الطعن رقم 813 لسنة 33 ق – جلسة 11 /11 /1963
أحكام النقض – المكتب الفني – جنائي
العدد الثالث – السنة 14 – صـ 778
جلسة 11 من نوفمبر سنة 1963
برياسة السيد/ محمد متولي عتلم نائب رئيس المحكمة، وبحضور السادة المستشارين: أديب نصر، وحسين صفوت السركي، وأحمد موافي، وعبد الوهاب خليل.
الطعن رقم 813 لسنة 33 القضائية
( أ ) نقص. "الحكم في الطعن". "أثر نقض الحكم". استئناف.
نقض الحكم يعيد الدعوى أمام محكمة الإحالة إلى حالتها الأولى قبل صدور الحكم المنقوض.
عدم بحث محكمة الإحالة في صحة شكل الاستئناف استناداً إلى سبق القضاء بقبوله شكلاً
بالحكم المنقوض. مخالف للقانون.
(ب) خطأ. إصابة خطأ. نقض. "أسباب الطعن". "ما لا يقبل من الأسباب". حكم. "تسبيبه. تسبيب
غير معيب". مسئولية جنائية. مسئولية مدنية.
تقدير الخطأ المستوجب لمسئولية مرتكبه جنائياً أو مدنياً. موضوعي. مثال في إصابة خطأ.
(ج) حكم. "تسبيبه. تسبيب غير معيب". محاكمة. "إجراءاتها".
متى يحق للقاضي الجنائي أن يقضى بالبراءة: يكفى تشككه في صحة إسناد التهمة للمتهم.
ما دام أن الحكم أحاط بالدعوى عن بصر وبصيرة.
1 – نقض الحكم يعيد الدعوى أمام محكمة الإحالة إلى حالتها الأولى قبل صدور الحكم المنقوض.
ولما كانت المحكمة التي أعيدت إليها الدعوى لم تبحث بنفسها في صحة شكل الاستئناف استناداً
إلى أن هذا الاستئناف سبق أن قضى بقبوله شكلاً بالحكم المنقوض فإن حكمها يكون مخالفاً
للقانون.
2 – من المقرر أن تقدير الخطأ المستوجب لمسئولية مرتكبه جنائياً أو مدنياً مما يتعلق
بموضوع الدعوى، ومتى استخلصت المحكمة مما أوضحته من الأدلة السائغة التي أوردتها أن
المجني عليها عبرت الطريق قبل التحقق من خلوه فاصطدمت بالجزء الخلفي الأيسر للسيارة
مما نجم عنه إصابتها وأنه لم يقع خطأ من المتهمة تتحقق به مسئوليتها عن الحادث ولم
تأخذ بتصوير المجني عليها من أن السيارة صدمتها بمقدمها بعد أن استبانت من المعاينة
ما يناقض هذا التصوير فلا يقبل المجادلة في ذلك لدى محكمة النقض.
3 – يكفى في المحاكمة الجنائية أن يتشكك القاضي في صحة إسناد التهمة إلى المتهم لكي
يقضى له بالبراءة، إذ مرجع الأمر في ذلك إلى ما يطمئن إليه في تقدير الدليل ما دام
الظاهر من الحكم أنه أحاط بالدعوى عن بصر وبصيرة.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة المطعون ضدها بأنها في يوم 12/ 8/ 1956 بدائرة قسم قصر النيل: "تسببت من غير قصد ولا تعمد في إصابة زينب جمعه يونس وكان ذلك ناشئاً عن إهمالها وعدم احتياطها وعدم مراعاتها اللوائح بأن قادت سيارة بغير حيطة وصدمت المجني عليها فأحدثت بها الإصابات الموصوفة بالتقرير الطبي". وطلبت عقابها بالمادة 244 من قانون العقوبات. وقد ادعت المجني عليها بحق مدني قبل المتهمة وطلبت القضاء لها قبلها بمبلغ ثلاثمائة جنيه بصفة تعويض. ومحكمة جنح قصر النيل قضت حضورياً بتاريخ 19 يونيه سنة 1958 عملاً بمادة الاتهام بتغريم المتهمة عشرة جنيهات والنفاذ وإلزامها بأن تدفع للمدعية بالحق المدني مبلغ ثلاثمائة جنيه على سبيل التعويض والمصاريف المدنية المناسبة ورفضت ما عدا ذلك من الطلبات. فاستأنفت المحكوم عليها هذا الحكم. ومحكمة مصر الابتدائية – بهيئة استئنافية – قضت حضورياً اعتبارياً بتاريخ 26 أكتوبر سنة 1958 بقبول الاستئناف شكلاً وفى الموضوع بإلغاء الحكم المستأنف وبراءة المتهمة ورفض الدعوى المدنية وألزمت المدعية بالحق المدني بمصروفات الدعوى المدنية عن الدرجتين. فطعنت المدعية بالحقوق المدنية في هذا الحكم بطريق النقض. وقضى فيه بجلسة 12/ 4/ 1960 بقبول الطعن شكلاً وفى الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه وإحالة القضية إلى محكمة القاهرة الابتدائية للحكم فيها مجدداً من دائرة استئنافية أخرى وإلزام المطعون ضدها المصاريف. ومحكمة القاهرة الابتدائية – بهيئة استئنافية مجددة – قضت حضورياً بتاريخ 12/ 11/ 1961 بقبول الاستئناف شكلاً وفى الموضوع بإلغاء الحكم المستأنف بالنسبة للدعوى المدنية المعروضة على هذه المحكمة ورفض الدعوى المدنية مع إلزام رافعها مصروفاتها المدنية عن الدرجتين ومائتي قرش أتعاب المحاماة. فطعن الطاعن في هذا الحكم بطريق النقض للمرة الثانية ….. إلخ.
المحكمة
حيث إن مبنى الوجه الأول هو مخالفة القانون، ذلك أن محكمة ثاني
درجة عندما أعيدت إليها الدعوى بعد نقض الحكم الأول لم تبحث في شكل الاستئناف المرفوع
من المطعون ضدها استناداً إلى أن الحكم المنقوض سبق أن قضى بقبوله ولم يكن هذا الشق
متعلقاً بالأوجه التي بنى عليها النقض وهو ما ينطوي على مخالفة القانون إذ أن النقض
كان مبناه إخلال الحكم المنقوض بحق الدفاع وهو يتسع للشكل والموضوع معاً كما أنه من
المقرر أنه في حالة نقض الحكم تعود الدعوى إلى محكمة الموضوع بالحالة نفسها التي كانت
عليها أمام الهيئة السابقة ويكون للهيئة الجديدة الحق المطلق في الفصل فيها بما تراه
لأن الحكم المنقوض يعتبر كأن لم يكن ولا يقيد الهيئة الجديدة بشئ.
وحيث إن النيابة العامة أقامت الدعوى الجنائية ضد المطعون ضدها بوصف أنها تسببت من
غير قصد ولا تعمد في إصابة زينب جمعه يونس وكان ذلك ناشئاً عن إهمالها وعد احتياطها
وعدم مراعاتها اللوائح بأن قادت سيارة بغير حيطة وصدمت المجني عليها وأحدثت بها الإصابات
المبينة بالتقرير الطبي وقضت محكمة أول درجة بتغريم المطعون ضدها عشرة جنيهات وإلزامها
بأن تدفع للمدعية بالحق المدني السيدة زينب جمعه يونس مبلغ ثلاثمائة جنيه على سبيل
التعويض والمصاريف المدنية المناسبة – وخمسة جنيهات أتعاباً للمحاماة فاستأنف المطعون
ضدها هذا الحكم وقضت محكمة ثاني درجة بقبول الاستئناف شكلاً وفى الموضوع بإلغاء الحكم
المستأنف وبراءة المتهمة ورفض الدعوى المدنية وألزمت المدعية بالحق المدني بمصروفات
الدعوى المدنية عن الدرجتين فطعنت المدعية بالحق المدني بطريق النقض في هذا الحكم وقضت
هذه المحكمة في 12 من أبريل سنة 1960 بنقض الحكم وإحالة القضية إلى محكمة القاهرة الابتدائية
للحكم فيها مجدداً من دائرة استئنافية أخرى ولما أعيدت محاكمة الطاعن قضت المحكمة بحكمها
المطعون فيه في موضوع الاستئناف بإلغاء الحكم المستأنف بالنسبة إلى الدعوى المدنية
ورفض هذه الدعوى مع إلزام رافعها مصروفاتها المدنية عن الدرجتين ومائتي قرش مقابل أتعاب
المحاماة وعرض الحكم لشكل الاستئناف بقوله "وحيث إن الاستئناف سبق أن قضى بقبوله شكلاً
بالحكم الذي نقض ولم يكن هذا الشق متعلقاً بالأوجه التي بنى عليها النقض (مادة 435
إجراءات) ومن ثم فشكل الاستئناف غير معروض على هذه المحكمة. لما كان ذلك، وكان نقض
الحكم يعيد الدعوى أمام محكمة الإحالة إلى حالتها الأولى قبل صدور الحكم المنقوض وكانت
المحكمة التي أعيدت إليها الدعوى لم تبحث بنفسها في صحة شكل الاستئناف استناداً إلى
أن هذا الاستئناف سبق أن قضى بقبوله شكلاً بالحكم المنقوض فإن حكمها يكون مخالفاً للقانون
إلا أنه لا مصلحة للطاعنين في نقض الحكم على هذا الأساس طالما أنه يبين من الاطلاع
على الأوراق أن استئناف المتهمة قد رفع في الميعاد المقرر له قانوناً، ذلك أنه وإن
كان قد تقرر به في أول يوليه سنة 1958 عن حكم حضوري صدر في 19 يونيه سنة 1958 إلا أن
المدة من 27 يونيه إلى 30 يونيه سنة 1958 صادفت عطلة عيد الأضحى مما يمتد معه ميعاد
الاستئناف إلى اليوم التالي الذي رفع فيه الاستئناف.
