الرئيسية الاقسام القوائم البحث

قاعدة رقم الطعن رقم 8 لسنة 17 قضائية “دستورية” – جلسة 18 /05 /1996 

أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء السابع
من أول يوليو 1995 حتى آخر يونيو 1996 – صـ 656

جلسة 18 مايو سنة 1996

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين/ محمد ولى الدين جلال ونهاد عبد الحميد خلاف وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد على سيف الدين، وحضور السيد المستشار/ حنفى على جبالى – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ حمدى أنور صابر – أمين السر.

قاعدة رقم
القضية رقم 8 لسنة 17 قضائية "دستورية"

1- دستورية "المادة الثانية منه" – شريعة إسلامية "أحكامها القطعية" – ولاية المحكمة الدستورية العليا.
قضاء المحكمة الدستورية العليا مطرد على أنه لا يجوز لنص تشريعى صادر عن السلطة التشريعية أو السلطة التنفيذية، بعد تعديل المادة الثانية من الدستور فى 22 من مايو سنة 1980 – مناقضة الأحكام القطعية فى ثبوتها ودلالتها. انصباب ولاية المحكمة الدستورية العليا فى شأنها على مراقبة التقيد بها وتغليبها على كل قاعدة قانونية تعارضها.
2- شريعة إسلامية "الأحكام الظنية: اجتهاد".
انحصار دائرة الاجتهاد فى الأحكام الظنية غير المقطوع بثبوتها أو بدلالتها أو بهما معاً، على أن يكون الاجتهاد دوما واقعا فى اطار الأصول الكلية للشريعة بما لا يجاوزها، كافلاً صون المقاصد العامة للشريعة بما تقوم عليه من حفاظ على الدين والنفس والعقل والعرض والمال.
3- شريعة إسلامية "حكم العقل – اجتهاد".
إعمال حكم العقل فيما لا نص فيه تطويراً لقواعد عملية رفقاً بالعباد مرده أن شريعة الله جوهرها الحق والعدل – ولا تمنح أقوال أحد من الفقهاء فى شأن من شئونها قدسية تحول دون إعادة النظر فيها وإبدالها بغيرها – الشريعة الاسلامية بالضرورة نابذة الجمود لا يتقيد الاجتهاد فيها – وفيما لا نص عليه – بغير ضوابطها الكلية وبما لا يعطل مقاصدها.
4- شريعة إسلامية "تشريع ولى الأمر".
لولى الأمر أن يشرع بما يرد الأمر المتنازع عليه إلى الله ورسوله – الصحابة والتابعين، والأئمة المجتهدون كثيراً ما قرروا أحكاماً متوخين بها مطلق مصالح العباد.
5- تنظيم الحقوق "سلطة المشرع".
الأصل فى سلطة المشرع فى مجال تنظيم الحقوق أنها سلطة تقديرية ما لم يقيد الدستور ممارستها بضوابط من إطلاقها – لا يجوز أن يكون تنظيم هذه الحقوق مناقضاً لفحواها.
6- شريعة إسلامية "قدر المرأة".
إعلاء الإسلام قدر المرأة وحضها على صون عفافها وأمرها بستر بدنها عن المهانة والابتذال لتسمو المرأة بنفسها عن كل ما يشينها أو ينال من حيائها.
7- شريعة إسلامية "زى المرأة".
ليس للمرأة شرعاً إطلاق إرادتها فى اختيارها لزيها. بل يتعين أن يستقيم كيانها، وأن يكون لباسها عوناً لها على القيام بمسؤولياتها فى مجال عمارة الأرض.
8- شريعة إسلامية "زى المرأة – اجتهاد: ضابط عام من القرآن الكريم".
هيئة ثياب المرأة ورسمها لا تضبطها نصوص مقطوع بها سواء فى ثبوتها أو دلالتها – قيام الاجتهاد فيها فى إطار ضابط عام حددته النصوص القرآنية ذاتها – يقول الله تعالى "وليضربن بخمرهن على جيوبهن" "ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها" "يدنين عليهن من جلابيبهن" "ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن".
9- شريعة إسلامية "زى المرأة وسلطة ولى الأمر".
لولى الأمر السلطة الكاملة التى يشرع بها الأحكام العملية فى نطاقها، تحديداً لهيئة رداء المرأة أو ثيابها على ضوء ما يكون سائداً فى مجتمعها بين الناس بما لا يصادم نصاً قطعياً – وإن كان ضابطها أن تحقق الستر بمفهومة الشرعي.
10- شريعة إسلامية "لباس المرأة".
الشريعة الإسلامية – فى جوهر أحكامها وبمراعاة مقاصدها – تتوخى من ضبط ثياب المرأة اعلاء قدرها، وبما لا يوقعها فى الحرج إذا اعتبر بدنها كله عورة مع حاجتها إلى الخروج لمباشرة ما يخصها من الأعمال التى تختلط فيها بالآخرين – ليس جائزاً أن يكون لباسها مجاوزا حد الاعتدال ولا احتجاجاً لكل بدنها ليضيق عليها اعتسافاً، ولا إسدالاً لخمارها من وراء ظهرها، بل اتصالاً بصدرها ونحرها فلا ينكشفان مصداقاً للنصوص القرآنية – فلا يبدو من ظاهر زينتها إلا ما لا يعد عورة وهما وجهها وكفاها، بل وقدماها عند البعض.
11- شريعة إسلامية "لباس المرأة".
التزام المرأة فى لباسها حد الاعتدال – فلا تصفها ثيابها ولا تشى بما تحتها من ملامح أنوثتها – تنقبها ليس مطلوباً منها شرعاً طلباً جازماً.
12- شريعة إسلامية "تحريم".
يلزم أن يكون تحريم أمر أو شأن من الشئون معلوماً بنص قطعي.
13- شريعة إسلامية "نقاب المرأة".
لا دليل من القرآن أو السنة على أن لباس المرأة يتعين شرعاً أن يكون احتجاباً كاملاً، متخذاً نقاباً لا تظهر منها إلا عيناها ومحجراها – كشف المرأة لوجهها أكفل لحيائها وأدعى لرفع الحرج عنها.
14- شريعة إسلامية "وجه المرأة وكفاها".
الرسول عليه الصلاة والسلام يصرح بأن بلوغ المرأة المحيض يقتضيها أن يكون ثوبها ساتراً لبدنها عدا وجهها وكفيها.
15- تشريع "قرار وزير التعليم رقم 113 لسنة 1994 – المفسر بالقرار رقم 208 لسنة 1994 – فى شأن الزى المدرسي: عدم مناقضته الدستور".
القرار المشار إليه لا يناقض – فيما قرره من وصف الزى المدرسى للطالبات – نص المادة الثانية من الدستور – حق الاجتهاد فى المسائل الخلافية مقرر لولى الأمر بما ييسر للناس شئونهم وبما لا يعطل المقاصد الكلية للشريعة – لا يناقض هذه المقاصد تنظيم ولى الأمر – فى دائرة بذاتها – لباس الفتاة على النحو الذى صدر به القرار المذكور.
16- حرية العقيدة "مفهومها".
حرية العقيدة – فى أصلها – تعنى ألا يحمل شخص على القبول بعقيدة غير مؤمن بها أو التنصل من عقيدة فيها الإعلان عنها أو ممالأة إحداها تحاملاً على غيرها – احترام الأديان متبادل.
17- حرية العقيدة "صونها".
لا يجوز أن تيسر الدولة الانضمام إلى عقيدة ترعاها – ولا أن تتدخل بالجزاء عقاباً لمن يلوذون بعقيدة لا تصطفيها – ليس للدولة إذكاء صراع بين الأديان تمييزاً لبعضها على البعض.
18- حرية العقيدة "ممارسة الشعائر: قيود" – دستور.
