طعن رقم 1253سنة 27 ق – جلسة 10 /03 /1958
أحكام النقض – المكتب الفني – جنائي
العدد الأول – السنة التاسعة – صـ 262
جلسة 10 من مارس سنة 1958
برياسة السيد حسن داود المستشار, وبحضور السادة: محمود إبراهيم إسماعيل, ومحمود محمد مجاهد, وأحمد زكي كامل, ومحمود حلمي خاطر المستشارين.
طعن رقم 1253سنة 27 ق
عقوبة. أسباب الإباحة وموانع العقاب. دفاع شرعي. ظروف مخففة. عدم
الارتباط بين تطبيق م 17 ع وبين المادة 251 ع. متى يجب على المحكمة أن تعد المتهم معذوراً
طبقاً للمادة 251 ع؟
لا ارتباط بين تطبيق المادة 17 من قانون العقوبات الخاصة بالظروف المخففة و بين المادة
251 الخاصة بالعذر القانوني المتعلق بتجاوز حدود الدفاع الشرعي وكل ما تقتضيه المادة
251 هو ألا تبلغ العقوبة الموقعة الحد الأقصى المقرر لعقوبة الجريمة التي وقعت وفي
حدود هذا القيد يكون للمحكمة أن توقع العقوبة التي تراها مناسبة نازلة بها حتى الحد
المقرر بالمادة 17 عقوبات إلا إذا وجدت أن ذلك لا يسعفها نظراً لما استبانته من أن
التجاوز كان في ظروف تقضي النزول بالعقوبة إلى ما دون هذا الحد فعندئذ فقط يكون عليها
أن تعده معذوراً طبقاً للمادة 251 المذكورة وتوقع عليه عقوبة الحبس لمدة يجوز أن تكون
أربعاً وعشرين ساعة.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة الطاعن بأنه: – أولاً – قتل عطيات عبد الحافظ محمد عقلاني عمدا بأن أطلق عياراً نارياً صوب أحمد عباس عبد العليم قاصداً قتله فأخطأه وأصاب المجني عليها فأحدث بها الإصابات المبينة بتقرير الصفة التشريحية والتي أودت بحياتها – ثانياً- شرع في قتل كل من احمد عباس عبد العليم وعبد الله موسى إبراهيم وناجي توني زيان بأن أطلق عيارا نارياً صوب الأول قاصداً قتله فأخطأه وأصاب كلا من المجني عليهما الثاني والثالث فأحدث بهما الإصابات المبينة بالتقرير الطبي الشرعي وخاب أثر الجريمة بسبب لا دخل لإرادته فيه هو عدم إحكام الرماية بالنسبة للأول وإسعاف كل من الثاني والثالث بالعلاج وطلبت إلى غرفة الاتهام إحالته على محكمة الجنايات لمحاكمته بالمواد 45 و46 و234/ 1 من قانون العقوبات. فقررت بذلك. ومحكمة جنايات المنيا قضت حضورياً عملاً بمواد الاتهام مع تطبيق المادة 32/ 1 من قانون العقوبات بعاقبة المتهم محمد حسن بالحبس مع الشغل لمدة سنتين. فطعن الطاعن في هذا الحكم بطريق النقض…… الخ.
