قاعدة رقم الطعن رقم 40 لسنة 17 قضائية “دستورية” – جلسة 04 /05 /1996
أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء السابع
من أول يوليو 1995 حتى آخر يونيو 1996 – صـ 615
جلسة 4 مايو سنة 1996
برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين/ محمد ولى الدين جلال ونهاد عبد الحميد خلاف وفاروق عبد الرحيم وعبد الرحيم وعبد الرحمن نصير وسامى فرج والدكتور عبد المجيد فياض، وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفى على الجبالى – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ حمدى أنور صابر – أمين السر.
قاعدة رقم
القضية رقم 40 لسنة 17 قضائية "دستورية"
1- وقف تنفيذ "اختصاص منتحل".
الطعن على النصوص التشريعية لا ينال من نفاذها – صحتها تستصحبها إلا إذا صدر قضاء من
المحكمة الدستورية العليا بمخالفتها للدستور شكلاً أو موضوعاً – وقف نفاذها قبل صدوره
ينحل عدواناً على السلطة التشريعية وإسباغ لاختصاص منتحل على المحكمة الدستورية العليا.
2- دعوى دستورية "إجراءاتها: نظام عام – الطريق المباشر" تصدي.
لاتصال الخصومة الدستورية بالمحكمة الدستورية العليا طرائق حددتها المادتان 27، 29
من قانونها – ولوجها من الأشكال الجوهرية التى يتعين اتباعها – استقراء هاتين المادتين
يدل على أنهما نبذتا الطعن على النصوص القانونية بالطريق المباشر – تصدى هذه المحكمة
الدستورية نصوص قانونية من تلقاء نفسها – وعملاً بنص المادة 27 من قانونها – طريق يوازن
بين سلطتها هذه وسلطة محكمة الموضوع فى أن تحيل مباشرة إليها تلك النصوص التى تراها
مخالفة للدستور.
3- دعوى دستورية "الطريق المباشر".
استبعاد الدعوى الأصلية طريقاً للطعن المباشر فى دستورية النصوص القانونية – تطبيق
المادتين 27، 29 من قانون المحكمة الدستورية العليا، يفترض قيام نزاع آثار مسائل دستورية
متصلة بالقاعدة الواجب إعمالها فى شأنه.
4- دعوى دستورية – قانون المرافعات – المصلحة الشخصية المباشرة.
الأصل المقرر – طبقاً لقانون المرافعات – هو ألا تقبل أية دعوى لا تكون لرافعها مصلحة
– قائمه يقرها القانون أو مصلحة محتملة – تطبيق هذا الأصل على الدعوى الدستورية – امتناع
النظر فى المسائل الدستورية التى طرحها خصم على المحكمة الدستورية العليا من مفهوم
مجرد غير متصل بمصلحة شخصية مباشرة.
5- دعوى دستورية "المصلحة الشخصية المباشرة: الضرر".
عدم قبول الخصومة الدستورية من غير الأشخاص الذين يمسهم الضرر من جراء سريان النص المطعون
فيه عليهم – سواء أكان هذا الضرر وشيكاً أو وقعاً فعلاً.
6- دعوى دستورية "انتقاء المصلحة".
إذا لم يكن النص المطعون فيه قد طبق على المدعى أو كان من غير المخاطبين بأحكامه أو
أفاد من مزاياه أو كان الإخلال بالحقوق التى يدعيها لا يعود إليه. فلا مصلحة شخصية
مباشرة له فى الطعن عليه.
7- دعوى دستورية "حماية حقوق الآخرين".
من غير الجائز أن يقيم المدعى دعواه الدستورية ليصون بها – كأصل عام – حقوق الآخرين
ومصالحهم.
8- دعوى دستورية "المصلحة الشخصية المباشرة: قوامها".
اتصالها بالصلة الحتمية بين الدعويين الموضوعية والدستورية – قوامها أن يكون الحكم
فى المسائل الدستورية لازما للفصل فى مسألة كلية أو فرعية يتردد حولها النزاع الموضوعى المرتبط بها.
9- دستور "سموه" – دعوى دستورية "شروطها".
سمو القاعدة الدستورية لا يجوز أن يختلط بشروط قبول الخصومة الدستورية التى تستنهضها
والتى تتعلق ابتداء بالحق فى الدعوى باعتباره منفصلاً عن الحق موضوعها.
10- دعوى دستورية "صفة مفترضة لكل مواطن".
الادعاء بأن لكل مواطن صفة مفترضة فى التداعى أمام المحكمة الدستورية العليا ومصلحة
مفترضة فى طلب إبطال النصوص القانونية، يتمحض انتقالاً بالرقابة على الشرعية الدستورية
إلى مرحلة لم تبلغها بعد – كذلك ليس لهذا الادعاء سند من قانون هذه المحكمة.
11- دعوى دستورية "شروط المصلحة الشخصية المباشرة".
اقتضاء المشرع شرط المصلحة الشخصية المباشرة تنظيماً لحق التقاضى يعتبر واقعاً فى نطاق
سلطته التقديرية – موقف المحكمة الدستورية العليا من هذا الشرط لا يجوز أن يكون مضيقاً
من مجال رقابتها على الشرعية الدستورية، ولا منتهياً إلى إفراطها فى مباشرتها، بل قواما
بين هذين الأمرين.