حرية العقيدة لا يجوز فصلها عن حرية شعائرها – هاتان الحريتان – طبقاً للدستور – مكفولتان، وهما متكاملتان – أولاهما لا قيد عليها أما ثانيتهما فيجوز تقييدها من خلال تنظيماً توكيداً لبعض المصالح العليا المرتبطة بها.
19- تشريع "قرار وزير التعليم المشار إليه".
القرار المذكور يدخل فى دائرة التنظيم المباح فيما توخاه من تنظيم لرداء الفتاة فى دائرة المعاهد العلمية المحددة فيه – ليس فى هذا القرار افتئات على حرية العقيدة.
20- حرية شخصية "إرادة الاختيار".
إرادة الاختيار ينبغى قصر مجال عملها على ما يكون مرتبطاً بذاتية الإنسان فى دائرة تبرز معها ملامح حياته وقراراته الشخصية فى أدق توجهاتها.
21- حرية شخصية "إرادة الاختيار: انحسارها".
الحرية الشخصية لا ينافيها فرض المشرع فى دائرة بذاتها قيوداً على الأزياء التى يرتديها بعض الأشخاص فى موقعهم من هذه الدائرة لتكون لها بذاتيتها الدالة عليهم.
22- تعليم "إشراف الدولة عليه وفقاً للدستور" – تشريع "القرار المشار إليه".
التعليم كله – وفقاً لما هو مقرر فى الدستور – خاضع لإشراف الدولة – رعاية الدولة العملية التعليمية بكل مقوماتها – تنظيم الدولة لشئون طلبة بعض المعاهد يكون مبرراً من خلال علاقة منطقية بين مضمون هذا التنظيم والأغراض التى توخاها – تحقق ذلك فى قرار وزير التعليم المشار إليه من خلال الشروط التى حددها لأزياء طلبة المدارس وطالباتها.
1و 2- إن قضاء المحكمة الدستورية العليا مطرد على ما نص عليه الدستور فى مادته الثانية – بعد تعديلها فى 22 مايو سنة 1980 – من أن مبادئ الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع، إنما يتمحض عن قيد يجب على كل من السلطتين التشريعية والتنفيذية أن تتحراه وتنزل عليه فى تشريعاتها الصادرة بعد هذا التعديل – ومن بينها أحكام القرار رقم 113 لسنة 1994، المفسر بالقرار رقم 208 لسنة 1994 المطعون عليهما – فلا يجوز لنص تشريعي، أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية فى ثبوتها ودلالتها، باعتبار أن هذه الأحكام وحدها هى التى يكون الاجتهاد فيها ممتنعاً، لأنها تمثل من الشريعة الإسلامية مبادؤها الكلية، وأصولها الثابتة التى لا تحتمل تأويلاً أو تبديلاً.
ومن غير المتصور بالتالى أن يتغير مفهومها تبعاً لتغير الزمان والمكان، إذ هى عصية على التعديل، ولا يجوز الخروج عليها، أو الالتواء بها عن معناها. وتنصب ولاية المحكمة الدستورية العليا فى شأنها، على مراقبة التقيد بها، وتغليبها على كل قاعدة قانونية تعارضها. ذلك أن المادة الثانية من الدستور، تقدم على هذه القواعد، أحكام الشريعة الإسلامية فى أصولها ومبادئها الكلية، إذ هى إطارها العام، وركائزها الأصلية التى تفرض متطلباتها دوما بما يحول دون إقرار أية قاعدة قانونية على خلافها؛ وإلا اعتبر ذلك تشهياً وإنكاراً لما علم من الدين بالضرورة. ولا كذلك الأحكام الظنية غير المقطوع بثبوتها أو بدلالتها أو بهما معاً، ذلك أن دائرة الاجتهاد تنحصر فيها، ولا تمتد لسواها، وهى بطبيعتها متطورة تتغير بتغير الزمان والمكان، لضمان مرونتها وحيويتها، ولمواجهة النوازل على اختلافها، تنظيماً لشئون العباد بما يكفل مصالحهم المعتبرة شرعاً، ولا يعطل بالتالى حركتهم فى الحياة، على أن يكون الاجتهاد دوماً واقعاً فى إطار الأصول الكلية للشريعة بما لا يجاوزها؛ ملتزماً ضوابطها الثابتة، متحرياً مناهج الاستدلال على الأحكام العملية، والقواعد الضابطة لفروعها، كافلاً صون المقاصد العامة للشريعة بما تقوم عليه من حفاظ على الدين والنفس والعقل والعرض والمال.
3- إن إعمال حكم العقل فيما لا نص فيه، تطويراً لقواعد عملية تكون مضمونها أرفق بالعباد واحفل بشئونهم، وأكفل لمصالحهم الحقيقية التى شرع الأحكام لتحقيقها، وبما يلائمها، مرده أن شريعة الله جوهرها الحق والعدل، والتقيد بها خير من فساد عريض، وانغلاقها على نفسها ليس مقبولاً ولا مطلوباً، ذلك أنها لا تمنح أقوال أحد الفقهاء فى شأن من شئونها، قدسية تحول دون مراجعتها وإعادة النظر فيها، بل وإبدالها بغيرها. فالآراء الاجتهادية فى المسائل المختلف عليها ليس فى ذاتها قوة متعدية لغير القائلين بها، ولا يجوز بالتالى اعتبارها شرعاً ثابتاً متقرراً لا يجوز أن ينقض، وإلا كان ذلك نهياً عن التأمل والتبصر فى دين الله تعالى، وإنكاراً لحقيقة أن الخطأ فى كل اجتهاد. بل إن من الصحابة من تردد فى الفتيا تهيباً. ومن ثم صح القول بأن اجتهاد أحد من الفقهاء ليس أحق بالاتباع من اجتهاد غيره، وربما كان أضعف الآراء سنداً، أكثرها ملاءمة للأوضاع المتغيرة، ولو كان مخالفاً لآراء استقر عليها العمل زمناً. وتلك هى الشريعة الإسلامية فى أصولها ومنابتها، متطورة بالضرورة، نابذة الجمود، لا يتقيد الاجتهاد فيها – وفيما نص عليه – بغير ضوابطها الكلية، وبما لا يعطل مقاصدها التى ينافيها أن يتقيد ولى الأمر فى شأن الأحكام الفرعية والعملية المستجيبة بطبيعتها للتطور، لآراء بذاتها لا يريم عنها، أو أن يقعد باجتهاده عند لحظة زمنية معينة تكون المصالح المعتبرة شرعاً قد جاوزتها.
4- إن من المقرر – على ضوء ما تقدم – أن لولى الأمر أن يُشَرع بما يرد الأمر المتنازع عليه إلى الله ورسوله، مستلهما فى ذلك أن المصالح المعتبرة، هى تلك التى تكون مناسبة لمقاصد الشريعة، متلاقية معها، وهى بعد مصالح لا تتناهى جزئياتها، أو تنحصر تطبيقاتها، ولكنها تتحدد – مضموناً ونطاقاً – على ضوء أوضاعها المتغيرة. يؤيد ذلك أن الصحابة والتابعين، والأئمة المجتهدين، كثيراً ما قرروا أحكاماً متوخين بها مطلق مصالح العباد، طلباً لنفعهم أو دفعاً لضرر عنهم أو رفعاً لحرجهم، باعتبار أن مصالحهم هذه، تتطور على ضوء أوضاع مجتمعاتهم، وليس ثمة دليل شرعى على اعتبارها أو إلغائها.
5- الأصل فى سلطة المشرع فى مجال تنظيم الحقوق، أنها سلطة تقديرية ما لم يقيد الدستور ممارستها بضوابط تحد من إطلاقها، وتكون تخوماً لها لا يجوز اقتحام آفاقها أو تخطيها سواء بنقضها أو انتقاصها من أطرافها، ذلك إن إهدار الحقوق التى كفلها الدستور أو تهميشها، عدوان على مجالاتها الحيوية التى لا تتنفس إلا من خلالها. ولا يجوز بالتالى أن يكون تنظيم هذه الحقوق، مناقضاً لفحواها، بل يتعين أن يكون منصفاً ومبررا.
