الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 991 لسنة 11 ق – جلسة 13 /06 /1970 

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الخامسة عشرة – العدد الثاني (من منتصف فبراير سنة 1970 إلى آخر سبتمبر سنة 1970) – صـ 414


جلسة 13 من يونيه سنة 1970

برئاسة السيد الأستاذ المستشار محمد شلبي يوسف رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة الأساتذة يوسف إبراهيم الشناوي ومحمد عبد العزيز يوسف وعلي لبيب حسن وأبو بكر محمد عطية المستشارين.

القضية رقم 991 لسنة 11 القضائية

موظف "تأديب". المحافظ. "سلطاته التأديبية". قرار إداري "شكله". أن للمحافظ بالنسبة إلى موظفي المحافظة سلطة توقيع الجزاء والتعقيب، بالتعديل أو الإلغاء، على القرارات التأديبية الصادرة في شأنهم من رؤساء المصالح. لا يشترط في قرار التعقيب شكل معين فقد يكون صريحاً وقد يكون ضمنياً – مثال.
أن المشرع خول المحافظ بالنسبة إلى موظفي المحافظة، سلطة توقيع عقوبتي الإنذار والخصم من المرتب ابتداء، كما خوله سلطة التعقيب على القرارات التأديبية الصادرة في شأنهم من رؤساء المصالح، سواء بإلغاء تلك القرارات أو تعديل العقوبة بتشديدها أو تخفيفها أو إلغاء القرار وإحالة الموظف إلى المحكمة التأديبية، على أن يتم ذلك خلال شهر من تاريخ صدور القرار التأديبي، وإلا أعتبر نهائياً، وإذ لم يشترط القانون شكلاً معيناً في القرار الذي يصدره المحافظ بالتعقيب على القرارات التأديبية الصادرة من رؤساء المصالح، فإنه ينبني على ذلك أنه كما يجوز أن يكون ذلك القرار صريحاً، فقد يكون ضمنياً إذا كان القرار يحمل في طياته الدليل القاطع الواضح على قصد المحافظ من إصداره، كما لو رأى المحافظ أن التحقيقات التي سبقت القرار التأديبي غير كافية وشابها نقص أو انطوت على إخلال بحق الدفاع أو لغير ذلك من الأسباب مما لا يمكنه من إصدار قرار في الموضوع بحالته، فرأى إعادة التحقيق، ففي مثل هذه الحالة يكون المحافظ قد قصد في حقيقة الأمر إلغاء القرار التأديبي المعروض عليه، وأساس ذلك أن إعادة تحقيق الموضوع برمته قد تؤدي إلى إثبات التهمة أو نفيها كلها أو بعضها بما يؤثر بذاته على مشروعية الجزاءات التي سبق توقيعها قبل إجراء هذا التحقيق الشامل. وغني عن البيان أن هذا لا يمنع الرئيس الإداري، بعد استيفاء التحقيقات على النحو الذي أشار به المحافظ، من أن يباشر سلطاته التأديبية مرة أخرى، كما لا يمنع المحافظ من مباشرة سلطاته في التعقيب على قرار الرئيس الإداري أو في توقيع الجزاء ابتداء طبقاً للأوضاع التي حددها القانون.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر المنازعة تتحصل، حسبما يبين من أوراق الطعن، في أن المدعي أقام الدعوى رقم 177 لسنة 18 القضائية ضد وزارة الشئون الاجتماعية ومحافظة القليوبية، بعريضة أودعها سكرتيرية محكمة القضاء الإداري في أول ديسمبر سنة 1963 طالباً الحكم بإلغاء القرار الصادر من مدير مديرية الشئون الاجتماعية بمحافظة القليوبية في 19 من مارس سنة 1963 برقم 31 لسنة 1963 بمجازاته بخصم خمسة أيام من راتبه، وقال شرحاً لدعواه أن التهم التي أسندت إليه غير صحيحة ولا دليل عليها، فقد قام قرار الجزاء على أساس أنه مسئول عن عدم وجود سجلات جمعية المركز الاجتماعي بمقر الجمعية، مع أن رئيس الجمعية هو الذي أرسلها إلى المحاسب الذي يراجع حسابات الجمعية، كما نسب إليه أنه عطل لجنة الجرد عن القيام بعملها مع أن التحقيقات أثبتت أن ساعي الوحدة كان في أجازة مرضية وكانت مفاتيح المخزن والمكتبة معه، وقد انتهت الإدارة القانونية بالمحافظة إلى أنه غير مسئول عن المخالفات التي أسندت إليه، وهذا يدل في ذاته على أن قرار الجزاء فاقد لركن السبب.