12- دعوى دستورية "شرط المصلحة الشخصية المباشرة".
وقوع هذا الشرط فى إطار التنظيم التشريعى للخصومة الدستورية – عدم إخلاله بالحق فيها.
13- دعوى دستورية "دعوى أصلية – عدم قبول – تشريع – القانون رقم 93 لسنة 1995".
ما توخاه المدعى بدعواه هو ألا يكون هذا القانون نافذاً فى حق المخاطبين بأحكامه –
انحلالها إلى طعن عليه بطريق الدعوى الأصلية تتمحض عن مصلحة نظرية مبررة: عدم قبول.
1- إن طلب المدعى الحكم بوقف تنفيذ القانون رقم 93 لسنة 1995 المطعون عليه إلى حين
الفصل فى دستوريته، مردود أولاً: بأن النصوص القانونية جميعها – سواء فى ذلك تلك التى أقرتها السلطة التشريعية أو التى أصدرتها السلطة التنفيذية – تعامل دوماً بافتراض صحتها.
ولا ينال جرد الطعن عليها من نفاذها، ولا يجردها بالتالى من قوتها الإلزامية، بل يظل
تطبيقها – فى نطاقها – لازماً منذ العمل بها، فلا يعطل سريانها عائق، ولا يُرْجأ إعمالها
ليكون متراخياً. ومردود ثانياً: بأن صحتها هذه تستصحبها ولا تزايلها إلا إذا صدر قضاء
من المحكمة الدستورية العليا بمخالفتها للدستور سواء فى أوضاعها الشكلية، أو بالنظر
إلى مضمونها، ليزول بأثر رجعى – وكأصل عام – ما كان لها من وجود، منذ إقرارها. بما
مؤداه أن الفصل فى دستورية النصوص القانونية إما أن يؤكد صحتها على إطلاق، أو يقرر
بطلانها على إطلاق، فلا تعق فيما بين صحتها وبطلانها، مرحله وسطى بين الوجود والعدم
يكون نفاذها خلالها موقفاً، والقول بهذا ينحل عدواناً على السلطة التشريعية، ويتمحض
كذلك عن إسباغ لاختصاص منتحل على المحكمة الدستورية العليا بغير سند من الدستور، أو
القانون.
2- ما ذهب إليه المدعى من أن الطعن فى دستورية النصوص القانونية غير مقيد بشرط المصلحة
فى الخصومة الدستورية، مردود بأن الدستور وإن اختص المحكمة الدستورية العليا – بنص
المادة 175 – بمباشرة الرقابة القضائية على دستورية القوانين على اختلافها، ليظل جوهر
رقابتها ونطاقها بعيداً عن تدخل السلطة التشريعية بعد أن أثبتها لها بنص صريح لا يحتمل
تأويلاً؛ وكان ذلك من الدستور إيماناً بخطر الرسالة التى تقوم عليها وعظم تباعاتها،
وإدراكاً لحقيقة دورها كجهة قضائية أولاها تقويم ما يصدر عن السلطتين التشريعية والتنفيذية
من أعمال تشريعية تناقض القيود التى فرضها؛ إلا أن الدستور حرض بنص المادة 175 ذاتها،
على أن يفوض السلطة التشريعية فى أن تنظم كيفية مباشرة المحكمة الدستورية العليا لرقابتها
هذه، دون أن تنال من محتواها. وفى حدود هذا التفويض، صدر قانون المحكمة الدستورية العليا
مفصلاً القواعد الإجرائية التى تباشر من خلالها، وعلى ضوئها، رقابتها على الشرعية الدستورية،
فرسم لاتصال الخصومة الدستورية بها طرائق بذاتها حددتها المادتان 27، 29 من هذا القانون
باعتبار أن ولوجها من الأشكال الجوهرية التى ينبغى اتباعها حتى ينتظم التداعى فى المسائل
الدستورية فى إطارها وبمراعاة أحكامها، فلا يتحلل أحد منها.
3- واستقراء هاتين المادتين يدل على أنهما نبذتا الطعن فى النصوص القانونية بالطريق
المباشر، ذلك أن أولاهما تخول المحكمة الدستورية العليا أن تُعْمل بنفسها نظرها فى شأن دستورية النصوص القانونية التى تعرض لها بمناسبة ممارستها لاختصاصاتها، وبعد فلا
يكون تصديها لدستورية هذه النصوص من تلقاء نفسها، إلا طريقاً يوازن بين سلطتها هذه،
وسلطة محكمة الموضوع فى أن تحيل مباشرة إليها النصوص القانونية التى تقدر مخالفتها
للدستور.
وعملاً بثانيتها لا تثار دستورية النصوص القانونية إلا من أحد مدخلين، ذلك أن محكمة
الموضوع إما أن تمنح خصماً أثار أمامها دفعاً بعدم دستورية نص قانونى لازم الفصل فى النزاع المعروض فيها – وبعد تقديرها لجدية مناعيه – أجلاً لا يجاوز ثلاثة أشهر يقيم
خلالها الخصومة الدستورية أمام المحكمة الدستورية العليا، وإما أن تحيل بنفسها إلى
المحكمة الدستورية العليا دستورية نصوص قانونية يثور لديها شبهة مخالفتها للدستور.