6 و7 و8 و9- إن الشريعة الإسلامية – فى تهذيبها للنفس البشرية وتقويمها للشخصية الفردية – لا تقرر إلا جوهر الأحكام التى تكفل بها للعقيدة إطاراً يحميها، ولأفعال المكلفين ما يكون ملتئماً مع مصالحهم المعتبرة، فلا يبغونها عوجا، ولا يحيدون أبداً عن الطريق إلى ربهم تعالى، بل يكون سلوكهم أطهر لقلوبهم، وأدعى لتقواهم. وفى هذا الإطار، أعلى الإسلام قدر المرأة، وحضها على صون عفافها، وأمرها بستر بدنها عن المهانة والابتذال، لتسمو المرأة بنفسها عن كل ما يشينها أو ينال من حيائها، وعلى الأخص من خلال تبرجها، أو لينها فى القول، أو تكسر مشيتها؛ أو من خلال إظهارها محاسنها إغواءً لغيرها، أو بإبدائها ما يكون خافياً من زينتها. وليس لها شرعاً أن تطلق إرادتها فى اختيارها لزيها، ولا أن تقيم اختيارها هذا بهواها، ولا أن تدعى تعلق زيها بدخائلها، بل يتعين أن يستقيم كيانها، وأن يكون لباسها عوناً لها على القيام بمسئولياتها فى مجال عمارة الأرض، وبمراعاة أن هيئة ثيابها ورسمها، لا تضبطهما نصوص مقطوع بها سواء فى ثبوتها أو دلالتها، لتكون من المسائل الاختلافية التى لا ينغلق الاجتهاد فيها، بل يظل مفتوحاً فى إطار ضابط عام حددته النصوص القرآنية ذاتها إذ يقول تعالى ) وليضربن بخمرهن على جيوبهن( ) ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها( ) يدنين عليهن من جلابيبهن( ) ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن( ليخرج لباس المرأة بذلك عن أن يكون من الأمور التعبدية التى لا تبديل فيها. بل يكون لولى الأمر السلطة الكاملة التى يشرع بها الأحكام العملية فى نطاقها، تحديداً لهيئة ردائها أو ثيابها على ضوء ما يكون سائداً فى مجتمعها بين الناس مما يعتبر صحيحاً من عاداتهم وأعرافهم التى لا يصادم مفهومها نصاً قطعياً، بل يكون مضمونها متغيراً بتغير الزمان والمكان، وإن كان ضابطها أن تحقق الستر بمفهومه الشرعي، ليكون لباس المرأة تعبيراً عن عقيدتها.
10- إن تنازع الفقهاء فيما بينهم فى مجال تأويل النصوص القرآنية، وما نقل عن الرسول من أحاديثه صحيحها وضعيفها، وإن آل إلى تباين الآراء فى شأن لباس المرأة، وما ينبغى ستره من بدنها، إلا أن الشريعة الإسلامية – فى جوهر أحكامها وبمراعاة مقاصدها – تتوخى من ضبطها لثيابها، أن تعلى قدرها، ولا تجعل للحيوانية مدخلاً إليها، ليكون سلوكها رفعياً لا ابتذال فيه ولا اختيال، وبما لا يوقعها فى الحرج إذا اعتبر بدنها عورة مع حاجتها إلى تلقى العلوم على اختلافها، وإلى الخروج لمباشرة ما يلزمها من الأعمال التى تختلط فيها بالآخرين، وليس متصوراً بالتالى أن تموج الحياة بكل مظاهرها من حولها، وأن يطلب منها على وجه الاقتضاء، أن تكون شبحاً مكسواً بالسواد أو بغيره، بل يتعين أن يكون لباسها شرعاً قرين تقواها، وبما لا يعطل حركتها فى الحياة، فلا يكون محدداً لجمال صورتها، ولا حائلاً دون يقظتها، ومباشرتها لصور النشاط التى تفرضها حاجتها ويقتضيها خير مجتمعها، بل موازناً بين الأمرين، ومحدداً على ضوء الضرورة، وبمراعاة ما يعتبر عادة وعرفاً صحيحين.
ولا يجوز بالتالى أن يكون لباسها، مجاوزاً حد الاعتدال، ولا احتجاباً لكل بدنها ليضيق عليها اعتسافاً، ولا إسدالاً لخمارها من وراء ظهرها، بل اتصالاً بصدرها ونحرها فلا ينكشفان، مصداقاً لقوله تعالى ) وليضربن بخمرهن على جيوبهن( واقتراناً بقوله جل شأنه بأن ) يدنين عليهن من جلابيبهن( فلا يبدو من ظاهر زينتها إلا ما لا يعد عورة، وهما وجهها وكفاها، بل وقدماها عند بعض الفقهاء "ابتلاء بإبدائهما" على حد قول الحنفية ودون أن يضربن بأرجلهن ) ليعلم ما يخفين من زينتهن( .
11- وقد دعا الله تعالى الناس جميعاً أن يأخذوا زينتهم ولا يسرفوا، وهو ما يعنى أن التزامها حد الاعتدال، يقتضى ألا تصفها ثيابها ولا تشى بما تحتها من ملامح أنوثتها، فلا يكون تنقبها مطلوباً منها شرعاً طلباً جازماً، ولا سترها لزينتها شكلاً مجرداً من المضمون، بل يتعين أن يكون مظهرها منبئاً عن عفافها، ميسراً لإسهامها المشروع فيما يعنيها على شئون حياتها، ويكون نائياً بها عن الابتذال، فلا يقتحمها رجال استمالتهم إليها بمظاهر جسدها، مما يقودها إلى الإثم انحرافاً، وينال من قدرها ومكانتها.
12 و13 و14- تحريم أمر أو شأن من الشئون، لا يتعلق بما هو محتمل، بل بما يكون معلوما بنص قطعي، وإلا ظل محمولاً على أصل الحل؛ وكان لا دليل من النصوص القرآنية، ولا من سنتنا الحميدة على أن لباس المرأة يتعين شرعاً أن يكون احتجاباً كاملاً، متخذاً نقاباً محيطاً بها منسدلاً عليها لا يُظْهِر منها إلا عينيها ومحجريهما؛ فإن إلزامها إخفاء وجهها وكفيها، وقدميها عند البعض، لا يكون تأويلاً مقبولاً، ولا معلوماً من الدين بالضرورة. ذلك أن معنى العورة المتفق عليها لا يتصل بهذه الأجزاء من بدنها، بل إن كشفها لوجهها أعون على اتصالها بأخلاط من الناس يعرفونها، ويفرضون نوعاً من الرقابة على سلوكها، وهو كذلك أكفل لحياتها وغضها من بصرها وأصون لنفسيتها، وأدعى لرفع الحرج عنها.
وما ارتآه البعض من أن كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها، مردود بأن مالكاً وأبا حنيفة وأحمد بن حنبل فى رواية عنه، والمشهور عند الشافعية، لا يرون ذلك. والرسول عليه السلام يصرح بأن بلوغ المرأة الحيض، يقتضيها أن يكون ثوبها ساتراً لبدنها عدا وجهها وكفيها.
15- إن استقراء الأحكام التى جرى بها القرار المطعون فيه، يدل على أن لكل طالبة أن تتخذ خمارا تختاره برغبتها ولا يكون ساتراً لوجهها، على أن يشهد ولى أمرها بأن اتخاذها الخمار غطاء لرأسها، ليس ناجماً عن تدخل آخرين فى شئونها، بل وليد إرادتها الحره، وهى شهادة يمكن أن يقدمها بعد انتظامها فى دراستها.