ردت إدارة قضايا الحكومة على الدعوى بأنه بتاريخ 5 من نوفمبر سنة 1962 وبناء على تحقيق إداري باشرته منطقة الشئون الاجتماعية بمحافظة القليوبية، صدرت القرارات رقم 113، 114، 115 من مدير مديرية الشئون الاجتماعية، ويقضي أولها بخصم ثلاثة أيام من راتب المدعي لأنه بتاريخ 14 من أكتوبر سنة 1962 بصفته رئيس وحدة منشأة الكرام الاجتماعية، لم يحتفظ بالسجلات الخاصة بجمعية المركز بمقر الجمعية بالمخالفة للقانون رقم 384 لسنة 1956، ولأنه بتاريخ 8 من سبتمبر سنة 1962 ترك مقر عمله في الساعة الثانية عشر ظهراً رغم وجود لجنة مشكلة من أخصائيين ومشرفي المنطقة للجرد والتفتيش، ورغم عدم إنجاز اللجنة أعمالها، كما يقضي القرار الثاني رقم 114 لسنة 1962 بمجازاة المدعي بخصم يوم من راتبه لامتناعه عن استلام عهدة القسم الاجتماعي والمكتبة بالمخالفة للأوامر الإدارية الصادرة في هذا الخصوص مما ترتب عليه تعطيل أعمال لجنة الجرد المشار إليها، أما القرار الثالث رقم 115 لسنة 1962 فقد اعتبر يوم 13 من أكتوبر سنة 1962 غياباً بدون إذن "وقد رفعت القرارات الثلاثة المشار إليها إلى محافظ القليوبية لاعتمادها فأشر بتاريخ 18 من نوفمبر سنة 1962 بإعادة التحقيق بمعرفة إدارة الشئون القانونية بالمحافظة، وقد انتهت هذه الإدارة إلي مساءلة المدعي عن تغيبه يوم 13 من أكتوبر سنة 1962 بدون إذن وتوقيعه رغم ذلك على دفتر الحضور والانصراف، كما انتهت إلى عدم مساءلته عن المخالفات موضوع القرارين رقمي 113، 114 غير أن المحافظ أخذ بوجهه نظر المنطقة التي أبدتها بمذكرة برأيها في التحقيق الذي أجرته إدارة الشئون القانونية، وأشار بتاريخ 14 من مارس سنة 1963 بخصم خمسة أيام من راتب المدعي على اعتبار غيابه عن العمل في يوم 13 من أكتوبر سنة 1963 غياباً بدون إذن، وقالت إدارة قضايا الحكومة أن التأشيرة الصادرة من المحافظ بتاريخ 18 من نوفمبر سنة 1962 ومضمونها أنه غير مقتنع بنتيجة التحقيق الأول الذي أجرته المديرية، والأمر بالتحقيق بمعرفة المحافظة، يفيد أن المحافظ قصد إلى استيفاء الموضوع حتى يتمكن من ممارسة حقه في التعقيب على القرارات المعروضة عليه، ويؤدي ذلك إلى توقف سريان ميعاد الشهر المنصوص عليه في الفقرة الثالثة من المادة 85 من قانون نظام موظفي الدولة رقم 210 لسنة 1951 حتى يتم استيفاء الأوراق، فإذا كان المحافظ قد أصدر