وحيث إن مبنى باقي أوجه الطعن هو مخالفة القانون والقصور في التسبيب والفساد في الاستدلال
ذلك أن الحكم المطعون فيه لم يعتبر عدم استعمال المتهمة آلة التنبيه لتحذير المجني
عليها خطأ يوجب مسئوليتها عن الحادث استناداً إلى أن المتهمة لم تكن في حاجة استعمالها
لأن المجني عليها شاهدت السيارة حين همت بعبور الطريق مع أن لائحة المرور توجب تحذير
المارة بآلة التنبيه عند تعرضهم للخطر بصرف النظر عن سلوكهم كما أن الثابت من أقوال
المجني عليها أنها لم تشاهد السيارة خلافاً لما ذهب إليه الحكم. وقد قضى هذا الحكم
بإلغاء الحكم المستأنف فيما قضى به من تعويض وبرفض الدعوى المدنية استناداً إلى انتفاء
عنصر الخطأ في حق المتهمة دون أن يرد على ما أثبته الحكم المستأنف من أنها قادت السيارة
دون حيطة مما أدى إلى وقوع الحادث واستدل على انتفاء الخطأ في حقها بعدم العثور على
آثار فرامل للسيارة في مكان الحادث وهو استدلال غير سائغ إذ قد يكون انعدام أثر الفرامل
راجعاً إلى تلفها أو لأي سبب آخر.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى في قوله إنها "تخلص فيما قرره الأومباشى
محمد مصطفى الدعدع بقوة قلم المرور من أنه أثناء وقوفه بتقاطع شارعي 26 يوليو وحسن
صبري تنبه إلى أن السيارة التي كانت تقودها المتهمة صدمت سيدة كانت تعبر الطريق ورآها
خلف السيارة بنصف متر تقريباً وفى الجهة اليسرى بالنسبة لها وأضاف أن إشارة المرور
كانت مفتوحة لسيارة المتهمة قبل الحادث وأنه لم تكن هناك سيارات كثيرة تجرى في نفس
اتجاه سيارة المتهمة. وبسؤال المجني عليها قررت أنها كانت تعبر شارع حسن صبري عند التقائه
بشارع 26 يوليو وكانت قادمة من الجهة الشرقية للغربية وقبل وصولها للرصيف الآخر فوجئت
بالسيارة التي كانت قادمة من شارع حسن صبري من الجهة الشمالية للجهة الجنوبية فسقطت
على الأرض وأضافت أنها لم تشاهد السيارة قبل الحادث وأنها لم تسمع آلة التنبيه وبالكشف
على المجني عليها تبين أنها مصابة بكسر مضاعف بإحدى العظمتين مع جرح متهتك بالشفة العليا
وكسر بالفك العلوي من الجهة اليمنى وجرح رضي بالشفة السفلى وكسر بعظمة الأنف وبمعاينة
مكان الحادث وجدت بقع من الدماء تقع على يسار السيارة وتبعد عن مؤخرها بحوالي نصف متر
ولم توجد آثار فرامل للسيارة كما تبين أن عرض الشارع يبلغ أثنى عشر متراً وأن المسافة
بين السيارة والرصيف الغربي لشارع حسن صبري ثلاثة أمتار. وبسؤال المتهمة أنكرت التهمة
وقررت أنها كانت تسير في شارع حسن صبري من الجهة الشمالية للجهة الجنوبية بسرعة حوالي
30 كيلو متراً وأن إشارة المرور كانت قد فتحت لها قبيل وصولها إلى تقاطع شارعي حسن
صبري و26 يوليو وأنها شاهدت أثناء سيرها سيدتين تحاولان عبور الطريق وبعد مرورها منهما
شعرت باصطدام في جانب السيارة الأيسر فأوقفت السيارة ووجدت المجني عليها مصابة خلفها".