وتفصح هذه الطرائق جميعها عن استبعادها الدعوى الأصلية أسلوباً للطعن المباشر فى دستورية
النصوص القانونية، ذلك أن تطبيق المادتين 27 و29 من قانون المحكمة الدستورية العليا،
يفترض دوماً قيام نزاع أثار مسائل دستورية تتصل بالقاعدة القانونية التى ينبغى إعمالها
فى شأنه، ليكون الفصل فى هذه المسائل سابقاً بالضرورة على الفصل فى النزاع، وذلك على
خلاف الدعوى الأصلية بعدم الدستورية التى تنفصل المسائل الدستورية التى تطرحها عن أية
منازعة موضوعية، على تقدير أن الغرض المقصود منها، لا يعدو إبطال النصوص القانون المدعى مخالفتها للدستور، إبطالا مجردا.
4- الأصل المقرر بنص المادة بنص المادة الثالثة من قانون المرافعات المدنية والتجارية،
هو ألا تقبل أية دعوى لا تكون لرافعها فيها مصلحة قائمة يقرها القانون، أو مصلحة محتملة
بالشروط التى بينها. وقد أحال قانون المحكمة الدستورية العليا بنص مادته الثانية والعشرين
إلى أحكام قانون المرافعات جميعها كافلاً سريانها على الدعاوى والطلبات التى تقدم إليها
بشرط ألا يكون قانونها متضمناً لتنظيم خاص على خلافها؛ وألا يكون تطبيقها منافياً لطبيعة
اختصاص المحكمة والأوضاع المقررة أمامها. وكلا الشرطين منتفيان فى نطاق المصلحة الشخصية
المباشرة التى يعد توافرها من الشروط الجوهرية التى لا تقبل الدعوى الدستورية فى غيبتها
باعتباره متصلاً بالحق فيها، مبلوراً فكرة الخصومة القضائية التى تثيرها، مؤكداً حدة
التناقض بين مصالح أطرافها، منفصلاً دوماً عن مجرد مطابقة النصوص القانونية المطعون
عليها للدستور أو مخالفتها لأوامره، ناهياً عن النظر فى المسائل الدستورية التى طرحها
خصم عليها من مفهوم مجرد لا يتصل بمصلحة شخصية مباشرة غايتها الحصول على منفعة يقرها
القانون.
5- يتغيا شرط المصلحة الشخصية المباشرة، أن تفصل المحكمة الدستورية العليا فى الخصومة
الدستورية من جوانبها العملية، وليس من معطياتها النظرية، أو تصوراتها المجردة. وهو
لذلك يقيد تدخلها فى تلك الخصومة القضائية، ويرسم تخوم ولايتها فلا تمتد لغير المطاعن
التى يؤثر الحكم بصحتها أو بطلانها، على النزاع الموضوعي. ومؤداه ألا تقبل الخصومة
الدستورية من غير الأشخاص الذين يمسهم الضرر من جراء سريان النص المطعون فيه عليهم
سواء أكان هذا الضرر وشيكاً يتهددهم، أم كان قد وقع فعلاً.
6، 7- إذا لم يكن النص المطعون فيه قد طبق أصلاً على من ادعى مخالفته للدستور؛ أو كان
من غير المخاطبين بأحكامه؛ أو كان قد أفاد من مزاياه؛ أو كان الإخلال بالحقوق التى يدعيها لا يعود إليه؛ دل ذلك على انتفاء المصلحة الشخصية المباشرة. ذلك أن إبطال النص
التشريعى فى هذه الصور جميعها، لن يحقق للمدعى أية فائدة عملية يمكن أن يتغير بها مركزه
القانونى بعد الفصل فى الدعوى الدستورية عما كان عليه عند رفعها. ولا يتصور بالتالى أن تكون الدعوى الدستورية أداء يعبر المتداعون من خلالها عن آرائهم، أو نافذة يعرضون
من خلالها ألواناً من الصراع بعيداً عن مصالحهم الشخصية المباشرة، أو شكلاً للحوار
حول حقائق عملية يطرحونها لإثباتها أو نفيها. بل تباشر المحكمة الدستورية العليا ولايتها
– التى كثيراً ما تؤثر فى حياة الافراد وحرياتهم وأموالهم – بما يكفل فاعليتها. وشرط
ذلك إعمالها عن بصر وبصيرة فلا تقبل عليها اندفاعاً، ولا تعرض عنها تراخياً، ولا تقتحم
بممارستها حدوداً تقع فى دائرة عمل السلطتين التشريعية والتنفيذية. بل يجب أن تكون
رقابتها ملاذاً أخيراً ونهائياً، وأن تدور وجوداً وعدماً مع تلك الأضرار التى تستقل
بعناصرها، ويكون ممكناً إدراكها، لتكون لها ذاتيتها. ومن ثم يخرج من نطاقها ما يكون
من الضرر متوهماً أو منتحلاً أو مجرداً In Abstracto أو يقوم على الافتراض Conjectural
ولا يجوز بالتالى أن يقيم المدعى دعواه الدستورية ليصون بها – وكأصل عام – حقوق الآخرين
ومصالحهم، بل ليكفل إنفاذ تلك الحقوق التى تعود عليه فائدة حمايتها In Concreto.
8- شرط المصلحة الشخصية المباشرة، أكثر ما يكون اتصالاً بالصلة الحتمية بين الدعويين
الموضوعية والدستورية، وقوامها أن يكون الحكم فى المسائل الدستورية لازماً للفصل فى مسألة كلية، أو فرعية يتردد حولها النزاع الموضوعى المرتبط بها.
9- أحكام الدستور، وإن كانت تعلو القواعد الآمرة جميعها، بما يحول قانوناً دون الاتفاق
على خلافها، إلا أن الاحتجاج بقواعد الدستور من خلال حق التقاضي، يفترض قيام خصومة
قضائية يستنهض بها المدعى القاعدة الدستورية الآمرة التى تزاحم تطبيقها مع قاعدة تدنوها،
لتغليبها عليها، ولا يتصور أن يتم ذلك إلا إذا كانت تلك الخصومة مستوفية ابتداء لشروط
قبولها – وتندرج الصفة والمصلحة تحتها – ذلك أن سمو القاعدة الدستورية واعتلاءها موقعا
يتسنم القواعد الآمرة، لا يجوز أن يختلط بالشروط التى يتطلبها المشرع لقبول الخصومة
الدستورية التى تستنهضها، والتى تتعلق ابتداء وانتهاء بالحق فى الدعوى باعتباره منفصلاً
عن الحق موضوعها، وهو ما يعنى أن القاعدة القانونية التى يطبقها القاضى فى النزاع الموضوعى – أيا كان فحواها وبغض النظر عن مرتبتها أو مداها – لا تقيل شرط المصلحة الشخصية المباشرة،
بل يكون إعمال هذه القاعدة مرتبطاً بتوافره.
10- إن ما ذهب إليه المدعى من أن لكل مواطن صفة مفترضة فى عرض النصوص القانونية التى يراها مخالفة للدستور على المحكمة الدستورية العليا؛ ومصلحة مفترضة فى طلب إبطالها
توكيداً من المواطنين لاحترامهم الدستور، إبراء لذمتهم؛ لا يعدو أن يكون انتقالاً بالرقابة
القضائية على الشرعية الدستورية إلى مرحلة لم يبلغها بعد – وكأصل عام – التطور الراهن
لتنظيم المقارن لإبعاده هذه الرقابة بالنظر إلى دقتها وخطورة المسائل التى تتناولها.
وليس لها كذلك من سند فى قانون المحكمة الدستورية العليا. ولئن صح القول بأنه لا يجوز
أن تعزل المحكمة الدستورية العليا نفسها عن إرادة المواطنين فى دفاعهم عن الدستور،
وأنها القاضى الطبيعى لكل منازعة من طبيعة دستورية، إلا أن هذه المحكمة لا تزال مقيدة
بقانونها ما ظل قائماً.
11- إن ما قرره المدعى من أن شرط المصلحة الشخصية المباشرة، يعتبر منافياً لقيم الدستور
العليا ومن بينها نص المادة 68 التى تكفل لكل مواطن اللجوء إلى قاضيه الطبيعي؛ مردود
بأن اقتضاء المشرع شرط المصلحة الشخصية المباشرة تنظيماً لحق التقاضى – وبما لا يعطل
هذا الحق أو يقيده دون مسوغ – يعتبر واقعاً فى نطاق سلطته التقديرية، وإن تعين أن توازن
المحكمة الدستورية العليا فى إعمالها لهذا الشرط بين التضييق من مجال رقابتها على الشرعية
الدستورية اعتسافاً، أو بسطها إفراطاً، ليكون موقفها بين ذلك قواماً.
12- إن المدعى ينازع كذلك فى دستورية نص المادة 29 من قانون المحكمة الدستورية العليا
بمقولة إخلالها بحق كل مواطن فى اختصام النصوص القانونية من خلال الدعوى الأصلية بعدم
الدستورية، ومخالفتها بالتالى لنصوص المواد 8 و9 و12 و16 و40 و64 و65 و68 و165 و166
و168 من الدستور؛ وكان شرط المصلحة الشخصية المباشرة – وباعتبارها واقعاً فى إطار التنظيم
التشريعى للخصومة الدستورية بما لا ينال من الحق فيها – لا يخل بمبدأ خضوع الدولة للقانون
ولا بعلوه عليها، ولا بالتضامن الاجتماعي، ولا بقيام الأسرة على أساس من الخلق ولا
الدين والوطنية، ولا بمبدأ تكافؤ المواطنين فى فرصهم وتساويهم أمام القانون، ولا بالحق
فى التقاضي، ولا برعاية الأخلاق وحمايتها، ولا باستقلال السلطة القضائية وتنظيم أفرعها
وتحديد اختصاصاتها؛ فإن منعاه هذا يكون فاقداً لسنده.
13- إنه متى كان ما تقدم؛ وكان المدعى قد أقام الدعوى الماثلة بطلب الحكم بعدم دستورية
أحكام القانون رقم 93 لسنة 1995 الصادر بتعديل بعض أحكام قانون العقوبات والإجراءات
الجنائية والقانون رقم 76 لسنة 1970 بشأن نقابة الصحفيين؛ وكان ما توخاه بدعواه هذه،
هو ألا يكون القانون المطعون فيه نافذاً فى حق المخاطبين بأحكامه؛ فإن دعواه تلك تنحل
إلى نزاع يتناول النصوص المطعون عليها فى ذاتها بقصد إبطال سريانها إبطالاً مجرداً.
