الرئيسية الاقسام القوائم البحث

قاعدة رقم الطعن رقم 14 لسنة 17 قضائية “دستورية” – جلسة 02 /09 /1995 

أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء السابع
من أول يوليو 1995 حتى آخر يونيو 1996 – صـ 176

جلسة 2 سبتمبر سنة 1995

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين/ فاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامى فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد على سيف الدين وعدلى محمود منصور – أعضاء، وحضور السيد المستشار الدكتور/ عادل عمر شريف – المفوض، وحضور السيد/ حمدى أنور صابر – أمين السر.

قاعدة رقم
القضية رقم 14 لسنة 17 قضائية "دستورية"

1- دعوى دستورية "شرط المصلحة الشخصية المباشرة: مناطها".
مناط المصلحة الشخصية المباشرة – وهى شرط لقبول الدعوى الدستورية أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة فى النزاع الموضوعى وذلك بأن يكون الحكم فى المسائل الدستورية لازماً للفصل فى الطلبات الموضوعية المرتبطة بها، التى لا زال أمرها مطروحا على محكمة الموضوع – تطبيق.
2- اختصاص "المحكمة الدستورية العليا" – رقابة دستورية "رقابة متوازنة ".
على هذه المحكمة ألا تترخص فى الفصل فيما يدخل فى اختصاصاتها من المسائل الدستورية – لا تتنصل من اختصاص يناط بها ولا أن تخوض فى اختصاص ليس لها – الرقابة على الشرعية الدستورية تكون بالضرورة رقابة متوازنة.
3- المحكمة الدستورية العليا – رقابة على الدستورية.
ليس لهذه المحكمة إلا أن ترد النصوص التشريعية المطعون عليها إلى أحكام الدستور. الشكلية منها والموضوعية – لا أن تخوض فى بواعثها أو تناقش دوافعها.
4- دستور – سلطة قضائية "استقلالها".
كفالة الدستور للسلطة القضائية استقلالها، وجعله عاصماً من التدخل فى أعمالها. ولضمان أن تصدر الأحكام القضائية جميعها وفقا لقواعد تكفل بمضمونها الحماية الكاملة لحقوق المتقاضين.
5- قضاة "استقلالهم".
من المقرر أن لكل ما يتصل بشروط خدمة القضاة بما فى ذلك مرتباتهم ومعاشاتهم وسن تقاعدهم، وعدم قابليتهم للعزل ضمانة أساسية لا يستقيم عملهم بدونها – كفالة ذلك فى الدستور أو القانون أو كليهما.
6- دستور "المادتان 108، 147 منه: قرارات بقوانين – محتواها".
القرارات بقوانين الصادرة من رئيس الجمهورية إعمالاً لهاتين المادتين يجوز أن تتناول بالتنظيم كل المسائل التى عهد الدستور إلى المشرع تنظيمها بقانون.
7- تشريع "القرار بقانون رقم 183 لسنة 1993: صحته".
هذا القرار بقانون فيما قرره من زيادة سن التقاعد للقضاة لا ينال من استقلال السلطة القضائية.
8- مبدأ المساواة "حماية قانونية متكافئة – صور التمييز: قوامها".
مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون غدا – فى أساس بنيانه – وسيلة لتقرير الحماية القانونيه المتكافئة شاملة تطبيقها – الحقوق والحريات المنصوص عليها فى الدستور وتلك التى كفلها المشرع للمواطنين – صور التمييز المناقضة لمبدأ المساواة وإن تعذر حصرها إلا أن قوامها كل تفرقة أو تقييد أو استبعاد أو تفضيل يجاوز الحدود المنطقية لتنظيم الحقوق والحريات التى كفلها الدستور.
9- شرعية دستورية "نصوص قانونية – ضوابط دستوريتها".
لا يجوز أن تنفصل النصول القانونية التى نظم بها المشرع موضوعاً معيناً عن أهدافها، ولا أن يكون اتصالها بالأعراض التى تتوخاها، واهياً.
10- تشريع "المادتان الأولى والثانية من القرار بقانون رقم 183 لسنة 1993: عدم الإخلال بالمساواة".
ارتباط سريان هاتين المادتين ببداية العام القضائي، وبمن كان أنئذ من رجال القضاء قائماً بأعباء الوظيفة القضائية خلافاً لهؤلاء الذين انفصمت رابطتهم بالعمل القضائى قبل هذا التاريخ – هذان الاعتباران يقيمان معاً الحدود المنطقية للتنظيم الوارد فيهما.
11- قاعدة قانونية "مقوماتها".
تتوافر للقاعدة القانونية مقوماتها بانتفاء التخصيص – تحقق ذلك إذا سنها المشرع بصورة مجردة لا اعتداد فيها بشخص معين ولا بواقعة بذاتها.
1- بتاريخ السابع من أكتوبر سنة 1993 صدر قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 183 لسنة 1993 بتعديل بعض أحكام قانون السلطة القضائية وقوانين الهيئات القضائية، ونص فى مادته الأولى على أن "تستبدل عبارة "أربعا وستين سنة "بعبارة" ستين سنة" فى كل من المواد 69 من القانون رقم 46 لسنة 1972 بشأن السلطة القضائية، 123 من القانون رقم 47 لسنة 1972 بشأن مجلس الدولة، 29 من القانون رقم 75 لسنة 1963 بشأن تنظيم هيئة قضايا الدولة، والمادة 1 من القانون رقم 88 لسنة 1973 ببعض الأحكام الخاصة بأعضاء النيابة الإدارية، وفى تطبيق أحكام المواد 130 من القانون رقم 46 لسنة 1972 بشأن السلطة القضائية و14 و24 من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979". وقضى فى مادته الثانية بأن ينشر هذا القرار فى الجريدة الرسمية، وتكون له قوة القانون؛ ويعمل به اعتباراً من أول أكتوبر سنة 1993.