كذلك دل هذا القرار، على أن زيها ينبغى أن يكون مناسباً مظهراً وطرازاً – لا بمقاييسها الشخصية – ولكن بما يرعى احتشامها، ويكون موافقاً لتقاليد وأخلاق مجتمعها. ولا يجوز أن يكون أسلوبها – فى مجال ارتدائها لزيها – دالاً على فحشها.
ولا يناقض القرار المطعون فيه – فى كل ما تقدم – نص المادة الثانية من الدستور، ذلك أن لولى الأمر – فى المسائل الخلافية – حق الاجتهاد بما ييسر على الناس شئونهم، ويعكس ما يكون صحيحاً من عاداتهم وأعرافهم، وبما لا يعطل المقاصد الكلية لشريعتهم التى لا ينافيها أن ينظم ولى الأمر – فى دائرة بذاتها – لباس الفتاة، فلا يكون كاشفاً عن عورتها أو ساقيها، ولا واشياً ببدنها، أو منبئاً عما لا يجوز إظهاره من ملامحها، أو نافياً لحيائها. وهو ما توخاه هذا القرار، حين ألزم كل تلميذة تلتحق بإحدى المراحل التعليمية التى نص عليها، بأن يكون زيها مناسباً حائلاً دون تبذلها، ناهياً عن عريها أو إظهار مفاتنها. بل إن أسلوبها فى ارتداء زيها يتعين فوق هذا، أن يكون ملائماً لقيمها الدينية التى تندمج بالضرورة فى أخلاق مجتمعها وتقاليده.
كذلك فإن خمارها وفقاً لهذا القرار، ليس إلا غطاء لرأسها لا يحجب وجهها وكفيها، وإن كان مترامياً إلى صدرها ونحرها، فلا يكفى أن تلقيه من وراء ظهرها.
16 و17 و18- إن النعى على القرار المطعون فيه، مخالفته لحرية العقيدة التى نص عليها الدستور فى المدة 46، مردود بأن هذه الحرية – فى أصلها – تعنى ألا يحمل الشخص على القبول بعقيدة لا يؤمن بها، أو التنصل من عقيدة دخل فيها أو الإعلان عنها، أو ممالأة إحداها تحاملاً على غيرها سواء بإنكارها أو التهوين منها أو ازدرائها، بل تتسامح الأديان فيما بينها، ويكون احترامها متبادلاً.
ولا يجوز كذلك فى المفهوم الحق لحرية العقيدة، أن يكون صونها لمن يمارسونها إضرارا بغيرها؛ ولا أن تيسر الدولة – سراً أو علانية – الانضمام إلى عقيدة ترعاها، إرهاقاً لآخرين من الدخول فى سواها؛ ولا أن يكون تدخلها بالجزاء عقاباً لمن يلوذون بعقيدة لا تصطفيها. وليس لها بوجه خاص إذكاء صراع بين الأديان تمييزاً لبعضها على البعض. كذلك فإن حرية العقيدة لا يجوز فصلها عن حرية ممارسة شعائرها، وهو ما حمل الدستور على أن يضم هاتين الحريتين فى جملة واحدة جرت بها مادته السادسة والأربعون بما نصت عليه من أن حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية مكفولتان. وهو ما يعنى تكاملهما، وأنهما قسيمان لا ينفصلان، وأن ثانيتهما تمثل مظاهر أولاهما باعتبارها انتقالاً بالعقيدة من مجرد الإيمان بها واختلاجها فى الوجدان، إلى التعبير عن محتواها عملاً ليكون تطبيقها حياً، فلا تكمن فى الصدور. ومن ثم ساغ القول بأن أولاهما لا قيد عليها، وأن ثانيتهما يجوز تقييدها من خلال تنظيمها، توكيداً لبعض المصالح العليا التى ترتبط بها، وبوجه خاص ما يتصل منها بصون النظام العام والقيم الأدبية، وحماية حقوق الآخرين وحرياتهم.
19- إنه متى كان ذلك، وكان القرار المطعون فيه لا ينال من حرية العقيدة، ولا يقوض أسسها أو يعطل شعائر ممارستها، ولا يناهض جوهر الدين فى الأصول الكلية التى يقوم عليها، بل يعتبر اجتهاداً مقبولاً شرعاً لا يتوخى غير تنظيم رداء للفتاة – فى دائرة المعاهد التعليمية عبر المراحل الدراسية التى حددها – بما لا ينتقص من حيائها أو يمس عفافها، أو يشى بعوراتها، فإن هذا القرار يدخل فى دائرة تنظيم المباح، ولا يعد افتتائاً على حرية العقيدة.
20 و21- إن ما ينعاه المدعى من إخلال القرار المطعون فيه بالحرية الشخصية بمقولة أن قوامها الاستقلال الذاتى لكل فرد بالمسائل التى تكون أكثر اتصالاً بمصيره وتأثيراً فى أوضاع الحياة التى اختار أنماطها، لتكتمل لشخصيته ملامحها؛ مردود بأنه حتى وإن جاز القول بأن مظهر الشخص من خلال الأزياء التى يرتديها، يبلور إرادة الاختيار التى تمثل نطاقاً للحرية الفردية يرعى مقوماتها ويكفل جوهر خصائصها؛ إلا أن إرادة الاختيار هذه، ينبغى قصر مجال عملها على ما يكون لصيقاً بالشخصية، مرتبطاً بذاتية الإنسان فى دائرة تبرز معها ملامح حياته وقراراته الشخصية فى أدق توجهاتها، وأنبل مقاصدها، كالحق فى اختيار الزوج وتكوين الأسرة، وأن يتخذ الشخص ولداً. ولا يجوز بالتالى بسطها إلى تنظيم محدد، ينحصر فى دائرة بذاتها، يكون الصالح العام ماثلاً فيها، ضبطاً لشئون هؤلاء الذين يقعون فى محيطها، ويندرج تحتهم طلبة المراحل الابتدائية والاعدادية والثانوية وطالباتها. وهو ما يعنى أن الحرية الشخصية لا ينافيها أن يفرض المشرع فى دائرة بذاتها" قيوداً على الأزياء التى يرتديها بعض الأشخاص "فى موقعهم من هذه الدائرة" لتكون لها ذاتيتها، فلا تختلط أرديتهم بغيرها، بل ينسلخون فى مظهرهم عمن سواهم، ليكون زيهم موحداً، متجانساً ولائقاً، دالاً عليهم ومُعَرفاً بهم، وميسراً صوراً من التعامل معهم، فلا تكون دائرتهم هذه نهباً لآخرين يقتحمونها غيلة وعدواناً، ليلتبس الأمر فى شأن من ينتمون إليها حقاً وصدقاً.
22- إن التعليم وإن كان حقاً مكفولاً من الدولة، إلا أن التعليم كله – وعلى ما تنص عليه المادة 18 من الدستور – خاضع لإشرافها. وعليها بالتالى أن ترعى العملية التعليمية بكل مقوماتها، وبما يكفل الربط بين التعليم ومتطلبات مجتمعها، وأن يكون تنظيمها لشئون طلبة بعض المعاهد وطالباتها مبرراً من خلال علاقة منطقية بين مضمون هذا التنظيم، والأغراض التى توخاها وارتبط بها. وهو ما تحقق فى واقعة النزاع الراهن على ضوء الشروط التى حددها القرار المطعون فيه لأزياء المراحل التعليمية الثلاث التى نص عليها، ذلك أن هذا القرار لم يطلق أزياء طلبتها وطالباتها من القيود، بل جعل رداءهم محتشماً موحداً وملائماً، فلا يندمجون فى غيرهم، أو يختلطون بمن سواهم، بل يكون زيهم فى معاهد هذه المراحل، معرفاً بهم دالاً عليهم، كافلاً صحتهم النفسية والعقلية، وبما لا يخل بقيمهم الدينية فلا يتفرقون بدداً.