بتاريخ 14 من مارس سنة 1963 وبعد استيفاء الأوراق وعرضها عليه، قراراً بمجازاة المدعي فإن هذا القرار يكون قد صدر في خلال المدة المقررة للتعقيب على القرارات الصادرة من مديرية الشئون الاجتماعية، وإذا كان قد انتهى إلي تشديد العقوبة فإن ذلك كان بمراعاة ثبوت التهمة الأخيرة في حقه، والتي لم يتقرر عنها جزاء في القرارات المعروضة عليه، ويضاف إلى ذلك أنه يمكن إثارة وجهة نظر أخرى مؤداها أن تأشيرة المحافظ الأولى وقد تضمنت عدم اقتناعه بالتحقيق الأول وإحالة الأمر إلى التحقيق بمعرفة المحافظة فإنه يكون قد أصدر قراراً ضمنياً بإلغاء القرارات المرفوعة إليه للاعتماد في خلال ميعاد الشهر، وأن تأشيرته الأخيرة بتاريخ 14 من مارس سنة 1961 هي قرار جزاء وقعه المحافظ بما له من سلطة خوله إياها القانون في توقيع الجزاء ابتداء طبقاً للفقرة الأولى من المادة 85 من قانون نظام موظفي الدولة.
وأما بالنسبة إلى موضوع التهم فإن دفاع المدعي في شأنها على غير أساس، ذلك لأنه بالنسبة إلى عدم وجود السجلات في الجمعية في يوم 14 من أكتوبر سنة 1962، فإن القانون يقضي بحفظ السجلات بمقر الجمعية، ولما كان المدعي هو رئيس الوحدة ويعتبر المشرف الأول على أعمال الجمعية فإنه يلتزم بتنفيذ أحكام القانون، ولا يعفيه من هذه المخالفة مجرد القول بأن السجلات عهدة رئيس مجلس إدارة الجمعية، لأنه هو نفسه المشرف على أعمال مجلس الجمعية، وأما دفاعه بالنسبة إلى التهمة الثانية الخاصة بمغادرة محل عمله قبل انتهاء التفتيش، فلا يشفع له حلول موعد الانصراف ليترك اللجنة وحدها، لأن وجوده معها أساسي بحكم الضرورة واللزوم، ولأن أعمالها غير مقيدة بمواعيد العمل الرسمية، متى استدعى الأمر ذلك، وأما بالنسبة إلى التهمة الثالثة فقد أثبت التحقيق عدم صحة دفاع المدعي، إذ لم يقم الفراش بأجازة مرضية إلا بعد أن تراخى المدعي في استلام العهدة، فضلاً عن أن تركه المفاتيح مع الساعي وعدم اتخاذه اللازم عند تغيبه، هما أمران يعتبر المدعي مسئولاً عنهما، ولا يمكن وصف تصرفه بخصوصهما إلا بالإهمال والتقصير، وأما بالنسبة إلى غيابة في يوم 13 من أكتوبر سنة 1962 وتوقيعه رغم ذلك على دفتر الحضور والانصراف، فإن التحقيق الثاني أسندها إليه ولم يدفعها المدعي بأي دفاع. وانتهت إدارة قضايا الحكومة إلى طلب الحكم برفض الدعوى مع إلزام المدعي بالمصروفات.
ومن حيث إنه بتاريخ 2 من يونيه سنة 1965 حكمت محكمة القضاء الإداري بإلغاء القرار المطعون فيه، وأقامت قضاءها على أن المادة 87 من قانون الإدارة المحلية تنص على أن تكون للمحافظ الاختصاصات المخولة في قوانين موظفي الدولة للوزراء ووكلاء الوزارات، وأنه طبقاً لنص المادة 85 من قانون نظام موظفي الدولة رقم 210 لسنة 1951 خول الوزير في شأن الموظفين سلطتين أولهما سلطة توقيع عقوبتي الإنذار والخصم من المرتب ابتداء لمدة لا تجاوز 45 يوم في السنة الواحدة بحيث لا تزيد العقوبة الواحدة عن 15 يوم، والثانية سلطة التعقيب على القرارات التأديبية الصادرة من وكيل الوزارة أو الوكيل المساعد أو رئيس المصلحة، بإلغاء قرار الجزاء أو تعديل العقوبة بتشديدها أو خفضها أو بإحالة الموظف إلى مجلس التأديب، ويكون هذا التعديل في خلال شهر فإذا استعمل الوزير أو المحافظ حقه في خلال الميعاد المنصوص عليه في القانون فإنه يكون قد استنفذ سلطته وامتنع عليه إعادة النظر في القرار التأديبي، كما يمتنع عليه التعقيب بانقضاء تلك المدة. وقالت المحكمة أنه يبين من الاطلاع على القرارات الثلاث أرقام 113، 114، 115 سنة 1962 الصادرة في 5 من نوفمبر سنة 1962 والقرار المطعون فيه الصادر من محافظ القليوبية في 14 من مارس سنة 1963 بما له من سلطة التعقيب على القرارات الصادرة من رؤساء المناطق، أن المحافظ أصدر القرار المطعون فيه بعد أن أصبحت تلك القرارات الثلاثة نهائية بانقضاء المدة المحددة في القانون دون أن يعقب عليها بإلغاء أو بالتعديل، فيكون قراره مخالفاً للقانون، ولا حجة فيما ذهبت إليه إدارة قضايا الحكومة في دفاعها من أن القرار المطعون فيه صدر من المحافظ بما له من سلطة في توقيع الجزاء ابتداء طبقاً للفقرة الأولى من المادة 85 من قانون التوظف، ذلك لأنه ثبت للمحكمة أن القرار المطعون فيه صدر من المحافظ بما له من سلطة التعقيب على قرارات رؤساء المناطق، وكذلك لا حجة فيما قالت به من أنه يمكن القول بأن المحافظ ألغى القرارات الثلاث في خلال الشهر ثم أصدر القرار المطعون فيه بما له من سلطة توقيع الجزاء ابتداء طالما أن الوقائع والتهم والظروف لم تتغير، فلا يجوز إعادة النظر فيها من جديد بعد أن صدرت ممن يملكها.
ومن حيث إن مبنى الطعن أن تأشيرة المحافظ المؤرخة 18 من نوفمبر سنة 1962 يستفاد منها أنه قصد إلى إلغاء القرارات الصادرة من مدير مديرية الشئون الاجتماعية، بما له من سلطة التعقيب على تلك القرارات في خلال شهر من تاريخ عرضها عليه، أما القرار الصادر منه بعد ذلك بتاريخ 14 من مارس سنة 1963 فإنه من قبيل توقيع الجزاء ابتداء، وحتى مع التسليم جدلاً بوجهة النظر التي أخذ بها الحكم، وهي أن المحافظ كان يمارس سلطة التعليب فلا تشير تأشيرته الأولى إلا بأنها بمثابة طلب لاستيفاء الموضوع يقف بها ميعاد الشهر حتى يتم استيفاء الموضوع ويعاد برمته عليه، وإذ صدر القرار خلال شهر من تاريخ إعادة عرض الأوراق عليه فإنه يكون قد صدر خلال المهلة التي حددها القانون.
ومن حيث إنه بسبب ما دار بجلسة 14 من مارس سنة 1970 من مناقشة حول تأشيرة محافظ القليوبية المؤرخ 16 من فبراير سنة 1963 بالموافقة علي ما تضمنته مذكرة الإدارة القانونية بالمحافظة وأثرها على القرار المطعون فيه، طلبت إدارة قضايا الحكومة تأجيل نظر الطعن لتستطلع رأي جهة الإدارة في شأنها، وبجلسة 23 من مايو سنة 1970 قدمت إدارة القضايا الكتاب الوارد إليها من مديرية الشئون الاجتماعية بمحافظة القليوبية، وقد تضمن هذا الكتاب، أنه بتاريخ 16 من فبراير سنة 1963 وافق محافظ القليوبية على النتيجة التي انتهت إليها الإدارة القانونية للمحافظة في مذكرتها المقدمة منها في هذا الموضوع، غير أن مديرية الشئون الاجتماعية باعتبارها الجهة الإدارية المهيمنة على أعمال الشئون الاجتماعية بالمحافظة والتي تستطيع أن تقدر جسامة الأخطاء التي وقعت من المطعون ضده، وما يمكن أن يترتب عليها، مما جعل المحافظ يعدل عن تأشيرته السابقة، ويقرر توقيع الجزاء على الموظف المذكور، أما حكم القانون في شأن مشروعية هذا الجزاء بعد الموافقة السابقة على رفعه، فقالت المذكرة، أنه تحكمه القواعد التي يخضع لها القرار الإداري من حيث صدوره وسحبه وتعديله وإلغائه، وهو ما تستقل المحكمة بالفصل فيه، ثم قدمت إدارة قضايا الحكومة مذكرة في فترة حجز الطعن للحكم، انتهت فيها إلى التصميم على الطلبات الواردة في صحيفة الطعن.
ومن حيث إن المادة 87 من قانون الإدارة المحلية رقم 124 لسنة 1960 تنص على ما يأتي: "تكون للمحافظ الاختصاصات الممنوحة في قوانين موظفي الدولة للوزارة ووكلاء الوزارات…." وتنص المادة 85 من قانون نظام موظفي الدولة رقم 210 لسنة 1951 على أن "لوكيل الوزارة أو الوكيل المساعد أو لرئيس المصلحة كل في دائرة اختصاصه توقيع عقوبتي الإنذار والخصم من المرتب عن مدة لا تجاوز 45 يوماً في السنة الواحدة بحيث لا تزيد مدة العقوبة الواحدة عن 15 يوم وذلك بعد سماع أقوال الموظف وتحقيق دفاعه ويكون قراره في ذلك مسبباً… وللوزير سلطة توقيع العقوبات المشار إليها في الفقرة الأولي، كما يكون له سلطة إلغاء القرار الصادر من وكيل الوزارة أو الوكيل المساعد أو رئيس المصلحة أو تعديل العقوبة الموقعة بتشديدها أو خفضها وذلك خلال شهر من تاريخ إصدار القرار وله إذا ما ألغي القرار إحالة الموظف إلى مجلس التأديب خلال هذا الميعاد…." مفاد هذين النصين: "أن المشرع خول المحافظ بالنسبة إلى موظفي المحافظة، سلطة توقيع عقوبتي الإنذار والخصم من المرتب ابتداء، كما خوله سلطته التعقيب علي القرارات التأديبية الصادرة في شأنهم من رؤساء المصالح، سواء بإلغاء تلك القرارات أو تعديل العقوبة بتشديدها أو تخفيضها أو إلغاء القرار وإحالة الموظف إلى المحكمة التأديبية، على أن يتم ذلك خلال شهر من تاريخ صدور القرار التأديبي، وإلا اعتبر نهائياً، وإذا لم يشترط القانون شكلاً معيناً في القرار الذي يصدره المحافظ بالتعقيب على القرارات التأديبية الصادرة من رؤساء المصالح، فإنه يثبت على ذلك أنه كما يجوز أن يكون ذلك القرار صريحاً، فقد يكون ضمنياً إذا كان القرار يحمل في طياته الدليل القاطع الواضح على قصد المحافظ من إصداره، كما لو رأى المحافظ أن التحقيقات التي سبقت القرار التأديبي غير كافية وشابها نقص أو انطوت على إخلال بحق الدفاع أو لغير ذلك من الأسباب مما لا يمكنه من إصدار قرار في الموضوع بحالته، فرأى إعادة التحقيق، ففي مثل هذه الحالة يكون المحافظ قد قصد في حقيقة الأمر إلى إلغاء القرار التأديبي المعروض عليه، وأساس ذلك أن إعادة تحقيق الموضوع برمته قد تؤدي إلى إثبات التهمة أو نفيها كلها أو بعضها بما يؤثر بذاته على مشروعية الجزاءات التي سبق توقيعها قبل إجراء هذا التحقيق الشامل. وغنى عن البيان أن هذا لا يمنح الرئيس الإداري، بعد استيفاء التحقيقات على النحو الذي أشار به المحافظ، من أن يباشر سلطاته التأديبية مرة أخرى، كما لا يمنع المحافظ من مباشرة سلطاته في التعقيب على قرار الرئيس الإداري أو في توقيع الجزاء ابتداء طبقاً للأوضاع التي حددها القانون.
ومن حيث إنه يبين من الاطلاع على حافظة مستندات الحكومة، أنه أجري تحقيق مع المطعون ضده بسبب عدم وجوده في محل عمله في يوم 13 من أكتوبر سنة 1962، وقد انتهى المحقق إلى مسئولية المطعون ضده، لأنه اطلع على دفتر زيارات الوحدة في هذا اليوم ووجد أن مفتش التحقيقات اشر فيه بأنه حضر إلى الوحدة ولم يجد رئيسها حتى الساعة الحادية عشر صباحاً، ثم أشر مدير مديرية الشئون الاجتماعية باعتبار ذلك اليوم غياباً بدون إذن لا يستحق المطعون ضده عنه مرتباً وأصدر القرار رقم 115 المؤرخ 5 من نوفمبر سنة 1962 بهذا المعنى، وكانت قد قدمت مذكرتان أخريان ضد المطعن ضده بتاريخ 8 من سبتمبر سنة 1962، 20 من أكتوبر سنة 1962، جاء في الأولى أنه صدر الأمر بإجراء عملية جرد وتسليم الأقسام الصحية إلي المنطقة الطبية بالقليوبية ثم قام بتقديم المذكرة لتنفيذ هذا الأمر، غير أن المطعون ضده رفض تسلم عهدة القسم الاجتماعي وعهدة الكتب، وجاء في المذكرة الثانية أن مقدمها قام بزيارة المركز الاجتماعي وصادف صعوبات في تأدية مهمته ترجع إلى عدم تعاون رئيس الوحدة "المطعون ضده"، وقد أحيلت المذكرتان إلى التحقيق ثم انتهى المحقق بالنسبة إلى ما جاء في المذكرة الأولى، إلى أنه وإن كان لرئيس الوحدة "المطعون ضده" العذر في عدم تسلم عهدة القسم الاجتماعي لغياب ساعي الوحدة في أجازة مرضية، إلا أنه كان يجب عليها استلام عهدة المكتبة لأنها عهدته الشخصية، وانتهى بالنسبة إلى الوقائع التي تضمنتها المذكرة الثانية، إلى مسئولية المطعون ضده عن عدم وجود السجلات بالجمعية لأنه سمح لرئيس الجمعية بإرسالها إلى المحاسب في حين أنه من المفروض أن تبقى في الوحدة، كما أنه مسئول عن انصرافه وتركه الجرد، دون اعتداد بدفاعه بانتهاء مواعيد العمل الرسمية ما دامت ظروف العمل ومصلحته كانت تتطلب بقاءه، وقد عرضت التحقيقات على مدير مديرية الشئون الاجتماعية فأصدر بتاريخ 5 من نوفمبر سنة 1962 قراره رقم 114 بخصم يوم من مرتب المطعون ضده عن الوقائع الواردة في المذكرة الأولى وقراره رقم 113 بخصم ثلاثة أيام من مرتبه عن الوقائع الواردة في المذكرة الثانية، وقد عرضت القرارات الثلاث المشار إليها على محافظ القليوبية للاعتماد، فأشر المحافظ بتاريخ 18 من نوفمبر سنة 1962 على نموذج الجزاء الخاص بالقرار رقم 115 بالعبارة الآتية: "هذا، إنما غير مقتنع بنتيجة التحقيق ويستحسن إجراءه بمعرفتنا" وأشر على أوراق القرار رقم 113 بالعبارة الآتية: "كما سبق وأشرت بإجراء تحقيق بمعرفتنا مع هذا الموظف على نموذج جزاء آخر فأحب أن ينضم الموضوعين ويتناولهما تحقيق واحد إذ أن تاريخ حدوثهما متتالي، كما أشر على أوراق القرار رقم 114 بالعبارة الآتية: "يجري معه تحقيق شامل"، وتنفيذاً لهذه التأشيرات أعادت الإدارة القانونية بالمحافظة تحقيق الموضوع برمته ثم قدمت بتاريخ 8 من فبراير سنة 1963 مذكرة برأيها انتهت فيها إلى ما يأتي ": أولاً – الموافقة على اعتبار يوم 13 من أكتوبر سنة 1962 غياباً بدون إذن لا يستحق عنه السيد/…….. رئيس الوحدة الاجتماعية بمنشأة الكرام إجراء لعدم تواجده بالوحدة عند مرور محقق المديرية عليها. ثانياً: رفع الجزاء الموقع عليه بالنسبة للمخالفة الثانية لعدم الأهمية والتجاوز عن مساءلته عن عدم تنبيهه على جمعية المركز الاجتماعي بالاحتفاظ بدفاترها لديها. ثالثاً: رفع الجزاء الموقع بالنسبة لتعطيله أعمال لجنة الجرد لعدم المخالفة. رابعاً:…. "وقد عرضت المذكرة المشار إليها على المحافظ بتاريخ 16 من فبراير سنة 1963 فأشر عليها بالموافقة، وبتاريخ 11 من مارس سنة 1963 أرسلت مديرية الشئون الاجتماعية بالقليوبية كتاباً إلى المحافظ، ناقشت فيه التهم المنسوبة إلى المطعون ضده، ورأي الإدارة القانونية، وطلبت إعادة النظر في الموضوع والإبقاء على الجزاءات السابق توقيعها، فأشر عليه المحافظ بتاريخ 14 من مارس سنة 1963 بالعبارة الآتية: "أنا أميل الآن للأخذ بوجهة النظر الواردة بهذه المذكرة مع مراعاة الأخذ بما ورد بمذكرة الشئون القانونية للمحافظة، ويجازى هذا الموظف بالخصم من مرتبه خمسة أيام وينفذ ما بقى من وجهات نظر المديرية".
وبناء على ذلك أصدر مدير عام الشئون الاجتماعية بالقليوبية قراره رقم 31 في 19 من مارس سنة 1963 بإلغاء القرارات أرقام 113، 114، 115، وبمجازاة المطعون ضده بخصم خمسة أيام من مرتبه تنفيذاً لتأشيرة المحافظ في 14 من مارس سنة 1963 وباعتبار غيابة عن العمل في يوم 13 من أكتوبر سنة 1962 غياباً بدون إذن يخصم من مرتبه.
ومن حيث إنه يتضح من ذلك، أنه بعد أن أصدر مدير مديرية الشئون لاجتماعية قراراته أرقام 113، 114، 115 سنة 1962 بتوقيع جزاء الخصم لمدة أربعة أيام من راتب المطعون ضده وباعتبار يوم 13 من أكتوبر سنة 1962 غياباً بدون إذن يخصم من راتبه، رفع هذه القرارات إلى المحافظ لاعتمادها طبقاً لنص المادة 85 من قانون التوظف، فأشر عليها المحافظ بعدم اقتناعه بالتحقيقات التي أجريت، وبإعادة تحقيق الموضوع برمته بمعرفة الإدارة القانونية بالمحافظة، وبعد أن أعادت هذه الجهة تحقيق جميع الوقائع التي تناولتها القرارات الثلاث المشار إليها، عرضت على المحافظ الموضوع بمذكرة رأت فيها اعتبار يوم 13 من أكتوبر سنة 1962 غياباً بدون إذن، وحفظ جميع المخالفات المنسوبة إلى المطعون ضده فوافق المحافظ على ذلك بتاريخ 16 من فبراير سنة 1963 وأنه بتاريخ 14 من مارس سنة 1962 عاد المحافظ وقرر إتباع قرار الخصم من راتب المطعون ضده لمدة خمسة أيام عن ذات المخالفات التي سبق أن رأى حفظ التحقيق بالنسبة إليها.
ومن حيث إن التأشيرات الصادرة من المحافظ بتاريخ من نوفمبر سنة 1962 بإعادة تحقيق الموضوع برمته بمعرفة جهة أخرى غير التي سبق أن أجرته، تنطوي في حقيقة الأمر على قرار بعدم اعتماد القرارات الثلاثة التي أصدرها مدير مديرية الشئون الاجتماعية بالقليوبية، والتي كانت مطروحة على المحافظ للاعتماد، كما تنطوي في الوقت ذاته على إلغاء الجزاءات التأديبية السابق توقيعها، ونتيجة لذلك تسترد الهيئات التأديبية سلطتها كاملة في إتباع الجزاء المناسب أو عدم إيقاعه على ضوء ما تسفر عنه التحقيقات الجديدة، على النحو وللأسباب المشار إليها فيما تقدم، وأما بالنسبة إلى القرار الصادر من المحافظ في 16 من فبراير سنة 1963، فإنه تصرف في التحقيقات الجديدة ويدخل بطبيعته في مقتضى السلطة التي خولها القانون للمحافظ في توقيع الجزاء ابتداء على موظفي المحافظة، وإذا كان هذا القرار والمذكرة التي بني عليها قد تضمنا عبارات تفيد أن المحافظ قصد إلى إلغاء الجزاءات السابق توقيعها بموجب القرارات أرقام 113، 114، 115 بما قد يفيد أنها ما زالت قائمة حتى صدور قررا 16 من فبراير سنة 1963، غير أنه لم يقصد بتلك العبارات في الواقع من الأمر، إلا بيان وتأكيد أن حفظ التحقيق ينصرف إلى ذات الموضوع الذي سبق أن صدرت في شأنه القرارات الثلاثة المشار إليها.
ومن حيث إنه بالنسبة إلى القرار الأخير الصادر من المحافظ بتاريخ 14 من مارس سنة 1963 فإنه في التكييف القانوني الصحيح لا يخرج عن أن يكون سحباً للقرار الصادر بتاريخ 16 من فبراير سنة 1963، ولما كان القرار المسحوب قد صدر من الجهة المختصة قانوناً وفي حدود ما لها من سلطة خولها إياها القانون في تقدير مدى ثبوت المخالفات في حق المطعون ضده أو عدم ثبوتها فإنه يكون سليماً ومطابقاً للقانون، ومن غير الجائز سحبه، ذلك لأنه من الأمور المسلمة أن القرارات الصحيحة النابعة عن سلطة تقديرية لا يجوز سحبها أو تعديلها، ويترتب على ذلك أن يكون قرار المحافظ المؤرخ 14 من مارس سنة 1963 بسحب قراره الصادر في 16 من فبراير سنة 1963 مشوباً بعيب مخالفة القانون، ولما كان القرار المطعون فيه رقم 31 لسنة 1963 قد صدر تنفيذاً لقرار المحافظ الصادر بتاريخ 14 من مارس سنة 1963 فمن ثم فإنه يكون بدوره مخالفاً للقانون وحقيقاً بالإلغاء.
ومن حيث إنه لما كان الحكم المطعون فيه قد انتهى إلى هذه النتيجة فإنه يكون قد صادف الصواب فيما انتهى إليه ويكون الطعن قائماً على غير أساس سليم من القانون ويتعين لذلك الحكم بقبول الطعن شكلاً وبرفضه موضوعاً مع إلزام المحافظة الطاعنة بالمصروفات.

"فلهذه الأسباب"

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً وبرفضه موضوعاً وألزمت المحافظة الطاعنة بالمصروفات.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات