قاعدة رقم الطعن رقم 8 لسنة 16 قضائية “دستورية” – جلسة 05 /08 /1995
أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء السابع
من أول يوليو 1995 حتى آخر يونيو 1996 – صـ 139
جلسة 5 أغسطس سنة 1995
برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين/ فاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن غنيم وسامى فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض وعدلى محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله – أعضاء، وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفى على جبالى – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ حمدى أنور صابر – أمين السر.
قاعدة رقم
القضية رقم 8 لسنة 16 قضائية "دستورية"
1 – دعوى دستورية "شرط المصلحة المباشرة: مؤداه – حالات انتقائه".
مؤدى هذا الشرط ألا تقبل الخصومة الدستورية من غير الأشخاص الذين يمسهم الضرر من جراء
سريان النص المطعون فيه عليهم، سواء أكان هذا الضرر وشيكاً يتهددهم أم كان قد وقع فعلاً
– إذا لم يطبق النص المطعون فيه أصلاً على من ادعى مخالفته للدستور، أو كان من غير
المخاطبين بأحكامه، أو كان قد أفاد من مزاياه، أو كان الإخلال بالحقوق التى يدعيها
لا تعود إليه، دل ذلك كله على انتفاء المصلحة الشخصية المباشرة.
2 – المحكمة الدستورية العليا "ولايتها" – دعوى دستورية "تحقق الضرر".
مباشرة المحكمة الدستورية العليا ولايتها فى الدعوى الدستورية بما يكفل فعاليتها –
من المتعين أن تدور رقابتها وجودا وعدما مع تلك الأضرار التى تستقل بعناصرها – ضرورة
قيام الدليل على اتصال الأضرار المدعى وقوعها بالنص المطعون فيه.
3 – دعوى دستورية "مناط المصلحة فيها".
المصلحة الشخصية المباشرة شرط لقبول الدعوى الدستورية، مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها
وبين المصلحة القائمة فى الدعوى الموضوعية، بأن يكون الحكم فى المطاعن الدستورية لازماً
للفصل فى النزاع الموضوعى.
4 – معوقون "رعايتهم دولياً".
كثير من الوثائق الدولية منحت المعوقين الرعاية التى يقتضيها إنماء قدراتهم والنهوض
باوضاعهم وتوكيد ضرورة استخدامهم بصورة كاملة، آخذة فى اعتبارها احتياجاتهم الخاصة.
من بين هذه المواثيق الإعلان الصادر فى 9/ 12/ 1975 عن الجمعية العامة للأمم المتحدة
فى شأن حقوق المعوقين. تأكيد هذا الإعلان على أن الحقوق المقررة بموجبه لا استثناء
ولا تمييز فى نطاقها.
5 – معوقون "رعايتهم دولياً.
صدور قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 20/ 12/ 1993 متضمناً مجموعة من
القواعد التى تبنى مستوياتها الفرص المتكافئة الواجب ضمانها للمعوقين – امتداد هذا
التكافؤ إلى مبادئ التعليم والأمن الاجتماعى والحياة العائلية وتكامل الشخصية، والعقيدة
والاستخدام.
6 – معوقون "رعايتهم دولياً" "تشريع: القانون رقم 49 لسنة 1982".
النزول على القواعد المشار إليها التزاماً أدبياً وسياسياً – تعبيرها عن اتجاه عام
فيما بين الدول التى ارتضتها يتمثل فى توافقها على تطبيقها – هذا الاتجاه تقيدت به
النصوص المطعون عليها من القانون رقم 49 لسنة 1982 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 39
سنة 1975 بشأن تأهيل المعوقين.
7 – معوقون "أولوية" – تشريع " المادة 10 من القانون رقم 39 لسنة 1975"
استخدام المعوقين داخل كل وحدة إدارية أو بالهيئات العامة أو القطاع العام من خلال
تخصيص عدد من وظائفها لا يزيد على 5% من مجموع عدد العاملين بكل وحدة طبقاً للنص المشار
إليه لا يعتبر تقريراً لأولويتهم على من عداهم.
8 – معوقون "تنظيم أوضاعهم: تخطى العوائق" – تكافؤ الفرص.
تنظيم أوضاع المعوقين – وطنياً كان أم دولياً – توخى دوماً ضمان فرص يتخطون بها عوائق
ضرورة كفالة فرص استخدامهم مع غيرهم – قانوناً – على ضوء احتياجاتهم الفعلية، وعلى
الأخص فى مجال مزاولتهم لأعمال بعينها.
9 – معوقون "تأهيلهم" – حق العمل.
حرص المشرع على تأهيل المعوقين بتدريبهم على المهن والأعمال المختلفة ليمكنهم من النفاذ
إلى حقهم فى العمل.
10 – عدالة اجتماعية.
حرص الدستور على صونها لكل مواطن توكيداً لجدارته بالحياة اللائقة.
11 – تنظيم تشريعى "مدى اتفاقه مع الدستور".
لضمان اتفاق التنظيم التشريعى مع الدستور يجب أن تتوافر علاقة منطقية بين الأغراض المشروعة
التى اعتنقها المشرع فى موضوع محدد وفاء بمصلحة عامة، والوسائل التى اتخذها طريقاً
لبلوغها، فلا تنفصل نصوصه القانونية عن أهدافها.
12 – معوقون – تشريع "المواد 10، 15، 16 من القانون رقم 36 لسنة 1975".
ارتباط هذه النصوص بالأوضاع الاستثنائية للمعوقين لتعيد إليها توازناً اختل من خلال
عوارضهم – اتفاقها فيما قررته مع العدالة الاجتماعية – المزايا المقررة لا يمكن فصلها
عن هذه الأوضاع ولا عن الأغراض التى توخاها المشرع من خلال فرص العمل التى مكن المعوقين
منها.
13 – استخدام تمييز: اتفاقيات دولية".
حظر التمييز فى مجال الاستخدام ومباشرة المهن وفقاً للاتفاقية التى اعتمدها المؤتمر
العام لمنظمة العمل الدولية فى 25/ 6/ 1960 – التدابير الخاصة وفقاً لها لا تعتبر تمييزاً.
14 – دستور "المادة 7 منه" – معوقون.
قيام المجتمع على أساس من التضامن الاجتماعى يعنى وحدة الجماعة فى بنيانها واتصال أفرادها
وترابطهم ليكون بعضهم لبعض ظهيرا – مؤدى ذلك: ضمان المشرع لبعض التدابير للمعوقين
يعتبر نزولاً على حكم الضرورة وليس تمييزاً منهياً عنه.
15 – حرية التعاقد "القيود عليها".
حرية التعاقد لا تعنى أن يكون لسلطان الإرادة دور كامل ونهائى فى تكوين العقود وتحديد
أثارها – للمشرع أن يرسم حدودا للإرادة لا يجوز أن يتخطاها سلطانها.
16 – دستور "المادة 23 منه " – معوقون.
التنمية الاقتصادية لا يتصور أن تتم إلا من خلال أدواتها ومن بينها عناصر القوة البشرية.
والمعوقون يندرجون تحتها.
17 – حق العمل – معوقون.
العمل ليس منحة من الدولة تقبضها أو تبسطها وفق إرادتها – العمل قرره الدستور باعتباره
شرفاً لمن يلتمس الطريق إليه من المواطنين.
18 – خضوع الدولة للقانون "مؤداه".
مؤدى خضوع الدولة للقانون ألا تخل تشريعاتها بالحقوق التى يعتبر التسليم بها فى الدولة
الديموقراطية مفترضاً أولياً لقيام الدولة القانونية، وضمانة أساسية لصون حقوق الإنسان.
19 – عقوبة "شخصيتها – اعتدالها".
شخصية العقوبة وتناسبها مع الجريمة محلها – مرتبطتان بمن يعد قانوناً مسئولاً عن ارتكابها
– من غير الجائز أن تكون العقوبة مهينة فى ذاتها أو كاشفة عن قسوتها.
20- عقوبة "عدم إزدواجها".
الجريمة الواحدة لا تزن وزرين – عدم جواز معاقبة الشخص أكثر من مرة عن فعل واحد.
21 – معوقون – تشريع "المادة 10 من القانون رقم 39 لسنة 1975" – تعويض.
المبالغ التى يلتزم المخالفون لأحكام هذه المادة بدفعها إلى المعوقين المؤهلين عملاً
بالفقرة الثانية من المادة 16 منه هى فى حقيقتها نوع من التعويض محدد بنص
فى القانون.
22 – قانون جنائى "عقوبة: فائدتها".
الجزاء الذى يقرره هذا القانون على أفعال الأفراد لا يكون مبرراً إلا إذا كان مفيداً
من وجهته الاجتماعية – تجاوزه تلك الحدود التى لا يكون فيها ضرورياً يجعله مخالفاً
للدستور.
23 – جزاء جنائى "طبيعته".
الجزاء الجنائى بطبيعته، يعتبر عقاباً واقعاً بالضرورة فى إطار اجتماعى، ومنطوياً غالباً
من خلال قوة الردع على تقييد للحرية الشخصية.
24 – معوقون – عقوبة – تشريع "المادة 16 من القانون رقم 39 لسنة 1975".
دمج المعوقين المؤهلين فى المجتمع من خلال فرص العمل المتاحة لهم هو المصلحة الاجتماعية
التى كفل هذا النص حمايتها بالعقوبة المقررة فيه – وليس لمجرد الإخلال بالتزام مدنى.
1، 2، 3 – إن من المقرر أن شرط المصلحة الشخصية المباشرة، يتغيا أن تفصل المحكمة الدستورية
العليا فى الخصومة الدستورية من جوانبها العملية، وليس من معطياتها النظرية، أو تصوراتها
المجردة. وهو كذلك يقيد تدخلها فى تلك الخصومة القضائية، ويرسم تخوم ولايتها، فلا تمتد
لغير المطاعن التى يؤثر الحكم بصحتها أو بطلانها على النزاع الموضوعى، وبالقدر اللازم
للفصل فيها. ومؤداه ألا تقبل الخصومة الدستوريه من غير الأشخاص الذين يمسهم الضرر من
جراء سريان النص المطعون فيه عليهم، سواء أكان هذا الضرر قد وقع فعلاً أم كان وشيكاً
يتهددهم، أم كان قد وقع فعلا.
ويتعين دوماً أن يكون هذا الضرر منفصلاً عن مجرد مخالفة النص المطعون عليه للدستور،
مستقلاً بالعناصر التى يقوم عليها، ممكناً تحديده ومواجهته بالترضية القضائية لتسويته،
عائداً فى مصدره إلى النص المطعون عليه. فإذا لم يكن هذا النص قد طبق أصلاً على من
ادعى مخالفته للدستور، أو كان من غير المخاطبين بأحكامه، أو كان قد أفاد من مزاياه،
أو كان الإخلال بالحقوق التى يدعيها لا يعود إليه، دل ذلك على انتفاء المصلحة الشخصية
المباشرة. ذلك أن إبطال النص التشريعى فى هذه الصور جميعها، لن يحقق للمدعى أية فائدة
عملية يمكن أن يتغير بها مركزه القانونى بعد الفصل فى الدعوى الدستورية، عما كان عليه
قبلها.
ولا يتصور بالتالى أن تكون الدعوى الدستورية أداة يعبر المتداعون من خلالها عن آرائهم
فى الشئون التى تعنيهم بوجه عام، ولا أن تكون نافذة يعرضون منها ألواناً من الصراع
بعيداً عن مصالحهم الشخصية المباشرة، أو شكلاً للحوار حول حقائق عملية يطرحونها لإثبات
أو نفيها، أو طريقاً للدفاع عن مصالح بذواتها لا شأن للنص المطعون عليه بها. بل تباشر
المحكمة الدستورية العليا ولايتها – التى كثيراً ما تؤثر فى حياة الأفراد وحرماتهم
وحرياتهم وأموالهم – بما يكفل فعاليتها. وشرط ذلك إعمالها عن بصر وبصيرة، فلا تقبل
عليها اندفاعاً، ولا تعرض عنها تراخياً. ولا تقتحم بممارستها حدوداً تقع فى دائرة عمل
السلطتين التشريعية والتنفيذية. بل يتعين أن تكون رقابتها ملاذاً أخيراً ونهائياًَ،
وأن تدور وجوداً وعدماً مع تلك الأضرار التى تستقل بعناصرها، ويكون ممكناً إدراكها،
لتكون لها ذاتيتها. ومن ثم يخرج من نطاقها ما يكون من الضرر متوهماً أو منتحلاً أو
مجرداً in abstracto أو يقوم على الافتراض أو التخميين Conjecural.