الإجراءات

ورد إلى قلم كتاب المحكمة ملف الدعوى رقم 21 لسنة 49 قضائية، بعد أن قضت محكمة القضاء الإدارى بالإسكندرية، بإحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل فى مدى دستورية قرار وزير التعليم رقم 113 لسنة 1994 المفسر بالقرار رقم 208 لسنة 1994.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة اصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
وحيث إن الوقائع – حسبما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل فى أن السيد/ محمود سامى على واصل كان قد أقام أمام محكمة القضاء الإدارى بالإسكندرية – وبصفته ولياً طبيعياً على ابنتيه مريم وهاجر – الدعوى رقم 21 لسنة 49 قضائية ضد وزير التعليم، طالبا فيها الحكم بوقف تنفيذ وإلغاء القرار السلبى الصادر بالامتناع عن قبول ابنتيه هاتين بإحدى المدارس الثانوية. وقال شرحاً لدعواه، أنه كان قد توجه بهما إلى مدرسة إيزيس الثانوية للبنات بالسيوف، إلا أنه فوجئ بطردهما منها تأسيساً على صدور قرار من وزير التعليم بمنع الطالبة المنقبة من دخولها بالمخالفة لحكم المادتين 2، 41 من الدستور التى تنص أولاهما: على أن الإسلام دين الدولة ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى لكل تشريعاتها، وتكفل ثانيتهما: صون الحرية الشخصية وتحول دون المساس بها. وقد قضت محكمة القضاء الإدارى – وأثناء نظرها الشق العاجل من الدعوى – أولاً: بقبول الدعوى شكلاً، وبوقف تنفيذ القرار المطعون فيه فيما تضمنه من منع ابنتى المدعى من دخول مدرستهما منقبتين، وألزمت الإدارة المصروفات وأمرت بتنفيذ الحكم بموجب مسودته بغير إعلان. ثانياً: إحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل فى مدى دستورية قرار وزير التعليم رقم 113 لسنة 1994. والمفسر بالقرار رقم 208 لسنة 1994. وأقامت محكمة القضاء الإدارى قضاءها على أن القرار المطعون فيه، قد صدر استناداً إلى قرار وزير التعليم رقم 113 لسنة 1994 الصادر فى 17/ 8/ 1994 متضمناً تحديد هيئة الزى المدرسى من حيث لونه وشكله ومكوناته، ومفسراً بمقتضى قراره رقم 208 لسنة 1994، وإن الفصل فيما إذا كان هذان القراران – وقد انطويا على قواعد عامة مجردة – يخلان بحرية العقيدة التى كفل الدستور أصلها بنص المادة 46، مما يدخل فى ولاية المحكمة الدستورية العليا دون غيرها، لتكون كلمتها فى شأن اتفاقهما أو تعارضهما مع الدستور، قولاً فصلاً، مما يقتضى إحالة الأوراق إليها – وعملاً بالبند (أ) من المادة 29 من قانونها – وذلك للفصل فى دستورية هذين القرارين.
وحيث إن البين من قرار وزير التعليم رقم 113 لسنة 1994 المشار إليه، أنه نص فى مادته الأولى على أن يلتزم تلاميذ وتلميذات المدارس الرسمية والخاصة بارتداء زى موحد وفقاً للمواصفات الآتية:
أولاً الحلقة الابتدائية "بنين وبنات".
مريلة تيل لجميع التلاميذ باللون الذى تختاره المديرية التعليمية – يمكن ارتداء بنطلون فى فصل الشتاء يكون موحدا ومناسبا طبقا لما تحدده المديرية التعليمية. ويجوز استبدال المريلة بقميص وجونلة بطول مناسب بالنسبة للبنات، وقميص وبنطلون بالنسبة للبنين مع ارتداء بلوفر أو جاكت فى فصل الشتاء وفق ما تقرره المديرية التعليمية. – حذاء مدرسى وجورب مناسب بلون الزى المختار.
ثانياً: الحلقة الإعدادية:
1- التلاميذ: بنطلون طويل – قميص بلون مناسب – فى فصل الشتاء يمكن ارتداء بلوفر أو جاكت وفق ما تقرره المديرية التعليمية.
2- التلميذات: بلوزة بيضاء – مريلة من قماش تيل (دريل) بحمالات باللون الذى تختاره المديرية التعليمية – فى فصل الشتاء يمكن أن يكون قماش المريلة صوفاً، ويمكن كذلك أن ترتدى التلميذة بلوفر أو جاكت بلون المريلة. ويجوز استبدال المريلة بقميص طويل بطول مناسب – حذاء مدرسى وجورب بلون مناسب للزى المختار. يمكن بناء على طلب مكتوب من ولى الأمر أن ترتدى التلميذة غطاء للشعر لا يحجب الوجه باللون الذى تختاره المديرية التعليمية.
ثالثاً: المرحلة الثانوية وما فى مستواها:
1- التلاميذ: بنطلون طويل – قميص بلون مناسب – فى فصل الشتاء يمكن ارتداء بلوفر أو جاكت وفق ما تقرره المديرية التعليمية.
2- التلميذات: بلوزة بيضاء – جونلة تيل بطول مناسب بلون تحدده المديرية التعليمية – فى فصل الشتاء يمكن أن تكون المريلة صوفا، كما يمكن أن ترتدى التلميذة بلوفرا أو جاكيتا بلون المريلة – يمكن بناء على طلب مكتوب من ولى الأمر، أن ترتدى التلميذة غطاء للشعر لا يحجب الوجه باللون الذى تختاره المديرية التعليمية – حذاء مدرسى وجورب بلون مناسب للزى المختار.
وتكفل المادتان الثانية والثالثة من هذا القرار، إعلان الزى المدرسى المقرر على تلاميذ كل مدرسة وتلميذاتها فى مكان ظاهر قبل بدء العام الدراسى بشهرين على الأقل، ولا يجوز لمن يخالف حكم المادة الأولى من هذا القرار من تلاميذها أو تلميذاتها دخول مدرستهم أو الانتظام فيها وبمراعاة أن يكون زيهم مناسباً فى كل الأحوال سواء فى مظهره أو أسلوب ارتدائه.
وحيث إن وزير التعليم أصدر بعد القرار الأول – وإزاء ما التبس بمعناه من غموض – قراراً ثانياً مفسراً للقرار السابق ومحدداً فحواه، ومن ثم نص القرار اللاحق – وهو القرار رقم 208 لسنة 1994 – على أن يقصد بالعبارات التالية – فى تطبيق أحكام القرار رقم 113 لسنة 1994 – المعانى المبينة قرين كل منها.
أولاً: بالنسبة إلى تلميذات المرحلتين الإعدادية والثانوية:
1- بناء على طلب مكتوب من ولى الأمر: أن يكون ولى الأمر على علم باختيار التلميذة لارتداء غطاء الشعر، وإن اختيارها لذلك وليد رغبتها دون ضغط أو إجبار من شخص أو جهة غير ولى الأمر، وعلى ذلك لا تمنع التلميذة من دخول مدرستها إذا كانت ترتدى غطاء الشعر، وإنما يحل لها الدخول، على أن يتم التحقيق من علم ولى الأمر.
2- غطاء الشعر: الغطاء الذى تختاره التلميذة برغبتها بما لا يحجب وجهها. ولا يعتد بأية نماذج أو رسوم توضيحية تعبر عن غطاء الشعر بما يناقض ذلك.
ثالثاً: بالنسبة للتلميذات فى جميع مراحل التعليم الثلاث: أن يكون الزى مناسباً فى مظهره وأسلوب ارتدائه: المحافظة على الزى بما يرعى الاحتشام، وبما يتفق مع تعاليم وأخلاق مجتمعهن. وكل زى يخرج على هذا الاحتشام، يكون مخالفاً للزى المدرسي، ولا يسمح للتلميذة التى ترتديه بدخول مدرستها.
وحيث إن قضاء المحكمة الدستورية العليا مطرد على ما نص عليه الدستور فى مادته الثانية – بعد تعديلها فى 22 مايو سنة 1980 – من أن مبادئ الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع، إنما يتمحض عن قيد يجب على كل من السلطتين التشريعية والتنفيذية أن تتحراه وتنزل عليه فى تشريعاتها الصادرة بعد هذا التعديل – ومن بينها أحكام القرار رقم 113 لسنة 1994، المفسر بالقرار رقم 208 لسنة 1994 المطعون عليهما – فلا يجوز لنص تشريعي، أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية فى ثبوتها ودلالتها، باعتبار أن هذه الأحكام وحدها هى التى يكون الاجتهاد فيها ممتنعاً، لأنها تمثل من الشريعة الإسلامية مبادؤها الكلية، وأصولها الثابتة التى لا تحتمل تأويلاً أو تبديلاً.
ومن غير المتصور بالتالى أن يتغير مفهومها تبعاً لتغير الزمان والمكان، إذ هى عصية على التعديل، ولا يجوز الخروج عليها، أو الالتواء بها عن معناها. وتنصب ولاية المحكمة الدستورية العليا فى شأنها، على مراقبة التقيد بها، وتغليبها على كل قاعدة قانونية تعارضها. ذلك أن المادة الثانية من الدستور، تقدم على هذه القواعد، أحكام الشريعة الإسلامية فى أصولها ومبادئها الكلية، إذ هى إطارها العام، وركائزها الأصلية التى تفرض متطلباتها دوما بما يحول دون إقرار أية قاعدة قانونية على خلافها؛ وإلا اعتبر ذلك تشهياً وإنكاراً لما علم من الدين بالضرورة. ولا كذلك الأحكام الظنية غير المقطوع بثبوتها أو بدلالتها أو بهما معاً، ذلك أن دائرة الاجتهاد تنحصر فيها، ولا تمتد لسواها، وهى بطبيعتها متطورة تتغير بتغير الزمان والمكان، لضمان مرونتها وحيويتها، ولمواجهة النوازل على اختلافها، تنظيماً لشئون العباد بما يكفل مصالحهم المعتبرة شرعاً، ولا يعطل بالتالى حركتهم فى الحياة، على أن يكون الاجتهاد دوماً واقعاً فى إطار الأصول الكلية للشريعة بما لا يجاوزها؛ ملتزماً ضوابطها الثابتة، متحرياً مناهج الاستدلال على الأحكام العملية، والقواعد الضابطة لفروعها، كافلاً صون المقاصد العامة للشريعة بما تقوم عليه من حفاظ على الدين والنفس والعقل والعرض والمال.
وحيث إن إعمال حكم العقل فيما لا نص فيه، تطويراً لقواعد عملية تكون مضمونها أرفق بالعباد وأحفل بشئونهم، وأكفل لمصالحهم الحقيقية التى تشرع الأحكام لتحقيقها، وبما يلائمها، مرده أن شريعة الله جوهرها الحق والعدل، والتقيد بها خير من فساد عريض، وانغلاقها على نفسها ليس مقبولاً ولا مطلوباً، ذلك أنها لا تمنح أقوال أحد الفقهاء فى شأن من شئونها، قدسية تحول دون مراجعتها وإعادة النظر فيها، بل وإبدالها بغيرها. فالآراء الاجتهادية فى المسائل المختلف عليها ليس فى ذاتها قوة متعدية لغير القائلين بها، ولا يجوز بالتالى اعتبارها شرعاً ثابتاً متقرراً لا يجوز أن ينقض، وإلا كان ذلك نهياً عن التأمل والتبصر فى دين الله تعالى، وإنكاراً لحقيقة أن الخطأ فى كل اجتهاد. بل إن من الصحابة من تردد فى الفتيا تهيباً. ومن ثم صح القول بأن اجتهاد أحد من الفقهاء ليس أحق بالاتباع من اجتهاد غيره، وربما كان أضعف الآراء سنداً، أكثرها ملاءمة للأوضاع المتغيرة، ولو كان مخالفاً لآراء استقر عليها العمل زمناً. وتلك هى الشريعة الإسلامية فى أصولها ومنابتها، متطورة بالضرورة، نابذة الجمود، لا يتقيد الاجتهاد فيها – وفيما نص عليه – بغير ضوابطها الكلية، وبما لا يعطل مقاصدها التى ينافيها أن يتقيد ولى الأمر فى شأن الأحكام الفرعية والعملية المستجيبة بطبيعتها للتطور، بآراء بذاتها لا يريم عنها، أو أن يقعد باجتهاده عند لحظة زمنية معينة تكون المصالح المعتبرة شرعاً قد جاوزتها.
وحيث إن من المقرر – على ضوء ما تقدم – أن لولى الأمر أن يُشَرع بما يرد الأمر المتنازع عليه إلى الله ورسوله، مستلهما فى ذلك أن المصالح المعتبرة، هى تلك التى تكون مناسبة لمقاصد الشريعة، متلاقية معها، وهى بعد مصالح لا تتناهى جزئياتها، أو تنحصر تطبيقاتها، ولكنها تتحدد – مضموناً ونطاقاً – على ضوء أوضاعها المتغيرة. يؤيد ذلك أن الصحابة والتابعين، والأئمة المجتهدين، كثيراً ما قرروا أحكاماً متوخين بها مطلق مصالح العباد، طلباً لنفعهم أو دفعاً لضرر عنهم أو رفعاً لحرجهم، باعتبار أن مصالحهم هذه، تتطور على ضوء أوضاع مجتمعاتهم، وليس ثمة دليل شرعى على اعتبارها أو إلغائها.
وحيث الأصل فى سلطة المشرع فى مجال تنظيم الحقوق، أنها سلطة تقديرية ما لم يقيد الدستور ممارستها بضوابط تحد من إطلاقها، وتكون تخوماً لها لا يجوز اقتحام آفاقها أو تخطيها سواء بنقضها أو انتقاصها من أطرافها، ذلك إن إهدار الحقوق التى كفلها الدستور أو تهميشها، عدوان على مجالاتها الحيوية التى لا تتنفس إلا من خلالها. ولا يجوز بالتالى أن يكون تنظيم هذه الحقوق، مناقضاً لفحواها، بل يتعين أن يكون منصفا ومبررا.
وحيث إن البين من المطاعن التى نسبتها محكمة الموضوع إلى القرار المطعون فيه، وكذلك تلك التى طرحها الطاعن عليها باعتباره والد الطالبتين اللتين طردتا من مدرستهما لتنقبهما، أنها لا تتعلق بأزياء البنين من طلبة المراحل الابتدائية أو الإعدادية أو الثانوية وما فى مستواها من ناحية هيئتها ومكوناتها، ولكنها تتناول أصلا ما تقرر لطالباتها من أزياء سواء فى مظهرها أو مواصفاتها أو أسلوبهن فى ارتدائها، وكذلك ملامح وخصائص خُمُرِهن، لتنحصر المناعى الدستورية فى هذا النطاق لا تتعداه.
وحيث إن القرار المطعون فيه، قد قرر لكل فتاة تلتحق بإحدى المراحل التعليمية التى نص عليها، هيئة محددة لزيها تكفل فى أوصافها الكلية، مناسبتها لها، ولا يكون موضعها من بدنها كاشفاً عما ينبغى ستره منها، بل يكون أسلوبها فى ارتدائها كافلاً احتشامها، ملتزماً تقاليد وأخلاق مجتمعها.
وحيث إن الشريعة الإسلامية – فى تهذيبها للنفس البشرية وتقويمها للشخصية الفردية – لا تقرر إلا جوهر الأحكام التى تكفل بها للعقيدة إطاراً يحميها، ولأفعال المكلفين ما يكون ملتئماً مع مصالحهم المعتبرة، فلا يبغونها عوجاً، ولا يحيدون أبداً عن الطريق إلى ربهم تعالى، بل يكون سلوكهم أطهر لقلوبهم، وأدعى لتقواهم. وفى هذا الإطار، أعلى الإسلام قدر المرأة، وحضها على صون عفافها، وأمرها بستر بدنها عن المهانة والابتذال، لتسمو المرأة بنفسها عن كل ما يشينها أو ينال من حيائها، وعلى الأخص من خلال تبرجها، أو لينها فى القول، أو تكسر مشيتها؛ أو من خلال اظهارها محاسنها إغواءً لغيرها، أو بإبدائها ما يكون خافياً من زينتها. وليس لها شرعاً أن تطلق إرادتها فى اختيارها لزيها، ولا أن تقيم اختيارها هذا بهواها، ولا أن تدعى تعلق زيها بدخائلها، بل يتعين أن يستقيم كيانها، وأن يكون لباسها عوناً لها على القيام بمسئولياتها فى مجال عمارة الأرض، وبمراعاة أن هيئة ثيابها ورسمها، لا تضبطهما نصوص مقطوع بها سواء فى ثبوتها أو دلالتها، لتكون من المسائل الاختلافية التى لا ينغلق الاجتهاد فيها، بل يظل مفتوحاً فى إطار ضابط عام حددته النصوص القرآنية ذاتها إذ يقول تعالى ) وليضربن بخمرهن على جيوبهن( ) ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها( ) يدنين عليهن من جلابيبهن( ) ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن( ليخرج لباس المرأة بذلك عن أن يكون من الأمور التعبدية التى لا تبديل فيها. بل يكون لولى الأمر السلطة الكاملة التى يشرع بها الأحكام العملية فى نطاقها، تحديداً لهيئة ردائها أو ثيابها على ضوء ما يكون سائداً فى مجتمعها بين الناس مما يعتبر صحيحاً من عاداتهم وأعرافهم التى لا يصادم مفهومها نصاً قطعياً، بل يكون مضمونها متغيراً بتغير الزمان والمكان، وإن كان ضابطها أن تحقق الستر بمفهومه الشرعي، ليكون لباس المرأة تعبيراً عن عقيدتها.
وحيث إن تنازع الفقهاء فيما بينهم فى مجال تأويل النصوص القرآنية، وما نقل عن الرسول من أحاديثه صحيحها وضعيفها، وإن آل إلى تباين الآراء فى شأن لباس المرأة، وما ينبغى ستره من بدنها، إلا أن الشريعة الإسلامية – فى جوهر أحكامها وبمراعاة مقاصدها – تتوخى من ضبطها لثيابها، أن تعلى قدرها، ولا تجعل للحيوانية مدخلاً إليها، ليكون سلوكها رفعياً لا ابتذال فيه ولا اختيال، وبما لا يوقعها فى الحرج إذا اعتبر بدنها عورة مع حاجتها إلى تلقى العلوم على اختلافها، وإلى الخروج لمباشرة ما يلزمها من الأعمال التى تختلط فيها بالآخرين، وليس متصوراً بالتالى أن تموج الحياة بكل مظاهرها من حولها، وأن يطلب منها على وجه الاقتضاء، أن تكون شبحاً مكسواً بالسواد أو بغيره، بل يتعين أن يكون لباسها شرعاً قرين تقواها، وبما لا يعطل حركتها فى الحياة، فلا يكون محدداً لجمال صورتها، ولا حائلاً دون يقظتها، ومباشرتها لصور النشاط التى تفرضها حاجتها ويقتضيها خير مجتمعها، بل موازنا بين الأمرين، ومُحَدداً على ضوء الضرورة، وبمراعاة ما يعتبر عادة وعرفاً صحيحين.
ولا يجوز بالتالى أن يكون لباسها، مجاوزاً حد الاعتدال، ولا احتجاباً لكل بدنها ليضيق عليها اعتسافاً، ولا اسدالا لخمارها من وراء ظهرها، بل اتصالاً بصدرها ونحرها فلا ينكشفان، مصداقاً لقوله تعالى ) وليضربن بخمرهن على جيوبهن( واقتراناً بقوله جل شأنه بأن ) يدنين عليهن من جلابيبهن( فلا يبدو من ظاهر زينتها إلا ما لا يعد عورة، وهما وجهها وكفاها، بل وقدماها عند بعض الفقهاء "ابتلاء بإبدائهما" على حد قول الحنفية ودون أن يضربن بأرجلهن ) ليعلم ما يخفين من زينتهن( .
وقد دعا الله تعالى الناس جميعاً أن يأخذوا زينتهم ولا يسرفوا، وهو ما يعنى أن التزامها حد الاعتدال، يقتضى ألا تصفها ثيابها ولا تشى بما تحتها من ملامح أنوثتها، فلا يكون تنقبها مطلوباً منها شرعاً طلباً جازماً، ولا سترها لزينتها شكلاً مجرداً من المضمون، بل يتعين أن يكون مظهرها منبئاً عن عفافها، ميسراً لإسهامها المشروع فيما يعنيها على شئون حياتها، ويكون نائياً بها عن الابتذال، فلا يقتحمها رجال استمالتهم إليها بمظاهر جسدها، مما يقودها إلى الإثم انحرافاً، وينال من قدرها ومكانتها.
وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكان تحريم أمر أو شأن من الشئون، لا يتعلق بما هو محتمل، بل بما يكون معلوماً بنص قطعي، وإلا ظل محمولاً على أصل الحل؛ وكان لا دليل من النصوص القرآنية، ولا من سنتنا الحميدة على أن لباس المرأة يتعين شرعاً أن يكون احتجاباً كاملاً، متخذاً نقاباً محيطاً بها منسدلاً عليها لا يُظْهِر منها إلا عينيها ومحجريهما؛ فإن إلزامها إخفاء وجهها وكفيها، وقدميها عند البعض، لا يكون تأويلاً مقبولاً، ولا معلوماً من الدين بالضرورة. ذلك أن معنى العورة المتفق عليها لا يتصل بهذه الأجزاء من بدنها، بل إن كشفها لوجهها أعون على اتصالها بأخلاط من الناس يعرفونها، ويفرضون نوعاً من الرقابة على سلوكها وهو كذلك أكفل لحياتها وغضها من بصرها وأصون لنفسيتها، وأدعى لرفع الحرج عنها.
وما ارتآه البعض من أن كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها، مردود بأن مالكاً وأبا حنيفة وأحمد بن حنبل فى رواية عنه، والمشهور عند الشافعيه، لا يرون ذلك. والرسول عليه السلام يصرح بأن بلوغ المرأة الحيض، يقتضيها أن يكون ثوبها ساتراً لبدنها عدا وجهها وكفيها.
وحيث إن استقراء الأحكام التى جرى بها القرار المطعون فيه، يدل على أن لكل طالبة أن تتخذ خماراً تختاره برغبتها ولا يكون ساتراً لوجهها، على أن يشهد ولى أمرها بأن اتخاذها الخمار غطاء لرأسها، ليس ناجماً عن تدخل آخرين فى شئونها، بل وليد إرادتها الحرة، وهى شهادة يمكن أن يقدمها بعد انتظامها فى دراستها.
كذلك دل هذا القرار، على أن زيها ينبغى أن يكون مناسباً مظهراً وطرازاً – لا بمقاييسها الشخصية – ولكن بما يرعى احتشامها، ويكون موافقاً لتقاليد وأخلاق مجتمعها. ولا يجوز أن يكون أسلوبها – فى مجال ارتدائها لزيها – دالاً على فحشها.
ولا يناقض القرار المطعون فيه – فى كل ما تقدم – نص المادة الثانية من الدستور، ذلك أن لولى الأمر – فى المسائل الخلافية – حق الاجتهاد بما ييسر على الناس شئونهم، ويعكس ما يكون صحيحاً من عاداتهم وأعرافهم، وبما لا يعطل المقاصد الكلية لشريعتهم التى لا ينافيها أن ينظم ولى الأمر – فى دائرة بذاتها – لباس الفتاة، فلا يكون كاشفاً عن عورتها أو ساقيها، ولا واشياً ببدنها، أو منبئاً عما لا يجوز إظهاره من ملامحها، أو نافياً لحيائها. وهو ما توخاه هذا القرار، حين ألزم كل تلميذة تلتحق بإحدى المراحل التعليمية التى نص عليها، بأن يكون زيها مناسباً حائلاً دون تبذلها، ناهياً عن عريها أو إظهار مفاتنها. بل إن أسلوبها فى ارتداء زيها يتعين فوق هذا، أن يكون ملائماً لقيمها الدينية التى تندمج بالضرورة فى أخلاق مجتمعها وتقاليده.
كذلك فإن خمارها وفقاً لهذا القرار، ليس إلا غطاء لرأسها لا يحجب وجهها وكفيها، وإن كان مترامياً إلى صدرها ونحرها، فلا يكفى أن تلقيه من وراء ظهرها.
وحيث إن النعى على القرار المطعون فيه، مخالفته لحرية العقيدة التى نص عليها الدستور فى المدة 46، مردود بأن هذه الحرية – فى أصلها – تعنى ألا يحمل الشخص على القبول بعقيدة لا يؤمن بها، أو التنصل من عقيدة دخل فيها أو الإعلان عنها، أو ممالأة إحداها تحاملاً على غيرها سواء بإنكارها أو التهوين منها أو ازدرائها، بل تتسامح الأديان فيما بينها، ويكون احترامها متبادلاً.
ولا يجوز كذلك فى المفهوم الحق لحرية العقيدة، أن يكون صونها لمن يمارسونها إضراراً بغيرها؛ ولا أن تيسر الدولة – سراً أو علانية – الانضمام إلى عقيدة ترعاها، إرهاقاً لآخرين من الدخول فى سواها؛ ولا أن يكون تدخلها بالجزاء عقاباً لمن يلوذون بعقيدة لا تصطفيها. وليس لها بوجه خاص إذكاء صراع بين الأديان تمييزاً لبعضها على البعض. كذلك فإن حرية العقيدة لا يجوز فصلها عن حرية ممارسة شعائرها، وهو ما حمل الدستور على أن يضم هاتين الحريتين فى جملة واحدة جرت بها مادته السادسة والأربعون بما نصت عليه من أن حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية مكفولتان. وهو ما يعنى تكاملهما، وأنهما قسيمان لا ينفصلان، وأن ثانيتهما تمثل مظاهر أولاهما باعتبارها انتقالاً بالعقيدة من مجرد الإيمان بها واختلاجها فى الوجدان، إلى التعبير عن محتواها عملاً ليكون تطبيقها حياً، فلا تكمن فى الصدور. ومن ثم ساغ القول بأن أولاهما لا قيد عليها، وأن ثانيتهما يجوز تقييدها من خلال تنظيمها، توكيداً لبعض المصالح العليا التى ترتبط بها، وبوجه خاص ما يتصل منها بصون النظام العام والقيم الأدبية، وحماية حقوق الآخرين وحرياتهم.
وحيث إنه متى كان ذلك، وكان القرار المطعون فيه لا ينال من حرية العقيدة، ولا يقوض أسسها أو يعطل شعائر ممارستها، ولا يناهض جوهر الدين فى الأصول الكلية التى يقوم عليها، بل يعتبر اجتهاداً مقبولاً شرعاً لا يتوخى غير تنظيم رداء للفتاة – فى دائرة المعاهد التعليمية عبر المراحل الدراسية التى حددها – بما لا ينتقص من حيائها أو يمس عفافها، أو يشى بعوراتها؛ فإن هذا القرار يدخل فى دائرة تنظيم المباح، ولا يعد افتتائاً على حرية العقيدة.
وحيث إن ما ينعاه المدعى من إخلال القرار المطعون فيه بالحرية الشخصية بمقولة إن قوامها الاستقلال الذاتى لكل فرد بالمسائل التى تكون أكثر اتصالاً بمصيره وتأثيراً فى أوضاع الحياة التى اختار أنماطها، لتكتمل لشخصيته ملامحها، مردود بأنه حتى وإن جاز القول بأن مظهر الشخص من خلال الأزياء التى يرتديها، يبلور إرادة الاختيار التى تمثل نطاقاً للحرية الفردية يرعى مقوماتها ويكفل جوهر خصائصها؛ إلا أن إرادة الاختيار هذه، ينبغى قصر مجال عملها على ما يكون لصيقاً بالشخصية، مرتبطاً بذاتية الإنسان فى دائرة تبرز معها ملامح حياته وقراراته الشخصية فى أدق توجهاتها، وأنبل مقاصدها، كالحق فى اختيار الزوج وتكوين الأسرة، وأن يتخذ الشخص ولداً. ولا يجوز بالتالى بسطها إلى تنظيم محدد، ينحصر فى دائرة بذاتها، يكون الصالح العام ماثلاً فيها، ضبطاً لشئون هؤلاء الذين يقعون فى محيطها، ويندرج تحتهم طلبة المراحل الابتدائية والاعدادية والثانوية وطالباتها. وهو ما يعنى أن الحرية الشخصية لا ينافيها أن يفرض المشرع فى دائرة بذاتها" قيوداً على الأزياء التى يرتديها بعض الأشخاص "فى موقعهم من هذه الدائرة" لتكون لها ذاتيتها، فلا تختلط أرديتهم بغيرها، بل ينسلخون فى مظهرهم عمن سواهم، ليكون زيهم موحداً، متجانساً ولائقاً، دالاً عليهم ومُعَرفاً بهم، وميسراً صوراً من التعامل معهم، فلا تكون دائرتهم هذه نهباً لآخرين يقتحمونها غيلة وعدواناً، ليلتبس الأمر فى شأن من ينتمون إليها حقاً وصدقاً.
وحيث إن التعليم وإن كان حقاً مكفولاً من الدولة، إلا أن التعليم كله – وعلى ما تنص عليه المادة 18 من الدستور – خاضع لإشرافها. وعليها بالتالى أن ترعى العملية التعليمية بكل مقوماتها، وبما يكفل الربط بين التعليم ومتطلبات مجتمعها، وأن يكون تنظيمها لشئون طلبة بعض المعاهد وطالباتها مبرراً من خلال علاقة منطقية بين مضمون هذا التنظيم، والأغراض التى توخاها وارتبط بها. وهو ما تحقق فى واقعة النزاع الراهن على ضوء الشروط التى حددها القرار المطعون فيه لأزياء المراحل التعليمية الثلاث التى نص عليها، ذلك أن هذا القرار لم يطلق أزياء طلبتها وطالباتها من القيود، بل جعل رداءهم محتشماً موحداً وملائماً، فلا يندمجون فى غيرهم، أو يختلطون بمن سواهم، بل يكون زيهم فى معاهد هذه المراحل، معرفاً بهم دالاً عليهم، كافلاً صحتهم النفسية والعقلية، وبما لا يخل بقيمهم الدينية فلا يتفرقون بدداً.
وحيث إن القرار المطعون فيه لا يناقض أحكام الدستور من أوجه أخرى.

فلهذه الأسباب:

حكمت المحكمة برفض الدعوى.


صدر هذا الحكم من الهيئة المبينة صدره، أما المستشار عبد الرحمن نصير الذى سمع المرافعة وحضر المداولة ووقع على مسودة الحكم، فقد جلس بدله عند تلاوته السيد المستشار محمد عبد القادر عبد الله.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات