طعن رقم 1597 سنة 27 ق – جلسة 14 /01 /1958
أحكام النقض – المكتب الفني – جنائي
العدد الأول – السنة التاسعة – صـ 43
جلسة 14 من يناير سنة 1958
برئاسة السيد حسن داود المستشار، وبحضور السادة: محمود إبراهيم إسماعيل، ومصطفى كامل، وعثمان رمزي، والسيد أحمد عفيفي المستشارين.
طعن رقم 1597 سنة 27 ق
قتل عمد. حكم "تسبيب كاف". عدم تحدث الحكم عن طريقة القتل ما دام
قد ثبت وقوع القتل. لا عيب.
– إن طريقة القتل ليست من البيانات الجوهرية التي تلتزم المحكمة بالتحدث عنها في الحكم
مادام قد ثبت وقوع القتل فعلاً.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة كلاً من: 1- عبد اللطيف أحمد أبو صالح و2-
السعيد أحمد أبو صالح 3- إبراهيم أحمد أبو صالح. بأنهم قتلوا أحمد عبد اللطيف أبو صالح
عمداً ومع سبق الإصرار بأن بيتوا النية على قتله وتوجهوا إليه في حجرته التي ينام فيها
واعتدوا عليه بآلات حادة وصلبه راضة قاصدين من ذلك قتله فأحدثوا به الإصابات والكسور
المتعددة الموصوفة بتقرير الصفة التشريحية والتي أودت بحياته. وطلبت من غرفة الاتهام
إحالتهم إلى محكمة الجنايات لمحاكمتهم بالمواد 230 و231 من قانون العقوبات. فصدر قراراها
بذلك. ومحكمة جنايات طنطا قضت حضورياً عملاً بمادتي الاتهام للأول والثالث مع تطبيق
المادة 17 من قانون العقوبات بالنسبة لهما والمادتين 304/ 381/ 1 من قانون الإجراءات
الجنائية للثاني. أولاً – بمعاقبة كل من عبد اللطيف أحمد أبو صالح وإبراهيم أحمد أبو
صالح بالأشغال الشاقة المؤبدة. وثانياً – ببراءة السعيد أحمد أبو صالح مما أسند إليه.
فطعن الطاعنان في هذا الحكم بطريق النقض… إلخ.
المحكمة
… وحيث إن الطاعن ينعي على الحكم المطعون فيه أنه مشوب القصور
وفساد الاستدلال فقد دفع بأن القتل لم يثبت بأي دليل يقطع بوقوعه حتى لقد أبدى الطبيب
الشرعي في تقريره أنه يتعذر بيان سبب الوفاة غير أن المحكمة استطاعت أن تظفر منه بما
يفيد أن القتل حصل قبل مرور القطار على الجثة ثم استدعت نائب كبير الأطباء الشرعيين
فرأى هذا الرأي لكن القتل مع هذا ظل ما كان احتمالاً يرجح احتمال موت المجني عليه وهو
يعبر شريط السكة الحديد قبل مرور القطار على جثته، ذلك في حين أن القتل لا يؤخذ فيه
بالاحتمال مهما كان راجحاً بلا لا بد فيه من اليقين وهو ما لم يتوفر بما ساقه الحكم
من أدلة قاصرة،هذا إلى أن المحكمة وقد عجزت عن معرفة طريقة القتل فقد أعفت نفسها من
إيراد هذا البيان في حكمها مما يشوبه بقصور آخر ولا يغير من ذلك ما استنتجته من وجود
عصا خيزران وشرشرة يبهما آثار دماء بمنزل القتيل من أنهما استعملتا في القتل إذ أن
مثلهما لا يستعمل في هذا الغرض يضاف إلى ذلك أن الحكم أغفل ما دفع به الطاعن من أن
القتل المدعي به لم يحصل في منزل العائلة مدللاً على ذلك بوجود جزء من وجه المجني عليه
وقطعة من القماش ملوثة بدماء من فصيلة دمائه يحتمل أن تكون لآخر ووجود غرارة بها قطعة
عظام في ترعة تبعد نحو ثلاثة كيلو مترات عن مكان وجود جثته وكان حرياً بالحكم أن يتعرض
لهذا الدفاع لأهميته لكنه لم يفعل فكان لكل ذلك معيباً بما يوجب نقضه.
وحيث أن الحكم المطعون فيه تحدث عن أدلة القتل بقوله "وحيث أن المحكمة لا يخامرها أدنى
شك في أن المجني عليه مات مقتولاً وأنه قتل بداخل منزله في ليلة الاثنين الموافق 11
من يناير سنة 1954 فقد ثبت – أولاً – من تقرير الطبيب الشرعي الخاص بنتيجة الكشف على
جثة المجني عليه ومن أقوال هذا الطبيب أمام المحكمة أن جميع الإصابات التي وجدت بالجثة
غير حيوية مما يقطع بأن الوفاة لم تحدث نتيجة مرور القطار على المجني عليه وأنه عندما
مر عليه القطار كان ميتاً من قبل مما تستفيد منه المحكمة أن القتل حصل في جهة أخرى
ثم نقلت الجثة ووضعت في طريق مرور القطارات بقصد إخفاء معالم الجريمة والإيهام بأن
الوفاة كانت نتيجة دهم قطار المجني عليه ولئن كان الطبيب الشرعي أورد في ختام تقريره
أنه يتعذر فنياً بيان سبب الوفاة إلا أنه لم ينف أن الوفاة جنائية بل أنه ذكر صراحة
في تقريره بجواز أن تكون الوفاة جنائية كما وأنه في شهادته أمام المحكمة يرجع في جلسة
3 من يونيه سنة 1956 أن الوفاة كانت جنائية ويبني هذا الترجيح على فقد أجزاء من الجثة
لم يعثر عليها ووجود الجثة على شريط السكة الحديد مع وجود كل الإصابات غير حيوية –
وحيث أن ما ثبت في محضر معاينة النيابة من عدم العثور على آثار دماء بمكان وجود الجثة
أو بالقرب منه يقطع أيضاً بصحة النظر السابق من أن المجني عليه قتل في مكان آخر ثم
نقلت جثته ووضعت على شريط السكة الحديد في المكان الذي عثر عليها فيه ومر القطار على
المجني عليه هو جثة هامدة – وحيث إنه مما يقطع بأن المجني عليه مات مقتولاً أنه ورد
بالتقرير الطبي الشرعي في بيان وصف الملابس التي وجدت على الجثة أن الجلباب أن الصديري
والفانلة والطاقية وجدت جميعها ملوثة بالدماء وأن الدماء التي على الصديري غزيرة حول
فتحة القبة كما أن التلوث الدموي الذي بالفانلة حول فتحة العنق أيضاً ذلك أن تلوث هذه
الملابس بالدماء لا يمكن أن يكون من الإصابات التي وجدت بالجثة أن جميع هذه الإصابات
غير حيوية لم تنزف دماء لأن النزف لا يحصل إلا إذا كان الإنسان حياً وكان قلبه ينبض
وإذن فلابد أن يكون تلوث الملابس بالدماء الكثيرة الموصوفة في التقرير الطبي حدث من
إصابات أخرى حيوية كانت في أعضاء الجثة التي لم يعثر عليها ويشير وجود التلوث الدموي
في الفانلة والصديري حول فتحة العنق ووجود دماء في الطاقية أن الإصابات كانت في الراجح
في رأس المجني عليه وعنقه الذين حرص الجناة على إخفائها، أما عن عدم وجود دماء في العباءة
التي وجدت على الجثة فإنه يتمشى مع تصوير المحكمة للحادث بأن المجني عليه قتل وهو في
فراش نومه وطبيعي أنه لم يكن يرتدي العباءة في هذا الوقت وأغلب الظن أن الجناة غطوا
الجثة بالعباءة بعد مرور القطار عليها بدليل عدم وجود تمزقات أو مسح شحمية في هذه العباءة
– وحيث أن قتل المجني عليه عمداً وحصول هذا القتل في منزله هذان الأمران قد ثبت أيضاً
للمحكمة مما أقر به المتهم الثالث في تحقيق النيابة من أن المتهم الأول قتل والده المجني
عليه وأنه أي المتهم الثالث اشترك في نقل الجثة بكامل أعضائها على الحمار من منزل المجني
عليه إلى المكان الذي عثر عليها فيه، وقد تأيدت أقوال هذا المتهم في هذا الخصوص بوجود
دماء آدمية من فصيلة دم المجني عليه بشعر الحمار الذي ذكر المتهم بأنه استعمل في نقل
الجثة كما تأيدت أيضاً بوجود دماء آدمية على عصا وشرشرة وملابس ولحاف وجدت بداخل منزل
القتيل" ثم قال الحكم "إن واقعة القتل قد ثبت أيضاً من أقوال الغلام مصطفى ابن القتيل
في تحقيق النيابة فقد ذكر أنه شاهد المتهمين الأول والثالث يضربان أباه في حجرة نومه
وأن المتهم الثالث جر الجثة بعد ذلك إلى حوش المنزل وأنه مساء اليوم التالي شاهد المتهم
الثالث المذكور خارجاً بالجثة من المنزل محمولة على حمار والده". ثم تحدث الحكم عن
تردد هذا الغلام في أقواله وبرره بما يسمح له بالاطمئنان إلى ما نسبه إلى الطاعن مؤيداًً
في ذلك بما أورده من أدلة ثم استطرد قائلاً "وحيث أن القول من جانب الدفاع باحتمال
أن يكون المجني عليه قد مات موتاً طبيعياً فجائياً أثناء سيرة على شريط السكة الحديد
في مكان العثور على جثته هذا القول ينفيه – أولاً – ما قرره نائب كبير الأطباء الشرعيين
أمام المحكمة من أن الموت الفجائي يترك في الغالب علامات تدل عليه تظهر بأعضاء الجسم
بعد الوفاة خصوصاً في القلب والرئتين، وأنه لم يشاهد في أعضاء جثة المجني عليه شيء
من هذه العلامات، وينفيه أيضاً كما سلف ذكره من وجود دماء في الجلباب والصديري والفانلة
والطاقية التي وجدت على جثة المجني عليه، فإن وجود الدماء بهذه الملابس خصوصاً بالغزارة
التي وجدت بها على الصديري لا يمكن إلا أن يكون نتيجة إصابات حيوية أصيب بها المجني
عليه وهو حي في أعضاء جسمه التي لم يعثر عليها مع الجثة، هذا إلي أنه ل يكن هناك ما
يدعو المجني عليه إلي التواجد وهو حي على شرط السكة الحديد في المكان الذي عثر على
جثته فيه وهو مكان يبعد عن بلدته محلة زياد بحوالي 750 متراً وأقرب محطة إلى هذا المكان
هي محطة هذه البلدة ولم يثبت أن للمجني عليه أية مصالح تستدعي ذهابه إلى المكان المذكور.
هذا كله بالإضافة إلى ما سلف الإشارة إليه من أقوال أدلى بها مصطفى ابن القتيل والمتهم
الثالث تقطع بأن المجني عليه قتل عمداً بداخل منزله وإلى وجود دماء على شعر الحمار
وبعض الأدوات والملابس التي وجدت بمنزل القتيل – وحيث إنه وقد اقتنعت المحكمة بأن المجني
عليه قتل عمداً فإنه لا يعنيها بعد ذلك أن التحقيق لم يكشف عن الطريقة التي قتل بها
على وجه اليقين،وذلك بسبب حرص الجناة على إخفاء هذه الطريقة وما أقدموا عليه في سبيل
تحقيق ذلك من وضع الجثة على شريط السكة الحديد يمر عليها القطار ويقطع أوصالها على
النحو الذي وجدت عليه – على أن الذي تستنتجه المحكمة من وجود الدماء على العصا وعلى
سلاح الشرشرة اللتين وجدتا في منزل القتيل هو أنهما استعملتا في إزهاق روحه". لما كان
ذلك كانت المحكمة حين دانت الطاعن قد أوردت واقعة الدعوى بما يتوافر به جميع العناصر
القانونية لجناية القتل التي دانته بها وأوردت الأدلة التي استمدت منها ثبوتها قتل
المجني عليه وارتكاب هذا القتل بمنزله وليس في مكان العثور على الجثة – ولما كانت هذه
الأدلة مستمدة من التحقيقات وأقوال الأطباء الشرعيين وما دار بالجلسة ومن شأنها أن
تؤدي إلى ما رتب عليها وهي قاطعة في أن أمر القتل قد استقر في يقين المحكمة بما لا
يدع مجالاً للقول بأنه بنى على مجرد الاحتمال كما يقول الطاعن، ومن ثم فإن مجادلة الطاعن
في ذلك لا تقبل منه أمام محكمة النقض لتعلقها بموضوع الدعوى وتقدير أدلة الثبوت فيها
مما تختص محكمة الموضوع بالفصل فيه – لما كان ما تقدم وكانت طريقة القتل ليست من البيانات
الجوهرية التي تلتزم المحكمة بالتحدث عنها في الحكم ما دام قد ثبت وقوع القتل فعلاً
ولما كان كما حصله الحكم من استعمال الشرشرة والعصا في ارتكاب الحادث استناداً إلى
ما شوهد بهما من آثار لا ينال من الحكم في شيء لأن الخطأ في تقدير مدى خطورة العصا
بفرض حصوله لا يؤثر في منطقه – ولما كان لا يعيب الحكم ألا يتعرض لما دفع به الطاعن
من عدم حصول القتل بمنزل المجني عليه لأن هذا متعلق بموضوع الدعوى فضلاً عن أن الحكم
لم يفته التعرض له بل أفاض في التدليل على مكان وقوع القتيل مما يفند هذا الدفاع. لما
كان ذلك كله فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً.
