قاعدة رقم الطعن رقم 26 لسنة 15 قضائية “دستورية” – جلسة 02 /12 /1995
أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء السابع
من أول يوليو 1995 حتى آخر يونيو 1996 – صـ 226
جلسة 2 ديسمبر سنة 1995
برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة، وحضور السادة المستشارين/ الدكتور فاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامى فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض وعدلى محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله – أعضاء، وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفى على جبالى – المفوض، وحضور السيد/ أحمد عطية أحمد منسى – أمين السر.
قاعدة رقم
القضية رقم 26 لسنة 15 قضائية "دستورية"
1- دعوى دستورية "تكييفها" – المحكمة الدستورية العليا
المحكمة الدستورية العليا هى التى تعطى الدعوى تكييفها القانونى الصحيح، محددة نطاقها
على ضوء طلبات الخصومة الحقيقية فيها.
2- المحكمة الدستورية العليا واختصاصها "البت فيه".
البت فى اختصاص المحكمة الدستورية العليا ولائياً بنظر دعوى بذاتها سابق بالضرورة على
الخوض فى شرائط قبولها أو الفصل فى موضوعها، وتواجهه المحكمة من تلقاء نفسها.
3- دستور "المادة الثانية منه: مقتضى تعديلها".
نص هذه المادة – بعد تعديلها – بأن مبادئ الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع،
مؤداه: إلزام السلطة التشريعية فيما تقرره من نصوص تشريعية بأن تكون غير مناقضة للأحكام
الشرعية القطعية فى ثبوتها ودلالتها – التزام المحكمة الدستورية العليا بمراقبة تقيد
هذه النصوص بها.
4- البنك الأهلى المصرى "وضعه القانوني".
اعتبار هذا البنك – طبقاً لتنظيمه التشريعى – شركة مساهمة – تدار وفقاً للقواعد المعمول
بها فى المنشآت المصرفية العادية، ويندرج تحت البنوك التجارية ويباشر نشاطه فى إطار
القانون الخاص.
5- المحكمة الدستورية العليا "اختصاصها بالرقابة الدستورية: محله".
محل الرقابة القضائية على الدستورية تنحصر فى القانون بمعناه الموضوعى الأعم، محدداً
على ضوء النصوص التشريعية التى تتولد عنها مراكز قانونية عامة مجردة، سواء وردت فى تشريعات أصلية أو تشريعات فرعية.
6- رقابة قضائية على الدستورية – المحكمة الدستورية العليا.
أمر الرقابة القضائية على دستورية النصوص التشريعية بيد محكمة واحدة – تتولى وحدها
بناء على الوحدة العضويه لأحكام الدستور – حتى لا تتفرق وجهات النظر من حولها.
7- المحكمة الدستورية العليا "قرار البنك الأهلى المصري: عدم اختصاص".
قرار بنسبة الفوائد على قيمة أحد القروض صادر من البنك الأهلى المصرى – أحد أشخاص القانون
الخاص، خروج المنازعة فيه من ولاية المحكمة الدستورية العليا.
8- دعوى دستورية "إجراءاتها – نظام عام – طلب بعدم الدستورية أمام هيئة المفوضين
–
دعوى أصلية".
الأوضاع الإجرائية – سواء ما اتصل منها بطريقة رفع الدعوى الدستورية أو تعلق بميعاد
رفعها – جميعها من النظام العام – إثارة المدعى شبهة المخالفة الدستورية – لأول مرة
– أمام هيئة المفوضين، دون دفع سابق أمام محكمة الموضوع اعتبار ذلك طعن بالطريق المباشر
وبصفة أصلية على النصين المطعون فيهما، عدم جواز طريق الدعوى الأصلية بعدم الدستورية.
1- إن من المقرر قانوناً، أن المحكمة الدستورية العليا بما لها من هيمنة على الدعوى،
هى التى تعطيها وصفها الحق، وتكييفها القانونى الصحيح، محدد نطاقها على ضوء طلبات الخصوم
فيها، مستظهرة حقيقة أبعادها ومراميها، مستلهمة معانى عباراتها، غير مقيدة بمبانيها؛
وكان البين من الأوراق، أن طلبات المدعى، تتمثل فى الحكم بعدم دستورية قرار صدر من
البنك الأهلى المصرى – بعد إبرام عقد القرض سنة 1989 – برفع سعر الفائدة على القرض
المشار إليه، بما يزيد على 7%، تأسيساً على مخالفة ذلك لأحكام الشريعة الإسلامية التى جعلها الدستور المصدر الرئيسى للتشريع، والتى نهت عن أكل أموال الناس بالربا؛ فإن دعواه
– فى هذا النطاق – تنحل إلى طعن بعدم دستورية هذا القرار.