وتحدث الحكم عن الدعوى المدنية بقوله "وحيث إن عناصر الدعوى المدنية هي الخطأ والضرر
وعلاقة السببية ولا ترى المحكمة في وقائع الدعوى ما يدل على توافر خطأ في جانب المدعى
عليها ذلك أنه ثابت من المعاينة أن أثر الدماء الذي تخلف عن إصابة المجني عليها وجد
في الجهة اليسرى بالنسبة لسيارة المتهمة وعلى مسافة نصف متر منها وأنه لم يعثر على
آثار فرامل للسيارة بمكان الحادث مما يفيد أن المتهم لم ترتكب خطأ ما أثناء قيادتها
سيارتها وأن المجني عليها اصطدمت بالسيارة في الجزء الخلفي الأيسر منها أما فيما يتعلق
بواقعة عدم استعمال المتهمة لآلة التنبيه فقد عللتها الأخيرة بأنها لم تكن في حاجة
إلى ذلك لأن المجني عليها كانت قد شاهدت السيارة عندما همت في الشروع في عبور الطريق
أما فيما يتعلق بما قررته المجني عليها من أن السيارة صدمتها بمقدمها فإنه قول يكذبه
ما جاء في المعاينة وأما قولها بأنها تأكدت من خلو الطريق قبل عبورها له فإنه يناقضه
ما قررته هي من أنها لم تشاهد السيارة قبل الحادث. وحيث إنه يخلص مما تقدم أن إصابة
المجني عليها حدثت نتيجة خطئها وحدها في عبورها الطريق قبل التحقق من خلوه وأنه لم
يرد في الأوراق دليل على وقوع خطأ من المتهمة نتج عنه إصابة المجني عليها. وحيث إنه
من ثم تكون عناصر المسئولية المدنية غير متوافرة في حق المتهمة ويتعين بالتالي إلغاء
الحكم المستأنف ورفض الدعوى المدنية". لما كان ذلك، وكان ما انتهى إليه الحم سائغاً
وصحيحاً في القانون، وكان من المقرر أن تقدير الخطأ المستوجب لمسئولية مرتكبه جنائياً
أو مدنياً مما يتعلق بموضوع الدعوى ومتى استخلصت المحكمة مما أوضحته من الأدلة السائغة
التي أوردتها أن المجني عليها عبرت الطريق قبل التحقق من خلوه فاصطدمت بالجزء الخلفي
الأيسر للسيارة مما نجم عنه إصابتها وأنه لم يقع خطأ من المتهمة تتحقق به مسئوليتها
عن الحادث ولم تأخذ بتصوير المجني عليها من أن السيارة قد صدمتها بمقدمتها بعد أن استبانت
من المعاينة ما يناقض هذا التصوير فلا تقبل المجادلة في ذلك لدى محكمة النقض. لما كان
ذلك، وكان يكفى المحاكمة الجنائية أن يتشكك القاضي في صحة إسناد التهمة إلى المتهم
لكي يقضى له بالبراءة إذ مرجع الأمر في ذلك إلى ما يطمئن إليه في تقدير الدليل ما دام
الظاهر من الحكم أنه أحاط بالدعوى عن بصر وبصيرة، وكان ما أثبته الحكم من أن الحادث
يرجع إلى خطأ المجني عليها وحدها يكفى في الرد على ما أورده الحكم المستأنف من أسباب
الإدانة. لما كان كل ما تقدم، فإن ما يثيره الطاعنون في هذه الأوجه لا يعدو أن يكون
جدلاً في واقعة الدعوى ومناقشة في تقدير الأدلة فيها مما لا تقبل إثارته أمام محكمة
النقض.
وحيث إنه لما تقدم يكون الطعن على غير أساس ويتعين رفضه موضوعاً.