ولازم ذلك، أن يقوم الدليل جلياً على اتصال الأضرار المدعى وقوعها بالنص المطعون عليه،
وأن يسعى المضرور لدفعها عنه، لا ليؤمن بدعواه الدستورية – وكأصل عام – حقوق الآخرين
ومصالحهم، بل ليكفل إنفاذ تلك الحقوق التى تعود فائدة صونها عليه in Concreto.
والتزاماً بهذا الإطار، جرى قضاء المحكمة الدستورية العليا على أن المصلحة الشخصية
المباشرة شرط لقبول الدعوى الدستورية، وأن مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة
القائمة فى الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم فى المطاعن الدستورية لازماً للفصل
فى النزاع الموضوعى.
4، 5 – إن البين من التطور التاريخى لأوضاع المعوقين، وقواعد معاملتهم، أن كثيراً من
الوثائق الدولية منحتهم الرعاية التى يقتضيها إنماء قدارتهم، وأن جهدوا تبذل باطراد
من أجل تشخيص عوارضهم فى مهدها، وقبل استفحال خطرها، ثم تقييمها للحد من آثارها، وأن
آراء عديدة تدعو الدول على تباين اتجاهاتها، لأن تنقل إلى مجتمعاتها – ومن خلال حملاتها
الإعلامية بوجه خاص awareness – raising ما يبصرها بأن المعوقين مواطنون ينبغى منحهم
من الحقوق ما يكون لازماً لمواجهة ظروفهم الذاتية التى لا يملكون دفعها، لتمهد بذلك
للقبول بالتدابير التى تفرضها، وتُعِينهم بها على مواجهة مسئولياتهم. وكان من بين تلك
المواثيق، ذلك الإعلان الصادر فى 9/ 12/ 1975 عن الجمعية العامة للأمم المتحدة برقم
فى شأن حقوق المعوقين Declaration on the rights of disabled persons، متوخياً
أن تعمل الدول – سواء من خلال تدابير فردية، أو عن طريق تضافر جهودها – من أجل إرساء
مقاييس أكثر حزماً للنهوض بأوضاع المعوقين، وتوكيد ضرورة استخدامهم بصورة كاملة، وتحقيق
تقدمهم من الناحيتين الاجتماعية والاقتصادية آخذه فى اعتبارها احتياجاتهم الخاصة، وضرورة
تطوير ملكاتهم لإعدادهم لحياة أفضل، ولحفزهم على الاندماج فى مجتمعاتهم من خلال إسهامهم
فى أكثر مناحى النشاط تنوعاً.
ويؤكد هذا الإعلان، أن الحقوق المنصوص عليها فيه، لا استثناء منها. ولا تمييز فى نطاقها،
يكون مرده إلى العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الآراء على اختلافها،
أو الأصل الوطنى أو الاجتماعى، أو الثروة أو المولد، أو بناء على أى مركز آخر يتعلق
بالمعوق أو بأسرته. ذلك أن المعوقين – ولعوار فى قدراتهم البدنية أو العقلية بسبب قصور
خلقى أو غير خلقى – عاجزون بصفة كلية أو جزئية عن أن يؤمنوا بأنفسهم ما يكون ضرورياً
لحياتهم سواء كأفراد، أو على صعيد مظاهر حياتهم الاجتماعية، أو هما معاً. وكان منطقياً
بالتالى، أن يؤكد هذا الإعلان، أن للمعوقين حقوقاً ينبغى ضمانها، بوصفها أساساً مشتركاً
للتدابير الدولية والوطنية، يندرج تحت حق المعوق الأصيل فى صون كرامتهم الإنسانية،
وحمايتهم من ألوان المعاملة المهينة أو التعسفية أو التمييزية، وكذلك من كل استغلال،
ودون إخلال بتمتعهم بالحقوق الأساسية التى يمارسها غيرهم من المواطنين الذين يماثلون
عمراً. وهو ما يعنى – وفى المقام الأول – حقهم فى حياة لائقة تكون طبيعية، وكاملة قدر
الإمكان، وأياً كانت خصائص عوائقهم أو مناحى قصورهم، أو مصدرها، أو درجة خطورتها. ولا
يجوز بحال – وعلى ما نص عليه ذلك الإعلان – حرمان المعوقين من حقوقهم المدنية والسياسية،
ولا من الرعاية الطبية والنفسية والوظيفية، ولا من التدابير التى تتوخى تمكينهم من
الاعتماد ذاتياً على أنفسهم، ولا من الحق فى تعليمهم وتدريبهم وتأهيلهم مهنياً بما
يطور ملكاتهم وقدراتهم، مرتقياً إلى ذراها، كافلاً دمجهم فى مجتمعاتهم. وهم يتمتعون
كذلك بالحق فى الأمن – اقتصادياً واجتماعياً – وفى الحصول على عمل مع ضمان استمراره،
وبالحق فى مزاولة مهن منتجة ومجزية.
بل إن الجمعية العامة للأمم المتحدة – فى سعيها لدعم حقوق المعوقين فى فرص يتماثلون
فيها مع غيرهم، وألا يكون نصيبهم منها مجحفاً فى مجال الرعاية الأشمل لظروفهم – ارتأت
أن تعزز الإعلان المتقدم، بالقرار رقم 48/ 96 الصادر فى 20/ 12/ 1993، لتصوغ بمقتضاه
مجموعة من القواعد التى تبين مُسْتَوياتها الفرص المتكافئة التى ينبغى ضمانها للمعوقين
the standard rules the equalization of opportunities for persons with disabilities
وبوجه خاص، لمواجهة أشكال من العوائق التى كشفها التجربة العلمية، وكان من شأنها تعميق
قصور المعوقين عن تحمل كامل مسئولياتهم داخل مجتمعاتهم، من بينها جهلهم أو إهمالهم
أو خوفهم، بل وأوهامهم وخرافاتهم. وتفصل هذه القواعد، تلك الفرص التى أتاحتها للمعوقين،
سواء كان عوارهم دائماً أو عرضياً، بديناً أو ذهنياً، أو مرضاً عقلياً، أو ظرفاً طبياً
من العوارض التى تؤثر فى حواسهم.
وكان لازماً بالتالى، أن يمتد هذا التكافؤ فى الفرص إلى ميادين متعددة يندرج تحتها
التعليم والأمن الاجتماعى، والحياة العائلية، وتكامل الشخصية، والعقيدة، والاستخدام.
بل إن القاعدة رقم 7 التى تضمنها هذا القرار، صريحة فى دعوتها الدول إلى أن يكون إيمانها
بضرورة تمكين المعوقين من فرص متكافئة – من أجل الحصول على أعمال منتجة ومربحة فى سوق
العمل سواء فى المناطق الريفية أو الحضرية – واقعاً حياً بما يحول دون عرقلة تشغيلهم،
أو إخضاعهم لأشكال التمييز التى قد يقيمها المشرع ضدهم، ليتم دمجهم إيجابياً فى إطار
الاستخدام المفتوح من خلال التدابير التى تتخذها، وبوجه عام خاص عن طريق تدريبهم مهنيا
ومن خلال تحديد أعمال بذواتها يتولونها، أو احتجازها لهمvocational training Reseved
or designated employment.
6- والقواعد التى تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة على النحو المتقدم، وإن لم تكن
لها قوة إلزامية تكفل التقيد بها، إلا أن النزول عليها لا زال التزاماً أدبياً وسياسياً،
وهى فوق هذا، تعبر عن اتجاه عام فيما بين الدول التى ارتضتها، يتمثل فى توفقها على
تطبيقها، باعتبارها طريقاً قويماً لدعم جهودها فى مجال الاستثمار الأعمق لطاقتها البشرية.
وهذا الاتجاه، هو ما تقيدت به النصوص المطعون عليها، إدراكاً منها بأن كل معوق – وعلى
ما جاء بالمذكرة الإيضاحية للقانون رقم 49 لسنة 1982 بتعديل بعض أحكام القانون رقم
39 لسنة 1975 – ينبغى أن ينال المساعدة والوقاية وفرص التأهيل الملائمة التى يتمكن
معها من الإسهام إلى أقصى حد مستطاع فى ميزات ومسئوليات الحياة الكاملة فى المجتمع
الذى ينتمى إليه، وبما يتمشى وإعادة بناء قطاع هام من الموارد البشرية، يكون نافعاً،
ومستقراً، ومؤدياً لدوره فى مجال التنمية، وكافلاً – من خلال تأهيل المعوقين – ضمان
أكبر قدر من فرص العمل التى تناسبهم.
7- وإنه وإن صح القول بأن تقرير أولوية لبعض المواطنين على غيرهم فى مجال العمل، لا
يجوز إلا بناء على نص فى الدستور، إلا أن استخدام المعوقين داخل كل وحدة من وحدات الجهاز
الإدارى للدولة، أو الهيئات العامة، أو القطاع العام – من خلال تخصيص عدد من وظائفها
لا يزيد على 5% من مجموع عدد العاملين بكل وحدة – لا يعتبر تقريراً لأولويتهم على من
عداهم – ذلك أن الأولوية فى مجال العمل – وأياً كانت الأداة القانونية التى أنشأتها
– تعنى فى المقام الأول، أن يتقدم أصحابها على غيرهم، مستأثرين من دونهم بالوظائف الشاغرة،
فلا يلج أبوابها أحد ليزاحمهم فيها، أو يتقاسمها معهم، بل ينفردون بها، ويتصدرون شغلها،
ليكون احتكارهم لها واقعاً حياً، معززاً بقوة القانون، ومتضمناً استبعاد غيرهم من أن
يطلبوا لأنفسهم نصيباً منها، ما دام أن من يتقدمونهم قانوناً، ما برحوا غير مستوفين
لاحتياجاتهم الوظيفية بكاملها. ولا كذلك تخصيص حصة للمعوقين مقدارها 5 % من مجموع عدد
العاملين بالوحدة الإنتاجية أو الخدمية وفقاً لنص المادة العاشرة من القانون رقم 39
لسنة 1975 بشأن تأهيل المعوقين، ذلك أن المعوقين وفقاً لحكمها، لا يتقدمون على غيرهم
لاستيفاء حصتهم هذه – التى لا يتحدد نطاقها إلا بنسبتها إلى مجموع العاملين فى تلك
الوحدة – وهو ما يعنى أن لهم نصيباً فى مواقع العمل الشاغرة لا يستغرقها، ولا ينحى
من سواهم عنها، بل يطلبونها إلى جانبهم، ومعهم.
8- إن تنظيم أوضاع المعاقين – وطنياً كان أم دولياً – توخَّى دوماً ضمان فرص يتخطون
بها عوائقهم، ويتغلبون من خلالها على مصاعبهم، ليكون إسهامهم فى الحياة العامة ممكناً
وفعالاً ومنتجاً. ذلك أن نواحى القصور التى تعرض لهم، مردها، إلى عاهاتهم، ومن شأنها
أن تقيد من حركتهم، وأن تنال بقدر أو بآخر من ملكاتهم، فلا يكونون "واقعاً" متكافئين
مع الأسوياء حتى بعد تأهيلهم مهنياً، لتبدو مشكلاتهم غائرة الأبعاد، لا تلائمها الحلول
المبتسرة، بل تكون مجابهتها، نفاذاً إلى أعماقها، وتقريراً لتدابير تكفل استقلالهم
بشئونهم، وانصرافاً إلى مناهج علمية وعملية تتصل حلقاتها، وتتضافر مكوناتها، متخذة
وجهة بذاتها، هى ضمان أن يكون المعوقون أكثر فائدة، وأصلب عوداً، وأوثق اتصالاً بأمتهم.