والمفهوم المباشر لهذين النصين – متضاممين – أنه لا يجوز أن يبقى فى وظيفة القضاء أو يعين فيها من جاوز الرابعة والستين فى أول أكتوبر سنة 1993؛ وكان المدعى لم يبلغ هذه السن فى تاريخ تقديم دعواه الدستورية إلى المحكمة الدستورية العليا التى توخى بها ابطال نص المادة الثانية من القرار بقانون المشار إليه، فيما تضمنته من قصر تطبيقها على القائمين بالعمل القضائى أو فى أول أكتوبر 1993، ليرتد نفاذها إلى من احيلوا إلى التقاعد قبلها، ولا زالوا دون الرابعة والستين؛ فإن مصلحته الشخصية والمباشرة، تكون متوافرة فى دعواه الدستورية على ما جرى عليه قضاء المحكمة الدستورية العليا أن المصلحة الشخصية المباشرة – وهى شرط لقبول الدستورية – مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة فى النزاع الموضوعي، وذلك بأن يكون الحكم فى المسائل الدستورية لازماً للفصل فى الطلبات الموضوعية المرتبطة بها، والتى لا زال أمرها مطروحاً على محكمة الموضوع.
2- من المقرر أن المحكمة الدستورية العليا لا يجوز أن تتنصل من اختصاص نيط بها وفقاً للدستور والقانون، ولا أن تخوض – وبنفس القدر – فى اختصاص ليس لها، ذلك أن تخليها عن ولايتها، أو مجاوزتها لتخومها، ممتنعان من الناحية الدستورية. وعليها وبالتالي، ألا تترخص فى الفصل فيما يدخل فى اختصاصها من المسائل الدستورية، لا تنحيها عنها أو تسقطها، بل يكون تصديها لها لازماً بقدر اتصالها بالنزاع الموضوعي، وفى حدود الوقائع التى يقوم عليها بيد أن ذلك لا يعنى الاندفاع بالرقابة القضائية على الدستورية إلى آفاق تجاوز متطلباتها، أو مباشرتها بعيداً عن القيود التى تتوازن بها، بل يتعين أن تكون هذه الرقابة – ولضان فعاليتها – محددة طرائقها وداخلها؛ جلية أسسها ومناهجها؛ وأن تُمارَس فى إطار مجموعة من الضوابط الذاتية التى تفرضها المحكمة الدستورية العليا على نفسها؛ ولا تقتضيها منها جهة أياً كان علوها لتحد بها من حركتها. وما ذلك إلا لأن الرقابة على الشرعية الدستورية، يجب بالضرورة أن تكون رقابة متوازنة لا تميل اندفاعاً، بما يؤذن بانفلاتها من كوابحها، ولا تتراخى تخاذلاً بما يخرجها عن الأغراض التى توخاها، ليظل أمرها دوماً مقيداً بما يصون موجباتها، ويرعى حقائقها، وبما لا يعزلها عن جوهر مراميها كأداة تكفل فى آن واحد سيادة الدستور، ومباشرة السلطتين التشريعية والتنفيذية لاختصاصاتهما الدستورية.
3- مباشرة المحكمة الدستورية العليا لرقابتها القضائية على دستورية النصوص التشريعية، إنما تكون بوصفها ملاذاً نهائياً وليس باعتبارها إجراء احتياطياً، وعلى ضوء فهمها لأحكام الدستور، وبما يحول دون الانزلاق برقابتها إلى حد اقتحام الحدود تمارس السلطة التشريعية اختصاصاتها الدستورية فى دائرتها. والتنظيم المقارن للرقابة على الشرعية الدستورية، لا يخول المحكمة الدستورية العليا أن تزن بنفسها – بمعاييرها – ما إذا كان التنظيم التشريعى المعروض عليها لازماً، وما إذا كان إقراره فى مناسبة بعينها ملائماً؛ وليس لها إلا أن ترد النصوص التشريعية المطعون عليها إلى أحكام الدستور، لا أن تخوض فى بواعثها أو تناقش دوافعها.
4- إن تنظيم العدالة وإدارتها إدارة فعالة مسألة وثيقة الصلة بالحرية وصون الحقوق على اختلافها، وقد كفل الدستور للسلطة القضائية استقلالها، وجعل هذا الاستقلال عاصماً من التدخل فى أعمالها أو التأثير فيها، أو تحريفها، أو الإخلال بمقوماتها، باعتبار أن القرار النهائى فى شأن حقوق المتخاصمين وحرياتهم عائد إليها، ترد عنهم العدوان، وتقدم لمن يلوذ بها الترضية القضائية التى يكفلها الدستور أو القانون أو كلاهما؛ لا يثنيها عن ذلك أحد، وليس لجهة أياً كان شأنها، أن تصرفها عن مهامها، أو تعطلها، ليظل واجبها مقيداً دوماً بأن تفصل فيما يعرض عليها من أنزعة على اختلاف صورها، وفقاً لمقاييس موضوعية لا يداخلها باطل، ولا يعتريها بهتان، وعلى ضوء الوقائع التى تستبين لها صحتها، ووفقاً للقواعد القانونية المعمول بها، وبما يرد عنها كل تدخل فى شئونها، سواء كان ذلك بالوعد أو الوعيد، بالإغواء أو الإرغام أو ترهيباً، بطريق مباشر أو غير مباشر، ليكون قول كل قاضً فصلاً فيما اختص به، ولضمان أن تصدر الأحكام القضائية جميعها، وفقاً لقواعد إجرائية تكون منصفة فى ذاتها، وبما يكفل الحماية الكاملة لحقوق المتقاضين.