2- إن البت فى اختصاص المحكمة الدستورية العليا ولائياً بنظر دعوى بذاتها، سابق بالضرورة
على الخوض فى شرائط قبولها أو الفصل فى موضوعها، وتواجهه المحكمة من تلقاء نفسها، إذ
لا يتصور أن تفصل المحكمة الدستورية العليا فى توافر شروط اتصال الخصومة القضائية بها
وفقا للأوضاع المنصوص عليها فى قانونها، قبل أن تتحقق من أن النزاع موضوعها يدخل ابتداء
فى ولايتها. كذلك فإن قضاءها باختصاصها بنظر الخصومة بذاتها، لا يحول بينها والفصل
فى الشرائط التى يتطلبها المشرع لقبولها، والتى يعد توافرها مدخلاً للفصل فى موضوعها.
3- إن الدفع بعدم اختصاص المحكمة الدستورية العليا ولائياً بنظر النزاع الراهن، مردود
فى سنده بأن ما نصت عليه المادة الثانية من الدستور – بعد تعديلها فى 22 مايو سنة 1980
– من أن مبادئ الشريعة الإسلامية، هى المصدر الرئيسى للتشريع، يدل على أن الدستور –
واعتباراً من تاريخ العمل بهذا التعديل – قد أتى بقيد على السلطة التشريعية، مؤداه
إلزامها – فيما تقره من النصوص التشريعية – بأن تكون غير مناقضة لمبادئ الشريعة الإسلامية،
بعد أن اعتبرها الدستور أصلاً يتعين أن ترد إليه هذه النصوص، أو تستمد منه، لضمان توافقها
مع مقتضاه، ودون ما إخلال بالضوابط الأخرى التى فرضها الدستور على السلطة التشريعية،
وقيدها بمراعاتها والنزول عليها فى ممارستها لاختصاصاتها الدستورية. بما مؤداه أنه
لا يجوز لنص تشريعى – واعتبارا من تاريخ تعديل المادة الثانية من الدستور – أن يناقض
الأحكام الشرعية القطعية فى ثبوتها ودلالتها، على تقدير أن هذه الأحكام وحدها، هى التى لا يجوز الاجتهاد فيها، لأنها تمثل من الشريعة الإسلامية مبادئها الكلية وأصولها الثابتة،
التى لا تحتمل تأويلاً أو تبديلاً. ومن غير المتصور أن يتغير مفهومها بتغير الزمان
والمكان، إذ هى عصية على التعديل، ولا يجوز الخروج عليها. وتلتزم المحكمة الدستورية
العليا بمراقبة التقيد بها، وتغليبها على كل قاعدة قانونية تعارضها. ذلك أن المادة
الثانية من الدستور، تقدم على هذه القواعد، أحكام الشريعة الإسلامية فى أصولها ومبادئها
الكلية، إذ هى إطارها العام، وركائزها الثابتة التى تفرض متطلباتها دوماً، بما يحول
دون إقرار أية قاعدة قانونية على خلافها، ولا خيار بالتالى للسلطة التشريعية فى إهمالها
أو إعمالها بعد أن أقامها الدستور مصدراً رئيساً للتشريع، بما مؤداه حمل رقابة الدستورية
عليها، باعتبارها جزءاً من مكوناتها وضوابطها، يتكامل مع غيرها من النصوص الدستورية،
فلا تنحيها أو تتهادم معها.
4، 5- إن التنظيم التشريعى للبنك الأهلى المصرى – محدد على ضوء أحكام المادتين 15،
19 من القرار بقانون رقم 250 لسنة 1960 فى شأن البنك المركزى المصرى والبنك الأهلى المصري، وكذلك المادتين الأولى والثانية من قرار رئيس الجهورية رقم 872 لسنة 1965 فى شأن بعض الأحكام الخاصة بالبنوك – يدل على أن البنك الأهلى المصرى قد غدا شركة مساهمة
يضع مجلس إدارة البنك المركزى نظامها الاساسى، وتتم إدارتها وفقاً للقواعد المعمول
بها فى المنشآت المصرفية العادية، ودون تقيد بالنظم والقواعد الإدارية والمالية المعمول
بها فى مصالح الحكومة ومؤسساتها العامة، وهى تزاول دون أن قيد، جميع العمليات المصرفية
العادية، وذلك بالشروط، وفى الحدود ذاتها، التى تخضع لها البنوك التجارية وفقاً لأحكام
القانون رقم 163 لسنة 1957 بإصدار قانون البنوك والائتمان. ثم صدر قرار رئيس الجمهورية
رقم 2422 لسنة 1971 بتطوير النظام المصرفي، واختصها بشئون التجارة الخارجية، ومباشرة
جميع العمليات المصرفية الخاصة بها استيراداً وتصديراً، مع استمرارها فى القيام بخدمة
شهادات الاستثمار. متى كان ذلك، وكانت البنوك التجارية – وعلى ما تنص عليه المادة 15
من القانون رقم 120 لسنة 1975 فى شأن البنك المركزى المصرى والجهاز المصرفى – هى تلك
التى تقوم بصفة معتادة بقبول ودائع تدفع عند الطلب أو لآجال محددة، وتزاول عمليات التمويل
الداخلى والخارجي، بما يحقق أهداف خطة التنمية وسياسة الدولة ودعم الاقتصاد القومى كما تباشر عمليات تنمية الادخار والاستثمار المالى فى الداخل والخارج، بما فى ذلك المساهمة
فى إنشاء المشروعات وما تتطلبه من عمليات مصرفية وتجارية ومالية؛ وكان البنك الأهلى المصرى يندرج تحت البنوك التجارية، ويقوم بعملياتها متخذاً شكل شركة مساهمة تباشر نشاطها
فى إطار القانون الخاص؛ وكان الدستور قد عهد – بنص المادة 175 – إلى المحكمة الدستورية
العليا دون غيرها بتولى الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح على الوجه
المبين فى القانون؛ وكان المشرع – وبناء على هذا التفويض – قد أصدر قانون المحكمة الدستورية
العليا، مبيناً اختصاصاتها، محددا ما يدخل فى ولايتها حصراً، مستبعدا من هامها ما لا
يندرج تحتها، فخولها اختصاصها منفرداً بالرقابة على دستورية القوانين واللوائح، مانعاً
أى جهة أخرى من مزاحمتها فى ذلك، مفصلاً طرائق هذه الرقابة، وكيفيتها، ومؤكداً أن اختصاص
المحكمة الدستورية العليا – فى مجال مباشرتها الرقابة القضائية على الدستورية – منحصر
فى النصوص التشريعية أياً كان موضعها أو نطاق تطبيقها أو الجهة التى أقرتها أو أصدرتها؛
متى كان ذلك، فإن محل الرقابة القضائية على الدستورية إنما يتمثل فى القانون بمعناه
الموضوعى الأعم، محدداً على ضوء النصوص التشريعية التى تتولد عنها مراكز قانونية عامة
مجردة، سواء وردت هذه النصوص بالتشريعات الأصلية التى تقرها السلطة التشريعية، أم تضمنتها
التشريعات الفرعية التى تصدرها السلطة التنفيذية فى حدود صلاحياتها التى ناطها الدستور
بها.
6- إن ما يميز نصوص هذه التشريعات جميعها، أن تطبيقاتها مترامية، ودائرة المخاطبين
بها غير متناهية، والآثار المترتبة على إبطالها – إذ أهدرتها المحكمة الدستورية العليا
– بعيدة فى مداها، وتدق دائماً ضوابط الرقابة على مشروعيتها الدستورية، وتقارنها محاذير
واضحة. وكان لازماً بالتالى أن يؤول أمر الرقابة القضائية فى شأنها، إلى محكمة واحدة،
بيدها دون غيرها زمام إعمالها، كى تصوغ بنفسها معاييرها ومناهجها، وتوازن من خلالها
بين المصالح المثارة على اختلافها، وتتولى وحدها بناء الوحدة العضوية لأحكام الدستور،
بما يكفل تكاملها وتجانسها، ويحول دون تفرق وجهات النظر من حولها، وتباين مداخل وصور
الاجتهاد فيها، وهو ما نحاه قانون المحكمة الدستورية العليا.
7- إنه متى كان ذلك، وكان القرار المطعون فيه – صادراً عن أحد أشخاص القانون الخاص،
التى لا تتولى – فى نطاق أغراضها وعلى ضوء الوسائل التى تنتهجها – إدارة الشئون المصرفية
بوسائل السلطة العامة وامتيازاتها، ولا تتدخل لتنظيم أوضاعها بما ينافى طبيعتها، ولا
تربطها بالعاملين بها، أو المتعاملين معها، علاقة تنظيمية تحكمها القوانين واللوائح،
بل مرد شئونها جميعاً إلى قواعد القانون الخاص التى تحكم مختلف صور نشاطها، ولو تدخل
المشرع لتنظيم بعض جوانبها بقواعد قانونية آمرة ضبطاً لها؛ وكان القرار المطعون فى يتعلق بنسبة الفوائد التى تم حسابها على قيمة قرض كان المدعى قد تعهد برده إلى المصرف
المدعى عليه، بوصفه مصرفاً تجارياً، فإن هذا القرار لا يعد قراراً إدارياً تنظيمياً،
بل يتمحض عن فائدة رتبها البنك المدعى عليه فى ذمة المدعى ترتيباً على علاقة تعاقدية
حل محل غيره فيها، لتخرج المنازعة فى شأنها عن ولاية المحكمة الدستورية العليا. ولا
ينال مما تقدم، أن يكون هذا القرار سارياً فى شأن المقترضين جميعهم، إذ لا تتولد عن
مثل هذا القرار، أية قاعدة قانونية مما تتناولها الرقابة القضائية على الدستورية، بل
يعتبر منقطع الصلة بالأعمال التشريعية، لينحسر عنه بالتالي، الاختصاص الولائى لهذه
المحكمة، التى لا يجوز لها من بعد – وقد خرج النزاع من ولايتها – أن تفصل فى دفوع تتعلق
بعدم قبول الخصومة القضائية التى تبلور هذا النزاع، وذلك أياً كان وجه الرأى فيها.
8- إن البين من الأوراق، أن المدعى قد طلب أثناء تحضير دعواه أمام هيئة المفوضين –
وبجلستها المعقودة فى 6 من مارس سنة 1994 – الحكم بعدم دستورية المادتين 232، 233 من
القانون المدني، بمقولة مخالفتهما للمادة الثانية من الدستور؛ وكان قضاء المحكمة الدستورية
العليا قد جرى، على أن المشرع قد رسم فى البند (ب) من المادة 29 من قانونها طريقاً
لرفع الدعوى الدستورية التى أتاح للخصوم إقامتها، وربط بينه وبين الميعاد المحدد لرفعها،
فدل بذلك على أنه اعتبر هذين الأمرين من مقومات الدعوى الدستورية، فلا ترفع إلا بعد
إبداء دفع بعدم الدستورية تقدر محكمة الموضوع جديته، ولا تقبل إلا بعد رفعها خلال الأجل
الذى ناط المشرع بمحكمة الموضوع تحديده بما لا يجاوز ثلاثة أشهر؛ وكان من المقرر أن
هذه الأوضاع الإجرائية – سواء ما اتصل منها بطريقة رفع الدعوى الدستورية أو تعلق بميعاد
رفعها – جميعها من النظام العام باعتبارها أشكالاً جوهرية فى التقاضى تغيا بها المشرع
مصلحة عامة حتى ينتظم التداعى فى المسائل الدستورية بالإجراءات التى رسمها، وفى الموعد
الذى حدده؛ وكان المدعى لم يدفع أمام محكمة الموضوع بعدم دستورية هاتين المادتين، بل
أثار شبهة مخالفتهما للدستور – ولأول مرة – أمام هيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية
العليا، فإن ذلك منه يعد اختصاما لهاتين المادتين بصورة مبتدأة تنحل إلى طعن عليهما
بالطريق المباشر – وبصفة أصلية – وهو ما لا يجوز قانوناً، وإذ لم يجز المشرع الدعوى
الأصلية طريقاً للطعن بعدم دستورية النصوص القانونية، وإلا أهدر شرط المصلحة الشخصية
المباشرة، وهو مناط قبول الخصومة الدستورية، ومفترض اتصالها بالمحكمة الدستورية العليا
وفقاً للأوضاع المنصوص عليها فى قانونها. ولا يعدو الطعن على المادتين 232، 233 من
القانون المدنى – على الوجه المتقدم – أن يكون تجريحاً لهما، بقصد إهدار آثارهما، بغير
الوسائل التى نص عليها قانون المحكمة الدستورية العليا.
الاجراءات
بتاريخ الثالث عشر من يوليو سنة 1993 أودع المدعى قلم كتاب المحكمة
صحيفة الدعوى الماثلة طالباً الحكم بعدم دستورية قرار البنك الأهلى المصرى برفع سعر
الفائدة على رصيد قرض كان شقيقه قد حصل عليه من هذا البنك، وذلك فيما جاوز الحد الأقصى
للفائدة المنصوص عليها فى المادة 227 من القانون المدني، ومقداره 7% فى المواد المدنية.
وأثناء تحضير الدعوى، تقدم المدعى بمذكرة إلى هيئة المفوضين، ضمنها طلباً جديداً، هو
الحكم بعدم دستورية المادتين 232، 233 من القانون المدنى.
وقدم البنك المدعى عليه، مذكرة طلب فيها الحكم بعدم اختصاص المحكمة الدستورية العليا
بنظر الدعوى، وبعدم جواز نظرها لسبق الفصل فيها، وبعدم قبولها، ومن باب الاحتياط الكلى برفضها.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة بدفاعها – فى شأن الطعن بعدم دستورية المادتين 232،
233 مدنى – طلبت فيها الحكم بعدم قبول الدعوى، واحتياطيا برفضها.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرا برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة اصدار الحكم فيها بجلسة
اليوم
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل فى أن البنك الأهلى المصري، كان قد أوقع حجزا على عدد من رءوس الماشية المملوكة للمدعي، استيفاء لجزء
من مبلغ القرض الذى حَلَّ فى الالتزام برده، محل شقيقه المتوفى، مما حمل المدعى على
أن يقيم الدعوى رقم 154 لسنة 1991 مدنى مركز الفيوم، مختصماً فيه المصرف المقرض، وطالباً
الحكم بصفة مستعجله بوقف إجراءات هذا الحجز، وفى الموضوع ببطلانه واعتباره كأن لم يكن.
وأثناء نظر الدعوى الموضوعية، دفع بعدم دستورية الفوائد المركبة المحسوبة على قيمة
القرض. وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية هذا الدفع، وصرحت لمبديه برفع الدعوى الدستورية،
فقد أقام الدعوى الماثلة.
وحيث إن من المقرر قانوناً، أن المحكمة الدستورية العليا بما لها من هيمنة على الدعوى،
هى التى تعطيها وصفها الحق، وتكييفها القانونى الصحيح، محدد نطاقها على ضوء طلبات الخصوم
فيها، مستظهرة حقيقة أبعادها ومراميها، مستلهمة معانى عباراتها، غير مقيدة بمبانيها؛
وكان البين من الأوراق، أن طلبات المدعى، تتمثل فى الحكم بعدم دستورية قرار صدر من
البنك الأهلى المصرى – بعد إبرام عقد القرض سنة 1989 – برفع سعر الفائدة على القرض
المشار إليه، بما يزيد على 7%، تأسيساً على مخالفة ذلك لأحكام الشريعة الإسلامية التى جعلها الدستور المصدر الرئيسى للتشريع، والتى نهت عن أكل أموال الناس بالربا، فإن دعواه
– فى هذا النطاق – تنحل إلى طعن بعدم دستورية هذا القرار.
وحيث إن البنك المدعى عليه، دفع الدعوى الراهنة أولاً: بعدم اختصاص المحكمة الدستورية
العليا بنظرها، باعتبار أن مبادئ الشريعة الإسلامية، وإن كانت هى المصدر الرئيسى للتشريع
وفقاً لنص المادة الثانية من الدستور، إلا أن حكمها لا إلزام فيه، بل يترخص المشرع
فى تطبيقها. فضلاً عن أن مبادئ الشريعة الإسلامية، لا تقوم مقام النصوص الدستورية ذاتها،
وليس لها مرتبتها، ولا يجوز بالتالى اعتبارها مرجعاً فى مجال الرقابة على الشرعيه الدستورية.
وثانياً: بعدم جواز نظرها لسبق الفصل فى موضوعها بالحكم الصادر عن المحكمة الدستورية
العليا فى الدعوى رقم 20 لسنة 1 قضائية "دستورية" والذى قضى برفض الطعن بعدم دستورية
المادة 226 من القانون المدني. وثالثاً: بعدم قبولها لخلو صحيفتها من البيانات الجوهرية
التى نصت عليها المادة 30 من قانون المحكمة الدستورية العليا.
حيث إن البت فى اختصاص المحكمة الدستورية العليا ولائياً بنظر دعوى بذاتها، سابق بالضرورة
على الخوض فى شرائط قبولها أو الفصل فى موضوعها، وتواجه المحكمة من تلقاء نفسها، إذ
لا يتصور أن تفصل المحكمة الدستورية العليا فى توافر شروط اتصال الخصومة القضائية بها
وفقاً للأوضاع المنصوص عليها فى قانونها، قبل أن تتحقق من أن النزاع موضوعها يدخل ابتداء
فى ولايتها. كذلك فغن قضاءها باختصاصها بنظر الخصومة بذاتها، لا يحول بينها والفصل
فى الشرائط التى يتطلبها المشرع لقبولها، والتى يعد توافرها مدخلاً للفصل فى موضوعها.
وحيث إن الدفع بعدم اختصاص المحكمة الدستورية العليا ولائياً بنظر النزاع الراهن، مردود
فى سنده بأن ما نصت عليه المادة الثانية من الدستور – بعد تعديلها فى 22 مايو سنة 1980
– من أن مبادئ الشريعة الإسلامية، هى المصدر الرئيسى للتشريع، يدل على أن الدستور –
واعتباراً من تاريخ العمل بهذا التعديل – قد أتى بقيد على السلطة التشريعية، مؤداه
إلزامها – فيما تقره من النصوص التشريعية – بأن تكون غير مناقضة لمبادئ الشريعة الإسلامية،
بعد أن اعتبرها الدستور أصلاً يتعين أن ترد إليه هذه النصوص، أو تستمد منه، لضمان توافقها
مع مقتضاه، ودون ما إخلال بالضوابط الأخرى التى فرضها الدستور على السلطة التشريعية،
وقيدها بمراعاتها والنزول عليها فى ممارستها لاختصاصاتها الدستورية. بما مؤداه أنه
لا يجوز لنص تشريعى – واعتبارا من تاريخ تعديل المادة الثانية من الدستور – أن يناقض
الأحكام الشرعية القطعية فى ثبوتها ودلالتها، على تقدير أن هذه الأحكام وحدها، هى التى لا يجوز الاجتهاد فيها، لأنها تمثل من الشريعة الإسلامية مبادئها الكلية وأصولها الثابتة،
التى لا تحتمل تأويلاً أو تبديلاً. ومن غير المتصور أن يتغير مفهومها بتغير الزمان
والمكان، إذ هى عصية على التعديل، ولا يجوز الخروج عليها. وتلتزم المحكمة الدستورية
العليا بمراقبة التقيد بها، وتغليبها على كل قاعدة قانونية تعارضها. ذلك أن المادة
الثانية من الدستور، تقدم على هذه القواعد، أحكام الشريعة الإسلامية فى أصولها ومبادئها
الكلية، إذ هى إطارها العام، وركائزها الثابتة التى تفرض متطلباتها دوماً، بما يحول
دون إقرار أية قاعدة قانونية على خلافها، ولا خيار بالتالى للسلطة التشريعية فى إهمالها
أو إعمالها بعد أن أقامها الدستور مصدراً رئيساً للتشريع، بما مؤداه حمل رقابة الدستورية
عليها، باعتبارها جزءاً من مكوناتها وضوابطها، يتكامل مع غيرها من النصوص الدستورية،
فلا تنحيها أو تتهادم معها.
وحيث إن التنظيم التشريعى للبنك الأهلى المصرى – محدد على ضوء أحكام المادتين 15، 19
من القرار بقانون رقم 250 لسنة 1960 فى شأن البنك المركزى المصرى والبنك الأهلى المصري،
وكذلك المادتين الأولى والثانية من قرار رئيس الجهورية رقم 872 لسنة 1965 فى شأن بعض
الأحكام الخاصة بالبنوك – يدل على أن البنك الأهلى المصرى قد غدا شركة مساهمة يضع مجلس
إدارة البنك المركزى نظامها الأساسي، وتتم إدارتها وفقاً للقواعد المعمول بها فى المنشآت
المصرفية العادية، ودون تقيد بالنظم والقواعد الإدارية والمالية المعمول بها فى مصالح
الحكومة ومؤسساتها العامة، وهى تزاول دون أن قيد، جميع العمليات المصرفية العادية،
وذلك بالشروط، وفى الحدود ذاتها، التى تخضع لها البنوك التجارية وفقاً لأحكام القانون
رقم 163 لسنة 1957 بإصدار قانون البنوك والائتمان. ثم صدر قرار رئيس الجمهورية رقم
2422 لسنة 1971 بتطوير النظام المصرفي، واختصها بشئون التجارة الخارجية، ومباشرة جميع
العمليات المصرفية الخاصة بها استيراداً وتصديراً، مع استمرارها فى القيام بخدمة شهادات
الاستثمار. متى كان ذلك، وكانت البنوك التجارية – وعلى ما تنص عليه المادة 15 من القانون
رقم 120 لسنة 1975 فى شأن البنك المركزى المصرى والجهاز المصرفى – هى تلك التى تقوم
بصفة معتادة بقبول ودائع تدفع عند الطلب أو لآجال محددة، وتزاول عمليات التمويل الداخلى والخارجي، بما يحقق أهداف خطة التنمية وسياسة الدولة ودعم الاقتصاد القومى كما تباشر
عمليات تنمية الادخار والاستثمار المالى فى الداخل والخارج، بما فى ذلك المساهمة فى إنشاء المشروعات وما تتطلبه من عمليات مصرفية وتجارية ومالية؛ وكان البنك الأهلى المصرى يندرج تحت البنوك التجارية، ويقوم بعملياتها متخذاً شكل شركة مساهمة تباشر نشاطها فى إطار القانون الخاص؛ وكان الدستور قد عهد – بنص المادة 175 – إلى المحكمة الدستورية
العليا دون غيرها بتولى الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح على الوجه
المبين فى القانون؛ وكان المشرع – وبناء على هذا التفويض – قد أصدر قانون المحكمة الدستورية
العليا، مبيناً اختصاصاتها، محددا ما يدخل فى ولايتها حصراً، مستبعدا من مهامها ما
لا يندرج تحتها، فخولها اختصاصها منفرداً بالرقابة على دستورية القوانين واللوائح،
مانعاً أى جهة أخرى من مزاحمتها فى ذلك، مفصلاً طرائق هذه الرقابة، وكيفيتها، ومؤكداً
أن اختصاص المحكمة الدستورية العليا – فى مجال مباشرتها الرقابة القضائية على الدستورية
– منحصر فى النصوص التشريعية أياً كان موضعها أو نطاق تطبيقها أو الجهة التى أقرتها
أو أصدرتها؛ متى كان ذلك، فإن محل الرقابة القضائية على الدستورية إنما يتمثل فى القانون
بمعناه الموضوعى الأعم، محدداً على ضوء النصوص التشريعية التى تتولد عنها مراكز قانونية
عامة مجردة، سواء وردت هذه النصوص بالتشريعات الأصلية التى تقرها السلطة التشريعية،
أم تضمنتها التشريعات الفرعية التى تصدرها السلطة التنفيذية فى حدود صلاحياتها التى ناطها الدستور بها.
ذلك أن ما يميز نصوص هذه التشريعات جميعها، أن تطبيقاتها مترامية، ودائرة المخاطبين
بها غير متناهية، والآثار المترتبة على إبطالها – إذا أهدرتها المحكمة الدستورية العليا
– بعيدة فى مداها، وتدق دائماً ضوابط الرقابة على مشروعيتها الدستورية، وتقارنها محاذير
واضحة. وكان لازماً بالتالى أن يؤول أمر الرقابة القضائية فى شأنها، إلى محكمة واحدة،
بيدها دون غيرها زمام إعمالها، كى تصوغ بنفسها معاييرها ومناهجها، وتوازن من خلالها
بين المصالح المثارة على اختلافها، وتتولى وحدها بناء الوحدة العضوية لأحكام الدستور،
بما يكفل تكاملها وتجانسها، ويحول دون تفرق وجهات النظر من حولها، وتباين مداخل وصور
الاجتهاد فيها، وهو ما نحاه قانون المحكمة الدستورية العليا.
وحيث إنه متى كان ذلك، وكان القرار المطعون فيه – صادراً عن أحد أشخاص القانون الخاص،
التى لا تتولى – فى نطاق أغراضها وعلى ضوء الوسائل التى تنتهجها – إدارة الشئون المصرفية
بوسائل السلطة العامة وامتيازاتها، ولا تتدخل لتنظيم أوضاعها بما ينافى طبيعتها، ولا
تربطها بالعاملين بها، أو المتعاملين معها، علاقة تنظيمية تحكمها القوانين واللوائح،
بل مرد شئونها جميعاً إلى قواعد القانون الخاص التى تحكم مختلف صور نشاطها، ولو تدخل
المشرع لتنظيم بعض جوانبها بقواعد قانونية آمرة ضبطاً لها؛ وكان القرار المطعون فى يتعلق بنسبة الفوائد التى تم حسابها على قيمة قرض كان المدعى قد تعهد برده إلى المصرف
المدعى عليه، بوصفه مصرفاً تجارياً، فإن هذا القرار لا يعد قراراً إدارياً تنظيمياً،
بل يتمحض عن فائدة رتبها البنك المدعى عليه فى ذمة المدعى ترتيباً على علاقة تعاقدية
حل محل غيره فيها، لتخرج المنازعة فى شأنها عن ولاية المحكمة الدستورية العليا. ولا
ينال مما تقدم، أن يكون هذا القرار سارياً فى شأن المقترضين جميعهم، إذ لا تتولد عن
مثل هذا القرار، أية قاعدة قانونية مما تتناولها الرقابة القضائية على الدستورية، بل
يعتبر منقطع الصلة بالأعمال التشريعية، لينحسر عنه – بالتالى – الاختصاص الولائى لهذه
المحكمة، التى لا يجوز لها من بعد – وقد خرج النزاع من ولايتها – أن تفصل فى دفوع تتعلق
بعدم قبول الخصومة القضائية التى تبلور هذا النزاع، وذلك أياً كان وجه الرأى فيها.
وحيث إن البين من الأوراق، أن المدعى قد طلب أثناء تحضير دعواه أمام هيئة المفوضين
– وبجلستها المعقودة فى 6 من مارس سنة 1994 – الحكم بعدم دستورية المادتين 232، 233
من القانون المدني، بمقولة مخالفتهما للمادة الثانية من الدستور؛ وكان قضاء المحكمة
الدستورية العليا قد جرى، على أن المشرع قد رسم فى البند (ب) من المادة 29 من قانونها
طريقاً لرفع الدعوى الدستورية التى أتاح للخصوم إقامتها، وربط بينه وبين الميعاد المحدد
لرفعها، فدل بذلك على أنه اعتبر هذين الأمرين من مقومات الدعوى الدستورية، فلا ترفع
إلا بعد إبداء دفع بعدم الدستورية تقدر محكمة الموضوع جديته، ولا تقبل إلا بعد رفعها
خلال الأجل الذى ناط المشرع بمحكمة الموضوع تحديده بما لا يجاوز ثلاثة أشهر؛ وكان من
المقرر أن هذه الأوضاع الإجرائية – سواء ما اتصل منها بطريقة رفع الدعوى الدستورية
أو تعلق بميعاد رفعها – جميعها من النظام العام باعتبارها أشكالاً جوهرية فى التقاضى تغيا بها المشرع مصلحة عامة حتى ينتظم التداعى فى المسائل الدستورية بالإجراءات التى رسمها، وفى الموعد الذى حدده؛ وكان المدعى لم يدفع أمام محكمة الموضوع بعدم دستورية
هاتين المادتين، بل أثار شبهة مخالفتهما للدستور. ولأول مرة – أمام هيئة المفوضين بالمحكمة
الدستورية العليا، فإن ذلك منه يعد اختصاماً لهاتين المادتين بصورة مبتدأه تنحل إلى
طعن عليهما بالطريق المباشر – وبصفة أصلية – وهو ما لا يجوز قانوناً، وإذ لم يجز المشرع
الدعوى الأصلية طريقاً للطعن بعدم دستورية النصوص القانونية، وإلا أهدر شرط المصلحة
الشخصية المباشرة، وهو مناط قبول الخصومة الدستورية، ومفترض اتصالها بالمحكمة الدستورية
العليا وفقاً للأوضاع المنصوص عليها فى قانونها. ولا يعدو الطعن على المادتين 232،
233 من القانون المدنى – على الوجه المتقدم – أن يكون تجريحاً لهما، بقصد إهدار آثارهما،
بغير الوسائل التى نص عليها قانون المحكمة الدستورية العليا.
فلهذه الأسباب:
حكمت المحكمة بعدم اختصاصها بنظر الدعوى، وبمصادرة الكفالة وألزمت المدعى المصروفات، ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.
