قاعدة رقم الطعن رقم 32 لسنة 16 قضائية “دستورية” – جلسة 02 /12 /1995
أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء السابع
من أول يوليو 1995 حتى آخر يونيو 1996 – صـ 240
جلسة 2 ديسمبر سنة 1995
برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين/ فاروق عبد الرحيم غنيم وسامى فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد على سيف الدين وعدلى محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله – أعضاء، وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفى على جبالى – المفوض، وحضور السيد/ أحمد عطية أحمد منسى – أمين السر.
قاعدة رقم
القضية رقم 32 لسنة 16 قضائية "دستورية"
1- الشرعية الدستورية "غايتها" – المحكمة الدستورية العليا "ولايتها".
الشرعية الدستورية التى تقوم عليها المحكمة الدستورية العليا بمراقبة التقيد بها غايتها
ضمان مطابقة النصوص القانونيه لأحكام الدستور – قيام شبهة مصادمة النص القانون للدستور
– يلزم محكمة الموضوع بأن تستوثق من صحتها من خلال عرضها على هذه المحكمة.
2- دعوى دستورية "نطاقها".
نطاق الدعوى الدستورية المتاح للخصوم مباشرتها يتحدد بنطاق الدفع بعدم الدستورية المثار
أمام محكمة الموضوع وفى الحدود التى تقدر فيها جديته.
3- دعوى دستورية "مناط المصلحة الشخصية المباشرة"
مناط هذه المصلحة – وهى شرط لقبول الدعوى – أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة
القائمة فى الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم فى المسألة الدستورية لازماً للفصل
فى الطلبات المرتبطة بها والمطروحة أمام محكمة الموضوع.
4- وقف – لجان القسمة – تشريع "القانون رقم 55 لسنة 1960"
إنشاء هيئتين ذواتى اختصاص قضائى – بموجب هذا القانون – تعلو إحداهما أدناهما – تقيد
كلتاهما بقواعد إجرائية وموضوعية لا تريم عنها – توافر الحيدة فى تشكيلها – اختصاص
إحداهما بفحص طلبات القسمة وبيع الأعيان التى تقدر قسمتها – اختصاص إحداهما بالفصل
فى الاعتراضات على أحكام الأولى – حق الطعن فى القرارات الصادرة عن لجان القسمة أمام
محكمة الاستئناف والتى يماثل دورها فيه دور محكمة النقض.
5- أحكار "قيودها على الملكية: تضييق دائراتها فى القانون المدني"
وطأة القيود التى تفرضها الأحكام على الملكية – تقرير القانون المدنى قواعد قانونية
تقلص من دورها وللتضييق من حق الحكر قدر الإمكان.
6- أحكار "قواعد القانون المدنى – قوانين أخرى"
قواعد القانون المدنى فى شأن الأحكار تعبير عن السياسة التشريعية التى اختطها للحد
منها، أو إنهاء وجودها – اصدار المشرع قوانين متعاقبة متوخياً تصفيتها خلال أجل محدد.
7- أحكار "تصفيتها: عقبات – تشريع المادة 5 من القانون رقم 43 لسنة 1982 فى شأن إنهاء
الأحكار على الأعيان الموقوفة"
إخفاق تصفية الأحكار بالنظر إلى تعدد اللجان التى تتولى عملية إنهائها – حمل المشرع
على دمجها فى لجنة قضائية واحدة بموجب النص المشار إليه – اختصاصها بالفصل فى جميع
المنازعات الناشئة عن هذا القانون – جواز الطعن فى قراراتها أمام المحكمة الابتدائية
المختصة.
8- حق التقاضى "انفاذه"
عدم تقييد المشرع – فى مجال إنفاذ حق التقاضى – بأشكال إجرائية محددة تشمل جميع المنازعات
حتى مع اختلاف موضوعها – تعدد الأشكال الإجرائية بما يناسب خصائص المنازعات التى تتعلق
بها، ودون إخلال بالضمانات الرئيسية التى كفلها الدستور لحق التقاضي.
9- مبدأ المساواة "تماثل المراكز القانونية"
التماثل فى المراكز القانونية التى تنتظم بعض فئات المواطنين مناط لوحدة القاعدة القانونية
التى يتعين تطبيقها فى حقهم.
10- أحكار – تشريع "القانون رقم 55 لسنة 1960، ورقم 43 لسنة 1982 – تغاير الحقوق"
تغاير الحقوق التى نظم المشرع الفصل فيها بموجب هذين القانونين – مغايرة المشرع بين
موضوعين فى نطاق التنظيم الإجرائى لحق التقاضى فى كل منهما – المخاطبون بها ليسوا على
قدم المساواة.
11- حق التقاضى "درجة واحدة: سلطة تقديرية – أسس موضوعية"
قصر حق التقاضى فى المسائل التى فصل فيها الحكم على درجة واحدة هو مما يستقل المشرع
بتقديره – مراعاة أن يكون هذا القصر قائماً على أسس موضوعية تمليها طبيعة المنازعة
– ضرورة فى أن تكون الدرجة الواحدة محكمة أو هيئة ذات اختصاص قضائى تفصل فى عناصر المنازعة
جميعها.
12- أحكار – تشريع "المادة 5 من القانون رقم 43 لسنة 1982 – الفقرة الثانية من المادة
6 منه: عدم الإخلال بحق التقاضي"
التنظيم الذى قرره المشرع بموجب هذين النصين لاقتضاء الحقوق المدعى بها – إسباغه الحصانة
على الأحكام الصادرة عن المحكمة الابتدائية فصلاً فى الطعون المقدمة إليها فى قرارات
اللجنة القضائية – لا إخلال فى ذلك بحق التقاضي.
13- دستور الفقرة الثانية من المادة 68 من الدستور – "حق التقاضى – درجة واحدة"
حظر إسباغ الحصانة على الأعمال والقرارات الإدارية من رقابة القضاء طبقاً لهذا النص
يعنى ألا تكون النصوص التشريعية مانعه للأفراد من اقتضاء حقوقهم من خلال الخصومة القضائية
– ليس كذلك قصر التقاضى على درجة واحدة.
14- مبدأ تكافؤ الفرص "مضمونه – إعماله – حماية دستورية"
اتصال هذا المبدأ بالفرص التى تتعهد الدولة بتقديمها – إعماله يقع عند تزاحمهم عليها
– الحماية الدستورية لها أن يعامل المتزاحمون عليها المتماثلة مراكزهم القانونية معاملة
موحدة.
1- إذ أثار المدعيان أمام المحكمة الاستئنافية الدفع بعدم دستورية الفقرة الثانية من
المادة 6 من القانون رقم 43 لسنة 1982 فى شأن إنهاء الأحكار على الأعيان الموقوفة،
فذلك لأن هذه الفقرة ذاتها هى التى تحول بنصها دون مباشرة المحكمة الاستئنافية لسلطتها
فى مجال مراقبة قضاء المحكمة الابتدائية الأدنى درجة منها؛ وكان عليها بالتالى أن تستنهض
ولاية المحكمة الدستورية العليا من خلال تقديرها جدية الدفع بعدم دستورية هذه الفقرة،
ثم تصريحاً للمدعيين برفع دعواهما الدستورية بصددها. يؤيد ذلك أن الشرعية الدستورية
التى تقوم المحكمة الدستورية العليا بمراقبة التقيد بها، غايتها ضمان أن تكون النصوص
القانونية مطابقة لأحكام الدستور. وتتبوأ هذه الشرعية من البنيان القانونى فى الدولة
ذراه، وهى كذلك فرع من خضوعها للقانون. بما مؤداه امتناع قيام محكمة أو هيئة ذات اختصاص
قضائى بتطبيق نص قانون يكون لازماً للفصل فى ولايتها، أو فى موضوع النزاع المعروض عليها،
إذا بدا لها "من وجهه مبدئية" مصادماً للدستور، ذلك أن قيام هذه الشبهة لديها، يلزمها
أن تستوثق من صحتها، من خلال عرضها على المحكمة الدستورية العليا التى عقد لها الدستور
دون غيرها ولاية الفصل فى المسائل الدستورية.
2، 3- من المقرر، وعلى ضوء ما جرى عليه قضاء المحكمة الدستورية العليا – أن نطاق الدعوى
الدستورية التى أتاح المشرع للخصوم مباشرتها، إنما يتحدد بنطاق الدفع بعدم الدستورية
الذى أثير أمام محكمة الموضوع، وفى الحدود التى تقدر فيها جديته، وكانت المصلحة الشخصية
المباشرة – وهى شرط لقبول الدعوى الدستورية – مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين
المصلحة القائمة فى الدعوى الدستورية، وذلك بأن يكون الحكم فى المسألة الدستورية، لازماً
للفصل فى الطلبات المرتبطة بها، والمطروحة أمام محكمة الموضوع، فإذا لم يكن له بها
من صلة، كانت الدعوى الدستورية غير مقبولة؛ متى كان ما تقدم، وكان الدفع بعد الدستورية
المثار أمام محكمة الموضوع، ينصب على الفقرة الثانية من المادة 6 من القانون رقم 43
لسنة 1982 فى شأن إنهاء الأحكار على الأعيان الموقوفة، وكان الفصل فى هذا الدفع، يرتبط
بالفصل فى قبول الاستئناف شكلاً؛ فإن نطاق الدعوى الماثلة ينحصر فى الفقرة التى تعلق
بها بعدم الدستورية، ولا يمتد لسواها.
4- إن البين من قضاء المحكمة الدستورية العليا فى الدعوى رقم 102 لسنة 12 قضائية "دستورية"
[أن الأعيان التى كان مصرفها على غير جهات البر، والتى اعتبر وقفها منتهياً بصدور المرسوم
بقانون رقم 180 لسنة 1952، كان ينبغى توزيعها على المستحقين، كل بقدر نصيبه، باعتبار
أنهم أصبحوا مالكين لهذه الأنصبة، إلا أن معظم هذه الأعيان لم تصل إلى مستحقيها بسبب
شيوع أنصبتهم، وما يقيمه بعض الحراس، بل وبعض المستحقين، من العوائق التى تحول دون
إجراء القسمة. ثم صدر القانون رقم 18 لسنة 1958 بقسمة الأعيان التى اعتبر وقفها منتهياً،
مستهدفاً تقرير قواعد ميسرة تكفل إيصال الحقوق إلى المستحقين، إلا أن تطبيقه أسفر عن
تعقد إجراءاته وبطئها، بالنظر إلى تعدد اللجان التى نظمها، وتشابك إجراءاتها. وتفادياً
لذلك صدر القرار بقانون رقم 55 لسنة 1960 محدداً كيفية إجراء القسمة فى الأعيان التى اعتبر وقفها منتهياً، فاستعاض عن القواعد الإجرائية المعقدة بلجنتين، تختص إحداهما
بفحص طلبات القسمة وتحقيق جديتها وإجرائها، وكذلك ببيع الأعيان التى تتعذر قسمتها،
وتختص أخراها بالفصل فى الاعتراضات على الأحكام التى تصدرها اللجنة الأولى، سواء كان
الاعتراض مبناه المنازعة فى الاستحقاق أو تقويم الأعيان أو غير ذلك.
وقد قيد المشرع هاتين اللجنتين، بقواعد قانونية ألزمهما باتباعها، بعضها من طبيعة إجرائية،
هى تلك المنصوص عليها فى قانون المرافعات المدنية والتجارية، ومنها ما هو من طبيعة
موضوعية تمثلها الأحكام التى تضمنها القانون المدنى فى شأن القسمة، وكذلك ما نص عليه
القانون رقم 48 لسنة 1946 من أحكام متعلقة بالوقف. وتفصل هذه اللجان – التى يغلب العنصر
القضائى على تشكيلها – فيما يعرض عليها حقوق المتقاسمين والأغيار على السواء، فى إطار
من الضمانات الرئيسية للتقاضى التى تتهيأ معها لكل من كان طرفاً فى إجراءات القسمة،
الفرص المتكاملة لإبداء اقواله، ومواجهة خصمه وتحقيق دفاعه. بما مؤداه أن المشرع أقام
هيئتين ذواتى اختصاص قضائي، تعلو إحداهما أدناهما، وتقيد كلتاهما بقواعد إجرائية وموضوعية
لا تريم عنها، وتتوافر فى تشكيلها الحيدة التى تكفل غيريتها فى مواجهة المتنازعين.
وقد اقترن هذا التنظيم القائم على تعدد مراحل التقاضى فى الموضوع الواحد، بضمان حق
الطعن أمام محكمة الاستئناف فى القرارات الصادرة عن لجان القسمة، كلما كان الطعن عليها
مبناه مخالفتها القانون أو خطؤها فى تطبيقه أو تأويله، أو إذا وقع بطلان فى قراراتها
أو بطلان فى إجراءاتها أثر فيها.
ومن ثم يكون المشرع قد حصر اختصاص محكمة الاستئناف فى مسائل القانون، وعهد إليها –
من خلال مراقبتها لصحة تطبيقه – بدور مماثل لدور محكمة النقض – التى لا يجوز الطعن
فى أحكامها أمام أية جهة].
5- إن المشرع كان قد أصدر عدة قوانين فى شأن إنهاء الأحكار على الأعيان الموقوفة، متوخياً
تصفية آثارها، بالنظر إلى خطورة ووطأة القيود التى تفرضها على الأعيان موضوعها – لتعود
إلى من يملكون رقبتها – عناصر الملكية التى مزقتها هذه الأحكار، والتى تتمثل فى استحواذ
المحتكرين على تلك الأعيان، وتسلطهم على مختلف أوجه الانتفاع بها، وانفرادهم بثمارها
لآماد تمتد زمناً بعيداً، تظل خلالها عملاً وقانوناً فى أيديهم مع توارثها، غير مقيدين
فى ذلك كله إلا بأداء أجر مثلها، وبشرط أن تكون الأعمال التى يجرونها فيها – سواء بالبناء
أو الغراس – من شأنها تحسينها، وتغيير أوضاعها، بتعميرها وإصلاحها.
وليس أدل على ثقل القيود التى تفرضها الأحكار على الملكية، من التقنين المدنى اعتبرها
حقا عينيا أصليا، بل إن البعض وصفها بأنها ملكية فوق الملكية الأصلية تتداخل معها
وتعطلها.
ولئن جاز القول بأن الأحكار مأخوذة أحكامها أصلاً من الشريعة الغراء التى شرعتها لتعمير
أعيان تم وفقها، وليس بيد ناظرها أموال تغلها، وتكفيها لإصلاحها بعد تخربها وَتَعطُل
الانتفاع بها، وبشرط ألا يكون استبدالها ممكناً، وألا يوجد من يكون راغباً فى استئجارها
بأجره يعجلها عن مدة مستقبلة، للإنفاق على ما يعمرها، إلا أن تطور الأوضاع الاقتصادية،
أسفر عن إمكان تعمير هذه الأعيان، ويُسْرِ استبدالها، خلال مدة أقصر من تلك التى كانت
الأحكار تمتد إليها قبل صدور التقنين المدنى الجديد، مما حمل هذا التقنين على أن يقرر
فى شأن الأحكار، قواعد قانونية تقلص من دورها حداً من انتشارها، فلم يجز أن يكون الحكر
بأقل من أجرة المثل، ولا دائمياً، بل حده بمدة لا تزيد على ستين سنة، ولضرورة أو مصلحة،
وبإذن من المحكمة الابتدائية التى تقع فى دائرتها الأعيان كلها أو أكثرها قيمة. وشرط
ألا ينعقد عقد الحكر، إلا إذا كان موثقاً بصورة رسمية، وجعل شهره من خلال التسجيل لازماً
سواء فيما بين المتعاقدين أو فى مواجهة الأغيار. وحظر هذا التقنين كذلك – واعتبار من
تاريخ العمل به – تقرير أحكار على أعيان غير موقوفة، مضيقاً بذلك من دائرتها. وحتم
فوق هذا، حق الحكر، قبل حلول الأجل، إذا لم تعد الأرض المحتكرة وقفاً.
وإمعاناً فى التضييق من حق الحكر قدر الإمكان، نص التقنين المدني، على أن لمالك الرقبة
فى الحكر، حق الأخذ بالشفعة إذا بيع حق الحكر، ويثبت حق الأخذ بها كذلك، لكل مستحكر
عند بيع الرقبة، توصلاً لإنهاء حق الحكر عن طريق اتحاد الذمة.
6- إن من المقرر، أن القواعد القانونية التى صاغها التقنين المدنى فى شأن الأحكار،
لم تكن إلا تعبيراً عن السياسة التشريعية التى اختطها للحد منها، أو إنهاء وجودها،
وهو اتجاه عززه المشرع بقوانين متعاقبة، بدأها بالمرسوم القانون رقم 180 لسنة 1952
بإلغاء نظام الوقف على غير الخيرات، ناصاً فى مادته الأولى، على أن يعتبر منتهياً كل
وقف لا يكون مصرفه فى الحال خالصاً لجهة من جهات البر، ومُنْهِياً فى مادته السابعة،
ما يكون من الأحكار مرتباً على أرض انتهى وقفها وفقاً لأحكام هذا القانون، وهو ما آل
إلى حصر معظم الأحكار فيما يكون منهاً مقرراً على أرض تعد وقفا خيريا. بيد أن بقاء
الأحكار حتى فى هذا النطاق – وما تفرضه على أعيانها من قيود خطيرة – حال دون استغلالها
فيما يعود بالفائدة على أشكال وصور الخير التى يمكن أن ترصد عليها.
ومن ثم عنى المشرع بإصدار قوانين متعاقبة تتوخى تصفيتها خلال أجل معين، ولكن الإخفاق
حالفها بالنظر إلى تعدد اللجان التى تتولى عملية إنهاء الأحكار [لجنة التثمين، ثم لجنة
الأحكار، ثم اللجنة العليا للأحكار] مما حمل المشرع على دمجها جميعاً فى لجنة واحدة،
هى اللجنة القضائية المنصوص عليها فى المادة 5 من القانون رقم 43 لسنة 1982 آنف البيان،
والتى اختصها بالفصل فى جميع المنازعات الناشئة عن هذا القانون، مع جواز الطعن فى قراراتها
أمام المحكمة الابتدائية التى يقع فى دائرتها العقار محل النزاع وهو ما يؤكد حقيقة
أن الأحكار بطبيعتها تتمحض عبئاً ثقيلاً على الملكية، وأن المشرع حرص على التخلص منها
من خلال تنظيم خاص، وعلى ضوء قواعد ميسرة ارتآها كافية للفصل فى الحقوق المتعلقة بها،
وتسويتها بصفة نهائية.
8- إن المشرع – فى مجال إنفاذ حق التقاضى – غير مقيد بأشكال إجرائية محددة تمتد إلى
المنازعات جميعها حتى مع اختلاف موضوعها، ذلك أن التنظيم الإجرائى للخصومة القضائية،
لا يمكن أن يعكس أنماطاً جامدة موحدة لإطار الفصل فيها، وإلا كان ذلك إغراقاً فى الشكلية
ولو كان عقمها بادياً، وانحيازاً لتحجر قوالبها وتزمتها ولو كان مصادماً لحقائق الأشياء،
نافياً ما بين أوضاعها من تغاير. وهو ما يأباه التنظيم الإجرائى للخصومة القضائية،
إذ يتعين دوماً أن يفاضل المشرع بين صور هذا التنظيم، ليختار منها ما يكون مناسباً
لخصائص المنازعات التى يتعلق بها، ومتطلباتها إجرائياً، لتتعدد بالتالى الأشكال التى يقتضيها إنفاذ حق التقاضي، وبما لا إخلال فيه بأبعاده التى كفلها الدستور، وعلى الأخص
من زاوية ضماناته الرئيسية التى تمثل إطاراً حيوياً لصون الحقوق على اختلافها، يرد
العدوان عنها على ضوء قواعد قانونية يكون إنصافها حائلاً دون تحفيها على أحد.
9، 10- إنه متى كان ذلك، وكان القانون رقم 43 لسنة 1982 المشار إليه، قد توخى إنهاء
أحكار الأعيان الموقوفة، فنص فى مادته الأولى على أن يعتبر حق الحكر منتهياً دون تعويض
فى الأعيان الموقوفة الخالية من البناء والغراس عند العمل بهذا القانون، وحدد فى مادته
الثانية وما بعدها، كيفية إنهاء الأحكار على أعيان موقوفة يشغلها بناء أو غراس، وقواعد
الفصل فى المنازعات الناشئة عن ذلك؛ وكان البين من استقراء الأحكام التى تضمنها هذا
القانون، ومقارنتها بتلك التى نص عليها قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 55 لسنة 1960،
أن هذين التشريعين يختلفان موضوعاً، ذلك أنه بينما صدر أولهما لإنهاء الأحكار على أعيان
لا زال وقفها قائماً، فإن ثانيهما يتناول أعياناً صار وقفها منتهياً، محدداً قواعد
قسمتها لتوزيعها على المستحقين فيها. متى كان ما تقدم، وكان مبدأ مساواة المواطنين
أمام القانون، لا يعنى معاملتهم جميعاً وفق قواعد موحدة يتكافأون فيها، بل يكون التماثل
فى المراكز القانونية التى تنتظم بعض فئاتهم، وتساويهم بالتالى فى العناصر التى تكونها،
مناطاً لوحدة القاعدة القانونية التى ينبغى تطبيقها فى حقهم؛ وكانت الحقوق التى نظم
المشرع الفصل فيها بالقرار بقانون رقم 55 لسنة 1960 – وعلى ما تقدم – تغاير فى مضمونها
وغاياتها، تلك التى تعلق بها القانون رقم 43 لسنة 1982 المشار إليهما؛ فإن المخاطبين
بكل من هذين التشريعين، لا يقفون فيما بينهم على قدم من المساواة أمام القانون، ويكون
ادعاء الإخلال بهذا المبدأ – وقد غاير المشرع بين موضوعين فى نطاق التنظيم الإجرائى لحق التقاضى فى كل منهما – منتفياً.
11، 12- استقر قضاء المحكمة الدستورية العليا على أن قصر حق التقاضى فى المسائل التى فصل الحكم على درجة واحدة، هو مما يستقل المشرع بتقديره، بمراعاة أمرين: أولهما أن
يكون هذا القصر قائماً على أسس موضوعية تمليها طبيعة المنازعة، وخصائص الحقوق المثارة
فيها. ثانيهما: أن تكون الدرجة الواحدة محكمة أو هيئة ذات اختصاص قضائى من حيث تشكيلها
وضماناتها والقواعد المعمول بها أمامها، وأن يكون المشرع قد عهد إليها بالفصل فى عناصر
النزاع جميعها – الواقعية منها والقانونية – فلا تراجعها فيما تخلص إليه من ذلك، جهة
أخرى.
وعلى نقيض ما تقدم، أن يقيم المشرع، محكمة أو هيئة ذات اختصاص قضائى للفصل فى مسائل
القانون المرتبطة بنزاع معين، تعقيباً من جهتها على قرار أصدرته جهة إدارية عند فصلها
فيه، إذ يعتبر ذلك إنكاراً لحق التقاضى المكفول بنص المادة الثامنة والستين من الدستور،
باعتبار أن الفصل فى عناصر النزاع الواقعية، عائد إلى جهة إدارية لا تتوافر أمامها
– بالضرورة مقومات التقاضى وضماناته الرئيسية.
متى كان ذلك، وكان المشرع قد أنشأ بالمادة 5 من القانون رقم 43 لسنة 1982 بإنهاء الأحكار
على الاعيان الموقوفة، لجنة قضائية فى كل منطقة يرأسها رئيس محكمة ويمثل أعضاءها موظفون
عن الجهات الإدارية التى عينتها فقرتها الأولى، واختصها بالفصل فى كافة المنازعات الناشئة
عن تطبيق هذا القانون، مخولاً إياها فى سبيل أداء مهمتها فحص الأوراق وتحقيقها، وأن
تستعين فى عملها بمن تراه من العاملين الفنيين والإداريين وغيرهم من أهل الخبرة؛ وكان
لا يجوز لها – وعملاً باللائحة التنفيذية لهذا القانون الصادر بها القرار رقم 17 لسنة
1983 – أن تباشر ولايتها هذه، إلا بعد إخطار ذوى الشأن بموعد انعقادها، ومكانه، ووقته،
وذلك بموجب خطاب مسجل، وقبل الجلسة المحددة بخمسة عشر يوماً على الأقل، على أن يكون
لهؤلاء حق الحضور أمامها بأنفسهم، وأن ينيبوا عنهم فى الحضور من يختارونه من المحامين؛
وكان لا يجوز كذلك أن يكون انعقادها صحيحاً، إلا بحضور رئيسها وثلاثة من أعضاء على
الأقل، مع جواز الطعن فى قراراتها أمام المحكمة الابتدائية الكائن فى دائرتها العقار
خلال ثلاثين يوما من تاريخ صدورها، وكان المشرع من خلال هذا التنظيم – وحتى لو صح القول
بانتفاء الصفة القضائية عن أعمال اللجان القضائية التى أنشاها – قد عهد إلى المحكمة
الابتدائية المنصوص عليها فى الفقرة الأولى من المادة 6 من القانون، بالفصل فى الطعون
التى تقدم إليها عن قرارات هذه اللجان؛ وكان تشكيلها واستقلالها كاشفين عن حيدتها عند
الفصل فى هذه الطعون، ومؤديين إلى غيرتها فى مواجهة أطرافها؛ وكان نظرها لتلك الطعون
يبلور الحق فى الدعوى كرابطة قانونية تنعقد الخصومة القضائية من خلالها، بوصفها الوسيلة
التى عينها المشرع لاقتضاء الحقوق المدعى بها، وعلى ضوء قواعد قانونية لا يخل تطبيقها
بضمانات التقاضي، ولا بالأسس الموضوعية التى يقتضيها الفصل فيها؛ فإن الأحكام التى تصدرها المحكمة الابتدائية فيما يعرض عليها من تلك الطعون، تؤكد الحقيقة القانونية
التى تفرض نفسها على كل من ألزمه المشرع بها، بافتراض تطابقها مع الحقيقة الواقعة.
ولا إخلال فى ذلك بحق التقاضي، بل هو إرساء لمضمونه، بما يكفل الأغراض التى توخاها.
13- ولا ينال من ذلك ما قرره المدعى من أن الفقرة الثانية من المادة 6 من القانون رقم
43 لسنة 1982 – المطعون عليها – تناقض نص الفقرة الثانية من المادة 68 من الدستور التى حظر بموجبها إسباغ الحصانة من رقابة القضاء، على الاعمال والقرارات الإدارية، ذلك أن
من المقرر فى قضاء هذه المحكمة، أن ما تعنيه هذه الفقرة، هو ألا تكون النصوص التشريعية
حائلاً بين الأفراد والدفاع عن حقوقهم أو حرياتهم بمنعهم من اقتضائها من خلال الخصومة
القضائية، لرد العدوان عنها، ولا كذلك قصر التقاضى على درجة واحدة فى المسائل التى فصل الحكم فيها.
14- إن ما ينعاه المدعيان من إخلال النص المطعون فيه بمبدأ تكافؤ الفرص المكفول بنص
المادة الثامنة من الدستور، مردود بأن مضمون هذا المبدأ يتصل بالفرص التى تتعهد الدولة
بتقديمها، وأن إعماله يقع عند تزاحمهم عليها، وأن الحماية الدستورية لتلك الفرص غايتها
تقرير أولوية فى مجال الانتفاع بها لبعض المتزاحمين على بعض، وهى أولوية تتحدد وفقاً
لأسس موضوعية، يقتضيها الصالح العام، ولازمها أن يعامل المتزاحمون عليها الذين تتماثل
– فى إطار هذه الأسس الموضوعية وعلى ضوئها – مراكزهم القانونية؛ معاملة موحدة؛ وكان
النص المطعون فيه لا يتعلق بفرض قائمة يجرى التزاحم عليها، فإن إعمال مبدأ تكافؤ الفرص
– فى مجال تطبيق هذا النص – يكون منتفياً.
الاجراءات
بتاريخ 29 سبتمبر سنة 1994، أودع المدعيان قلم كتاب المحكمة صحيفة
هذه الدعوى طالبين الحكم بعدم دستورية الفقرة الاخيرة من المادة السادسة من القانون
رقم 43 لسنة 1982 فى شأن إنهاء الأحكار على الاعيان الموقوفة.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة بدفاعها، طلبت فيها أصليا الحكم بعدم قبول الدعوى،
واحتياطيا برفضها.
وبعد تحضير الدعوى أودعت هيئة المفوضين تقريرا برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة اصدار الحكم فيها بجلسة
اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
وحيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل فى أن اللجنة
القضائية للاحكار بمنطقة أوقاف القاهرة، كانت قد أصدرت بتاريخ 30 مايو 1991 قرارها
الخاص بالعقارين المحكرين، وهما 1 عطفة ناشد و107 شارع الجمهورية – قسم الأزبكية –
محافظة القاهرة، بتقدير سعر المتر فيها بمبلغ ثلاثة آلاف جنيه. وإذ لم يرتض المدعيان
هذا القرار، فقد طعنا عليه أمام محكمة شمال القاهرة الابتدائية بالدعوى رقم 11139 مدنى كلى شمال القاهرة، طالبين تعديله بتقدير سعر المتر على أساس سعر المثل السائد وقت التقدير.
وإذ قضت المحكمة الابتدائية بجلسة 29/ 3/ 1994 بقبول الطعن شكلاً وفى الموضوع بتعديل
القرار المطعون فيه بتقدير سعر المتر فى عقارى النزاع بمبلغ ألف وخمسمائة جنيه، فقد
طعنا على حكمها بالاستئناف رقم 9624 لسنة 111 قضائية. وأثناء نظره أمام محكمة استئناف
القاهرة، دفع الحاضر عن المستأنفين بعدم دستورية الفقرة الأخيرة من المادة السادسة
من القانون رقم 43 لسنة 1982 فى شأن إنهاء الأحكار على الأعيان الموقوفة، والتى تنص
على أن "ويكون الحكم الصادر فى الطعن من المحكمة الابتدائية نهائياً غير قابل للطعن
بأى وجه من أوجه الطعن". وإذ قدرت المحكمة الاستئنافية جدية هذا الدفع، فقد قضت بجلسة
30/ 8/ 1994 – وقبل الفصل فى أشكال الاستئناف ومزضوعه – بتكليف المستأنفين برفع الدعوى
الدستورية، وأجلت نظر الدعوى إلى جلسة 30/ 11/ 1994 لتقديم ما يدل على إقامتها، فأقاما
الدعوى الماثلة.
وحيث إن هيئة قضايا الدولة، دفعت الدعوى الماثلة بعدم قبولها تأسيساً على أنها لم تتصل
بالمحكمة الدستورية العليا وفقاً للأوضاع المنصوص عليها فى قانونها، وكان سندها فى ذلك أن الطعن المقدم من المدعيين إلى المحكمة الاستئنافية، كان منصرفاً إلى قرار صدر
عن اللجنة القضائية المنصوص عليها فى المادة 5 من القانون رقم 43 لسنة 1982 فى شأن
إنهاء الأحكار على الأعيان الموقوفة؛ وإذ كان هذا القرار – وعملا بالفقرة الأولى من
المادة 6 من هذا القانون – مما لا يجوز الطعن فيه إلا أمام المحكمة الابتدائية الكائن
بدائرتها العقار محل النزاع خلال ثلاثين يوماً من تاريخ صدوره؛ وكانت فقرتها الثانية
تنص على أن الحكم الصادر من المحكمة الابتدائية فى الطعون المقدمة إليها عن قرار اللجنة
القضائية، يكون نهائياً لا يجوز الطعن فيه؛ وكان المدعيان قد دفعا أمام المحكمة الاستئنافية
بعدم دستورية هذه الفقرة لتجريح قضاء المحكمة الابتدائية فى شأن قرار صدر عن اللجنة
القضائية – وهو غير قابل للطعن – فإن قضاء المحكمة الاستئنافية بجدية هذا الدفع، ثم
تصريحها للمدعيين برفع دعواهما الدستورية، يكون صادراً عن محكمة لا ولاية لها، ومنعدماً.
وحيث إن هذا الدفع مردود أولاً: بأن المدعين إذ أثارا أمام المحكمة الاستئنافية الدفع
بعدم دستورية الفقرة الثانية من المادة 6 من القانون رقم 43 لسنة 1982 فى شأن إنهاء
الأحكار على الأعيان الموقوفة، فذلك لأن هذه الفقرة ذاتها هى التى تحول بنصها دون مباشرة
المحكمة الاستئنافية لسلطاتها فى مجال مراقبة قضاء المحكمة الابتدائية الأدنى درجة
منها؛ ومردود ثانيا بأن المحكمة الاستئنافية لا يمكنها الفصل فيها إذا كان الطعن المعروض
عليها مقبولا شكلا، إلا على ضوء قضاء المحكمة الدستورية العليا فى شأن اتساق حكم الفقرة
الثانية من المادة 6 من القانون رقم 43 لسنة 1982، المشار إليه، مع الدستور أو خروجها
على قواعده؛ وكان عليها بالتالى أن تستنهض ولاية المحكمة الدستورية العليا من خلال
تقديرها جدية الدفع بعدم دستورية هذه الفقرة، ثم تصريحاً للمدعيين برفع دعواهما الدستورية
بصددها، مردود ذلك بأن الشرعية الدستورية التى تقوم المحكمة الدستورية العليا بمراقبة
التقيد بها، غايتها ضمان أن تكون النصوص القانونية مطابقة لأحكام الدستور. وتتبوأ هذه
الشرعية من البنيان القانونى فى الدولة ذراه، وهى كذلك فرع من خضوعها للقانون. بما
مؤداه امتناع قيام محكمة أو هيئة ذات اختصاص قضائى بتطبيق نص قانون يكون لازماً للفصل
فى ولايتها، أو فى موضوع النزاع المعروض عليها، إذا بدا لها "من وجهه مبدئية" مصادماً
للدستور، ذلك أن قيام هذه الشبهة لديها، يلزمها أن تستوثق من صحتها، من خلال عرضها
على المحكمة الدستورية العليا التى عقد لها الدستور دون غيرها ولاية الفصل فى المسائل
الدستورية.
وحيث إن المقرر، وعلى ضوء ما جرى عليه قضاء المحكمة الدستورية العليا – أن نطاق الدعوى
الدستورية التى أتاح المشرع للخصوم مباشرتها، إنما يتحدد بنطاق الدفع بعدم الدستورية
الذى أثير أمام محكمة الموضوع، وفى الحدود التى تقدر فيها جديته، وكانت المصلحة الشخصية
المباشرة – وهى شرط لقبول الدعوى الدستورية – مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين
المصلحة القائمة فى الدعوى الدستورية، وذلك بأن يكون الحكم فى المسألة الدستورية، لازماً
للفصل فى الطلبات المرتبطة بها، والمطروحة أمام محكمة الموضوع، فإذا لم يكن له بها
من صلة، كانت الدعوى الدستورية غير مقبولة؛ متى كان ما تقدم، وكان الدفع بعدم الدستورية
المثار أمام محكمة الموضوع، ينصب على الفقرة الثانية من المادة 6 من القانون رقم 43
لسنة 1982 فى شأن إنهاء الأحكار على الأعيان الموقوفة، وكان الفصل فى هذا الدفع، يرتبط
بالفصل فى قبول الاستئناف شكلاً؛ فإن نطاق الدعوى الماثلة ينحصر فى الفقرة التى تعلق
بها بعدم الدستورية، ولا يمتد لسواها.
وحيث إن الفقرة الثانية من المادة 6 من القانون رقم 43 لسنة 1982 فى شأن إنهاء الأحكار
على الأعيان الموقوفة – وهى الفقرة المطعون عليها – تنص على ما يأتي:
[ويكون الحكم الصادر فى الطعن من المحكمة الابتدائية، نهائياً غير قابل للطعن بأى وجه
من أوجه الطعن].
وحيث إن المدعيين ينعيان على الفقرة الثانية المشار إليها، إخلالها بمبدا المساواة
أمام القانون، ويذهبان فى بيان ذلك، إلى أن القانون رقم 43 لسنة 1982 فى شأن إنهاء
الأحكار على الأعيان الموقوفة، قد خول الاختصاص بإنهاء هذه الأحكار إلى لجنة يغلب على
تشكيلها العنصر الاداري، ولا تتقيد بقواعد قانون المرافعات، ولا تكفل ضمانات التقاضي،
ولم يجز المشرع الطعن فى قراراتها إلا أمام المحكمة الابتدائية التى يقع العقار محل
النزاع فى دائرتها، على أن يكون الطعن فى أحكامها ممتنعاً؛ وذلك على خلاف أحكام القرار
بقانون رقم 55 لسنة 1960 التى حدد بها كيفية إجراء القسمة فى الأعيان التى اعتبر وقفها
منتهياً، إذ استعاض هذا القرار بقانون، عن القواعد الإجرائية المعقدة التى كانت تحول
دون قسمة هذه الأعيان وتوزيعها بين مستحقيها، بلجنتين تختص إحداهما بفحص طلبات القسمة
وإجرائها، وكذلك ببيع الأعيان التى تتعذر قسمتها، وتتولى أخراها الفصل فى الاعتراضات
على الاحكام التى تصدرها اللجنة الأولى، سواء كان الاعتراض مبناه المنازعة فى الاستحقاق،
أو تقويم الأعيان أو غير ذلك، على أن يطعن أمام المحكمة الاستئنافية فى القرارات الصادرة
عن لجان القسمة، بما مؤداه أن المشرع مايز بين فئتين: إحداهما تلك التى تناولها القرار
بقانون رقم 55 لسنة 1960 آنف البيان، كافلاً لها ضمانة تعدد درجات التقاضي. وثانيتهما
تلك التى تعلق بها القانون رقم 43 لسنة 1982 بإنهاء الأحكار على الأعيان الموقوفة،
التى قصر حقها فى التقاضى على درجة واحدة. مخالفاً بذلك مبدأ المساواة أمام القانون.
وفضلاً عما تقدم، فقد أهدر النص المطعون فيه، حكم المادتين 8، 68 من الدستور، التى تكفل أولاهما تكافؤ الفرص لجميع المواطنين، وثانيتهما حق كل مواطن فى الالتجاء إلى
قاضيه الطبيعي، مع حظر النص فى القوانين على تحصين الأعمال والقرارات الإدارية من رقابة
القضاء.
وحيث إن البين من قضاء المحكمة الدستورية العليا فى الدعوى رقم 102 لسنة 12 قضائية
"دستورية" [أن الأعيان التى كان مصرفها على غير جهات البر، والتى اعتبر وقفها منتهياً
بصدور المرسوم بقانون رقم 180 لسنة 1952، كان ينبغى توزيعها على المستحقين، كل بقدر
نصيبه، باعتبار أنهم أصبحوا مالكين لهذه الأنصبة، إلا أن معظم هذه الأعيان لم تصل إلى
مستحقيها بسبب شيوع أنصبتهم، وما يقيمه بعض الحراس، بل وبعض المستحقين، من العوائق
التى تحول دون إجراء القسمة. ثم صدر القانون رقم 18 لسنة 1958 بقسمة الأعيان التى اعتبر
وقفها منتهياً، مستهدفاً تقرير قواعد ميسرة تكفل إيصال الحقوق إلى المستحقين، إلا أن
تطبيقه أسفر عن تعقد إجراءاته وبطئها، بالنظر إلى تعدد اللجان التى نظمها، وتشابك إجراءاتها.
وتفادياً لذلك صدر القرار بقانون رقم 55 لسنة 1960 محدداً كيفية إجراء القسمة فى الأعيان
التى اعتبر وقفها منتهياً، فاستعاض عن القواعد الإجرائية المعقدة بلجنتين، تختص إحداهما
بفحص طلبات القسمة وتحقيق جديتها وإجرائها، وكذلك ببيع الأعيان التى تتعذر قسمتها،
وتختص أخراها بالفصل فى الاعتراضات على الأحكام التى تصدرها اللجنة الأولى، سواء كان
الاعتراض مبناه المنازعة فى الاستحقاق أو تقويم الأعيان أو غير ذلك.
وقد قيد المشرع هاتين اللجنتين، بقواعد قانونية ألزمهما باتباعها، بعضها من طبيعة
اجرائية،
هى تلك المنصوص عليها فى قانون المرافعات المدنية والتجارية، ومنها ما هو من طبيعة
موضوعية تمثلها الأحكام التى تضمنها القانون المدنى فى شأن القسمة، وكذلك ما نص عليه
القانون رقم 48 لسنة 1946 من أحكام متعلقة بالوقف. وتفصل هذه اللجان – التى يغلب العنصر
القضائى على تشكيلها – فيما يعرض عليها مما يدخل فى اختصاصاتها، بعد إعلان أصحاب الشأن
ببدء إجراءاتها، وبما يكفل حقوق المتقاسمين والأغيار على السواء، فى إطار من الضمانات
الرئيسية للتقاضى التى تتهيأ معها لكل من كان طرفاً فى إجراءات القسمة، الفرص المتكاملة
لإبداء أقواله، ومواجهة خصمه وتحقيق دفاعه. بما مؤداه أن المشرع أقام هيئتين ذواتى
اختصاص قضائي، تعلو إحداهما أدناهما، وتقيد كلتاهما بقواعد إجرائية وموضوعية لا تريم
عنها، وتتوافر فى تشكيلها الحيدة التى تكفل غيريتها فى مواجهة المتنازعين.
وقد أقترن هذا التنظيم القائم على تعدد مراحل التقاضى فى الموضوع الواحد، بضمان حق
الطعن أمام محكمة الاستئناف فى القرارات الصادرة عن لجان القسمة، كلما كان الطعن عليها
مبناه مخالفتها القانون أو خطؤها فى تطبيقه أو تأويله، أو إذا وقع بطلان فى قراراتها
أو بطلان فى إجراءاتها أثر فيها.
ومن ثم يكون المشرع قد حصر اختصاص محكمة الاستئناف فى مسائل القانون، وعهد إليها –
من خلال مراقبتها لصحة تطبيقه – بدور مماثل لدور محكمة النقض – التى لا يجوز الطعن
فى أحكامها أمام أية جهة].
وحيث إن المشرع كان قد أصدر عدة قوانين فى شأن إنهاء الأحكار على الأعيان الموقوفة،
متوخياً تصفية آثارها، بالنظر إلى خطورة ووطأه القيود التى تفرضها على الأعيان موضوعها
– لتعود إلى من يملكون رقبتها – عناصر الملكية التى مزقتها هذه الأحكار، والتى تتمثل
فى استحواذ المحتكرين على تلك الأعيان، وتسلطهم على مختلف أوجه الانتفاع بها، وانفرادهم
بثمارها لآماد تمتد زمناً بعيداً، تظل خلالها عملاً وقانوناً فى أيديهم مع توارثها،
غير مقيدين فى ذلك كله إلا بأداء أجر مثلها، وبشرط أن تكون الأعمال التى يجرونها فيها
– سواء بالبناء أو الغراس – من شأنها تحسينها، وتعيير أوضاعها، بتعميرها وإصلاحها.
وليس أدل على ثقل القيود التى تفرضها الأحكار على الملكية، من أن التقنين المدنى اعتبرها
حقاً عينياً أصلياً، بل إن البعض وصفها بأنها ملكية فوق الملكية الأصلية تتداخل معها
وتعطلها.
ولئن جاز القول بأن الأحكار مأخوذة أحكامها أصلاً من الشريعة الغراء التى شرعتها لتعمير
أعيان تم وفقها، وليس بيد ناظرها أموال تغلها، وتكفيها لإصلاحها بعد تخربها وتَعَطُل
الانتفاع بها، وبشرط ألا يكون استبدالها ممكناً، وألا يوجد من يكون راغباً فى استئجارها
بأجره يعجلها عن مدة مستقبلية، للإنفاق على ما يعمرها، إلا أن تطور الأوضاع الاقتصادية،
أسفر عن إمكان تعمير هذه الأعيان، ويُسْرِ استبدالها، خلال مدة أقصر من تلك التى كانت
الأحكار تمتد إليها قبل صدور التقنين المدنى الجديد، مما حمل هذا التقنين على أن يقرر
فى شأن الأحكار، قواعد قانونية تقلص من دورها حداً من انتشارها، فلم يجز أن يكون الحكر
بأقل من أجرة المثل، ولا دائمياً، بل حده بمدة لا تزيد على ستين سنة، ولضرورة أو مصلحة،
وبإذن من المحكمة الابتدائية التى تقع فى دائرتها الأعيان كلها أو أكثرها قيمة. وشرط
ألا ينعقد عقد الحكر، إلا إذا كان موثقاً بصورة رسمية، وجعل شهره من خلال التسجيل لازماً
سواء فيما بين المتعاقدين أو فى مواجهة الأغيار. وحظر هذا التقنين كذلك – واعتبار من
تاريخ العمل به – تقرير أحكار على أعيان غير موقوفة، مضيقاً بذلك من دائرتها. وحتم
فوق هذا، حق الحكر، قبل حلول الأجل، إذا لم تعد الأرض المحتكرة وقفاً.
وإمعاناً فى التضييق من حق الحكر قدر الإمكان، نص التقنين المدني، على أن لمالك الرقبة
فى الحكر، حق الأخذ بالشفعة إذا بيع حق الحكر، ويثبت حق الأخذ بها كذلك، لكل مستحكر
عند بيع الرقبة، توصلاً لإنهاء حق الحكر عن طريق اتحاد الذمة.
وحيث إن من المقرر، أو القواعد القانونية التى صاغها التقنين المدنى فى شأن الأحكار،
لم تكن إلا تعبيراً عن السياسة التشريعية التى اختطها للحد منها، أو إنهاء وجودها،
وهو اتجاه عززه المشرع بقوانين متعاقبة، بدأها بالمرسوم القانون رقم 180 لسنة 1952
بإلغاء نظام الوقف على غير الخيرات، ناصاً فى مادته الأولى، على أن يعتبر منتهياً كل
وقف لا يكون مصرفه فى الحال خالصاً لجهة من جهات البر، ومنهياً فى مادته السابعة، ما
يكون من الأحكار مرتباً على أرض انتهى وقفها وفقاً لأحكام هذا القانون، وهو ما آل إلى
حصر معظم الأحكار فيما يكون منهاً مقرراً على أرض تعد وقفاً خيرياً. بيد أن بقاء الأحكار
حتى فى هذا النطاق – وما تفرضه على أعيانها من قيود خطيرة – حال دون استغلالها فيما
يعود بالفائدة على أشكال وصور الخير التى يمكن أن ترصد عليها.
ومن ثم عنى المشرع بإصدار قوانين متعاقبة تتوخى تصفيتها خلال أجل معين، ولكن الإخفاق
حالفها بالنظر إلى تعدد اللجان التى تتولى عملية إنهاء الأحكار [لجنة التثمين، ثم لجنة
الأحكار، ثم اللجنة العليا للأحكار] مما حمل المشرع على دمجها جميعاً فى لجنة واحدة،
هى اللجنة القضائية المنصوص عليها فى المادة 5 من القانون رقم 43 لسنة 1982 آنف البيان،
والتى اختصها بالفصل فى جميع المنازعات الناشئة عن هذا القانون، مع جواز الطعن فى قراراتها
أمام المحكمة الابتدائية التى يقع فى دائرتها العقار محل النزاع وهو ما يؤكد حقيقة
أن الأحكار بطبيعتها تتمحض عبئاً ثقيلاً على الملكية، وأن المشرع حرص على التخلص منها
من خلال تنظيم خاص، وعلى ضوء قواعد ميسرة ارتآها كافية للفصل فى الحقوق المتعلقة بها،
وتسويتها بصفة نهائية.
وحيث إن المشرع – فى مجال إنفاذ حق التقاضى – غير مقيد بأشكال إجرائية محددة تمتد إلى
المنازعات جميعها حتى مع اختلاف موضوعها، ذلك أن التنظيم الإجرائى للخصومة القضائية،
لا يمكن أن يعكس أنماطاً جامدة موحدة لإطار الفصل فيها، وإلا كان ذلك إغراقاً فى الشكلية
ولو كان عقمها بادياً، وانحيازاً لتحجر قوالبها وتزمتها ولو كان مصادماً لحقائق الأشياء،
نافياً ما بين أوضاعها من تغاير. وهو ما يأباه التنظيم الإجرائى للخصومة القضائية،
إذ يتعين دوماً أن يفاضل المشرع بين صور هذا التنظيم، ليختار منها ما يكون مناسباً
لخصائص المنازعات التى يتعلق بها، ومتطلباتها إجرائياً، لتتعدد بالتالى الأشكال التى يقتضيها إنفاذ حق التقاضي، وبما لا إخلال فيه بأبعاده التى كفلها الدستور، وعلى الأخص
من زاوية ضماناته الرئيسية التى تمثل إطاراً حيوياً لصون الحقوق على اختلافها، يرد
العدوان عنها على ضوء قواعد قانونية يكون إنصافها حائلاً دون تحفيها على أحد.
وحيث إنه متى كان ذلك، وكان القانون رقم 43 لسنة 1982 المشار إليه، قد توخى إنهاء أحكار
الأعيان الموقوفة، فنص فى مادته الأولى على أن يعتبر حق الحكر منتهياً دون تعويض فى الأعيان الموقوفة الخالية من البناء والغراس عند العمل بهذا القانون؛ وحدد فى مادته
الثانية وما بعدها، كيفية إنهاء الأحكار على أعيان موقوفة يشغلها بناء أو غراس، وقواعد
الفصل فى المنازعات الناشئة عن ذلك؛ وكان البين من استقراء الأحكام التى تضمنها هذا
القانون، ومقارنتها بتلك التى نص عليها قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 55 لسنة 1960،
أن هذين التشريعين يختلفان موضوعا، ذلك أنه بينما صدر أولهما لإنهاء الأحكار على أعيان
لا زال وقفها قائماً؛ فإن ثانيهما يتناول أعياناً صار وقفها منتهياً، محدداً قواعد
قسمتها لتوزيعها على المستحقين فيها. متى كان ما تقدم، وكان مبدأ مساواة المواطنين
أمام القانون، لا يعنى معاملتهم جميعاً وفق قواعد موحدة يتكافأون فيها، بل يكون التماثل
فى المراكز القانونية التى تنتظم بعض فئاتهم، وتساويهم بالتالى فى العناصر التى تكونها،
مناطاً لوحدة القاعدة القانونية التى ينبغى تطبيقها فى حقهم؛ وكانت الحقوق التى نظم
المشرع الفصل فيها بالقرار بقانون رقم 55 لسنة 1960 – وعلى ما تقدم – تغاير فى مضمونها
وغاياتها، تلك التى تعلق بها القانون رقم 43 لسنة 1982 المشار إليهما؛ فإن المخاطبين
بكل من هذين التشريعين، لا يقفون فيما بينهم على قدم من المساواة أمام القانون، ويكون
ادعاء الإخلال بهذا المبدأ – وقد غاير المشرع بين موضوعين فى نطاق التنظيم الإجرائى لحق التقاضى فى كل منهما – منتفياً.
وحيث إن المدعيين، ينعيان كذلك على الفقرة الثانية من المادة 6 من القانون رقم 43 لسنة
1982 فى شأن إنهاء الأحكار على الأعيان الموقوفة، إسباغها الحصانة على الأحكام الصادرة
عن المحكمة الابتدائية التى يقع العقار فى دائرتها، فصلاً فى الطعون المقدمة إليها
فى قرارات اللجنة القضائية.
وحيث إن النعى مردود، بما استقر قضاء المحكمة الدستورية العليا على أن قصر حق التقاضى فى المسائل التى فصل الحكم على درجة واحدة، هو مما يستقل المشرع بتقديره، بمراعاة أمرين:
أولهما أن يكون هذا القصر قائماً على أسس موضوعية تمليها طبيعة المنازعة، وخصائص الحقوق
المثارة فيها. ثانيهما: أن تكون الدرجة الواحدة محكمة أو هيئة ذات اختصاص قضائى من
حيث تشكيلها وضماناتها والقواعد المعمول بها أمامها، وأن يكون المشرع قد عهد إليها
بالفصل فى عناصر النزاع جميعها – الواقعية منها والقانونية – فلا تراجعها فيما تخلص
إليه من ذلك، جهة أخرى. وعلى نقيض ما تقدم، أن يقيم المشرع، محكمة أو هيئة ذات اختصاص
قضائى للفصل فى مسائل القانون المرتبطة بنزاع معين، تعقيباً من جهتها على قرار أصدرته
جهة إدارية عند فصلها فيه، إذ يعتبر ذلك إنكاراً لحق التقاضى المكفول بنص المادة الثامنة
والستين من الدستور، باعتبار أن الفصل فى عناصر النزاع الواقعية، عائد إلى جهة إدارية
لا تتوافر أمامها – وبالضرورة – مقومات التقاضى وضماناته الرئيسية؛ متى كان ذلك، وكان
المشرع قد أنشأ بالمادة 5 من القانون رقم 43 لسنة 1982 بإنهاء الأحكار على الأعيان
الموقوفة، لجنة قضائية فى كل منطقة يرأسها رئيس محكمة ويمثل أعضاءها موظفون عن الجهات
الإدارية التى عينتها فقرتها الأولى، واختصها بالفصل فى كافة المنازعات الناشئة عن
تطبيق هذا القانون، مخولاً إياها فى سبيل أداء مهمتها فحص الأوراق وتحقيقها، وأن تستعين
فى عملها بمن تراه من العاملين الفنيين والإداريين وغيرهم من أهل الخبرة؛ وكان لا يجوز
لها – وعملاً باللائحة التنفيذية لهذا القانون الصادر بها القرار رقم 17 لسنة 1983
– أن تباشر ولايتها هذه، إلا بعد إخطار ذوى الشأن بموعد انعقادها، ومكانه، ووقته، وذلك
بموجب خطاب مسجل، وقبل الجلسة المحددة بخمسة عشر يوماً على الأقل، على أن يكون لهؤلاء
حق الحضور أمامها بأنفسهم، وأن ينيبوا عنهم فى الحضور من يختارونه من المحامين؛ وكان
لا يجوز كذلك أن يكون انعقادها صحيحاً، إلا بحضور رئيسها وثلاثة من أعضائها على الأقل،
مع جواز الطعن فى قراراتها أمام المحكمة الابتدائية الكائن فى دائرتها العقار خلال
ثلاثين يوما من تاريخ صدورها؛ وكان المشرع من خلال هذا التنظيم – وحتى لو صح القول
بانتفاء الصفة القضائية عن أعمال اللجان القضائية التى أنشاها – قد عهد إلى المحكمة
الابتدائية المنصوص عليها فى الفقرة الأولى من المادة 6 من القانون، بالفصل فى الطعون
التى تقدم إليها عن قرارات هذه اللجان؛ وكان تشكيلها واستقلالها كاشفين عن حيدتها عند
الفصل فى هذه الطعون، ومؤديين إلى غيريتها فى مواجهة أطرافها؛ وكان نظرها لتلك الطعون
يبلور الحق فى الدعوى كرابطة قانونية تنعقد الخصومة القضائية من خلالها، بوصفها الوسيلة
التى عينها المشرع لاقتضاء الحقوق المدعى بها، وعلى ضوء قواعد قانونية لا يخل تطبيقها
بضمانات التقاضي، ولا بالأسس الموضوعية التى يقتضيها الفصل فيها؛ فإن الأحكام التى تصدرها المحكمة الابتدائية فيما يعرض عليها من تلك الطعون، تؤكد الحقيقة القانونية
التى تفرض نفسها على كل من ألزمه المشرع بها، بافتراض تطابقها مع الحقيقة الواقعة.
ولا إخلال فى ذلك بحق التقاضي، بل هو إرساء لمضمونه، بما يكفل الاغراض التى توخاها.
ولا ينال من ذلك ما قرره المدعى من أن الفقرة الثانية من المادة 6 من القانون رقم 43
لسنة 1982 – المطعون عليها – تناقض نص الفقرة الثانية من المادة 68 من الدستور التى حظر بموجبها إسباغ الحصانة من رقابة القضاء، على الأعمال والقرارات الإدارية، ذلك أن
من المقرر فى قضاء هذه المحكمة، أن ما تعنيه هذه الفقرة، هو ألا تكون النصوص التشريعية
حائلاً بين الأفراد والدفاع عن حقوقهم أو حرياتهم بمنعهم من اقتضائها من خلال الخصومة
القضائية، لرد العدوان عنها، ولا كذلك قصر التقاضى على درجة واحدة فى المسائل التى فصل الحكم فيها.
وحيث إن ما ينعاه المدعيان من إخلال النص المطعون فيه بمبدأ تكافؤ الفرص المكفول بنص
المادة الثامنة من الدستور، مردود بأن مضمون هذا المبدأ يتصل بالفرص التى تتعهد الدولة
بتقديمها، وأن إعماله يقع عند تزاحمهم عليها، وأن الحماية الدستورية لتلك الفرص غايتها
تقرير أولوية فى مجال الانتفاع بها لبعض المتزاحمين على بعض، وهى أولوية تتحدد وفقاً
لأسس موضوعية، يقتضيها الصالح العام، ولازمها أن يعامل المتزاحمون عليها الذين تتماثل
– فى إطار هذه الأسس الموضوعية وعلى ضوئها – مراكزهم القانونية، معاملة موحدة؛ وكان
النص المطعون فيه لا يتعلق بفرض قائمة يجرى التزاحم عليها، فإن إعمال مبدأ تكافؤ الفرص
– فى مجال تطبيق هذا النص – يكون منتفياً.
متى كان ذلك، وكان النص المطعون فيه لا يتعارض مع أحكام الدستور من أوجه أخرى.
فلهذه الأسباب:
حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى، وبمصادرة الكفالة، وألزمت المدعيين المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل اتعاب المحاماه.