المحكمة
… وحيث إن الطاعن ينعي على الحكم المطعون فيه القصور في التسبيب
والتخاذل والخطأ في تطبيق القانون ذلك بأن الحاضر عنه تمسك بجلسة المحاكمة بأن العيار
انطلق عفواً نتيجة ضرب المجني عليه له بالعصا وتلقى الضربات على البندقية التي كان
يحملها مما أدى إلى تحرك الزناد وانطلاق المقذوف وإنه مع التسليم باطلاقه العيار عمداً
فإن الطاعن كان في حالة دفاع شرعي عن النفس تبيح له القتل دفع الطاعن بهذا ولكن المحكمة
لم تحقق دفاعه ولم ترد عليه بما ينفيه كما أنها دانته بتهمة القتل العمد والشروع فيه
استناداً إلى أقوال المجني عليه وشهوده, ثم أخذت في ذات الوقت بأقوال الطاعن وشاهدي
نفيه محمود رضوان واحمد حسن فرج ومؤدي شهادتهم أن العيار انطلق عفواً فتكون بذلك قد
جمعت بين أقوال متعارضة بهدم بعضها بعضا مما يعيب حكمها بالتناقض والتخاذل هذا فضلاً
عن قصور الحكم في التدليل على نية القتل وخطئه في القضاء بالحبس لمدة سنتين مع إعمال
المادة 251 من قانون العقوبات وكان يتعين أن تنزل بالعقوبة إلى أدنى من الحبس ستة شهور
المقررة في حكم المادة 17 من قانون العقوبات لجناية القتل العمد التي دين بها الطاعن
لأن المادة 251 من قانون العقوبات لا تطبق ألا حيث يراد النزول بالعقوبة إلى أقل من
الحد الأدنى المقرر بمقتضى المادة 17 من ذلك القانون.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بين الواقعة في قوله: "إن الواقعة تتحصل في أنه في صباح
يوم 20 من أغسطس سنة 1955 بدائرة مركز ملوي ضرب المتهم المجني عليه أحمد عباس عبد العليم
بالعصا بمقولة أنه وجده في زراعة ذرة مملوكة له وقبل غروب شمس هذا اليوم بقليل قفل
المتهم راجعاً من زراعته إلى منزله على ظهر دابة وحاملاً بندقية خرطوش مرخصة باسمه
وعندما اقترب من قنطرة عند مدخل الناحية هاجمه المجني عليه المذكور بعصا كانت معه وبادره
بالضرب وعندئذ وأثناء تماسكها أطلق عليه المتهم عياراً نارياً قاصدا قتله فأخطأه وأصاب
المجني عليهم وأودى بحياة عطيات عبد الحافظ وأحدث بالباقين إصابات بسيطة واستند الحكم
في إثبات الواقعة التي استخلصها من عناصر الدعوى المطروحة أمامه إلى أقوال المجني عليه
أحمد عباس عبد العليم وباقي شهود الإثبات وإلى التقرير الطبي الشرعي الخاص بإصابات
المجني عليهم وبفحص البندقية المضبوطة كما استند في إثبات واقعة انطلاق المقذوف من
بندقية رضوان وأحمد حسن فرج وأورد من أقوالهم ما يتفق والواقعة التي استشهدهم عليها.
ثم عرض الحكم بعد ذلك لدفاع الطاعن من أن العيار انطلق عفواً فنفاه ودلل على توافر
نية القتل لديه في قوله: "وحيث إن المحكمة تستخلص واقعة انطلاق النار عمداً على أحمد
عباس عبد العليم بنية قتله وإزهاق روحه من أقوال أحمد عباس عبد العليم من أنه صوب البندقية
نحوه وأطلقها عليه بقصد قتله ولولا أن نحى نفسه عن طريق المقذوف لأصابه وأودى بحياته
ولو أن المتهم كان يهدف إلى عدم إزهاق روح المجني عليه لأطلق العيار عالياً في الفضاء
بدلاً من إطلاقه في مستوى منخفض حتى أصاب المجني عليهم الذين كانوا على مقربة منهم
وخاصة المجني عليها التي قضت نحيها وعمرها ثماني سنوات وكانت واقفة بجوار باب منزلها
والذي تستخلصه المحكمة مما تقدم من استعمال المتهم آلة قاتلة بطبيعتها وهي البندقية
وتصويبها على المجني عليه في مستوى منخفض حتى أصابت المجني عليهم بالشكل السالف الذكر
ومن بحث وقائع الدعوى وتقصي ظروفها – المتهم قصد بلا شك في قتل المجني عليه وإزهاق
روحه ولولا ابتعاده عن طريق سير المقذوف لأصابه وأدى بحياته" – كما تحدث الحكم من حالة
الدفاع الشرعي فأثبته كما أثبت تجاوز الطاعن له فقال: "وحيث إن الثابت من أقوال المتهم
ومحمود رضوان وأحمد حسن فرج أن أحمد عباس عبد العليم هو الذي بادر المتهم بالاعتداء
بالضرب وأن الأخير كان يدفع عن نفسه الاعتداء بتلقي الضربات على بندقيته وقد تأيد دفاع
المتهم وأقوال هذين الشاهدين لما ثبت من التقرير الطبي من وجود كدمين بكتف المتهم الأيمن
والأصبع الوسطى ليده اليسرى ينتجان من مصادمة جسم صلب راض كالعصا ومما جاء بتقرير الطبيب
الشرعي من فحص البندقية من وجود انخساف بماسورتها يجوز حدوثه زمن مصادمة عصا غليظة.