وليس لها بالتالى من صلة بأية حقوق موضوعية يدعيها وتستقل فى مضمونها عن مشروعية النصوص
القانونية المدعى مخالفتها للدستور. وهو ما يفيد بالضرورة الطعن فيها عن طريق الدعوى
الأصلية التى تتمحض عن مصلحة نظرية لا يظاهرها قانون المحكمة الدستورية العليا والأوضاع
المقررة أمامها، وتنقضها الصلة الحتمية بين الدعويين الموضوعية والدستورية.
الإجراءات
بتاريخ 5 يونيه 1995 أقام المدعى الدعوى الماثلة بصحيفة أودعها
قلم كتاب هذه المحكمة بطلب الحكم بصفة مستعجلة بوقف تنفيذ القانون 93 لسنة 1995 الصادر
بتعديل بعض أحكام قانون العقوبات والإجراءات الجنائية، والقانون رقم 76 لسنة 1970 بشأن
نقابة الصحفيين، ثم الحكم بعدم دستوريته، وإلزام المدعى عليهم المصروفات وأتعاب المحاماة.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم أصلياً بعدم قبول الدعوى، واحتياطياً
برفضها.
وقدم المدعى ثلاث مذكرات فى 23/ 10/ 1995، و3/ 4/ 1996 و2/ 5/ 1996 على التوالى وصمم
فيها جميعاً على قبول طلباته بعريضة دعواه.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة اصدار الحكم فيها بجلسة
اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – حسبما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل فى أن المدعى ينازع
بطريق الدعوى الأصلية فى مدى دستورية القانون رقم 93 لسنة 1995، فيما تضمنه من تعديل
وإلغاء بعض أحكام قانونى العقوبات والإجراءات الجنائية والقانون رقم 76 لسنة 1970 بإنشاء
نقابة الصحفيين، فى شأن جرائم النشر التى تقع بواسطة الصحف وغيرها، وإجازة الحبس الاحتياطى على ذمة التحقيق فى هذه الجرائم، بعد أن كان غير جائز بمقتضى نص المادتين 67 من قانون
نقابة الصحفيين والمادة 135 من قانون الإجراءات الجنائية اللتين نص القانون المطعون
فيه على إلغائهما، ونعى المدعى على القانون المطعون فيه صدوره بالمخالفة لأحكام الدستور،
وعلى الأخص تلك المنصوص عليها فى المواد 7و 8 و9 و12 و41 و 67 و79 و90 و140 و155 و205،
قولاً بأن هذا القانون أخل بأصل البراءة المفترض فى كل إنسان؛ وأجاز الحبس الاحتياطى – فى غير الأحوال المنصوص عليها قانوناً – عدواناً على الحرية الشخصية؛ ونقض القيم
والتقاليد والأخلاق والآداب التى يقوم عليها المجتمع؛ وأهدر قواعد الشريعة الإسلامية
ومبادءها؛ وأفرط فى التجريم فى نطاق جرائم النشر؛ وغلظ عقوباتها مفتئتاً على حرية الصحافة
والطباعة والنشر؛ وأعاق حرية النقد، وهو فرع من حرية التعبير؛ وخالف فى ذلك كله المواثيق
الدولية، وبوجه خاص العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية.
وحيث إن المدعى يؤسس الحق فى اختصام القانون المطعون فيه عن طريق الدعوى الاصلية، على
دعامتين:
أولاهما: أن الرقابة القضائية على الشرعية الدستورية تستمد أصلها من المادة 175 من
الدستور التى تقيم المحكمة الدستورية العليا بوصفها قاضياً طبيعياً عهد إليه الدستور
دون غيره بالفصل فى المسائل الدستورية دون قيد. ولا يجوز بالتالى أن يقيد قانون المحكمة
الدستورية العليا هذا الإطلاق، بالنصوص التى حدد بها طرائق اتصال الدعوى الدستورية
بها، فضلاً عن أن المادتين 27 و29 من هذا القانون لا تمنعانها من قبول منازعة دستورية
تطرح مباشرة من أحد المواطنين.
ثانيتها: أن صفة المدعى ومصلحته فى الدعوى الماثلة، أساسها دعوى الحسبة التى كفلتها
الشريعة الإسلامية لكل مسلم يدعو من خلالها إلى ما يعد معروفاً، ناهياً عما يكون منكراً.
وهو واحد منهم باعتباره معنياً بالدفاع عن الحرية، مشاركاً بقلمه وجهده فى الفكر الوطنى والعمل السياسي.
وحيث إن طلب المدعى الحكم بوقف تنفيذ القانون رقم 93 لسنة 1995 المطعون عليه إلى حين
الفصل فى دستوريته، مردود أولاً: بأن النصوص القانونية جميعها – سواء فى ذلك تلك التى أقرتها السلطة التشريعية أو التى أصدرتها السلطة التنفيذية – تعامل دوماً بافتراض صحتها.
ولا ينال مجرد الطعن عليها من نفاذها، ولا يجردها بالتالى من قوتها الإلزامية، بل يظل
تطبيقها – فى نطاقها – لازماً منذ العمل بها، فلا يعطل سريانها عائق، ولا يُرْجأ إعمالها
ليكون متراخياً. ومردود ثانياً: بأن صحتها هذه تستصحبها ولا تزايلها إلا إذا صدر قضاء
من المحكمة الدستورية العليا بمخالفتها للدستور سواء فى أوضاعها الشكلية، أو بالنظر
إلى مضمونها، ليزول بأثر رجعى – وكأصل عام – ما كان لها من وجود، منذ إقرارها. بما
مؤداه أن الفصل فى دستورية النصوص القانونيه إما أن يؤكد صحتها على إطلاق، أو يقرر
بطلانها على إطلاق، فلا تقع فيما بين صحتها وبطلانها، مرحلة وسطى بين الوجود والعدم
يكون نفاذها خلالها موقوفا. والقول بهذا ينحل عدواناً على السلطة التشريعية، ويتمحض
كذلك عن إسباغ لاختصاص منتحل على المحكمة الدستورية العليا بغير سند من الدستور، أو
القانون.
وحيث إن ما ذهب إليه المدعى من أن الطعن فى دستورية النصوص القانونية غير مقيد بشرط
المصلحة فى الخصومة الدستورية، مردود أولاً: بأن الدستور وإن اختص المحكمة الدستورية
العليا – بنص المادة 175 – بمباشرة الرقابة القضائية على دستورية القوانين على اختلافها،
ليظل جوهر رقابتها ونطاقها بعيداً عن تدخل السلطة التشريعية بعد أن أثبتها لها بنص
صريح لا يحتمل تأويلاً؛ وكان ذلك من الدستور إيماناً بخطر الرسالة التى تقوم عليها
وعظم تباعاتها، وإدراكاً لحقيقة دورها كجهة قضائية أولاها تقويم ما يصدر عن السلطتين
التشريعية والتنفيذية من أعمال تشريعية تناقض القيود التى فرضها؛ إلا أن الدستور حرض
بنص المادة 175 ذاتها، على أن يفوض السلطة التشريعية فى أن تنظم كيفية مباشرة المحكمة
الدستورية العليا لرقابتها هذه، دون أن تنال من محتواها. وفى حدود هذا التفويض، صدر
قانون المحكمة الدستورية العليا مفصلاً القواعد الإجرائية التى تباشر من خلالها، وعلى
ضوئها، رقابتها على الشرعية الدستورية، فرسم لاتصال الخصومة الدستورية بها طرائق بذاتها
حددتها المادتان 27 و29 من هذا القانون باعتبار أن ولوجها من الأشكال الجوهرية التى ينبغى اتباعها حتى ينتظم التداعى فى المسائل الدستورية فى إطارها وبمراعاة أحكامها،
فلا يتحلل أحد منها.
واستقراء هاتين المادتين يدل على أنهما نبذتا الطعن فى النصوص القانونية بالطريق المباشر،
ذلك أن أولاهما تخول المحكمة الدستورية العليا أن تُعْمل بنفسها نظرها فى شأن دستورية
النصوص القانونية التى تعرض لها بعد اتخاذ الإجراءات المقررة لتحضير الدعاوى الدستورية،
وبذلك يكون تصديها لدستورية هذه النصوص من تلقاء نفسها، طريقاً يوازن بين سلطتها هذه،
وسلطة محكمة الموضوع فى أن تحيل مباشرة إليها النصوص القانونية التى تقدر مخالفتها
للدستور.
وعملاً بثانيتهما لا تثار دستورية النصوص القانونية إلا من أحد مدخلين، ذلك أن محكمة
الموضوع إما أن تمنح خصماً أثار أمامها دفعاً بعدم دستورية نص قانونى لازم الفصل فى النزاع المعروض فيها – وبعد تقديرها لجدية مناعية – أجلاً لا يجاوز ثلاثة أشهر يقيم
خلالها الخصومة الدستورية أمام المحكمة الدستورية العليا، وإما أن تحيل بنفسها إلى
المحكمة الدستورية العليا دستورية نصوص قانونية يثور لديها شبهة مخالفتها للدستور.
وتفصح هذه الطرائق جميعها عن استبعادها الدعوى الأصلية طريقاً للطعن المباشر فى دستورية
النصوص القانونية، ذلك أن تطبيق المادتين 27 و29 من قانون المحكمة الدستورية العليا،
يفترض دوماً قيام نزاع أثار مسائل دستورية تتصل بالقاعدة القانونية التى ينبغى إعمالها
فى شأنه، ليكون الفصل فى هذه المسائل سابقاً بالضرورة على الفصل فى النزاع، وذلك على
خلاف الدعوى الأصلية بعدم الدستورية التى تنفصل المسائل الدستورية التى تطرحها عن أية
منازعة موضوعية، على تقدير أن الغرض المقصود منها، لا يعدو إبطال النصوص القانون المدعى مخالفتها للدستور، إبطالاً مجرداً.
ومردود ثانياً: بأن الأصل المقرر بنص المادة الثالثة من قانون المرافعات المدنية والتجارية،
هو ألا تقبل أية دعوى لا تكون لرافعها فيها مصلحة قائمة يقرها القانون، أو مصلحة محتملة
بالشروط التى بينها. وقد أحال قانون المحكمة الدستورية العليا بنص مادته الثانية والعشرين
إلى أحكام قانون المرافعات جميعها كافلاً سريانها على الدعاوى والطلبات التى تقدم إليها
بشرطين أولاً: ألا يكون قانون المحكمة متضمناً لنص خاص على خلافها، وثانيهما: ألا يكون
تطبيقها منافياً لطبيعة اختصاص المحكمة والأوضاع المقررة أمامها. وكلا الشرطين منتفيان
فى نطاق المصلحة الشخصية المباشرة التى يعد توافرها من الشروط الجوهرية التى لا تقبل
الدعوى الدستورية فى غيبتها باعتباره متصلاً بالحق فيها؛ مبلوراً فكرة الخصومة القضائية
التى تثيرها؛ مؤكداً حدة التناقض بين مصالح أطرافها؛ منفصلاً دوماً عن مجرد مطابقة
النصوص القانونية المطعون عليها للدستور أو مخالفتها لأوامره؛ ناهيا عن النظر فى المسائل
الدستورية التى طرحها خصم عليها من مفهوم مجرد لا يتصل بمصلحة شخصية مباشرة غايتها
الحصول على منفعة يقرها القانون.
ومردود ثالثاً: بما جرى عليه قضاء المحكمة الدستورية العليا، من أن شرط المصلحة الشخصية
المباشرة، يتغيا أن تفصل المحكمة الدستورية العليا فى الخصومة الدستورية من جوانبها
العملية، وليس من معطياتها النظرية، أو تصوراتها المجردة. وهو لذلك يقيد تدخلها فى تلك الخصومة القضائية، ويرسم تخوم ولايتها فلا تمتد لغير المطاعن التى يؤثر الحكم بصحتها
أو بطلانها على النزاع الموضوعي. ومؤداه ألا تقبل الخصومة الدستورية من غير الأشخاص
الذين يمسهم الضرر من جراء سريان النص المطعون فيه عليهم سواء أكان هذا الضرر وشيكاً
يتهددهم، أم كان قد وقع فعلاً.
فإذا لم يكن هذا النص قد طبق أصلاً على من ادعى مخالفته للدستور، أو كان من غير المخاطبين
بأحكامه، أو كان قد أفاد من مزاياه، أو كان الإخلال بالحقوق التى يدعيها لا يعود إليه،
دل ذلك على انتفاء المصلحة الشخصية المباشرة. ذلك أن إبطال النص التشريعى فى هذه الصور
جميعها، لن يحقق للمدعى أية فائدة عملية يمكن أن يتغير بها مركزه القانونى بعد الفصل
فى الدعوى الدستورية عما كان عليه عند رفعها. ولا يتصور بالتالى أن تكون الدعوى الدستورية
أداة يعبر المتداعون من خلالها عن آرائهم، أو نافذة يعرضون من خلالها ألواناً من الصراع
بعيداً عن مصالحهم الشخصية المباشرة، أو شكلاً للحوار حول حقائق عملية يطرحونها لإثباتها
أو نفيها. بل تباشر المحكمة الدستورية العليا ولايتها – التى كثيراً ما تؤثر فى حياة
الأفراد وحرياتهم وأموالهم – بما يكفل فاعليتها. وشرط ذلك إعمالها عن بصر وبصيرة فلا
تقبل عليها اندفاعاً، ولا تعرض عنها تراخياً، ولا تقتحم بممارستها حدوداً تقع فى دائرة
عمل السلطتين التشريعية والتنفيذية. بل يجب أن تكون رقابتها ملاذاً أخيراً ونهائياً،
وأن تدور وجوداً وعدماً مع تلك الأضرار التى تستقل بعناصرها، ويكون ممكنا ادراكها،
لتكون لها ذاتيتها. ومن ثم يخرج من نطاقها ما يكون من الضرر متوهماً أو منتحلاً أو
مجرداً In Obstracto أو يقوم على الافتراض Conjectural ولا يجوز بالتالى أن يقيم المدعى دعواه الدستورية ليصون بها – وكأصل عام – حقوق الآخرين ومصالحهم، بل ليكفل إنفاذ تلك
الحقوق التى تعود عليه فائدة حمايتها In Concreto.
ومردود رابعاً: بأن شرط المصلحة الشخصية المباشرة، أكثر ما يكون اتصالاً بالصلة الحتمية
بين الدعويين الموضوعية والدستورية، وقوامها أن يكون الحكم فى المسائل الدستورية لازماً
للفصل فى مسألة كلية، أو فرعية يتردد حولها النزاع الموضوعى المرتبط بها.
ومردود خامساً: بأن أحكام الدستور، وإن كانت تعلو القواعد الآمرة جميعها، بما يحول
قانوناً دون الاتفاق على خلافها، إلا أن الاحتجاج بقواعد الدستور من خلال حق التقاضي،
يفترض قيام خصومة قضائية يستنهض بها المدعى القاعدة الدستورية الآمرة التى تزاحم تطبيقها
مع قاعدة تدنوها، لتغليبها عليها، ولا يتصور أن يتم ذلك إلا إذا كانت تلك الخصومة مستوفية
ابتداء لشروط قبولها – وتندرج الصفة والمصلحة تحتها – ذلك أن سمو القاعدة الدستورية
واعتلاءها موقعا يتسنم بالقواعد الآمرة، لا يجوز أن يختلط بالشروط التى يتطلبها المشرع
لقبول الخصومة الدستورية التى تستنهضها، والتى تتعلق ابتداء وانتهاء بالحق فى الدعوى
باعتباره منفصلاً عن الحق موضوعها، وهو ما يعنى أن القاعدة القانونية التى يطبقها القاضى فى النزاع الموضوعى – أيا كان فحواها وبغض النظر عن مرتبتها أو مداها – لا يقبل شرط
المصلحة الشخصية المباشرة، بل يكون إعمال هذه القاعدة مرتبطاً بتوافره.
وحيث إن ما ذهب إليه المدعى من أن لكل مواطن صفة مفترضة فى عرض النصوص القانونية التى يراها مخالفة للدستور على المحكمة الدستورية العليا، ومصلحة مفترضة فى طلب إبطالها
توكيداً من المواطنين لاحترامهم الدستور، إبراء لذمتهم؛ لا يعدو أن يكون انتقالاً بالرقابة
القضائية على الشرعية الدستورية إلى مرحلة لم يبلغها بعد – وكأصل عام – التطور الراهن
للتنظيم المقارن لأبعاد هذه الرقابة بالنظر إلى دقتها وخطوره المسائل التى تتناولها.
وليس لها كذلك من سند فى قانون المحكمة الدستورية العليا. ولئن صح القول بأنه لا يجوز
للمحكمة الدستورية العليا أن تعزل نفسها عن إرادة المواطنين فى دفاعهم عن الدستور،
وأنها القاضى الطبيعى لكل منازعة دستورية، إلا أن هذه المحكمة لا تزال مقيدة بقانونها
ما ظل قائماً.
وحيث إن ما قرره المدعى من أن شرط المصلحة الشخصية المباشرة، يعتبر منافياً لقيم الدستور
العليا، ومن بينها نص المادة 68 التى تكفل لكل مواطن اللجوء إلى قاضيه الطبيعي، مردود
بأن اقتضاء المشرع شرط المصلحة الشخصية المباشرة تنظيماً لحق التقاضى – وبما لا يعطل
هذا الحق أو يقيده دون مسوغ – يعتبر واقعاً فى نطاق سلطته التقديرية، وإن تعين أن توازن
المحكمة الدستورية العليا فى إعمالها لهذا الشرط بين التضييق من مجال رقابتها على الشرعية
الدستورية اعتسافاً، أو بسطها إفراطاً، ليكون موقفها بين ذلك قواما.
وحيث إن المدعى ينازع كذلك فى دستورية نص المادة 29 من قانون المحكمة الدستورية العليا
بمقولة إخلالها بحق كل مواطن فى اختصام النصوص القانونية من خلال الدعوى الأصلية بعدم
الدستورية، ومخالفتها بالتالى لنصوص المواد 8 و9 و12 و16 و40 و64 و65 و68 و165 و166
و168 من الدستور؛ وكان شرط المصلحة الشخصية المباشرة – وباعتبارها واقعاً فى إطار التنظيم
التشريعى للخصومة الدستورية بما لا ينال من الحق فيها – لا يخل بمبدأ خضوع الدولة للقانون
ولا بعلوه عليها، ولا بالتضامن الاجتماعي، ولا بقيام الأسرة على أساس من الخلق والدين
والوطنية، ولا بمبدأ تكافؤ المواطنين فى فرصهم وتساويهم أمام القانون، ولا بالحق فى التقاضي، ولا برعاية الأخلاق وحمايتها، ولا باستقلال السلطة القضائية وتنظيم أفرعها
وتحديد اختصاصاتها، فإن منعاه هذا يكون فاقداً لسنده.
وحيث إنه متى كان ما تقدم؛ وكان المدعى قد أقام الدعوى الماثلة بطلب الحكم بعدم دستورية
أحكام القانون رقم 93 لسنة 1995 الصادر بتعديل بعض أحكام قانون العقوبات والإجراءات
الجنائية والقانون رقم 76 لسنة 1970 بشأن نقابة الصحفيين؛ وكان ما توخاه بدعواه هذه،
هو ألا يكون القانون المطعون فيه نافذاً فى حق المخاطبين بأحكامه؛ فإن دعواه تلك تنحل
إلى نزاع يتناول النصوص المطعون عليها فى ذاتها بقصد إبطال سريانها إبطالاً مجرداً.
وليس لها بالتالى من صلة بأية حقوق موضوعية يدعيها وتستقل فى مضمونها عن مشروعية النصوص
القانونية المدعى مخالفتها للدستور. وهو ما يفيد بالضرورة الطعن فيها عن طريق الدعوى
الأصلية التى تتمحض عن مصلحة نظرية لا يظاهرها قانون المحكمة الدستورية العليا والاوضاع
المقررة أمامها، وتنقضها الصلة الحتمية بين الدعويين الموضوعية والدستورية.
فلهذه الأسباب:
حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى وبمصادرة الكفالة، وألزمت المدعى المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل اتعاب المحاماة.