وكان لازماً وقد تعذر على المعوقين "عملاً" أن تتكافأ فرص استخدامهم مع غيرهم، أن يكون
هذا التكافؤ مكفولاً "قانوناً" على ضوء احتياجاتهم الفعلية، وبوجه خاص فى مجال مزاولتهم
لأعمال بعينها، أو الاستقرار فيها، مع موازنة متطلباتها بعوارضهم التى أعجزتهم منذ
ميلادهم، أو بما يكون قد طرأ من أسبابها بعدئذ، وآل إلى نقص قدراتهم عضوياً أو عقلياًَ،
أو حسياً، لتتضاءل فرص اعتمادهم على أنفسهم.
9، 10، 11، 12- ومن ثم حرص المشرع على تأهيل المعوقين بتدريبهم على المهن والأعمال
المختلفة ليقربهم من بيئتهم، وليمكنهم من النفاذ إلى حقهم فى العمل، لا يعتمدون فى ذلك على نوازع الخير عند الآخرين، ولا على تسامحهم، بل من خلال حمل هؤلاء على أن تكون
الفرص التى يقدمونها للمعوقين مناسبة لاحتياجاتهم، مستجيبة لواقعهم، وأن يكون هدفها
مواجهة آثار عجزهم، ومباشرة مسئولياتهم كأعضاء فى مجتمعاتهم، تَمْنَحهم عونها، وتُقِيلهم
من عثراتهم. وليس ذلك تمييزاً جائزاً منهياً عنه دستورياً، ذلك أن النصوص المطعون عليها
لا تفاضل بين المعوقين وغيرهم لتجعلهم أشد بأساً، أو أفضل موقعاً من سواهم، ولكنها
تخولهم تلك الحقوق التى يقوم الدليل جليا على عمق اتصالها بمتطلباتهم الخاصة، وارتباطهم
بأوضاعهم الاستثنائية، لتعيد إليها توازناً اختل من خلال عوارضهم. وتلك هى العدالة
الاجتماعية التى حرص الدستور على صونها لكل مواطن توكيداً لجدارته بالحياة اللائقة،
وانطلاقاً من أن مكانة الوطن وقوته وهيبته، ينافيها، الإخلال بقدر الفرد ودوره فى تشكيل
بنيانه. يدعم ما تقدم أن الأصل فى كل تنظيم تشريعى أن يكون منطوياً على تقسيم Classification
أو تمييز من خلال الأعباء التى يلقيها على البعض أو المزايا التى يمنحها لفئة دون غيرها
Legislators may select different persons or groups for different treatement,since
classification 'is inherent legislation" ويتعين دوماً لضمان اتفاق هذا التنظيم مع
الدستور، أن تتوافر علاقة منطقية rational relationship بين الأغراض المشروعة التى اعتنقها المشرع فى موضوع محدد وفاء بمصلحة عامة لها اعتبارها، والوسائل التى اتخذها
طريقة لبلوغها، فلا تنفصل النصوص القانونية التى نظم بها هذا الموضوع، عن أهدافها،
بل يجب أن تعد مدخلاً إليها appeopriate means to the attainmemt of justifiable ends
بما مؤداه أن المزايا التى منحها المشرع للمعوقين من خلال النصوص المطعون عليها لا
يمكن فصلها عن أوضاعهم، ولا عن الأغراض التى توخاها من خلال فرص العمل التى مكنهم منها.
13- ودليل ذلك بوجه خاص، أن الاتفاقية رقم فى شأن التمييز فى مجال الاستخدام
ومباشرة المهن Convention (No.111) concerning disceimination in respect of employment
and accupation – والتى اعتمدها المؤتمر العام لمنظمة العمل الدولية فى 25 يونيو 1960
إبان دورته الثانية والأربعين، والنافذة أحكامها اعتباراً من 15 يونيو 1960 – تقرر
فى مادتها الأولى أصلاً عاماً مؤداه أن التمييز المحظور بموجبها يمثل انتهاكاً للحقوق
التى نص عليها الإعلان العالمى لحقوق الإنسان. وشرط ذلك أن يكون متضمناً تفرقة distinction
أو استبعاد exclusion أو تفضيلاً preference يقوم على أساس من الجنس أو اللون أو العنصر
أو العقيدة أو الرأى السياسى أو الأصل الوطنى national extraction أو المنشأ الاجتماعى،
إذا كان من شأن هذا التمييز – سواء حق الأشخاص فى النفاذ إلى الاستخدام وامتهان الأعمال،
أو الشروط التى تنظمها، أو تدريبهم مهنياً – إبطال تكافؤ الفرص أو المعاملة المتساوية،
أو تعويق أيهما فى مجال العمل.
ولئن كان الأصل فى أشكال التمييز التى حظرتها تلك الاتفاقية، هو إهدارها، إلا أن الاتفاقية
ذاتها تنص فى الفقرة الثانية من المادة – بتصريح لفظها – على أن التدابير الخاصة
التى تتخذها إحدى الدول الأعضاء – بعد التشاور مع المنظمات الممثلة للعمال ومستخدميهم
– إن وجدت – لا تعتبر تمييزاً، إذا كان هدفها إيلاء الاعتبار لأشخاص تبلور خصائص متطلباتهم
الناشئة عن بعض العوارض التى تتصل بهم – كتلك التى تتعلق بجنسهم أو سنهم أو "عجزهم"
أو مسئولياتهم العائلية أو مركزهم الاجتماعى أو الاقتصادى – اعترافا عاما بحاجتهم إلى
حماية أو مساعدة من نوع خاص.
Any Member may, after consultaion with representative employers and workers organsations,
where sush exist, determine that other special measures designed to meet the particular
requirements of persons who for reasons such as sex, age, disablement, family responsibilities
or social or cultural status are generally recognised to require special protection
or assistance, shall not be deemed to be discrimination.
14 – إن ما نص عليه الدستور فى المادة 7 من قيام المجتمع على أساس من التضامن الاجتماعى،
يعنى وحدة الجماعة فى بنيانها، وتداخل مصالحها لا تصادمها، وإمكان التوفيق بينها ومزاوجتها
ببعض عند تزاحمها، اتصال أفرادها وترابطهم ليكون بعضهم لبعض ظهيراً، فلا يتفرقون بدداً
أو يتناحرون طمعاً، أو يتنابذون بغياً، وهم بذلك شركاء فى مسئوليتهم قبلها، لا يملكون
التنصل منها أو التخلى عنها، ليس لفريق منهم بالتالى أن يتقدم على غيره انتهازاً، ولا
أن ينال من الحقوق قدرا منها يكون بها – عدواناً – أكثر علواً. بل يتعين أن تتضافر
جهودهم لتكون لهم الفرص ذاتها، التى تقيم لمجتمعاتهم بنيانها الحق، ولا تخل – فى الوقت
ذاته – بتلك الحقوق التى كفلها الدستور.
بما مؤداه أن تدابير اقتصادية واجتماعية وتشريعية يتعين ضمانها فى شأن المعوقين، تأخذ
واقعهم فى اعتبارها، ولا تنحى مشكلاتهم عن دائرة اهتمامها، بل توليها ما تستحق من الرعاية،
لتقدم لهم عوناً يلتئم وأوضاعهم. وليس ذلك تمييزاً منهياً عنه دستورياً بل هو نزول
على حكم الضرورة، وبقدرها فلا يغمطون حقاً.
15- إن حرية التعاقد – وأياً كان الأصل الذى تتفرع عنه أو تُرد إليه – لا تعنى على
الإطلاق أن يكون لسلطان الإرادة دور كامل ونهائى فى تكوين العقود، وتحديد الآثار التى ترتبها. ذلك أن الإرادة لا سلطان لها فى دائرة القانون العام. وقد يورد المشرع فى شأن
العقود – حتى ما يكون واقعاً منها فى نطاق القانون الخاص – قيوداً يرعى على ضوئها حدوداً
للنظام العام لا يجوز اقتحامها. وقد يخضعها لقواعد الشهر أو لشكلية ينص عليها. وقد
يعيد إلى بعض العقود، توازناً اقتصادياً اختل فيما بين أطرافها. وهو ما يتدخل إيجابياً
فى عقود بذواتها محوراً من التزاماتها انتصافاً لمن دخلوا فيها من الضعفاء، مثلما هو
الأمر فى عقود الإذعان والعمل. ولا زال يقلص من دور الإرادة فى عقود تقرير تنظيماً
جماعياً ثابتاً Contracts collectifs كتلك التى تتضمن تنظيماً نقابياً، بما مؤداه أن
للمشرع أن يرسم للإرادة حدوداً لا يجوز أن يتخطاها سلطانها، ليظل دورها واقعاً فى إطار
دائرة منطقية، تتوازن الإرادة فى نطاقها، بدواعى العدل وحقائق الصالح العام. ومن ثم
لا تكون حرية التعاقد – محددة على ضوء هذا المفهوم – حقاً مطلقاً بل موصوفاً. فليس
إطلاق هذه الحرية وإعفاؤها من كل قيد، بجائز قانوناً، وإلا آل أمرها سراباً أو انفلاتاً.
Freedom of Contract is a qualified and not an absolute right. There is no absolute
freedom to do as one wills, or to contract as one chooses.
وما تقدم مؤداه، أن ضمان الحرية لا يعنى غل يد المشرع عن التدخل لتنظيمها، ذلك أن الحرية
تفيد بالضرورة مباشرتها دون قيود جائزة arbitrary restraints وليس إسباغ حصانة عليها
تعفيها من تلك القيود التى تقتضيها مصالح الجماعة، وتسوغها ضوابط حركتها. متى كان ذلك،
وكانت القيود التى فرضتها النصوص المطعون عليها على من يملكون سلطة التعيين فى القطاع
العام، غايتها ضمان فرص حقيقية للمعوقين، تكفل إنصافهم فى مجال العمل، فإن النعى عليها
إخلالها بحرية التعاقد، ومخالفتها بالتالى لنص المادة من الدستور، يكون على غير
أساس.
16- إن ما قرره المدعى، من أن تدخل المشرع لفرض استخدام المعوقين، يؤثر من الناحية
العلمية فى التنمية الاقتصادية، ولا يتوفر بالتالى الزيادة التى تطلبتها المادة 23
من الدستور من الدخل القومى، وجعلتها قرين التنمية الشاملة وسبيلها، مردود بأن التنمية
البشرية التى لا يجوز عزلها أو تحييدها، ذلك أن التنمية الشاملة لا تقوم إلا بها، ولا
يمكن أن تصل إلى غايتها بعيداً عنها، والمعوقون يندرجون تحتها، فمن خلال تدريبهم مهنياً،
وإعانتهم على مواجهة صعابهم، يتحولون إلى قوة فاعلة لها وزنها، ولا يجوز تنحيتها، وإلا
كان ذلك تعطيلاً لها، وتبديداً لطاقاتها وانصرافاً عن استثمار ملكاتها، وهو ما تؤيده
التدابير التى تتخذها الدول فى شأن المعوقين، ذلك أن غايتها النهائية، ضمان الانتفاع
الأفضل والأعمق بمواردها، فلا يكون هؤلاء عبئاً عليها، وبؤرة تثير اضطراباً داخل مجتمعاتها،
وتخل بما ينبغى أن يتوافر فيها من عناصر التوازن، بين من يملكون فرص العمل، ومن يسعون
لنفاذ إليها حقاً وعدلاً.
17- إن ما نحا إليه المدعى من أن النصوص المطعون عليها تستعيض عن إنفاذ حق المعوقين
فى معاش يكفيهم لمواجهة عجزهم، بضمان فرص يعملون من خلالها، فحملتهم بذلك ما لا يطيقون،
وأخلت فى الوقت ذاته بنص المادة 17 من الدستور التى تكفل لهؤلاء – ومن أجل ظروفهم –
معاشاً مناسباً فى الحدود التى يبنها القانون؛ مردود، بأن الذين يجحدون حق المعوقين
فى العمل، إنما يبغونها عوجا، ذلك أن العمل ليس منحه من الدولة تقبضها أو تبسطها وفق
إرادتها ليتحدد على ضوئها من يتمتعون بها أو يُمنعون منها، بل قرره الدستور باعتباره
شرفاً لمن يلتمس الطريق إليه من المواطنين، وواجباً عليهم أداؤه، وحقاً لا يهدر، ومدخلاً
إلى حياة لائقة قوامها الاطمئنان إلى غد أفضل، وطريقاً لبناء الشخصية الإنسانية من
خلال تكامل عناصرها، وإسهاما حيويا فى تقدم الجماعة وإشباع احتياجاتها، وإعلاء لذاتية
الفرد، وتقديراً لدوره فى مجال النهوض بمسئوليته، وصوناً للتقاليد والقيم الخلقية الأصلية،
التى ينافيها أن يظل المعوقون مؤاخذين بعاهاتهم لا يملكون دفعها أو تقويمها تصويباً
لأوضاعهم. وهو ما ذهب إليه المدعى بتقريره أن منحهم معاشاً مناسباً، ينبغى أن يكون
بديلا عن فرصهم فى العمل، بما يعينه ذلك من إبطال حقهم فى حياة ملائمة تكون كرامتهم
قاعدتها، واعتمادهم على أنفسهم مدخلها.
18، 19، 20- إن قضاء المحكمة الدستورية العليا، مطرد على أن خضوع الدولة للقانون محدد
على ضوء مفهوم ديمقراطى، مؤداه ألا تخل تشريعاتها بالحقوق التى يعتبر التسليم بها فى الدولة الديمقراطية مفترضاً أولياً لقيام الدولة القانونية، وضمانة أساسية لصون حقوق
الإنسان وكرامته وشخصيته المتكاملة. ويندرج تحتها طائفة من الحقوق تعد بالنظر إلى مكوناتها،
وثيقة الصلة بالحرية الشخصية التى كفلها الدستور فى مادته الحادية والأربعين، ومنحها
الرعاية الأوفى والأشمل توكيداً لقيمتها، من بينها أن عقوبة الجريمة لا يتحملها إلا
من أدين كمسئول عنها، وهى بعد عقوبة يجب أن تتوازن "وطأتها" مع "خصائص ووزن الجريمة
موضوعها"، فلا يؤخذ بجريرة الجريمة إلا جناتها، ولا ينال عقابها إلا من قارفها، بما
مؤداه أن الشخص لا يزر غير سوء عمله، وأن "شخصية العقوبة" " وتناسبها مع الجريمة محلها"
the principle of proportionality" مرتبطتان بمن يعد قانوناً "مسئولاً عن ارتكابها"
وبوجه خاص لا يجوز أن تكون العقوبة التى تفرضها الدولة بتشريعاتها مهينة فى ذاتها،
أو كاشفة عن قسوتها، أو منطوية على تقييد الحرية الشخصية بغير انتهاج الوسائل القانونية
السليمة، أو متضمنة معاقبة الشخص أكثر من مرة عن فعل واحد double jeopardy.
ومرد هذه القاعدة الأخيرة – التى كفلتها النظم القانون جميعها، وصاغتها المواثق الدولية
باعتبارها مبدأ مستقراً بين الدول a universal maxim. أن الجريمة الواحدة لا تزر وزرين،
وأنه وإن كان الأصل أن يفرد المشرع لكل جريمة العقوبة التى تناسبها، إلا أن توقيعها
على مرتكبها، واستيفاءها، يعنى أن القصاص قد اكتمل باقتضائها، وليس لأحد بعدئذ على
فاعلها من سبيل. ولا يجوز من ثم، أن يتعرض الشخص لخطر ملاحقته باتهام جنائى أكثر من
مرة عن الجريمة عينها، ولا أن تعيد الدولة بكل سلطانها ومواردها، محاولتها إدانته عن
جريمة تدعى ارتكابه لها، لأنها إذ تفعل، فإنما تبقيه قلقاً مضطرباً، مهدداً بنزواتها،
تمد إليه بأسها حين تريد، ليغدو محاطاً بألوان من المعاناة لا قبل له بها، مبدداً لموارده
المالية فى غير مقتض، متعثر الخطى، بل إن إدانته – ولو كان بريئاً – تظل أكثر احتمالاً،
كلما كان الاتهام الجنائى متتابعاً عن الجريمة ذاتها.
21- ما ينعاه المدعى على المادة 16 من القانون رقم 39 لسنة 1975 بشأن تأهيل المعوقين،
من تقريرها لعقوبتين عن فعل واحد، إحداهما هى العقوبة المنصوص عليها فى فقرتها الأولى
التى تقضى بمعاقبة من يخالفون أحكام المادة 10 من هذا القانون بغرامة لا تجاوز مائة
جنيه والحبس مدة لا تجاوز شهراً أو بإحدى هاتين العقوبتين، وأخراهما تلك المنصوص عليها
بفقرتها الثانية التى تجيز الحكم بإلزام من يملكون سلطة التعيين فى أجهزة الدولة أو
القطاع العام بأن يدفعوا لكل من المعوقين المؤهلين الذين رشحوا لهم، وامتنعوا عن استخدامهم،
مبلغاً يعادل الأجر، أو المرتب المقرر، أو الأجر التقديرى للعمل، أو الوظيفة التى رشحوا
لها، مردود بأن المبالغ التى يلتزم المخالفون لأحكام المادة 10 من هذا القانون، بدفعها
إلى المعوقين المؤهلين عملاً بحكم الفقرة الثانية من المادة 16 منه، هى فى حقيقتها
نوع من التعويض يؤديه هؤلاء إلى من حرموهم من فرص العمل التى مكنهم المشرع منها، وعلى
أساس افتراض قيامهم بالعمل فى الجهة الإدارية أو الوحدة الاقتصادية من تاريخ منعهم
من مباشرته ولمدة لا تجاوز عاماً. ومن ثم يكون هذا التعويض مبلغاً مالياً محدداً بنص
فى القانون، وناشئاً عن جريمة ارتكبها من يملكون حق تعيينهم فى الجهة الإدارية أو الوحدة
الاقتصادية. وهو باعتباره جزاءً مدنياً لا يصادم جزاءً جنائياً، ولا يعد اجتماعهما
معاً، تقريراً لأكثر من عقوبة عن فعل واحد.
22- إن ما ذهب إليه المدعى من أن العقوبة التى قررها النص المطعون عليه، ليس لها من
سند فى الدستور، وأنها لذلك تمثل افتئاتاً على الحرية الشخصية وتُقَيدّها دون حق، مردود
بأن القانون الجنائى وإن اتفق مع غيره من القوانين فى سعيها لتنظيم سلوك الأفراد سواء
فى علاقاتهم مع بعضهم البعض، أو من خلال روابطهم مع مجتمعهم، إلا أن القانون الجنائى يفارقها فى اتخاذه العقوبة أداة التقويم ما يصدر عنهم من أفعال على خلاف نواهيه، وهو
بذلك يتغيا أن يحدد – ومن منظور اجتماعى – ما لا يجوز التسامح فيه من مظاهر سلوكهم،
وأن يسيطر عليها بوسائل يكون قبولها اجتماعياً ممكناً بما مؤداه أن الجزاء على أفعالهم
لا يكون مبرراً إلا إذا كان مفيدا من وجهة اجتماعية، فإن كان مجاوزاً تلك الحدود التى لا يكون معها ضرورياً، غدا مخالفاً للدستور.
23 – يعتبر الجزاء الجنائى عقاباً واقعاً بالضرورة فى إطار اجتماعى، ومنطوياً غالباً
من خلال قوة الردع على تقييد للحرية الشخصية، ومقرراً لغرض محدد، ومستنداً إلى قيم
ومصالح اجتماعية تبرره، كتلك التى تتعلق بصون النظام الاجتماعى، وضمان تكامل بعض الملامح
الجوهرية للعدالة الجنائية وبوجه خاص فى مجال اتصالها بحقوق الأفراد وقيمهم سواء لتأمينها
أو لصونها، ليرد المشرع عنها – ومن خلال الجزاء الجنائى – تلك الأضرار الجسيمة التى تخل بها أو تمسها؛ وكان ما توخاه القانون رقم 39 لسنة 1975 بشأن تأهيل المعوقين، هو
ألا يكون هؤلاء أقل شأناً من غيرهم فى مجتمعاتهم، وأن تتكافأ فرصهم معهم فى مجال النهوض
بمسئوليتهم قبلها، فلا ينعزلون عنها، أو يقفون منها موقفاً سلبياً؛ وكان المشرع فى نطاق سلطته التقديرية، وبما لا مخالفة فيه للدستور، بعد أن قدر أن استخدام المعوقين
المؤهلين – فى الحدود التى بينها – يعكس مصالح اجتماعية لها وزنها، تدخل بصور من الجزاء
الجنائى لحمل من يملكون فرص العمل على تذليلها لهؤلاء، وإلا حق عقابهم؛ فإن ما نعاه
المدعى من أن هذا الجزاء تقرر لغير ضرورة، ودون سند من الدستور، يكون منتحلاً.
24- القول بأن المشرع ما كان ينبغى أن ينزلق إلى تقرير عقوبة الحبس – وهى تعد إكراهاً
بدنياً – فى غير مجالاتها، وبوجه خاص على صعيد العقود المدنية التى لا يجوز أن يكون
الامتناع عن إبرامها، مستوجباً جزاء جنائياً، مردود بأن العقوبة المقيدة للحرية الشخصية
التى تضمنها النص المطعون عليه، غايتها ضمان دمج المعوقين المؤهلين فى مجتمعاتهم من
خلال فرص العمل التى أتاحها لجموعهم، ليظلوا قوة فاعلة فيها، فلا تزل أقدامهم، وتلك
هى المصلحة الاجتماعية – وليس مجرد الإخلال بالتزام مدنى – التى تحدَّدَ هذا الجزاء
على ضوئها، ليكون كافلاً لحمايتها.
الإجراءات
بتاريخ 26 فبراير 1994 أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة
طالباً الحكم بعدم دستورية أحكام المواد 9 و10 و15 و16 من القانون رقم 39 لسنة 1975
بشأن تأهيل المعوقين.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة, وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة
اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
وحيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل فى أن المدعى عليه السادس كان قد أقام – بطريق الإدعاء المباشر – الدعوى رقم 4197 لسنة 93 جنح إدفو
المدعى بصفته رئيساً لمجلس إدارة شركة النصر للفوسفات، متهماً إياه بأنه امتنع عن تعيينه
بالشركة رغم أن مكتب القوى العامة كان قد رشحه استيفاء لنسبة الـ 5% من مجموع عدد العاملين
بها المخصصة لتعيين المعوقين المؤهلين طبقا لحكم المادة العاشرة من القانون رقم 39
لسنة 1975 بشأن تأهيل المعوقين معدلاً بالقانون رقم 49 لسنة 1982، طالباً الحكم بأن
يؤدى إليه بصفته تعويضاً مؤقتاً مقداره 51 جنيهاً، فضلاً عن الراتب الشهرى المقرر للوظيفة
التى رشح لشغلها وذلك اعتباراً من تاريخ ثبوت المخالفة أو حتى تسلمه العمل بها، وكذلك
معاقبته بالعقوبة المقررة قانوناً. وأثناء نظر الدعوى دفع المتهم أمام محكمة الجنح
بعدم دستورية أحكام المواد 9 و10 و15 و16 من القانون رقم 39 لسنة 1975 بشأن تأهيل المعوقين
معدلة بالقانون رقم 49 لسنة 1982، وإذ قدرت المحكمة جدية هذا الدفع فقد صرحت له بإقامة
الدعوى الدستورية، فأقام دعواه الماثلة.
وحيث إن المادة من القانون رقم 39 لسنة 1975 بشأن تأهيل المعوقين معدلاً بالقانون
رقم 49 لسنة 1982 تنص على أن [تخصص للمعوقين الحاصلين على شهادات التأهيل نسبة خمسة
فى المائة من مجموع عدد العاملين بكل وحدة من وحدات الجهاز الإدارى للدولة والهيئات
العامة والقطاع العام، كما تلتزم هذه الوحدات باستيفاء النسبة المشار إليها باستخدام
المعوقين المقيمين بدائرة عمل كل وحدة، والمسجلين بمكاتب القوى العاملة المختصة، على
أن يتم استكمال النسبة المقررة بالقانون خلال سنتين من تاريخ صدور هذا التعديل.
ويجوز لأى من هذه الجهات استخدام المعوقين فى مكاتب القوى العاملة مباشرة دون ترشيح
منها. وتحتسب هذه التعيينات من النسبة المنصوص عليها فى الفقرة السابقة. ويجب فى جميع
الأحوال إخطار مكتب القوى العاملة المختص بذلك بكتاب موصى عليه بعلم الوصول، خلال عشرة
أيام من تاريخ استلام المعوق للعمل].
وتنص المادة من ذات القانون على أنه [ على وحدات القطاع الخاص والجهاز الإدارى للدولة والقطاع العام التى تسرى عليها أحكام هذا القانون، إمساك سجل خاص لقيد المعوقين
الحاصلين على شهادات التأهيل الذين التحقوا بالعمل لديهم ويجب أن يشتمل هذا السجل على
البيانات الواردة فى شهادة التأهيل، وعليهم تقديم هذا السجل إلى مفتش مكتب القوى العاملة
الذى يقع فى دائرته نشاطهم كلما طلب ذلك منهم، وعليهم إخطار هذا المكتب ببيان يتضمن
عدد العاملين الإجمالى، وعدد الوظائف التى يشغلها المعوقون المشار إليهم، والأجر الذى يتقاضاه كل منهم ويكون السجل والإخطار بالبيان طبقاً للنماذج الموحدة التى يصدر بها
قرار من وزير القوى العاملة.
ويحدد وزير القوى العاملة بقرار منه مواعيد الإخطار بالبيان.
وعلى مديريات القوى العامة، كل فى دائرة اختصاصه، إخطار مديريات الشئون الاجتماعية
المختصة كل ستة أشهر ببيان إجمالى عن عدد الوظائف التى يشغلها المعوقون، والأجر الذى يتقاضاه كل منهم، وذلك طبقاً للأوضاع التى يحددها وزير الشئون الاجتماعية.]
كما تنص المادة على أن [يعاقب كل من يخالف أحكام المادة التاسعة من هذا القانون
بغرامة لا تجاوز مائة جنيه والحبس مدة لا تجاوز شهراً، أو بإحدى هاتين العقوبتين. كما
يعاقب بنفس العقوبة، المسئولون بوحدات الجهاز الإدارى للدولة والقطاع العام الذين يخالفون
أحكام المادة العاشرة من هذا القانون ويعتبر مسئولاً فى هذا الشأن كل من يملك سلطة
التعيين.
كما يجوز الحكم بإلزام صاحب العمل، بأن يدفع شهرياً للمعوق المؤهل الذى رشح له، وامتنع
عن استخدامه، مبلغاً يساوى الأجر أو المرتب المقرر أو التقديرى للعمل أو الوظيفة التى رشح لها وذلك اعتباراً من تاريخ إثبات المخالفة. ولا يجوز الحكم بإلزام صاحب العمل
بهذا المبلغ لمدة تزيد على سنة. ويزول هذا الإلزام إذا قام بتعيين المعوق لديه، أو
التحق المعوق فعلاً بعمل آخر، وذلك من تاريخ تعيين أو التحاق المعوق بالعمل. ويجب على
صاحب العمل تنفيذ الحكم بإلزامه بأداء المبلغ المذكور خلال عشرة أيام من تاريخ صدوره،
والاستمرار فى هذا الاداء شهريا فى الميعاد المحدد بالحكم.
وفى حالة امتناع صاحب العمل عن أداء الأجر أو المرتب المشار إليه إلى المعوق، فى الميعاد
المقرر، يجوز تحصيله بناء على طلب العامل بطريق الحجز الإدارى، وأدائه إليه دون أى
مقابل أو أية رسوم من أى نوع كانت، ولا يستفيد المعوق إلا من أول حكم يصدر لصالحه.
وفى حالة تعدد الأحكام بإلزام أصحاب الأعمال بالدفع عند تعددهم، تؤول إلى وزارة الشئون
الاجتماعية المبالغ المحكوم بها فى الأحكام الأخرى. وتخصص هذه المبالغ للصرف منها فى الأوجه وبالشروط وطبقاً للأوضاع المنصوص عليها فى المادة التالية.
وتتعدد العقوبة بتعدد الذين وقعت فى شأنهم الجريمة. كما تتعدد العقوبة بتعدد الامتناع
عن تشغيل المعوق الواحد تطبيقاً لحكم المادتين 9 و10، وذلك عن كل سنة يحصل فيها الامتناع
بالنسبة له.
ويعاقب كل من يخالف أحكام المادة 15 بالحبس مدة لا تزيد على شهر، وبغرامة لا تجاوز
مائة جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين.
وتقام الدعوى فى جميع الأحوال على صاحب العمل أو وكيله أو المدير المسئول ولا يجوز
الحكم بوقف التنفيذ فى العقوبات المالية].
وحيث إن من المقرر أن شرط المصلحة الشخصية المباشرة، يتغيا أن تفصل المحكمة الدستورية
العليا فى الخصومة الدستورية من جوانبها العملية، وليس من معطياتها النظرية، أو تصوراتها
المجردة. وهو كذلك يقيد تدخلها فى تلك الخصومة القضائية، ويرسم تخوم ولايتها، فلا تمتد
لغير المطاعن التى يؤثر الحكم بصحتها أو بطلانها على النزاع الموضوعى، وبالقدر اللازم
للفصل فيها. ومؤداه ألا تقبل الخصومة الدستورية من غير الأشخاص الذين يمسهم الضرر من
جراء سريان النص المطعون فيه عليهم، سواء أكان هذا الضرر وشيكا يتهددهم، أم كان قد
وقع فعلاً. ويتعين دوماً أن يكون هذا الضرر منفصلاً عن مجرد مخالفة النص المطعون عليه
للدستور، مستقلاً بالعناصر التى يقوم عليها، ممكناً تحديده ومواجهته بالترضية القضائية
لتسويته، عائداً فى مصدره إلى النص المطعون عليه. فإذا لم يكن هذا النص قد طبق أصلاً
على من ادعى مخالفته للدستور، أو كان من غير المخاطبين بأحكامه، أو كان قد أفاد من
مزاياه، أو كان الإخلال بالحقوق التى يدعيها لا يعود إليه، دل ذلك على انتفاء المصلحة
الشخصية المباشرة. ذلك أن إبطال النص التشريعى فى هذه الصور جميعها، لن يحقق للمدعى
أية فائدة عملية يمكن أن يتغير بها مركزه القانونى بعد الفصل فى الدعوى الدستورية،
عما كان عليه قبلها. ولا يتصور بالتالى أن تكون الدعوى الدستورية أداة يعبر المتداعون
من خلالها عن آرائهم فى الشئون التى تعنيهم بوجه عام، ولا أن تكون نافذة يعرضون منها
ألواناً من الصراع بعيداً عن مصالحهم الشخصية المباشرة، أو شكلاً للحوار حول حقائق
عملية يطرحونها لإثبات أو نفيها، أو طريقاً للدفاع عن مصالح بذواتها لا شأن للنص المطعون
عليه بها. بل تباشر المحكمة الدستورية العليا ولايتها – التى كثيراً ما تؤثر فى حياة
الأفراد وحرماتهم وحرياتهم وأموالهم – بما يكفل فعاليتها. وشرط ذلك إعمالها عن بصر
وبصيرة، فلا تقبل عليها اندفاعاً، ولا تعرض عنها تراخياً. ولا تقتحم بممارستها حدوداً
تقع فى دائرة عمل السلطتين التشريعية والتنفيذية. بل يتعين أن تكون رقابتها ملاذاً
أخيراً ونهائياًَ، وأن تدور وجوداً وعدماً مع تلك الأضرار التى تستقل بعناصرها، ويكون
ممكناً إدراكها، لتكون لها ذاتيتها. ومن ثم يخرج من نطاقها ما يكون من الضرر متوهماً
أو منتحلاً أو مجرداً in abstracto أو يقوم على الافتراض أو التخميين Conjecural.
ولازم ذلك، أن يقوم الدليل جلياً على اتصال الأضرار المدعى وقوعها بالنص المطعون عليه،
وأن يسعى المضرور لدفعها عنه، لا ليؤمن بدعواه الدستورية – وكأصل عام – حقوق الآخرين
ومصالحهم، بل ليكفل إنفاذ تلك الحقوق التى تعود فائدة صونها عليه in Concreto.
والتزاماً بهذا الإطار، جرى قضاء المحكمة الدستورية العليا على أن المصلحة الشخصية
المباشرة شرط لقبول الدعوى الدستورية، وأن مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة
القائمة فى الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم فى المطاعن الدستورية لازما للفصل
فى النزاع الموضوعى.
وحيث إن أحكام المواد 10 و15 و16 من القانون رقم 39 لسنة 1975 بشأن تأهيل المعوقين،
تجمعها وحدة عضوية سواء فى مجال الاتهام الجنائى المنسوب إلى المدعى بصفته رئيس لمجلس
إدارة إحدى شركات القطاع العام، أم على صعيد الحقوق المالية التى طلبها المدعى بالحقوق
المدنية، وبها تتعلق المصلحة الشخصية والمباشرة للمدعى، وعلى ضوئها يتم الفصل فى المسائل
الدستورية التى تثيرها الدعوى الراهنة، والتى يعتبر النزاع الموضوعى مرتبطاً بها. ولا
كذلك حكم المادة 9 من هذا القانون التى يتعلق مجال تطبيقها بمنشآت القطاع الخاص التى تستخدم خمسين عاملاً فأكثر يخضعون لأحكام القانون رقم 137 لسنة 1981 بإصدار قانون العمل.
وحيث إن المدعى ينعى على المواد 10 و15 و16 من القانون رقم 39 لسنة 1975 بشأن تأهيل
المعوقين عدداً من العيوب الموضوعية: أولها مخالفة مبدأ المساواة أمام القانون، قولاً
بأن من يملكون سلطة التعيين فى وحدات الجهاز الإدارى للدولة أو الهيئات العامة أو القطاع
العام، ملزمون – وعلى ما تقضى به المادة العاشرة من هذا القانون – بتخصيص عدد من الوظائف
داخل وحداتهم لا تقل نسبتها عن 5% من مجموع عدد العاملين بها، يتم استنفادها عن طريق
شغلها بالمعوقين إذا كانوا مسجلين بمكاتب القوى العاملة، ومرشحين من قبلها، ولا يعدو
ذلك أن يكون تمييزاً منهياً عنه بنص المادة 40 من الدستور، ذلك أن المشرع آثر المعوقين
بعدد من الوظائف، وحرم غيرهم من التزاحم عليها، ودون أن يستند التمييز بين هاتين الفئتين
إلى أسس موضوعية، ومنحهم بالتالى أولوية فى فرص العمل لا يجوز تقريرها إلا من خلال
النصوص الدستورية ذاتها. وآية ذلك أنه حين آثر الدستور فئة من المواطنين بمثل تلك الميزة
لاعتبارات تتعلق بها، أورد فى شأنها حكماً صريحاً يكون كافلاً لها، وهو ما نحاه فعلاً
فى المادة منه التى تخول المحاربين القدماء والمصابين فى العمليات الحربية وبسببها،
وزوجات الشهداء وأبنائهم، أولوية فى فرص العمل وفقاً للقانون. فإذا ما أهدر المشرع
مبدأ المساواة من خلال المعاملة التفضيلية التى كفلها لبعض المواطنين، بأن قدم بعضهم
– فى مجال فرص العمل – على غيرهم، كان ذلك خروجاً على أحكام الدستور نصاً وروحاً.