وحيث إنه متى كان ذلك, وكان الثابت أن أحمد عباس عبد العليم هو الذي هاجم المتهم وبادره
بالضرب فإن الأخير يكون في حالة الدفاع شرعي عن نفسه تتيح له استعمال القوة اللازمة
لرد هذا الاعتداء الذي لم يتخلف عنه سوى كدمين بسيطين وهذه القوة ما كانت تتطلب منه
أن يطلق النار على خصمه بقصد إزهاق روحه إذ لم يكن في حالة تجعل تخوفه من أن يصيبه
الموت أو جراح بالغة في محله إنه كان يحمل بندقية يمكنه أن يبادل بها أحمد عباس الاعتداء
وكأنها عصا, كما كان في وسعه أن يطلق النار في الهواء إلى أعلى إرهاباً ومن ثم ترى
المحكمة مما تقدم ومن بحث وقائع الدعوى وتقصي ظروفها أن المتهم تعدى بنية سليمة حدود
حق الدفاع الشرعي أثناء استعماله إياه دون أن يكون قاصداً إحداث ضرر أشد مما يستلزمه
هذا الدفاع وترى المحكمة أن تعده معذوراً وأن تحكم عليه بالحبس بدلاً من العقوبة المقررة
في القانون وذلك عملاً بنص المادتين 245 و251 من قانون العقوبات" لما كان ذلك, وكان
يبين مما أورده الحكم أنه لم ينف قيام حالة الدفاع الشرعي نفياً تاماً وإنما قال بأن
الطاعن تجاوز حدود حقه في الدفاع وأورد أسباباً سائغة لهذا التجاوز وكانت البت فيما
إذا كان المدافع قد تجاوز أو لم يتجاوز حدود الدفاع الشرعي هو من الأمور الموضوعية
يخضع التقدير فيها لسلطة محكمة الموضوع دون معقب عليها ما دامت قد استندت في هذا التقرير
إلى أسباب سائغة مقبولة من شأنها أن تؤدي إلى النتيجة التي رتبها عليها وكان التناقض
الذي يعيب الحكم هو ما يقع بين أسبابه بحيث ينفي بعضها ما يثبته البعض الآخر ولا يعرف
أي الأمرين قصدته المحكمة وكان الحكم قد خلا من هذا التناقض وكان الارتباط بين تطبيق
المادة 17 من قانون العقوبات الخاصة بالظروف المخففة وبين المادة 251 الخاصة بالعذر
القانوني المتعلق بتجاوز حدود الدفاع الشرعي وكل ما تقتضيه المادة 251 هو ألا تبلغ
العقوبة الموقعة الحد الأقصى المقرر بعقوبة الجريمة التي وقعت وفي حدود هذا القيد يكون
للمحكمة أن توقع العقوبة التي تراها مناسبة نازلة بها حتى الحد المقرر بالمادة 17 عقوبات
إلا إذا وجدت أن ذلك لا يسعفها نظراً لما استبانته من أن التجاوز كان في ظروف تقضي
النزول بالعقوبة إلى ما دون هذا الحد فعندئذ فقط يكون عليها أن تعده معذوراً طبقاً
للمادة 251 المذكورة وتوقع عليه عقوبة الحبس لمدة يجوز أن تكون أربعاً وعشرين ساعة
– لما كان ذلك, وكان الحكم قد أثبت فوق هذا أن الطاعن أخطا من أراد إصابته وأصاب من
لا شأن له بالحادث وهو ما سلم به الطاعن في دفاعه وأشار إليه الحكم, مما تتحقق به جريمة
القتل الخطأ في ذاتها مجردة عن نية القتل وبافتراض عدم تجاوز حدود حق الدفاع الشرعي
لأن إباحة القتل للمدافع هي إباحة في وجه من يهاجمه ولا تتعداه إلى إهدار دم سواء ممن
لا شأن لهم بالمعتدي سواء أكان ذلك عمداً أم خطأ وبناء علي ذلك يكون الوصف الصحيح قانونا
لقتل المجني عليها هو أنه قتل خطأ ولا يؤثر في سلامة الحكم أن الحكم اعتباره متجاوزاً
لحدود الدفاع ما دامت العقوبة التي أوقعها على الطاعن في الحدود المقررة لجريمة القتل
الخطأ في المادة 238 من قانون العقوبات. ومن ثم فلا محل لما أثاره الطاعن بشأن نية
القتل أو تجاوزه حق الدفاع الشرعي. لما كان ذلك وكان يبين من محضر الجلسة أن الطاعن
لم يطلب إلى المحكمة طلباً جازماً بتحقيق إمكان انطلاق البندقية من تلقاء نقسها إذا
قرعت بالعصا وإنما قال: "إن تحقيق هذه المسألة يهمه" ومع ذلك فإن هذا الطلب قد سبق
تحقيقه بالدليل الفني وقد أورد الحكم ما فيه غناء, لما كان ما تقدم فإن الطعن برمته
يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً.
