الطعن رقم 1182 لسنة 36 ق – جلسة 24 /10 /1966
أحكام النقض – المكتب الفني – جنائي
العدد الثالث – السنة 17 – صـ 1005
جلسة 24 من أكتوبر سنة 1966
برياسة السيد المستشار/ حسين السركي نائب رئيس المحكمة, وبحضور السادة المستشارين: مختار رضوان، ومحمد محفوظ، وحسين سامح، ومحمود العمراوي.
الطعن رقم 1182 لسنة 36 القضائية
(أ, ب, ج, د, هـ, و, ز) شيك بدون رصيد. جريمة. حكم. "تسبيبه. تسبيب
غير معيب".
(أ) جريمة إصدار شيك بدون رصيد. تحققها: متى أصدر الساحب الشيك وهو عالم وقت تحريره
بأنه ليس له مقابل وفاء قابل للسحب.
(ب) سوء النية في تلك الجريمة. توفره: بمجرد علم الساحب بعدم وجود مقابل وفاء للشيك
في تاريخ السحب.
(ج) المسئولية الجنائية في تطبيق المادة 337 عقوبات.
عدم تأثرها بالسبب أو الباعث الذي من أجله أعطى الشيك.
(د) سحب الشيك وتسليمه للمسحوب له. اعتباره كالوفاء الحاصل بالنقود. ليس للساحب استرداد
قيمته أو العمل على تأخير الوفاء به لصاحبه. يستثنى من ذلك الحالات التي تندرج تحت
مفهوم حالة الضياع فحسب. للساحب في هذه الحالات أن يتخذ من جانبه ما يصون به ماله بغير
توقف على حكم القضاء.
(هـ) تقديم المستفيد الشيك للبنك في تاريخ إصداره. غير لازم لوقوع الجريمة. تحققها
ولو تقدم به في تاريخ لاحق. ما دام الشيك قد استوفى مقوماته.
(و) عدم تقديم أصل الشيك لا ينفي وقوع الجريمة. للمحكمة تكوين عقيدتها في ذلك بكافة
طرق الإثبات.
(ز) انتقال ملكية مقابل الوفاء المستفيد بمجرد إصدار الشيك وتسليمه إليه. تقديم الشيك
للصرف لا شأن له في توافر أركان الجريمة.
1 – تتحقق الجريمة المنصوص عليها في المادة 337 عقوبات متى أصدر الساحب الشيك وهو عالم
وقت تحريره بأنه ليس له مقابل وفاء قبيل السحب. وقد قصد المشرع بالعقاب على هذه الجريمة
حماية الشيك باعتباره أداة وفاء تجري مجرى النقود في المعاملات، فهو مستحق الأداء لدى
الاطلاع دائما.
2 – يتوافر سوء النية في جريمة إصدار شيك بدون رصيد بمجرد علم الساحب بعدم وجود مقابل
وفاء للشيك في تاريخ السحب. ومن ثم فلا يجدي الطاعن ما دفع به من أنه أوفى بقيمة السندات
التي أصدر الشيك ضمانا لها وأن وفاءه بها قد تم قبل تقديم الشيك إلى البنك المسحوب
عليه لصرف قيمته، مادام أنه – بفرض صحة هذا الدفاع – لم يسترد الشيك من المجني عليه.
3 – من المقرر أن المسئولية الجنائية في تطبيق المادة 337 عقوبات لا تتأثر بالسبب أو
الباعث الذي من أجله أعطى الشيك. ومن ثم فلا عبرة بما يقوله الطاعن عن حقيقة سبب تحرير
الشيك أو الغرض من تحريره، ما دام مظهره وصيغته يدلان على أنه مستحق الأداء بمجرد الاطلاع
وأنه أداة وفاء لا أداة ائتمان.
4 – الأصل أن سحب الشيك وتسليمه للمسحوب له يعتبر وفاء كالوفاء الحاصل بالنقود بحيث
لا يجوز للساحب أن يسترد قيمته أو يعمل على تأخير الوفاء به لصاحبه، ولا يستثنى من
ذلك إلا الحالات التي تندرج تحت مفهوم حالة الضياع التي أبيح فيها للساحب أن يتخذ من
جانبه ما يصون به ماله بغير توقف على حكم القضاء تقديرا من الشارع بعلو حق الساحب في
تلك الحال على حق المستفيد، وهو ما لا يصدق على الحقوق الأخرى التي لابد لحمايتها من
دعوى ولا تصلح مجردة سببا للإباحة، فلا محل لتذرع الطاعن – في صدد نفيه مسئوليته الجنائية
– بسابقة وفائه بقيمة الشيك فيما أوفى به من السندات التي يقول إنه أصدر الشيك ضمانا
لها.
5 – لا يشترط قانونا لوقوع جريمة إعطاء شيك لا يقابله رصيد قائم وقابل للسحب أن يقدم
المستفيد الشيك للبنك في تاريخ إصداره، بل تتحقق الجريمة ولو تقدم المستفيد في تاريخ
لاحق مادام الشيك قد استوفى مقوماته.
6- عدم تقديم أصل الشيك لا ينفي وقوع الجريمة المنصوص عليها في المادة 337 من قانون
العقوبات، وللمحكمة أن تكون عقيدتها في ذلك بكافة طرق الإثبات. ولما كانت محاضر الجلسات
قد خلت في درجتي التقاضي من طلب للطاعن بضم أصل الشيك، فلا يعيب الحكم أن يدين المتهم
استنادا إلى العناصر والأدلة المطروحة ومنها محضر ضبط الواقعة الذي ثبت مما ورد به
استيفاء الشيك كافة الشروط الشكلية والموضوعية.
7- إن الملكية مقابل الوفاء تنتقل إلى المستفيد بمجرد إصدار الشيك وتسليمه إليه، أما
تقديم الشيك للصرف فلا شأن له في توافر أركان الجريمة، بل هو إجراء مادي يتجه إلى استيفاء
مقابل الشيك، أما إفادة البنك بعدم وجود الرصيد فليست إلا إجراء كاشفا للجريمة التي
تحققت بإصدار الشيك وإعطائه للمستفيد مع قيام القصد الجنائي وسواء عاصر هذا الإجراء
وقوع الجريمة أو تراخى عنها.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة الطاعن بأنه في يوم 16/ 3/ 1964 بدائرة قسم
عابدين: أعطى بسوء نية للبنك التجاري المصري شيكا لا يقابله رصيد قائم وقابل للسحب.
وطلبت عقابه بالمادتين 336 و337 من قانون العقوبات. ومحكمة عابدين الجزئية قضت غيابيا
في 8/ 6/ 1964 عملا بمادتي الاتهام والمادتين 55, 56 من قانون العقوبات بحبس المتهم
ستة أشهر مع الشغل وأمرت بوقف تنفيذ العقوبة لمدة ثلاث سنوات تبدأ من تاريخ صيرورة
هذا الحكم نهائيا.
فعارض, وقضى في معارضته في 28/ 9/ 1964 بقبولها شكلا وفي الموضوع برفضها وتأييد الحكم
الغيابي المعارض فيه. فاستأنف المتهم هذا الحكم، ومحكمة القاهرة الابتدائية – بهيئة
استئنافية – قضت حضوريا في 13/ 12/ 1964 بقبول الاستئناف شكلا وفي الموضوع برفضه وتأييد
الحكم المستأنف. فطعن الطاعن في هذا الحكم بطريق النقض… الخ.
المحكمة
حيث إن مبنى الطعن هو أن الحكم المطعون فيه إذ قضى بتأييد الحكم
الابتدائي الذي دان الطاعن بجريمة إعطاء شيك بدون رصيد، قد أخطأ في تطبيق القانون وشابه
القصور في التسبيب ذلك بأن الشيك موضوع الدعوى صدر تأمينا لسندات إذنية سددت قيمتها
قبل أن يتقدم المستفيد إلى البنك المسحوب عليه لصرف قيمة الشيك. وقد أقر المستفيد نفسه
بأن هذا الشيك كان في حقيقته أداة ائتمان وليس أداة وفاء. وإذ كان الطاعن قد أوفى بقيمته،
فإن هذا الوفاء يكون بمثابة سبب من أسباب الإباحة يخوله الامتناع عن سداد قيمة الشيك
مرة أخرى. هذا إلى أن الحكم قد اجتزأ في الرد على دفاع الطاعن بمجرد قوله إن الشيك
أداة وفاء، مع أن الثابت بإقرار المستفيد ما يناقض هذا النظر. كما أغفل الحكم الرد
على ما أثاره الطاعن من أن تقديم الشيك للصرف قد تراخى ثلاثة أشهر تلت تاريخ سحبه،
وبذا فإنه يكون قد فقد طبيعته القانونية، ومن ثم يعتبر مجرد كمبيالة تجرى عليها أحكام
الكمبيالات. هذا إلى أن الحكم خلص إلى استكمال الشيك مقوماته القانونية وذلك على الرغم
من عدم اطلاع المحكمة عليه لعدم إرفاقه بالأوراق، كما أنه سكت عن الرد على ما تمسك
به الطاعن في دفاعه من أن المستفيد عندما تقدم لصرف قيمة الشيك لم يكن مالكا له، بل
كان مجرد حائز انحسرت عنه الملكية بتمام السداد.
وحيث إن الحكم الابتدائي المؤيد لأسبابه والمكمل بالحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى
في قوله: "إنها تخلص فيما أبلغ به البنك التجاري المصري (تحت التصفية) المجني عليه
وقرر محاميه الأستاذ فرغلي الدغتوري بمحضر ضبط الواقعة المؤرخ في 19/ 4/ 1964 من أن
المتهم (الطاعن) حرر لأمر البنك المجني عليه شيكا رقم 189392 بتاريخ 16/ 3/ 1963 بمبلغ
950 ج خصما من رصيد حسابه رقم 1208 على بنك مصر فرع شبرا الذي امتنع عن صرف قيمته بإفادته
المؤرخة في 5/ 6/ 1963 بالرجوع على الساحب. وقدم محامي البنك أصل الشيك وإفادة البنك
المسحوب عليه لمحرر المحضر أثبت فحواهما في محضره بما لا يخرج عن المنوه". "وخلص الحكم
إلى ثبوت التهمة في حق الطاعن بقوله: "وحيث إن المحرر المبين فحواه بمحضر ضبط الواقعة.
قد استوفى الشكل والموضوع المقررين في القانون للشيك. وحيث إن الجريمة المنصوص عليها
في المادة 337 عقوبات تتحقق متى أصدر الساحب الشيك وهو عالم وقت تحريره بأنه ليس له
مقابل وفاء قابل للسحب. وقد قصد المشرع بالعقاب على هذه الجريمة حماية الشيك باعتباره
أداة وفاء تجري مجرى النقود في المعاملات فهو مستحق الأداء لدى الاطلاع دائما… ولما
كان ذلك كذلك، وكان الثابت من فحوى أصل الشيك وإفادة البنك المسحوب عليه المبينين في
محضر ضبط الواقعة أن المتهم حرر الشيك موضوع الاتهام وهو عالم وقت تحريره بأنه ليس
له مقابل وفاء قابل للسحب، ومن ثم يتعين لذلك الحكم بإدانته". كما عرض الحكم المطعون
فيه إلى دفاع الطاعن وأطرحه بقوله: "أما ما دفع به المتهم من أنه أصدر الشيك لضمان
بعض السندات فمردود عليه بأن الشيك أداة وفاء ومجرد إصداره بسوء نية دون وجود رصيد
له يكفي لتكوين الجريمة المعاقب عليها بالمادتين 336 و337 عقوبات". لما كان ذلك، وكان
ما أورده الحكم صحيحا في القانون وتتوافر به عناصر الجريمة التي دين الطاعن بها، ذلك
بأن الشيك ما دام قد استوفى الشكل الذي يتطلبه القانون لكي تجري الورقة مجرى النقود
فإنه يعد شيكا بالمعنى المقصود في المادة 337 من قانون العقوبات، وكان من المقرر أن
المسئولية الجنائية في تطبيق هذه المادة لا تتأثر بالسبب أو الباعث الذي من أجله أعطى
الشيك، فإنه لا عبرة بما يقوله الطاعن عن حقيقة سبب تحرير الشيك، أو الغرض من تحريره،
ما دام مظهره وصيغته يدلان على أنه مستحق الأداء بمجرد الإطلاع وأنه أداة وفاء لا أداة
ائتمان.
ولما كان سوء النية يتوفر بمجرد علم الساحب بعدم وجود مقابل وفاء للشيك في تاريخ السحب،
فإنه لا يجدي الطاعن ما دفع به من أنه أوفى بقيمة السندات التي أصدر الشيك ضمانا لها،
وأن وفاءه بها قد تم قبل تقديم الشيك إلى البنك المسحوب عليه لصرف قيمته، ما دام أنه
– بفرض صحة هذا الدفاع – لم يسترد الشيك من المجني عليه. لما كان ذلك، وكان الأصل أن
سحب الشيك وتسليمه للمسحوب له يعتبر وفاء كالوفاء الحاصل بالنقود بحيث لا يجوز للساحب
أن يسترد قيمته أو يعمل على تأخير الوفاء به لصاحبه، ولا يستثنى من ذلك إلا الحالات
التي تندرج تحت مفهوم حالة الضياع التي أبيح فيها للساحب أن يتخذ من جانبه ما يصون
به ماله بغير توقف على حكم القضاء، وتقديرا من الشارع بعلو حق الساحب في تلك الحال
على حق المستفيد؛ وهو ما لا يصدق على الحقوق الأخرى التي لا بد لحمايتها من دعوى ولا
تصلح مجردة سببا للإباحة، فلا محل لتذرع الطاعن – في صدد نفيه مسئوليته الجنائية بسابقة
وفائه بقيمة الشيك فيما أوفى به من السندات التي يقول إنه أصدر الشيك ضمانا لها. لما
كان ذلك، وكان من المقر أن محكمة الموضوع لا تلتزم بمتابعة المتهم في مناحي دفاعه المختلفة
طالما أن الرد عليها مستفاد دلالة من قضائها بالإدانة لأدلة الثبوت التي تحمل هذا القضاء،
وكان لا يشترط قانونا لوقوع جريمة إعطاء شيك لا يقابله رصيد قائم وقابل للسحب أن يقدم
المستفيد الشيك للبنك في تاريخ إصداره، بل تتحقق الجريمة ولو تقدم المستفيد في تاريخ
لاحق ما دام الشيك قد استوفى مقوماته. ولما كان عدم تقديم أصل الشيك لا ينفي وقوع الجريمة
المنصوص عليها في المادة 337 من قانون العقوبات وللمحكمة أن تكون عقيدتها في ذلك بكافة
طرق الإثبات، وكانت محاضر الجلسات قد خلت في درجتي التقاضي من طلب للطاعن بضم أصل الشيك،
فلا يعيب الحكم أن يدين المتهم استنادا إلى العناصر والأدلة المطروحة ومنها محضر ضبط
الواقعة الذي ثبت مما ورد به استيفاء الشيك كافة الشروط الشكلية والموضوعية. لما كان
ذلك، وكانت ملكية مقابل الوفاء تنقل إلى المستفيد بمجرد إصدار الشيك وتسليمه إليه،
أما تقديم الشيك للصرف فلا شأن له في توافر أركان الجريمة بل هو إجراء مادي يتجه إلى
استيفاء مقابل الشيك، وما إفادة البنك بعدم وجود الرصيد إلا إجراء كاشفا للجريمة التي
تحققت بإصدار الشيك وإعطائه للمستفيد مع قيام القصد الجنائي وسواء عاصر هذا الإجراء
وقوع الجريمة أو تراخى عنها. لما كان ما تقدم، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعينا
رفضه موضوعا.