ثانيها: أن الحق فى التعاقد، يندرج تحت الحرية الشخصية التى كفلتها المادة 41 من الدستور،
واعتبرتها من الحقوق الطبيعية التى لا يجوز الإخلال بها، أو تقييدها دون حق. بيد أن
المادة العاشرة من القانون رقم 39 لسنة 1975 المشار إليه – وعدواناً من جانبها على
حرية التعاقد – ألزمت المخاطبين بها باستخدام معوقين لا يحتاجونهم ويمثلون عمالة زائدة
تقارنها أعباء مالية ضخمة لا سبيل لدفعها.
ثالثها: أن الأصل فى الاقتصاد القومى – وعملاً بنص المادة 23 من الدستور – هو أن ينظم
وفقاً لخطة تنمية شاملة تكفل زيادة الدخل القومى، وعدالة التوزيع. وفرض استخدام المعوقين
– بقوة القانون – يؤثر واقعاً فى عملية الإنتاج ولا يوفر إنماءً للدخل القومى.
رابعها: أن المشرع بدلاً من أن يقرر للمعوقين معاشاً لعجزهم عن العمل فى الحدود التى يبينها القانون وفقاً لنص المادة 17 من الدستور، ابتداع طريقاً آخر يقوم على استخدام
المعوقين فى وحدات الجهاز الإدارى بالدولة والهيئات العامة والقطاع العام، فحملهم بذلك
ما لا يطيقون، معفيا الدولة – فى الوقت ذاته – من القيام بدورها الاجتماعى فى مجال
تقرير معاشاتهم التى تُعِينهم بها على مواجهة عجزهم.
خامسها: أن العقوبات التى قررها القانون رقم 39 لسنة 1975 آنف البيان، ليس لها من سند
فى الدستور، وهى لذلك تعد افتئاتاً على الحرية الشخصية وتقييداً لها دون حق. كذلك فإن
نص المادة 16 من هذا القانون، مؤداه إيقاع عقوبتين عن فعل واحد، هما الأجر التقديرى للوظيفة التى رشح المعوق لها، ولمدة عام من ناحية؛ وعقوبة الغرامة أو الحبس أو كليهما
من ناحية أخرى. كذلك فإن عقوبة الحبس تعد إكراهاً بدنياً، وكان يكفى إبدالها بالتعويض
لجبر الأضرار الناشئة عن الإخلال بالتزامات من طبيعة مدنية. يؤكد ذلك أن الفعل المؤثم
قانوناً هو الامتناع عن تعيين المعوقين، ويتصل هذا الامتناع بالمجال الذى تعمل فيه
الإرادة على صعيد العقود المدنية. وليس مألوفاً ولا جائزاً دستورياً، أن يكون الجزاء
الجنائى مقابلاً لعدم إبراهما.
وحيث إن البين من التطور التاريخى لأوضاع المعوقين، وقواد معاملتهم، أن كثيراً من الوثائق
الدولية منحتهم الرعاية التى يقتضيها إنماء قدارتهم، وأن جهدوا تبذل باطراد من أجل
تشخيص عوارضهم فى مهدها، وقبل استفحال خطرها، ثم تقييمها للحد من آثارها، وأن آراء
عديدة تدعو الدول على تباين اتجاهاتها، لأن تنقل إلى مجتمعاتها – ومن خلال حملاتها
الإعلامية بوجه خاص awareness – raising ما يبصرها بأن المعوقين مواطنون ينبغى منحهم
من الحقوق ما يكون لازماً لمواجهة ظروفهم الذاتية التى لا يملكون دفعها، لتمهد بذلك
للقبول بالتدابير التى تفرضها، وتُعينهم بها على مواجهة مسئولياتهم. وكان من بين تلك
المواثيق، ذلك الإعلان الصادر فى 9/ 12/ 1975 عن الجمعية العامة للأمم المتحدة برقم
فى شأن حقوق المعوقين Declaration on the rights of disabled persons، متوخياً
أن تعمل الدول – سواء من خلال تدابير فردية، أو عن طريق تضافر جهودها – من أجل إرساء
مقاييس أكثر حزماً للنهوض بأوضاع المعوقين، وتوكيد ضرورة استخدامهم بصورة كاملة، وتحقيق
تقدمهم من الناحيتين الاجتماعية والاقتصادية آخذه فى اعتبارها احتياجاتهم الخاصة، وضرورة
تطوير ملكاتهم لإعدادهم لحياة أفضل، ولحفزهم على الاندماج فى مجتمعاتهم من خلال إسهامهم
فى أكثر مناحى النشاط تنوعاً.
ويؤكد هذا الإعلان، أن الحقوق المنصوص عليها فيه، لا استثناء منها. ولا تمييز فى نطاقها،
يكون مرده إلى العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الآراء على اختلافها،
أو الأصل الوطنى أو الاجتماعى، أو الثروة أو المولد، أو بناء على أى مركز آخر يتعلق
بالمعوق أو بأسرته. ذلك أن المعوقين – ولعوار فى قدراتهم البدنية أو العقلية بسبب قصور
خلقى أو غير خلفى – عاجزون بصفة كلية أو جزئية عن أن يؤمنوا بأنفسهم ما يكون ضرورياً
لحياتهم سواء كأفراد، أو على صعيد مظاهر حياتهم الاجتماعية، أو هما معاً. وكان منطقياً
بالتالى، أن يؤكد هذا الإعلان، أن للمعوقين حقوقا ينبغى ضمانها، بوصفها أساساً مشتركاً
للتدابير الدولية والوطنية، يندرج تحت حق المعوق الأصيل فى صون كرامتهم الإنسانية،
وحمايتهم من ألوان المعاملة المهينة أو التعسفية أو التمييزية، وكذلك من كل استغلال،
ودون إخلال بتمتعهم بالحقوق الأساسية التى يمارسها غيرهم من المواطنين الذين يماثلون
عمراً. وهو ما يعنى – وفى المقام الأول – حقهم فى حياة لائقة تكون طبيعية، وكاملة قدر
الإمكان، وأياً كانت خصائص عوائقهم أو مناحى قصورهم، أو مصدرها، أو درجة خطورتها. ولا
يجوز بحال – وعلى ما نص عليه ذلك الإعلان – حرمان المعوقين من حقوقهم المدنية والسياسية،
ولا من الرعاية الطبية والنفسية والوظيفية، ولا من التدابير التى تتوخى تمكينهم من
الاعتماد ذاتياً على أنفسهم، ولا من الحق فى تعليمهم وتدريبهم وتأهيلهم مهنياً بما
يطور ملكاتهم وقدراتهم، مرتقياً إلى ذراها، كافلاً دمجهم فى مجتمعاتهم. وهم يتمتعون
كذلك بالحق فى الأمن – اقتصادياً واجتماعياً – وفى الحصول على عمل مع ضمان استمراره،
وبالحق فى مزاولة مهن منتجة ومجزية.
وحيث إن الجمعية العامة للأمم المتحدة – فى سعيها لدعم حقوق المعوقين فى فرص يتماثلون
فيها مع غيرهم، وألا يكون نصيبهم منها مجحفاً فى مجال الرعاية الأشمل لظروفهم – ارتأت
أن تعزز الإعلان المتقدم، بالقرار رقم 48/ 96 الصادر فى 20/ 12/ 1993، لتصوغ بمقتضاه
مجموعة من القواعد التى تبين مُسْتَوياتها الفرص المتكافئة التى ينبغى ضمانها للمعوقين
the standard rules on the equalization of opportunities for persons with disabilities
وبوجه خاص، لمواجهة أشكال من العوائق التى كشفتها التجربة العلمية، وكان من شأنها تعميق
قصور المعوقين عن تحمل كامل مسئولياتهم داخل مجتمعاتهم، من بينها جهلهم أو إهمالهم
أو خوفهم، بل وأوهامهم وخرافاتهم. وتفصل هذه القواعد، تلك الفرص التى أتاحتها للمعوقين،
سواء كان عوارهم دائماً أو عرضياً، بديناً أو ذهنياً، أو مرضاً عقلياً، أو ظرفاً طبياً
من العوارض التى تؤثر فى حواسهم.
وكان لازماً بالتالى، أن يمتد هذا التكافؤ فى الفرص إلى ميادين متعددة يندرج تحتها
التعليم والأمن الاجتماعى، والحياة العائلية، وتكامل الشخصية، والعقيدة، والاستخدام.
بل إن القاعدة رقم 7 التى تضمنها هذا القرار، صريحة فى دعوتها الدول إلى أن يكون إيمانها
بضرورة تمكين المعوقين من فرص متكافئة – من أجل الحصول على أعمال منتجة ومربحة فى سوق
العمل سواء فى المناطق الريفية أو الحضرية – واقعاً حياً بما يحول دون عرقلة تشغيلهم،
أو إخضاعهم لأشكال التمييز التى قد يقيمها المشرع ضدهم، ليتم دمجهم إيجابياً فى إطار
الاستخدام المفتوح من خلال التدابير التى تتخذها، وبوجه عام خاص عن طريق تدريبهم مهنياً
vocational training Reseved or designated employment.
ومن خلال تحديد أعمال بذواتها يتولونها، أو احتجازها لهم
وحيث إن القواعد التى تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة على النحو المتقدم، وإن
لم تكن لها قوة الزامية تكفل التقيد بها، إلا أن النزول عليها لا زال التزاماً أدبياً
وسياسياً، وهى فوق هذا، تعبر عن اتجاه عام فيما بين الدول التى ارتضتها، يتمثل فى توافقها
على تطبيقها، باعتبارها طريقاً قويماً لدعم جهودها فى مجال الاستثمار الأعمق لطاقتها
البشرية.
وحيث إن هذا الاتجاه، هو ما تقيدت به النصوص المطعون عليها، إدراكاً منها بأن كل معوق
– وعلى ما جاء بالمذكرة الإيضاحية للقانون رقم 49 لسنة 1982 بتعديل بعض أحكام القانون
رقم 39 لسنة 1975 – ينبغى أن ينال المساعدة والوقاية وفرص التأهيل الملائمة التى يتمكن
معها من الإسهام إلى أقصى حد مستطاع فى ميزات ومسئوليات الحياة الكاملة فى المجتمع
الذى ينتمى إليه، وبما يتمشى وإعادة بناء قطاع هام من الموارد البشرية، يكون نافعاً،
ومستقراً، ومؤدياً لدوره فى مجال التنمية، وكافلاً – من خلال تأهيل المعوقين – ضمان
أكبر قدر من فرص العمل التى تناسبهم.
وحيث وإنه وإن صح القول بأن تقرير أولوية لبعض المواطنين على غيرهم فى مجال العمل،
لا يجوز إلا بناء على نص فى الدستور، إلا أن استخدام المعوقين داخل كل وحدة من وحدات
الجهاز الإدارى للدولة، أو الهيئات العامة، أو القطاع العام – من خلال تخصيص عدد من
وظائفها لا يزيد على 5% من مجموع عدد العاملين بكل وحدة – لا يعتبر تقريراً لأولويتهم
على من عداهم – ذلك أن الأولوية فى مجال العمل – وأياً كانت الأداة القانونية التى أنشأتها – تعنى فى المقام الأول، أن يتقدم أصحابها على غيرهم، مستأثرين من دونهم بالوظائف
الشاغرة، فلا يلج أبوابها أحد ليزاحمهم فيها، أو يتقاسمها معهم، بل ينفردون بها، ويتصدرون
شغلها، ليكون احتكارهم لها واقعاً حياً، معززاً بقوة القانون، ومتضمناً استبعاد غيرهم
من أن يطلبوا لأنفسهم نصيباً منها، ما دام أن من يتقدمونهم قانوناً، ما برحوا غير مستوفين
لاحتياجاتهم الوظيفية بكاملها. ولا كذلك تخصيص حصة للمعوقين مقدارها 5% من مجموع عدد
العاملين بالوحدة الإنتاجية أو الخدمية وفقاً لنص المادة العاشرة من القانون رقم 39
لسنة 1975 بشأن تأهيل المعوقين، ذلك أن المعوقين وفقاً لحكمها، لا يتقدمون على غيرهم
لاستيفاء حصتهم هذه – التى لا يتحدد نطاقها إلا بنسبتها إلى مجموع العاملين فى تلك
الوحدة – وهو ما يعنى أن لهم نصيباً فى مواقع العمل الشاغرة لا يستغرقها، ولا ينحى
من سواهم عنها، بل يطلبونها إلى جانبهم، ومعهم.
وحيث إن تنظيم أوضاع المعاقين – وطنياً كان أم دولياً – توخى دوماً ضمان فرص يتخطون
بها عوائقهم، ويتغلبون من خلالها على مصاعبهم، ليكون إسهامهم فى الحياة العامة ممكناً
وفعالاً ومنتجاً. ذلك أن نواحى القصور التى تَعْرض لهم، مردها، إلى عاهاتهم، ومن شأنها
أن تقيد من حركتهم، وأن تنال بقدر أو بآخر من ملكاتهم، فلا يكونون "واقعاً" متكافئين
مع الأسوياء حتى بعد تأهيلهم مهنياً، لتبدو مشكلاتهم غائرة الأبعاد، لا تلائمها الحلول
المبتسرة، بل تكون مجابهتها، نفاذاً إلى أعماقها، وتقريراً لتدابير تكفل استقلالهم
بشئونهم، وانصرافاً إلى مناهج علمية وعملية تتصل حلقاتها، وتتضافر مكوناتها، متخذة
وجهة بذاتها، هى ضمان أن يكون المعوقون أكثر فائدة، وأصلب عوداً، وأوثق اتصالاً بأمتهم.
وكان لازماً وقد تعذر على المعوقين "عملاً" أن تتكافأ فرص استخدامهم مع غيرهم، أن يكون
هذا التكافؤ مكفولاً "قانوناً" على ضوء احتياجاتهم الفعلية، وبوجه خاص فى مجال مزاولتهم
لأعمال بعينها، أو الاستقرار فيها، مع موازنة متطلباتها بعوارضهم التى أعجزتهم منذ
ميلادهم، أو بما يكون قد طرأ من أسبابها بعدئذ، وآل إلى نقض قدراتهم عضوياً أو عقلياًَ،
أو حسياً، لتتضاءل فرص اعتمادهم على أنفسهم.
ومن ثم حرص المشرع على تأهيل المعوقين بتدريبهم على المهن والأعمال المختلفة ليقربهم
من بيئتهم، وليمكنهم من النفاذ إلى حقهم فى العمل، لا يعتمدون فى ذلك على نوازع الخير
عند الآخرين، ولا على تسامحهم، بل من خلال حمل هؤلاء على أن تكون الفرص التى يقدمونها
للمعوقين مناسبة لاحتياجاتهم، مستجيبة لواقعهم، وأن يكون هدفها مواجهة آثار عجزهم،
ومباشرة مسئولياتهم كأعضاء فى مجتمعاتهم، تمنحهم عونها، وتُقِيلهم من عثراتهم. وليس
ذلك تمييزاً جائزاً منهياً عنه دستورياً، ذلك أن النصوص المطعون عليها لا تفاضل بين
المعوقين وغيرهم لتجعلهم أشد بأساً، أو أفضل موقعاً من سواهم، ولكنها تخولهم تلك الحقوق
التى يقوم الدليل جليا على عمق اتصالها بمتطلباتهم الخاصة، وارتباطها بأوضاعهم الاستثنائية،
لتعيد إليها توازناً اختل من خلال عوارضهم. وتلك هى العدالة الاجتماعية التى حرص الدستور
على صونها لكل مواطن توكيداً لجدارته بالحياة اللائقة، وانطلاقاً من أن مكانة الوطن
وقوته وهيبته، ينافيها، الإخلال بقدر الفرد ودوره فى تشكيل بنيانه. يدعم ما تقدم أن
الأصل فى كل تنظيم تشريعى أن يكون منطوياً على تقسيم Classification أو تمييز من خلال
الأعباء التى يلقيها على البعض أو المزايا التى يمنحها لفئة دون غيرها Legislators
may select different persons or groups for different treatement,since classification
'is inherent in legislation" ويتعين دوماً لضمان اتفاق هذا التنظيم مع الدستور، أن
تتوافر علاقة منطقية rational relationship بين الأغراض المشروعة التى اعتنقها المشرع
فى موضوع محدد وفاء بمصلحة عامة لها اعتبارها، والوسائل التى اتخذها طريقاًَ لبلوغها،
فلا تنفصل النصوص القانونية التى نظم بها هذا الموضوع، عن أهدافها، بل يجب أن تعد مدخلاً
إليها appropriate means to the attainmemt of justifiable ends بما مؤداه أن المزايا
التى منحها المشرع للمعوقين من خلال النصوص المطعون عليها لا يمكن فصلها عن أوضاعهم،
ولا عن الأغراض التى توخاها من خلال فرص العمل التى مكنهم منها.
ودليل ذلك بوجه خاص أمران:
أولهما: أن الاتفاقية رقم فى شأن التمييز فى مجال الاستخدام ومباشرة المهن Convention
(No.111) concerning disceiminationin respect of employment and accupation – والتى اعتمدها المؤتمر العام لمنظمة العمل الدولية فى 25 يونيو 1960 إبان دورته الثانية والأربعين،
والنافذة أحكامها اعتباراً من 15 يونيو 1960 – تقرر فى مادتها الأولى أصلاً عاماً مؤداه
أن التمييز المحظور بموجبها يمثل انتهاكاً للحقوق التى نص عليها الإعلان العالمى لحقوق
الإنسان. وشرط ذلك أن يكون متضمناً تفرقة distinction أو استبعاد exclusion أو تفصيلاً
preference يقوم على أساس من الجنس أو اللون أو العنصر أو العقيدة أو الرأى السياسى أو الأصل الوطنى national extraction أو المنشأ الاجتماعى، إذا كان من شأن هذا التمييز
– سواء حق الأشخاص فى النفاذ إلى الاستخدام وامتهان الأعمال، أو الشروط التى تنظمها،
أو تدريبهم مهنياً – إبطال تكافؤ الفرص أو المعاملة المتساوية، أو تعويق أيهما فى مجال
العمل.
ولئن كان الأصل فى أشكال التمييز التى حظرتها تلك الاتفاقية، هو إهدارها، إلا أن الاتفاقية
ذاتها تنص فى الفقرة الثانية من المادة – بتصريح لفظها – على أن التدابير الخاصة
التى تتخذها إحدى الدول الأعضاء – بعد التشاور مع المنظمات الممثلة للعمال ومستخدميهم،
إن وجدت – لا تعتبر تمييزاً، إذا كان هدفها إيلاء الاعتبار لأشخاص تبلور خصائص متطلباتهم
الناشئة عن بعض العوارض التى تتصل بهم – كتلك التى تتعلق بجنسهم أو سنهم أو "عجزهم"
أو مسئولياتهم العائلية أو مركزهم الاجتماعى أو الاقتصادى – اعترافا عاما بحاجتهم إلى
حماية أو مساعدة من نوع خاص.
Any Member may, after consultion with representative employers and workers organisations,
where sush exist, determine that other special measures designed to meet the particular
requirements of persons who for reasons such as sex, age, disablement, family responsibilities
or social or cultural status, are generally recognised to require special protection
or assistance, shall not be deemed to be discrimination.
ثانيهما، إن ما نص عليه الدستور فى المادة 7 من قيام المجتمع على أساس من التضامن الاجتماعى،
يعنى وحدة الجماعة فى بنيانها، وتداخل مصالحها لا تصادمها، وإمكان التوفيق بينها ومزاوجتها
ببعض عند تزاحمها، اتصال أفرادها وترابطهم ليكون بعضهم لبعض ظهيراً، فلا يتفرقون بدداً
أو يتناحرون طمعاً، أو يتنابذون بغياً، وهم بذلك شركاء فى مسئوليتهم قبلها، لا يملكون
التنصل منها أو التخلى عنها، ليس لفريق منهم بالتالى أن يتقدم على غيره انتهازاً، ولا
أن ينال من الحقوق قدرا منها يكون بها – عدواناً – أكثر علواً. بل يتعين أن تتضافر
جهودهم لتكون لهم الفرص ذاتها، التى تقيم لمجتمعاتهم بنيانها الحق، ولا تخل – فى الوقت
ذاته – بتلك الحماية التى ينبغى أن يلوذ بها ضعفاؤهم، ليجدوا فى كنفها الأمن والاستقرار.
وحيث إن ذلك مؤداه أن تدابير اقتصادية واجتماعية وتشريعية يتعين ضمانها فى شأن المعوقين،
تأخذ واقعهم فى اعتبارها، ولا تنحى مشكلاتهم عن دائرة اهتمامها، بل توليها ما تستحق
من الرعاية، لتقدم لهم عوناً يلتئم وأوضاعهم. وليس ذلك تمييزاً منهياً عنه دستورياً
بل هو نزول على حكم الضرورة، وبقدرها فلا يغمطون حقاً.
وحيث إن المدعى نعى على النصوص المطعون عليها إخلالها بحرية التعاقد التى يندرج مفهومها
تحت الحرية الشخصية التى كفلها الدستور بنص المادة 41، واعتبرها من الحقوق الطبيعية
الكامنة فى النفس البشرية، وإن جوهر هذا الإخلال يتمثل فى إلزامها إياه باستخدام معوقين
لا يحتاجهم، ويمثلون عمالة زائدة، تقارنها أعباء مالية ضخمة عليه أن يتحملها.
وحيث هذا النعى مردود بأن حرية التعاقد – وأياً كان الأصل الذى تتفرع عنه أو تُرد إليه
– لا تعنى على الإطلاق أن يكون لسلطان الإرادة دور كامل ونهائى فى تكوين العقود، وتحديد
الآثار التى ترتبها. ذلك أن الإرادة لا سلطان لها فى دائرة القانون العام. وقد يورد
المشرع فى شأن العقود – حتى ما يكون واقعاً منها فى نطاق القانون الخاص – قيوداً يرعى
على ضوئها حدوداً للنظام العام لا يجوز اقتحامها. وقد يخضعها لقواعد الشهر أو لشكلية
ينص عليها. وقد يعيد إلى بعض العقود، توازناً اقتصادياً اختل فيما بين أطرافها. وهو
ما يتدخل إيجابياً فى عقود بذواتها محوراً من التزاماتها انتصافاً لمن دخلوا فيها من
الضعفاء، مثلما هو الأمر فى عقود الإذعان والعمل. ولا زال يقلص من دور الإرادة فى عقود
تقرير تنظيماً جماعياً ثابتاً Contracts collectifs كتلك التى تتضمن تنظيماً نقابياً،
بما مؤداه أن للمشرع أن يرسم للإرادة حدوداً لا يجوز أن يتخطاها سلطانها، ليظل دورها
واقعاً فى إطار دائرة منطقية، تتوازن الإرادة فى نطاقها، بداعى العدل وحقائق الصالح
العام. ومن ثم لا تكون حرية التعاقد – محددة على ضوء هذا المفهوم – حقاً مطلقاً بل
موصوفاً. فليس إطلاق هذه الحرية وإعفاؤها من كل قيد، بجائز قانوناً، وإلا آل أمرها
سراباً أو انفلاتاً.
Freedom of Contract is a qualified and not an absolute right. There is no absolute
freedom to do as one wills, or to contract as one choose.
وحيث إن مؤدى ما تقدم مؤداه، أن ضمان الحرية لا يعنى غل يد المشرع عن التدخل لتنظيمها،
ذلك أن الحرية تفيد بالضرورة مباشرتها دون قيود جائزة arbitrary restraints وليس إسباغ
حصانة عليها تعفيها من تلك القيود التى تقتضيها مصالح الجماعة، وتسوغها ضوابط حركتها.
متى كان ذلك، وكانت القيود التى فرضتها النصوص المطعون عليها على من يملكون سلطة التعيين
فى القطاع العام، غايتها ضمان فرص حقيقية للمعوقين، تكفل إنصافهم فى مجال العمل، فإن
النعى عليها إخلالها بحرية التعاقد، ومخالفتها بالتالى لنص المادة من الدستور،
يكون على غير أساس.
وحيث إن ما قرره المدعى، من أن تدخل المشرع لفرض استخدام المعوقين، يؤثر من الناحية
العلمية فى التنمية الاقتصادية، ولا تحقق بالتالى الزيادة التى تطلبتها المادة 23 من
الدستور من الدخل القومى، وجعلتها قرين التنمية الشاملة وسبيلها، مردود بأن التنمية
الاقتصادية لا يتصور أن تتم إلا من خلال أدواتها، ومن بينها عناصر القوة البشرية التى لا يجوز عزلها أو تحييدها، ذلك أن التنمية الشاملة لا تقوم إلا بها، ولا يمكن أن تصل
إلى غايتها بعيداً عنها، والمعوقون يندرجون تحتها، فمن خلال تدريبهم مهنياً، وإعانتهم
على مواجهة صعابهم، يتحولون إلى قوة فاعلة لها وزنها، ولا يجوز تنحيتها، وإلا كان ذلك
تعطيلاً لها، وتبديداً لطاقاتها وانصرافاً عن استثمار ملكاتها، وهو ما تؤيده التدابير
التى تتخذها الدول فى شأن المعوقين، ذلك أن غايتها النهائية، ضمان الانتفاع الأفضل
والأعمق بمواردها، فلا يكون هؤلاء عبئاً عليها، وبؤرة تثير اضطراباً داخل مجتمعاتها،
وتخل بما ينبغى أن يتوافر فيها من عناصر التوازن، بين من يملكون فرص العمل، ومن يسعون
للنفاذ إليها حقاً وعدلاً.
وحيث إن ما نحا إليه المدعى من أن النصوص المطعون عليها تستعيض عن إنفاذ حق المعوقين
فى معاش يكفيهم لمواجهة عجزهم، بضمان فرص يعملون من خلالها، فحملتهم بذلك ما لا يطيقون،
وأخلت فى الوقت ذاته بنص المادة 17 من الدستور التى تكفل لهؤلاء – ومن أجل ظروفهم –
معاشاً مناسباً فى الحدود التى يبنها القانون؛ مردود، بأن الذين يجحدون حق المعوقين
فى العمل، إنما يبغونها عوجا، ذلك أن العمل ليس منحه من الدولة تقبضها أو تبسطها وفق
إرادتها ليتحدد على ضوئها من يتمتعون بها أو يُمنعون منها، بل قرره الدستور باعتباره
شرفاً لمن يلتمس الطريق إليه من المواطنين، وواجباً عليهم أداؤه، وحقاً لا يهدر، ومدخلاً
إلى حياة لائقة قوامها الاطمئنان إلى غد أفضل، وطريقاً لبناء الشخصية الإنسانية من
خلال تكامل عناصرها، وإسهاماً حيوياً فى تقدم الجماعة وإشباع احتياجاتها، وإعلاءً لذاتية
الفرد، وتقديراً لدوره فى مجال النهوض بمسئوليته، وصوناً للتقاليد والقيم الخلقية الأصلية،
التى ينافيها أن يظل المعوقون مؤاخذين بعاهاتهم لا يملكون دفعها أو تقويمها تصويباً
لأوضاعهم. وهو ما ذهب إليه المدعى بتقريره أن منحهم معاشاً مناسباً، ينبغى أن يكون
بديلاً عن فرصهم فى العمل، بما يعينه ذلك من إبطال حقهم فى حياة ملائمة تكون كرامتهم
قاعدتها، واعتمادهم على أنفسهم مدخلها.
ومن حيث إن قضاء المحكمة الدستورية العليا، مطرد على أن خضوع الدولة للقانون محدد على
ضوء مفهوم ديمقراطى، مؤداه ألا تخل تشريعاتها بالحقوق التى يعتبر التسليم بها فى الدولة
الديمقراطية مفترضاً أولياً لقيام الدولة القانونية، وضمانة أساسية لصون حقوق الإنسان
وكرامته وشخصيته المتكاملة. ويندرج تحتها طائفة من الحقوق تعد بالنظر إلى مكوناتها،
وثيقة الصلة بالحرية الشخصية التى كفلها الدستور فى مادته الحادية والأربعين، ومنحها
الرعاية الأوفى والأشمل توكيداً لقيمتها، من بينها أن عقوبة الجريمة لا يتحملها إلا
من أدين كمسئول عنها، وهى بعد عقوبة يجب أن تتوازن "وطأتها" مع "خصائص ووزن الجريمة
موضوعها"، فلا يؤخذ بجريرة الجريمة إلا جناتها، ولا ينال عقابها إلا من قارفها، بما
مؤداه أن الشخص لا يزر غير سوء عمله، وأن "شخصية العقوبة" "وتناسبها مع الجريمة محلها"
the principle of proportionality" مرتبطتان بمن يعد قانوناً "مسئولاً عن ارتكابها"
وبوجه خاص لا يجوز أن تكون العقوبة التى تفرضها الدولة بتشريعاتها مهينة فى ذاتها،
أو كاشفة عن قسوتها، أو منطوية على تقييد الحرية الشخصية بغير انتهاج الوسائل القانونية
السليمة، أو متضمنة معاقبة الشخص أكثر من مرة عن فعل واحد Double jeopardy.
ومرد هذه القاعدة الأخيرة – التى كفلتها النظم القانون جميعها، وصاغتها المواثيق الدولية
باعتبارها مبدأ مستقراً بين الدول a universal maxim، أن الجريمة الواحدة لا تزر وزرين،
وأنه وإن كان الأصل أن يُفرد المشرع لكل جريمة العقوبة التى تناسبها، إلا أن توقيعها
على مرتكبها، واستيفاءها، يعنى أن القصاص قد اكتمل باقتضائها، وليس لأحد بعدئذ على
فاعلها من سبيل. ولا يجوز من ثم، أن يتعرض الشخص لخطر ملاحقته باتهام جنائى أكثر من
مرة عن الجريمة عينها، ولا أن تعيد الدولة بكل سلطانها ومواردها، محاولتها إدانته عن
جريمة تدعى ارتكابه لها، لأنها إذ تفعل، فإنما تبقيه قلقاً مضطرباً، مهدداً بنزواتها،
تمد إليه بأسها حين تريد، ليغدو محاطاً بألوان من المعاناة لا قبل له بها، مبدداً لموارده
المالية فى غير مقتض، متعثر الخطى، بل إن إدانته – ولو كان بريئاً – تظل أكثر احتمالاً،
كلما كان الاتهام الجنائى متتابعاً عن الجريمة ذاتها.
وحيث إن المدعى ينعى على المادة 16 من القانون رقم 39 لسنة 1975 بشأن تأهيل المعوقين،
تقريرها لعقوبتين عن فعل واحد؛ إحداهما هى العقوبة المنصوص عليها فى فقرتها الأولى
التى تقضى بمعاقبة من يخالفون أحكام المادة 10 من هذا القانون بغرامة لا تجاوز مائة
جنيه والحبس مدة لا تجاوز شهراً أو بإحدى هاتين العقوبتين؛ وأخراهما تلك المنصوص عليها
بفقرتها الثانية التى تجيز الحكم بإلزام من يملكون سلطة التعيين فى أجهزة الدولة أو
القطاع العام بأن يدفعوا لكل من المعوقين المؤهلين الذين رشحوا لهم، وامتنعوا عن استخدامهم،
مبلغاً يعادل الأجر، أو المرتب المقرر، أو الأجر التقديرى للعمل، أو الوظيفة التى رشحوا
لها.
وحيث إن هذا النعى مردود بأن المبالغ التى يلتزم المخالفون لأحكام المادة 10 من هذا
القانون، بدفعها إلى المعوقين المؤهلين عملاً بحكم الفقرة الثانية من المادة 16 منه،
هى فى حقيقتها نوع من التعويض يؤديه هؤلاء إلى من حرموهم من فرص العمل التى مكنهم المشرع
منها، وعلى أساس افتراض قيامهم بالعمل فى الجهة الإدارية أو الوحدة الاقتصادية من تاريخ
منعهم من مباشرته ولمدة لا تجاوز عاماً. ومن ثم يكون هذا التعويض مبلغاً مالياً محدداً
بنص فى القانون، وناشئاً عن جريمة ارتكبها من يملكون حق تعيينهم فى الجهة الإدارية
أو الوحدة الاقتصادية. وهو باعتباره جزاءً مدنياً لا يصادم جزاءً جنائياً ولا يعد اجتماعهما
معاً، تقريراً لأكثر من عقوبة عن فعل واحد.
وحيث إن ما ذهب إليه المدعى من أن العقوبة التى قررها النص المطعون عليه، ليس لها من
سند فى الدستور، وأنها لذلك تمثل افتئاتاً على الحرية الشخصية وتُقيّدها دون حق، مردود
بأن القانون الجنائى وإن اتفق مع غيره من القوانين فى سعيها لتنظيم سلوك الأفراد سواء
فى علاقاتهم مع بعضهم البعض، أو من خلال روابطهم مع مجتمعهم، إلا أن القانون الجنائى يفارقها فى اتخاذه العقوبة أداة التقويم ما يصدر عنهم من أفعال على خلاف نواهيه، وهو
بذلك يتغيا أن يحدد – ومن منظور اجتماعى – ما لا يجوز التسامح فيه من مظاهر سلوكهم،
وأن يسيطر عليها بوسائل يكون قبولها اجتماعياً ممكناً بما مؤداه أن الجزاء على أفعالهم
لا يكون مبرراً إلا إذا كان مفيدا من وجهة اجتماعية، فإن كان مجاوزاً تلك الحدود التى لا يكون معها ضرورياً، غدا مخالفاً للدستور.
وحيث إنه إذ كان ذلك، وكان الجزاء الجنائى عقاباً واقعاً بالضرورة فى إطار اجتماعى،
ومنطوياً غالباً من خلال قوة الردع على تقييد للحرية الشخصية، ومقرراً لغرض محدد، ومستنداً
إلى قيم ومصالح اجتماعية تبرره، كتلك التى تتعلق بصون النظام الاجتماعى، وضمان تكامل
بعض الملامح الجوهرية للعدالة الجنائية وبوجه خاص فى مجال اتصالها بحقوق الأفراد وقيمهم
سواء لتأمينها أو لصونها، ليرد المشرع عنها – ومن خلال الجزاء الجنائى – تلك الأضرار
الجسيمة التى تخل بها أو تمسها؛ وكان ما توخاه القانون رقم 39 لسنة 1975 بشأن تأهيل
المعوقين، هو ألا يكون هؤلاء أقل شأنهاً من غيرهم فى مجتمعاتهم، وأن تتكافأ فرصهم معهم
فى مجال النهوض بمسئوليتهم قبلها، فلا ينعزلون عنها، أو يقفون منها موقفاً سلبياً؛
وكان المشرع فى نطاق سلطته التقديرية، وبما لا مخالفة فيه للدستور، بعد أن قدر أن استخدام
المعوقين المؤهلين – فى الحدود التى بينها – يعكس مصالح اجتماعية لها وزنها، تدخل بصور
من الجزاء الجنائى لحمل من يملكون فرص العمل على تذليلها لهؤلاء، وإلا حق عقابهم؛ فإن
ما نعاه المدعى من أن هذا الجزاء تقرر لغير ضرورة، ودون سند من الدستور، يكون منتحلاً.
وحيث إن القول بأن المشرع ما كان ينبغى أن ينزلق إلى تقرير عقوبة الحبس – وهى تعد إكراهاً
بدنياً – فى غير مجالاتها، وبوجه خاص على صعيد العقود المدنية التى لا يجوز أن يكون
الامتناع عن إبرامها، مستوجبا جزاء جنائيا، مردود بأن العقوبة المقيدة للحرية الشخصية
التى تضمنها النص المطعون عليه، غايتها ضمان دمج المعوقين المؤهلين فى مجتمعاتهم من
خلال فرص العمل التى أتاحها لجموعهم، ليظلوا قوة فاعلة فيها، فلا تزل أقدامهم، وتلك
هى المصلحة الاجتماعية – وليس مجرد الإخلال بالتزام مدنى – التى تحدد هذا الجزاء على
ضوئها، ليكون كافلاً لحمايتها.
فلهذه الأسباب:
حكمت المحكمة برفض الدعوى وبمصادرة الكفالة وألزمت المدعى المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.
