إليه الحكم من ذلك
لا يقدح في سلامته ذلك بأنه بين الحكم الواقعة وأثبتها في حق الطاعن على صورة تخالف
دفاعه فإنه لا يعيبه أن يستطرد إلى فرض آخر تمسك به الدفاع وفنده الحكم طالما أنه قد
أبان في وضوح أنه ساق هذا الغرض على سبيل الجدل ورد عليه رداً مقبولاً، هذا إلى أنه
من المقرر أن الخطأ المشترك، في نطاق المسئولية الجنائية – بفرض قيامه لا يخلى المتهم
من المسئولية بمعنى أن خطأ المجني عليه لا يسقط مسئولية المتهم ما دام أن هذا الخطأ
لم يترتب عليه انتفاء أحد الأركان القانونية لجريمة القتل الخطأ المنسوبة إلى المتهم
كما هو الحال في الدعوى المطروحة. لما كان ما تقدم، فإن ما ينعاه الطاعن على الحكم
المطعون فيه يكون على غير أساس ويتعين رفضه موضوعاً.