Les magistrates réglent les affaires dont ils sont saisis impartialement d'après les faits et conformémentà la loi, sans restrictions et sans être lobjet d'influences, incitations, pressions, menaces ou interventions indues, directes ou indirectes, de la part de qui que ce soit ou pour quelque raison que ce soit.
(principes fondamentaux relatifs à I' indèpendence de la magistrature adoptès par Ie septième congrès des nations unies pour la prévention du crime et Ie traitement des déIinquants qui s'est tenu a milan du 26 août au 6 sedtembre 1985 et confirmés par l'Assemblée Génerale dans ses résoIutions 40/ 32 du 29 novembre 1985 et 40/ 146 du 13 décembre 1985).
5، 6، 7- إن الدستور بعد أن نص فى المادة 165 على أن السلطة القضائية مستقلة تتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، قرنها بالمادة 167 التى تفوض المشرع فى تحديد الشروط التى يُعَّين أو ينقل على ضوئها من يباشرون الوظيفة القضائية، ويتولون شئونها؛ وكان من المقرر أن كل ما يتصل بشروط خدمتهم، بما فى ذلك مرتباتهم ومعاشاتهم وسن تقاعدهم، وعدم قابليتهم للعزل، ضمانة أساسية لا يستقيم عملهم بدونها، ويكفلها الدستور أو القانون أو هما معاً؛ متى كان ذلك، وكان قضاء المحكمة الدستورية العليا، قد جرى على أن القرارات بقوانين التى تصدر عن رئيس الجمهورية – إعمالاً لسلطاته الدستورية المنصوص عليها فى المادتين 108، 147 من الدستور – لها بصريح لفظها قوة القانون، وأنها بذلك يجوز أن تتناول بالتنظيم كل المسائل التى عهد الدستور إلى المشرع بتنظيمها بقانون؛ فإن القواعد التى عَدَّل بها القرار بقانون رقم 183 لسنة – آنف البيان – سن التقاعد للقضاة – ومن فى حكمهم – بزيادتها إلى أربع وستين عاماً، لا تنال من استقلال السلطة القضائية، ولا تمثل تدخلاً فى شئونها؛ بالقدر – وفى الحدود – التى تقوم فيها هذه القواعد على أسس موضوعية لها معينها.
8- إن الدساتير المصرية جميعاً بدءاً من دستور سنة 1923 وانتهاءً بالدستور القائم، ترد المواطنين جميعاً إلى قاعدة واحدة، حاصلها مساواتهم أمام القانون، باعتبارها قواماً للعدل، وجوهر الحرية والسلام الاجتماعي، وعلى تقدير أن الأغراض التى تستهدفها تتمثل أصلاً فى صون حقوق المواطنين وحرياتهم فى مواجهة صور التمييز التى تنال منها أو تقيد ممارستها. وغداً أمر هذه المساواة، فى أساس بنيانها – وسيلة لتقرير الحماية القانونية المتكافئة، التى لا يقتصر تطبيقها على الحقوق والحريات المنصوص عليها فى الدستور، بل يمتد مجال إعمالها – كذلك – إلى تلك التى كفلها المشرع للمواطنين فى حدود سلطته التقديرية، وعلى ضوء ما ارتآه كافلاً للصالح العام.
ولئن نص الدستور – فى المادة 40 – على حظر التمييز بين المواطنين فى أحوال بعينها، هى تلك التى يقوم التمييز على أساس من الأصل أو الجنس أو اللغة أو الدين أو العقيدة، إلا أن إيراد الدستور لصور بذاتها يكون التمييز فيها محظوراً، مرده أنها الأكثر شيوعاً من الناحية العملية، ولا يدل البتة على انحصاره فيها، وإلا جاز التمييز بين المواطنين على أساس ثرواتهم أو مولدهم أو مراكزهم الاجتماعية أو انتماءاتهم الطبقية، أو ميولهم، أو آرائهم، أو عصبيتهم أو نزعاتهم، وهو ما لا يتصور أن يكون الدستور قد قصد إليه، ذلك أن صور التمييز جميعها – التى تفتقر إلى أسسها الموضوعية – تناقض المساواة التى كفلها، وتنقض بنيانها, أو تنال من محتواها.
9- إنه وإن صح القول بأن الأصل فى كل تنظيم تشريعى أن يكون منطوياً على تقسيم Classification أو تمييز من خلال الأعباء التى يلقيها على البعض أو المزايا أو الحقوق التى كفلها لفئة دون غيرها، إلا أن اتفاق هذا التنظيم مع أحكام الدستور يفترض ألا تنفصل النصوص القانونية – التى نظم بها المشرع موضوعاً محدداً – عن أهدافها، ليكون اتصال الأغراض التى توخاها، بالوسائل إليها، منطقياً، وليس واهياً، بما يخل بالأسس الموضوعية التى يقوم عليها التمييز المبرر دستورياً.
Classification is inherent in Legislation in that legislators may select different persons or groups for different treatment. However the state may not rely on a classification whose relationship to an asserted goal is so attenuated as to render the distinction arbitrary or irrational.
وأساس، ذلك أن كل تنظيم تشريعى لا يعتبر مقصوداً لذاته، بل يتغيا بلوغ أغراض بعينها تعكس مشروعيتها إطاراً لمصلحة عامة يقوم عليها هذا التنظيم، متخذاً من القواعد القانونية التى تبناها سبيلاً إليها، فإذا انقطع اتصال هذه القواعد بأهدافها، كان التمييز بين المواطنين فى مجال تطبيقها، تحكمياً ومنهياً عنه دستورياً. ولئن جاز القول بأن صور التمييز التى تناقض مساواتهم أمام القانون، يتعذر حصرها، إلا أن قوامها كل تفرقة أو تقييد أو استبعاد أو تفضيل يجاوز الحدود المنطقية لتنظيم الحقوق والحريات التى كفلها الدستور؛ وذلك سواء بإنكار أصل وجودها، أو من خلال تقييد آثارها، بما يحول دون مباشرتها على قدم من المساواة الكاملة بين المؤهلين قانوناً للانتفاع بها.
Equality before the law requires an absence of discriminatory treatment except for those in different circumstances.
10- التباين فى المراكز القانونية يفترض تغايرها – ولو فى بعض جوانبها – لتتنافر أجزاؤها، فلا تتحد العناصر التى تكونها. والقواعد التى تضمنتها المادتان الأولى والثانية من القرار بقانون رقم 183 لسنة 1993 بتعديل بعض أحكام قانون السلطة القضائية وقوانين الهيئات القضائية، لا تقيمان فى مجال تطبيق أحكامها، تمييزاً فيما بين المخاطبين بها، المتكافئة مراكزهم القانونية بالنسبة إليها؛ وكان اختيار الأول من أكتوبر سنة 1993 موعداً لسريانها ونفاذ آثارها، مرتبطاً ببداية العام القضائي، وبمن كان آنئذ من رجال القضاء – ومن فى حكمهم – قائماً بأعباء الوظيفة القضائية، متواصلاً بالتالى عطاؤهم فى مجال تصريفهم لشئونها، دون هؤلاء الذين انقطع ارتباطهم بالعمل القضائى قبل هذا الميعاد، وكان هذان الاعتباران يقيمان الحدود المنطقية للتنظيم المطعون فيه، فإن النعى عليه الإخلال بمبدأ المساواة أمام القانون، يكون منتحلاً.
11- إن قضاء المحكمة الدستورية العليا مستقر كذلك، على أن عموم القاعدة القانونية؛ لا يعنى انصرافها إلى من يقيمون على امتداد الإقليم بأسرهم، ولا تعلقها بأفعالهم وتصرفاتهم جميعاً أو انبساطها عليها، وإنما تتوافر للقاعدة القانونية مقوماتها؛ وتتكامل خصائصها؛ بانتفاء التخصيص؛ ويتحقق ذلك إذا سنها المشرع مجردة عن الاعتداد بشخص معين أو بواقعة بذاتها معينة تحديداً بما لا يلبسها بغيرها. إذا كان ذلك؛ وكان حكم المادة الثانية من القرار بقانون آنف البيان، متكاملاً مع مادته الأولى، ينسحب إلى من كان قائماً فى الأول من أكتوبر سنة 1993 بأداء العمل القضائى سواء أكان من رجال القضاء – أو من فى حكمهم – فإن مجال تطبيقهما – بالضرورة – يمتد إلى أشخاص غير محددين بذواتهم؛ وفق قاعدة موضوعية لا تخصيص فيها، ولا يقوم بها صحيح ادعاء انحراف رئيس الجمهورية – من خلال هذا التنظيم – فى استعمال التشريع.


الإجراءات

بتاريخ الحادى والعشرين من مارس 1995، أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة طالباً الحكم بعدم دستورية المادة الثانية من القرار بقانون رقم 183 لسنة 1993 بتعديل بعض أحكام قانون السلطة القضائية وقوانين الهيئات القضائية، وذلك فيما نصت عليه من العمل به اعتباراً من أول أكتوبر سنة 1993.
قدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها (أصلياً) بعدم قبول الدعوى لانتفاء المصلحة، وطلبت (احتياطياً) الحكم برفضها. كما قدم المدعى مذكرة أصر فيها على طلباته.
وبعد تحضير الدعوى أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
وحيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل فى أن المدعى كان قد تقدم بالطلب رقم 2 لسنة 64 قضائية إلى محكمة النقض "دائرة رجال القضاء" ابتغاء الحكم بأحقيته فى العودة إلى الخدمة بذات أقدميته اعتباراً من 7/ 10/ 1993. والتعويض؛ قولاً منه بأن كان يعمل مستشاراً بمحكمة استئناف القاهرة إلى أن أحيل إلى التقاعد لبلوغه سن الستين فى 16/ 12/ 1992 مع بقائه فى الخدمة حتى 30/ 6/ 1993؛ وإثر صدور القرار بقانون رقم 183 لسنة 1993 بتعديل بعض أحكام قانون السلطة القضائية وقوانين الهيئات القضائية، تقدم بطلب إلى المدعى عليه الثالث لإعادته إلى الخدمة، إلا أنه لم يتلق رداً. وبجلسة 7/ 2/ 1995 – المحددة لنظر ذلك الطلب – دفع المدعى بعدم دستورية المادة الثانية من القرار بقانون رقم 183 لسنة 1993 – المشار إليه – فيما نصت عليه من العمل به اعتباراً من أول أكتوبر سنة 1993. وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية دفعه، فقد قررت تأجيل نظر الطلب لجلسة 6/ 6/ 1995 وصرحت بأن يقيم دعواه الدستورية، فرفعها.
وحيث إن هيئة قضايا الدولة دفعت الدعوى الماثلة بعدم قبولها، تأسيساً على أن المدعى نعى على المادة الثانية من القرار رقم 183 لسنة 1993 بتعديل بعض أحكام قانون السلطة القضائية وقوانين الهيئات القضائية، مخالفتها للدستور، وذلك فيما نصت عليه من العمل بأحكام هذا القرار بقانون اعتباراً من أول أكتوبر 1993. وأن ما توخاه من الطعن عليها، هو أن يعود من تولى مهام العمل القضائي، إذ لا زال دون الرابعة والستين التى يتعاقد القضاة ومن فى حكمهم عند بلوغها؛ وكان إبطال نص المادة الثانية من ذلك القرار بقانون – تبعاً للحكم بعد دستوريتها – مؤداه أن يعمل بالأحكام التى تضمنها بعد شهر من اليوم التالى لتاريخ نشره فى الجريدة الرسمية عملاً بنص المادة 188 من الدستور؛ فإن المصلحة الشخصية المباشرة لن تتوافر للمدعى فى النزاع الماثل، ذلك أن مركزه القانونى بعد الفصل فى الدعوى الدستورية، لن يتغير عما كان عليه قبلها.
وحيث إن هذا الدفع مردود، بأنه بتاريخ السابع من أكتوبر سنة 1993 صدر قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 183 لسنة 1993 بتعديل بعض أحكام قانون السلطة القضائية وقوانين الهيئات القضائية، ونص فى مادته الأولى على أن "تستبدل عبارة" أربعا وستين سنة "بعبارة" ستين سنة" فى كل من المواد 69 من القانون رقم 46 لسنة 1972 بشأن السلطة القضائية، 123 من القانون رقم 47 لسنة 1972 بشأن مجلس الدولة، 29 من القانون رقم 75 لسنة 1963 بشأن تنظيم هيئة قضايا الدولة، والمادة 1 من القانون رقم 88 لسنة 1973 ببعض الأحكام الخاصة بأعضاء النيابة الإدارية، وفى تطبيق أحكام المواد 130 من القانون رقم 46 لسنة 1972 بشأن السلطة القضائية و14 و24 من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979". وقضى فى مادته الثانية بأن ينشر هذا القرار فى الجريدة الرسمية، وتكون له قوة القانون؛ ويعمل به اعتباراً من أول أكتوبر سنة 1993.
وكان المفهوم المباشر لهذين النصين – متضاممين – أنه لا يجوز أن يبقى فى وظيفة القضاء أو يعين فيها من جاوز الرابعة والستين فى أول أكتوبر سنة 1993؛ وكان المدعى لم يبلغ هذه السن فى تاريخ تقديم دعواه الدستورية إلى المحكمة الدستورية العليا؛ وكان ما توخاه فى دعواه هذه، ينحصر فى إبطال نص المادة الثانية من ذلك القرار بقانون التى يقتصر تطبيقها على القائمين بالعمل القضائى فى أول أكتوبر 1993، ليرتد نفاذها إلى من أحيلوا إلى التقاعد قبلها، ولا زالوا دون الرابعة والستين؛ فإن مصلحته الشخصية والمباشرة، تكون متوافرة فى دعواه الدستورية على ما جرى عليه قضاء المحكمة الدستورية العليا من أن المصلحة الشخصية المباشرة – وهى شرط لقبول الدستورية – مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة فى النزاع الموضوعي، وذلك بأن يكون الحكم فى المسائل الدستورية لازماً للفصل فى الطلبات الموضوعية المرتبطة بها، والتى لا زال أمرها مطروحاً على محكمة الموضوع.
وحيث إن المدعى ينعى على النص المطعون، مخالفته الدستور من وجهين: أولهما: أن مجال تطبيقه يقتصر على رجال القضاء الذين كانوا يقومون بعملهم القضائى فى الأول من أكتوبر 1993 ولو كانوا قد بلغوا سن الستين عند صدور القرار بقانون رقم 183 لسنة 1993 المشار إليه، وبذلك استبعد هذا القرار بقانون من أحيلوا إلى التقاعد قبل صدوره، وما برحوا دون الرابعة والستين، وليس ذلك إلا تمييزاً منهياً عنه بنص المادة 40 من الدستور، ذلك أن النص المطعون فيه مايز – دون أسس موضوعية – بين فئتين من رجال القضاء؛ إحداهما تلك التى بلغ أفرادها سن الستين فى الفترة من الأول من أكتوبر 1993 وحتى السابع منه؛ وأخراهما تلك التى أتم أفرادها هذه السن قبل أول أكتوبر 1993. وبينما مد للفئة الأولى خدمتها إلى الرابعة والستين، وأبقى الفئة الثانية بعيداً عن العمل القضائي، حال أن هؤلاء من شيوخ القضاة الذين عُنى القرار بقانون رقم 183 لسنة 1993 – المشار إليه – بضمان تواصل خبراتهم، وعدم استنزافها.
ثانيهما: أن شرعية القاعدة القانونية تقتضى اتسامها بالعمومية والتجريد، فلا يكون تطبيقها متعلقاً بأشخاص بذواتهم. وإذ كان البين من سجل أقدمية رجال القضاء والنيابة العامة لعام 1993، أن واحداً فقط من بينهم، بلغ سن الستين فى الفترة من أول أكتوبر – تاريخ العمل بالقرار بقانون آنف البيان – والسابع من أكتوبر 1993 – وهو تاريخ صدوره – فإن هذا القرار بقانون قد ألبس شكل القاعدة القانونية على خلاف حقيقتها، متبنياً حالة فردية بذاتها ليكون منصرفاً إليها. ولا يعدو ذلك أن يكون انحرافاً من رئيس الجمهورية فى استعمال سلطة التشريع.
وحيث إن من المقرر أن المحكمة الدستورية العليا لا يجوز أن تتنصل من اختصاص نيط بها وفقاً للدستور والقانون، ولا أن تخوض – وبنفس القدر – فى اختصاص ليس لها، ذلك أن تخليها عن ولايتها، أو مجاوزتها لتخومها، ممتنعان من الناحية الدستورية. وعليها وبالتالي، ألا تترخص فى الفصل فيما يدخل فى اختصاصها من المسائل الدستورية، لا تنحيها عنها أو تسقطها، بل يكون تصديها لها لازماً بقدر اتصالها بالنزاع الموضوعي، وفى حدود الوقائع التى يقوم عليها بيد أن ذلك لا يعنى الاندفاع بالرقابة القضائية على الدستورية إلى آفاق تجاوز متطلباتها، أو مباشرتها بعيداً عن القيود التى تتوازن بها، بل يتعين أن تكون هذه الرقابة – ولضان فعاليتها – محددة طرائقها ومداخلها جلية أسسها ومناهجها، وأن تُمارَس دوماً فى إطار مجموعة من الضوابط الذاتية التى تفرضها المحكمة الدستورية العليا على نفسها؛ ولا تقتضيها منها جهة أياً كان علوها لتحد بها من حركتها. وما ذلك إلا لأن الرقابة على الشرعية الدستورية، يجب بالضرورة أن تكون رقابة متوازنة لا تميل اندفاعاً، بما يؤذن بانفلاتها من كوابحها، ولا تتراخى تخاذلاً بما يخرجها عن الأغراض التى توخاها، ليظل أمرها دوماً مقيداً بما يصون موجباتها، ويرعى حقائقها، وبما لا يعزلها عن جوهر مراميها كأداة تكفل فى آن واحد سيادة الدستور، ومباشرة السلطتين التشريعية والتنفيذية لاختصاصاتهما الدستورية.
وحيث إنه متى ذلك؛ وكانت المحكمة الدستورية العليا تباشر رقابتها القضائية على دستورية النصوص التشريعية، بوصفها ملاذاً نهائياً وليس باعتبارها إجراء احتياطياً، وعلى ضوء فهمها لأحكام الدستور، وبما يحول دون الانزلاق برقابتها إلى حد اقتحام الحدود تمارس السلطة التشريعية اختصاصاتها الدستورية فى دائرتها؛ وكان التنظيم المقارن للرقابة على الشرعية الدستورية، لا يخول المحكمة الدستورية العليا أن تزن بنفسها – وبمعاييرها – ما إذا كان التنظيم التشريعى المعروض عليها لازماً، وما إذا كان إقراره فى مناسبة بعينها ملائماً؛ وليس لها إلا أن ترد النصوص التشريعية المطعون عليها إلى أحكام الدستور – الشكلية منها والموضوعية – لا أن تخوض فى بواعثها أو تناقش دوافعها.
وحيث إن تنظيم العدالة وإدارتها إدارة فعالة مسألة وثيقة الصلة بالحرية، وصون الحقوق على اختلافها، وقد كفل الدستور للسلطة القضائية استقلالها، وجعل هذا الاستقلال عاصماً من التدخل فى أعمالها أو التأثير فيها، أو تحريفها، أو الإخلال بمقوماتها، باعتبار أن القرار النهائى فى شأن حقوق المتخاصمين وحرياتهم عائد إليها، ترد عنهم العدوان، وتقدم لمن يلوذ بها الترضية القضائية التى يكفلها الدستور أو القانون أو كلاهما؛ لا يثنيها عن ذلك أحد، وليس لجهة أياً كان شأنها، أن تصرفها عن مهامها، أو تعطلها، ليظل واجبها مقيداً دوماً بأن تفصل فيما يعرض عليها من أنزعة على اختلاف صورها، وفقاً لمقاييس موضوعية لا يداخلها باطل، ولا يعتريها بهتان، وعلى ضوء الوقائع التى تستبين لها صحتها، ووفقاً للقواعد القانونية المعمول بها، وبما يرد عنها كل تدخل فى شئونها، سواء كان ذلك بالوعد أو الوعيد، بالإغواء أو الإرغام ترغيبا أو ترهيباً، بطريق مباشر أو غير مباشر، ليكون قول كل قاضٍ فصلاً فيما اختص به، ولضمان أن تصدر الأحكام القضائية جميعها، وفقاً لقواعد تكفل – بمضمونها – الحماية الكاملة لحقوق المتقاضين.
Les magistrates réglent les affaires dont ils sont saisis impartialement d'après les faits et conformémentà la loi, sans restrictions et sans être lobjet d'influences, incitations, pressions, menaces ou interventions indues, directes ou indirectes, de la part de qui que ce soit ou pour quelque raison que ce soit.
(principes fondamentaux relatifs à I' indèpendence de la magistrature adoptès par Ie septième congrès des nations unies pour la prévention du crime et Ie traitement des déIinquants qui s'est tenu a milan du 26 août au 6 sedtembre 1985 et confirmés par l'Assemblée Génerale dans ses résoIutions 40/ 32 du 29 novembre 1985 et 40/ 146 du 13 décembre 1985).
وحيث إن الدستور بعد أن نص فى المادة 165 على أن السلطة القضائية مستقلة تتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، قرنها بالمادة 167 التى تفوض المشرع فى تحديد الشروط التى يعين أو ينقل على ضوئها من يباشرون الوظيفة القضائية، ويتولون شئونها؛ وكان من المقرر أن كل ما يتصل بشروط خدمتهم، بما فى ذلك مرتباتهم ومعاشاتهم وسن تقاعدهم، وعدم قابليتهم للعزل، ضمانة أساسية لا يستقيم عملهم بدونها، ويكفلها الدستور أو القانون أو كلاهما. متى كان ذلك، وكان قضاء المحكمة الدستورية العليا، قد جرى على أن القرارات بقوانين التى تصدر عن رئيس الجمهورية – إعمالاً لسلطاته الدستورية المنصوص عليها فى المادتين 108، 147 من الدستور – لها بصريح لفظها قوة القانون، وأنها بذلك يجوز أن تتناول بالتنظيم كل المسائل التى عهد الدستور إلى المشرع بتنظيمها بقانون، فإن القواعد التى عدل بها القرار بقانون رقم 183 لسنة – آنف البيان – سن التقاعد للقضاة – ومن فى حكمهم – بزيادتها إلى أربع وستين عاماً، لا ينال من استقلال السلطة القضائية، ولا تمثل تدخلاً فى شئونها ؛ بالقدر – وفى الحدود – التى تقوم فيها هذه القواعد على أسس موضوعية لها معينها.
وحيث إن البين من المذكرة الإيضاحية لمشروع القرار بقانون آنف البيان، أن الإهدار المتزايد للثروة القضائية العريضة – وبوجه خاص فى خبراتها الأعلى وزناً وقدراً – كان يتفاقم يوماً بعد يوم، مما حتم اتخاذ إجراء عاجل فى شأنها، يكفل عدم استنزافها، ويضمن اتصال حلقاتها، تأميناً للعدل بين الناس، وصوناً لمصلحة قومية حيوية تكفل استقرار المراكز القانونية لمن يكون من القضاة – ومن فى حكمهم – متولياً فى تاريخ العمل بهذا القرار بقانون – وبالتطبيق لأحكامه – مسئولية الوظيفة القضائية، ليكون بقاؤهم فى مناصبهم، واتصال ارتباطهم بأعبائها، منعطفاً رئيسياً لإنفاذ عدالة واعية ومقتدرة، ينهضون برسالتها، ويتحملون بأدق تبعاتها، ولا تستقيم شئونها بغير تنظيمها والانطلاق بها إلى مداها، بدءاً من أول العام القضائي، وبما لا يؤثر على هذا التنظيم سلباً، إذ ظل متراخياً إلى ما بعد ذلك.
وحيث إن الدساتير المصرية جميعاً بدءاً من دستور سنة 1923 وانتهاءً بالدستور القائم، ترد المواطنين جميعاً إلى قاعدة واحدة، حاصلها مساواتهم أمام القانون، باعتبارها قواماً للعدل، وجوهر الحرية والسلام الاجتماعي، وعلى تقدير أن الأغراض التى تستهدفها تتمثل أصلاً فى صون حقوق المواطنين وحرياتهم فى مواجهة صور التمييز التى تنال منها أو تقيد ممارستها. وغدا أمر هذه المساواة، فى أساس بنيانها – وسيلة لتقرير الحماية القانونية المتكافئة، التى لا يقتصر تطبيقها على الحقوق والحريات المنصوص عليها فى الدستور، بل يمتد مجال إعمالها – كذلك – إلى تلك التى كفلها المشرع للمواطنين فى حدود سلطته التقديرية، وعلى ضوء ما ارتآه كافلاً للصالح العام.
ولئن نص الدستور – فى المادة 40 – على حظر التمييز بين المواطنين فى أحوال بعينها، هى تلك التى يقوم التمييز على أساس من الأصل أو الجنس أو اللغة أو الدين أو العقيدة، إلا أن إيراد الدستور لصور بذاتها يكون التمييز فيها محظوراً، مرده أنها الأكثر شيوعاً من الناحية العملية، ولا يدل البتة على انحصاره فيها، وإلا جاز التمييز بين المواطنين على أساس ثرواتهم أو مراكزهم الاجتماعية أو انتماءاتهم الطبقية، أو ميولهم، أو آرائهم، أو عصبيتهم أو نزعاتهم، وهو ما لا يتصور أن يكون الدستور قد قصد إليه، ذلك أن صور التمييز جميعها. التى تفتقر إلى أسسها الموضوعية – تناقض المساواة التى كفلها، وتنقض بنيانها, أو تنال من محتواها.
وحيث إن الأصل فى كل تنظيم تشريعى أن يكون منطوياً على تقسيم Classification أو تمييز من خلال الأعباء التى يلقيها على البعض أو المزايا أو الحقوق التى كفلها لفئة دون غيرها، إلا أن اتفاق هذا التنظيم مع أحكام الدستور يفترض ألا تنفصل النصوص القانونية – التى نظم بها المشرع موضوعاً محدداً – عن أهدافها، ليكون اتصال الأغراض التى توخاها، بالوسائل إليها، منطقياً، وليس واهياً، بما يخل بالأسس الموضوعية التى يقوم عليها التمييز المبرر دستورياً.
Classification is inherent in Legislation in that legislators may select different persons or groups for different treatment. However the state may not rely on a classification whose relationship to an asserted goal is so attenuated as to render the distinction arbitrary or irrational.
وأساس ذلك، أن كل تنظيم تشريعى لا يعتبر مقصوداً لذاته، بل يتغيا بلوغ أغراض بعينها تعكس مشروعيتها إطاراً لمصلحة لها شأنها يقوم عليها هذا التنظيم، متخذاً من القواعد القانونية التى تبناها سبيلاً إليها، فإذا انقطع اتصال هذه القواعد بأهدافها، كان التمييز بين المواطنين فى مجال تطبيقها، تحكمياً ومنهياً عنه دستورياً.
ولئن جاز القول بأن صور التمييز التى تناقض مساواتهم أمام القانون، يتعذر حصرها، إلا أن قوامها كل تفرقة أو تقييد أو استبعاد أو تفضيل يجاوز الحدود المنطقية لتنظيم الحقوق والحريات التى كفلها الدستور؛ وذلك سواء بإنكار أصل وجودها، أو من خلال تقييد آثارها، بما يحول دون مباشرتها على قدم من المساواة الكاملة بين المؤهلين قانوناً للانتفاع بها.
Equality before the law requires an absence of discriminatory treatment except for those in different circumstances.
وحيث إنه متى كان ذلك؛ وكان التباين فى المراكز القانونية يفترض تغايرها – ولو فى بعض جوانبها – لتتنافر أجزاؤها، فلا تتحد العناصر التى تكونها؛ والقواعد التى تضمنتها المادتان الأولى والثانية من القرار بقانون رقم 183 لسنة 1993 بتعديل بعض أحكام قانون السلطة القضائية وقوانين الهيئات القضائية، لا تقيم فى مجال تطبيقها. تمييزاً فيما بين المخاطبين بها، المتكافئة مراكزهم القانونية بالنسبة إليها؛ وكان اختيار الأول من أكتوبر سنة 1993 موعداً لسريانها ونفاذ آثارها، مرتبطاً ببداية العام القضائي، وبمن كان آنئذ من رجال القضاء – ومن فى حكمهم – قائماً بأعباء الوظيفة القضائية، متواصلاً بالتالى عطاؤهم فى مجال تصريفهم لشئونها، دون لهؤلاء الذين انفصم اتصال ارتباطهم بالعمل القضائى قبل هذا الميعاد، وكان هذان الاعتباران يقيمان الحدود المنطقية للتنظيم المطعون فيه، فإن النعى عليه الإخلال بمبدأ المساواة أمام القانون، يكون منتحلاً.
وحيث إن قضاء المحكمة الدستورية العليا مستقر كذلك، على أن عموم القاعدة القانونية؛ لا يعنى انصرافها إلى من يقيمون على امتداد الإقليم بأسرهم، ولا تعلقها بأفعالهم وتصرفاتهم جميعاً أو انبساطها عليها، وإنما تتوافر للقاعدة القانونية مقوماتها؛ وتتكامل خصائصها؛ بانتفاء التخصيص؛ ويتحقق ذلك إذا سنها المشرع مجردة عن الاعتداد بشخص معين أو بواقعة بذاتها معينة تحديداً بما لا يلبسها بغيرها. إذا كان ذلك؛ وكان حكم المادة الثانية من القرار بقانون آنف البيان، متكاملاً مع مادته الأولى، ينسحب إلى من كان قائماً فى الأول من أكتوبر سنة 1993 بأداء العمل القضائى سواء أكان من رجال القضاء – أو من فى حكمهم – فإن مجال تطبيقهما – بالضرورة – يمتد إلى أشخاص غير محددين بذواتهم؛ ليتمحض عن قاعدة موضوعية لا تخصيص فيها، ولا يقوم بها صحيح ادعاء انحراف رئيس الجمهورية – من خلال هذا التنظيم – فى استعمال التشريع.
وحيث إن التنظيم المطعون عليه لا يتعارض مع أحكام الدستور من أى وجه آخر.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة برفض الدعوى وبمصادرة الكفالة وألزمت المدعى المصروفات ومبلغ ثلاثين جنيه مقابل أتعاب المحاماة(1).


(1) اعمالا للحجية المطلقة لهذا الحكم – قضت المحكمة الدستورية العليا بجلسة 4 نوفمبر سنة 1995 بعدم قبول الدعوى رقم 29 لسنة 17 قضائية دستورية.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات