الرئيسية الاقسام القوائم البحث

قاعدة رقم الطعن رقم 25 لسنة 11 قضائية “دستورية” – جلسة 27 /05 /1992 

أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء الخامس – المجلد الأول
من أول يوليو 1991 حتى آخر يونيو 1992 – صـ 364

جلسة 27 مايو سنة 1992

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة، وحضور السادة المستشارين/ محمد ولى الدين جلال وفاروق عبد الرحيم غنيم وحمدى محمد على وعبد الرحمن نصير وسامى فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض – أعضاء، وحضور السيد المستشار/ السيد عبد الحميد عماره – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ رأفت محمد عبد الواحد – أمين السر.

قاعدة رقم
القضية رقم 25 لسنة 11 قضائية "دستورية"

1 – دعوى دستورية – التصريح برفعها "تأجيل الدعوى الموضوعية – وقفها".
حكم المادة 29 من قانون المحكمة الدستورية العليا لا يلزم محكمة الموضوع بعد تصريحها برفع الدعوى الدستورية سوى بتأجيل الدعوى الموضوعية المنظورة أمامها، استعاضتها عن التأجيل بوقف الدعوى لا يعدو أن يكون تربصا بقضاء المحكمة الدستورية العليا، وهى عين النتيجة التى قصد المشرع إلى بلوغها من وراء تأجيل الدعوى الموضوعية.
2 – دعوى دستورية – "المصلحة فيها".
مناط المصلحة فى الدعوى الدستورية – وهى شرط لقبولها – أن يكون الفصل فى المسألة الدستورية لازما للفصل فى الطلبات المرتبطة بها المطروحة على محكمة الموضوع.
3 – تشريع – المحكمة الدستورية العليا – ما يطرح عليها بالضرورة"
وفقا للحكم المادة 20 من القانون رقم 136 لسنة 1981 يحق للمالك الحصول على 50 % من مقابل تنازل المستأجر عن العين المؤجرة، ما قررته الفقرة الثانية من المادة 55 من قانون المحاماة رقم 17 لسنة 1983 استثناء منها مؤداه حرمان المالك من هذا الحق فى حالة التنازل عن حق إيجار مكتب المحاماة، مدى جواز هذا النزول فى ذاته من الناحية الدستورية يعتبر مطروحا بالضرورة – كمسألة سابقة على نشؤ هذا الأثر قانونا – على المحكمة الدستورية العليا لتقول فيه كلمتها.
4 – تشريع "المادة 20 من القانون رقم 136 لسنة 1981" – توازن العلاقة الايجارية.
ما قررته هذه المادة من حق المالك فى الحصول على 50% من مقابل التنازل عن حق الانتفاع فى الاحوال وبالشروط المبينة فيها – توخى المشرع توازن العلاقة الايجارية من خلال أمرين: الزام المستأجر بأن يتقاسم مع المالك مقابل التنازل لمواجهة نزوله نزولا نافذا وفوريا فى حق المالك وبغير رضاه، تقرير أولوية لمالك العين المؤجرة فى الانتفاع بها دون المتنازل إليه.
5 – تشريع "الفقرة الثانية من المادة 55 من قانون المحاماة".
حكم هذه الفقرة بحرمان مالك العين المؤجرة مكتبا للمحاماة فى حالة التنازل عنها فى الحالات المبينة فيها من الحقين المشار إليهما والمقررين للمالك بحكم المادة 20 من القانون رقم 136 لسنة 1981، مؤداه فرض التنازل على مالك هذه العين والتعرض لحق ملكيته عليها عن طريق حرمانه من الاستئثار بمنافعها.
6 – دستور: "الملكية الخاصة"
حرص الدستور على النص على صون الملكية الخاصة، وكفل عدم المساس بها إلا على سبيل الاستثناء.
7 – حق الملكية "الوظيفة الاجتماعية" – أزمة الاسكان – تشريعات استثنائية.
بروز الوظيفة الاجتماعية لحق الملكية – على الأخص – فى مجال الانتفاع بالأعيان المؤجرة، القيود على مباشر المالك لسلطته المتعلقة باستغلال ملكه قصد بها فى الأصل مواجهة الأزمة المتفاقمة فى الإسكان، معالجة هذه الأزمة من خلال تشريعات استثنائية لا يجوز التوسع فى تفسيرها أو القياس عليها.
8 – إيجار الأماكن "تشريعات استثنائية – تنظيم خاص – حاجة المستأجر".
ضراوة أزمة الاسكان جعلت التشريعات الاستثنائية متصلة الحلقات، محتفظة باستقلالها عن القانون المدنى، وزايلتها بالتالى صفتها المؤقتة، اعتبار أحكامها من قبيل التنظيم الخاص لموضوعها مكملا بقواعد القانون المدنى، الضرورة الموجبة لهذا التنظيم الخاص تقدر بقدرها ومعها تدور قيودها النابعة منها، البقاء فى العين المؤجرة بعد انتهاء مدة انتهاء مدة الاجارة يرتبط بحاجة المستأجر إليها، إنفكاك ضرورة شغله للعين مقتضاه انتفاء حقه فى البقاء فيها أو النزول عنها للغير بالمخالفة لإرادة مالكها.
9 – تنظيم الحقوق – "التقيد بالدستور" – علاقة ايجارية
التزام المشرع فى مجال تنظيم الحقوق بالقيود التى فرضها الدستور، كل نص لا يقيم وزنا للتوازن فى العلاقة الإيجارية عن طريق التضحية الكاملة بحقوق المؤجر يعتبر منطويا على اهدار للحماية الدستورية لحق الملكية.
10 – تشريع "الفقرة الثانية من المادة 55 من قانون المحاماة" – مزية استثنائية مخالفة الشريعة الاسلامية.
انفصال حكم هذه الفقرة عن مجموع الأحكام الواردة فى هذا القانون ومنافيه للتنظيم المتكامل لمهنة المحاماة، انطواؤها على مزية استثنائية غايتها إسقاط حقوق المالك المرتبطة بها، وتقديمها المنفعة المجلوبة على المضرة المدفوعة بالمخالفة لمبادئ الشريعة الإسلامية.
11 – دستور – حق الملكية "الفقرة الثانية من المادة 55 من قانون المحاماة".
حكم الفقرة المذكور بما انطوى عليه من إسقاط كامل لحقوق المالك تغليبا لمصلحة مالية بحتة لمن يمارسون مهنة بذاتها هى مهنة المحاماة، اهدارها الحماية المكفولة فى الدستور لحق الملكية فى المادتين 32، 34 منه.
1 – تنص المادة 29 من قانون المحكمة الدستورية العليا على أن تتولى المحكمة الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح على الوجه الآتى:
(أ)…………
(ب) إذا دفع أحد الخصوم أثناء نظر دعوى أمام إحدى المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائى بعدم دستورية نص فى قانون أو لائحة، ورأت المحكمة أو الهيئة أن الدفع جدة أجلت نظر الدعوى وحددت لمن أثار الدفع ميعادا لا يجاوز ثلاثة أشهر لرفع الدعوى بذلك أمام المحكمة الدستورية العليا، فإذا لم ترفع الدعوى فى الميعاد اعتبر كأن لم يكن". متى كان ذلك، وكان البين من هذا النص أن محكمة الموضوع إذ ترخص لمن أثار الدفع بعدم الدستورية – بعد تقديرها لجديته – برفع الدعوى الدستورية إلى المحكمة الدستورية العليا، فان هذا الترخيص لا يلزمها سوى بتأجيل الدعوى الموضوعية المنظورة أمامها، وبالتالى لا يكون وقفها شرطا لقبول الدعوى الدستورية، ولا يغير من هذا النظر أن تستعيض محكمة الموضوع فى حالة بذاتها، وفى حدود سلطتها التقديرية، عن تأجيل الدعوى الموضوعية المطروحة عليها، بوقفها لأن ذلك منها لا يعدو أن يكون تربصا بقضاء المحكمة الدستورية العليا فى شأن دستورية النصوص التشريعية المطعون عليها، وهى عين النتيجة التى قصد المشرع إلى بلوغها من وراء تأجيل الدعوى الموضوعية إثر التصريح برفع الدعوى الدستورية، ومن ثم يكون الدفع بعدم قبول الدعوى الماثلة على غير أساس حريا بالرفض.
2 – إذ ينعى المدعى على الفقرة الثانية من المادة 55 من قانون المحاماة الصادر بالقانون رقم 17 لسنة 1983 – وهى الفقرة المطعون عليها – ايثارها المحامى أو ورثته بميزة النزول عن حق ايجار مكتب المحاماة لمن حددتهم من الغير دون أن تكفل لمالك العين الحق فى أن يتقاسم مع المتنازل المقابل المعروض للتنازل عنها، وهو ما يخرج بالفقرة المطعون عليها عن عمومية القاعدة القانونية وتجردها باعتبارها استثناء غير مبرر من حكم المادة 20 من القانون رقم 136 لسنة 1981. هذا بالاضافة إلى انطوائها على مخالفة لمبدأ تكافؤ الفرص، وإخلالها بمبدأ مساواة الوطنين أمام القانون، والمنصوص عليهما فى المادتين 8، 40 من الدستور. وكان من المقرر – أن مناط المصلحة الشخصية المباشرة فى الدعوى الدستورية وهى شرط لقبولها – أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة فى الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الفصل فى المسألة الدستورية لازما للفصل فى الطلبات المرتبطة بها المطروحة على محكمة الموضوع، متى كان ذلك، وكانت الدعوى الموضوعية تتعلق بنزول المدعى عليه الأول عن اجارة العين التى اتخذها مكتبا للمحاماة إلى المدعى عليه الثانى بوصفه طبيبا لتمكينه من الانتفاع بها كعيادة طبية، وكان الدفع بعدم الدستورية الذى ابداه المدعى أمام محكمة الموضوع منحصرا فى هذا النطاق وحده، فان مصلحته الشخصية المباشره إنما تتحدد فى المسألة الدستورية المتصلة بالنزاع الموضوعى، وهى تلك المتعلقة بنزول المحامى أو ورثته عن حق ايجار مكتب المحاماة لمزاولة غيرها من المهن الحرة أو لممارسة حرفة غير مقلقة للراحة أو مضرة بالصحة، ومن البديهى إن إنحصار الطعن الماثل فى النطاق المتقدم لا يعنى أن ما تضمنته الفقرة الثانية من المادة 55 من قانون المحاماة من أحكام تجاوز هذا النطاق وتتعداه، قد أضحى مطهرا مما قد يكون عالقا بها من مثالب موضوعية، إذ لا يزال مجال الطعن فيها مفتوحا لكل ذى مصلحة.
3 – حق المالك فى الحصول على 50% من مقابل تنازل المستأجر عن العين المؤجرة، لا يعدو أن يكون أثرا مترتبا بقوة القانون على النزول عن الحق فى الاجارة، وكان ما قررته الفقرة الثانية من المادة 55 من قانون المحاماة من حرمان المالك من هذا الحق، يثير بالضرورة مسألة سابقة على نشوئه قانونا، هى ما إذا كان النزول عن الاجارة فى ذاته لمزاولة غير مهنة المحاماة من المهن الحرة، أو لممارسة حرفة غير مقلقة للرحة أو مضرة بالصحة، يعتبر جائزا من الناحية الدستورية. متى كان ذلك، وكان مناط جريان الآثار التى يرتبها المشرع على الأعمال القانونية أن تتوافر لهذه الاعمال ذاتها مقوماتها من الناحية الدستورية والقانونية على حد سواء، فان مدى اتفاق التنازل فى ذاته وأحكام الدستور، يكون مطروحا بقوة النصوص الدستورية على هذه المحكمة لتقول كلمتها فيه.
4، 5 – إن مؤدى نص المادة 20 من القانون رقم 136 لسنة 1981 فى شأن بعض الأحكام الخاصة بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، انه فى الأحوال التى يجوز فيها للمستأجر التنازل عن حق الانتفاع بالوحدة السكنية أو المؤجرة لغير أغراض السكنى، قرر المشرع قاعدة عامة مجردة يستحق المالك بموجبها 50% من مقابل التنازل بعد خصم قيمة ما يكون فى هذه الوحدة من منقولات، وهى قاعدة عدل بها المشرع عما كان معمولا به قبلها من تخويل المستأجر الأصلى المرخص له بالنزول عن الإجارة – سواء فى عقد الإيجار أو فى ترخيص لاحق – حق التنازل عنها إلى الغير بمقابل لا ينال منه المالك شيئا أيا كان قدره، وقد توخى المشرع بالعدول عن إنفراد المستأجر بمقابل التنازل أن يعيد إلى العلاقة الايجارية توازنها الذى كان قد إختل، وأن يكفل ذلك من خلال أمرين: أولهما: الزامه المستأجر بأن يتقاسم مع المالك مقابل التنازل المعروض عليه لمواجهة نزول الأول عن المكان المؤجر نزولا نافذا فوريا فى حق المالك وبغير رضاه. ثانيهما: تقرير أولوية لمالك العين المؤجرة فى الانتفاع بها دون المتنازل إليه وذلك إذا أفصح المالك عن رغبته فى ذلك عن طريق إيداع خزانة المحكمة الجزئية الواقع فى دائرتها العقار 50% من مقابل التنازل المعروض بعد خصم قيمة المنقولات التى بالعين، وعلى أن يكون هذا الإيداع مشروطا بالتنازل عن عقد إيجارها وتسليمها، غير أن قانون المحاماة الصادر بالقانون رقم 17 لسنة 1983 انتظم بأحكامه موضوع النزول عن الإجارة إذا كان محل التنازل حق إيجار مكتبّ المحاماة، وكان المتنازل محاميا أو أحد ورثته فأجاز – بنص الفقرة الثانية من المادة 55 منه – هذا التنازل لمن كان مزاولا لمهنة حرة أو لحرفة غير مقلقة للراحة أو مضرة بالصحة، وأورد بمقتضاها – واستثناء من نص المادة 20 من القانون رقم 136 لسنة 1981 المشار إليه – حكما مؤداه حرمان المالك من حقين كانت المادة 20 سالفة البيان قد كفلتهما له بغية أن تعيد إلى العلاقة الايجارية – باقرارها لهذين الحقين – توازنا مفقودا هما حق المالك فى الحصول على 50 % من مقابل التنازل عن العين المؤجرة إذا اتجهت إرادته إلى انفاذه، وحقه – إذا عمد إلى اهدار التنازل – فى أن يستعيد العين من مستأجرها بعد أداء تلك القيمة، ومن ثم يكون المشرع قد فرض بالأحكام التى قررتها الفقرة الثانية من المادة 55 من قانونا المحاماة الصادر بالقانون رقم 17 لسنة 1983 – وفى حدود نطاق الطعن الماثل – التنازل على من يملكون هذه الأماكن بما مؤداه التعرض لحق ملكيتهم عليها، عن طريق حرمانهم من الاستئثار بمنافعها.
6 – إن الدستور حرص على النص على صون الملكية الخاصة وكفل عدم المساس بها إلا على سبيل الاستثناء، وفى الحدود وبالقيود
التى أوردها، باعتبار أنها فى الأصل ثمرة مترتبة على الجهد الخاص الذى بذله الفرد بكده وعرقه، وبوصفها حافز كل شخص إلى الانطلاق والتقدم، إذ يختص دون غيره بالأموال التى يملكها، وتهيئة الانتفاع المفيد بها لتعود اليه ثمارها، وكانت الأموال التى يرد عليها حق الملكية تعد كذلك من مصادر الثروة القومية التى لا يجوز التفريط فيها أو استخدامها على وجه يعوق التنمية أو يعطل مصالح الجماعة، وكانت الملكية فى إطار النظم الوضعية التى تزاوج بين الفردية وتدخل الدولة لم تعد حق مطلقا، ولا هى عصية على التنظيم التشريعى، وإنما يجوز تحميلها بالقيود التى تقتضيها وظيفتها الاجتماعية، وهى وظيفة يتحدد نطاقها ومرماها على ضوء طبيعة الأموال محل الملكية، والأغراض التى ينبغى توجيهها إليها، وبمراعاة الموازنة التى يجريها المشرع ويرجح من خلالها ما يراه من المصالح أولى بالرعاية وأجدر بالحماية على ضوء أحكام الدستور. متى كان ذلك، تعين أن ينظم القانون أداء هذه الوظيفة مستهديا بوجه خاص بالقيم التى تنحاز إليها الجماعة فى مرحلة معينة من مراحل تطورها، وبمراعاة أن القيود التى تفرضها الوظيفة الاجتماعية على حق الملكية للحد من اطلاقها، لا تعتبر مقصودة لذاتها، بل غايتها خير الفرد والجماعة. ولقد كفل الدستور فى مادته الثانية والثلاثين حماية الملكية الخاصة التى لا تقوم فى جوهرها على الاستغلال، وهو يرد انحرافها كلما كان استخدامها متعارضا مع الخير العام للشعب، ويؤكد دعمها بشرط قيامها على أداء الوظيفة الاجتماعية التى يبين المشرع حدودها مراعيا أن تعمل فى خدمة الاقتصاد القومى، وفى اطار خطة التنمية.
77، 8 – إن الوظيفة الاجتماعية لحق الملكية تبرز – على الأخص – فى مجال الانتفاع بالأعيان المؤجرة، ذلك أن كثرة من القيود تتزاحم فى نطاق مباشرة المالك لسلطته المتعلقة باستغلاله لملكه، وهى قيود قصد بها فى الأصل مواجهة الأزمة المتفاقمة الناشئة عن قلة المعروض من الأماكن المهيأة للسكنى وغيرها من الأماكن لمقابلة الزيادة المطردة فى الطلب عليها، تلك الأزمة التى ترتد جذورها إلى الحربين العالمتين الأولى والثانية وما ترتب عليهما من ارتفاع أجرة الأماكن على اختلافها بعد انقطاع ورود المواد الأولية للبناء ونضوبها وازدياد النازحين إلى المدن، بالإضافة إلى الزيادة الطبيعية فى سكانها، وكان أن عمد المشرع إلى مواجهة هذه الأزمة بتشريعات استثنائية مؤقتة – لا يجوز التوسع فى تفسيرها أو القياس عليها – خرج فيها على القواعد العامة فى عقد الإيجار مستهدفا بها – على الأخص الحد من حرية المؤجر فى تقدير الأجرة واعتبار العقد ممتدا بقوة القانون بذات شروطه الأصلية عدا المدة والاجرة. غير أن ضراوة الأزمة وحدتها جعلت التشريعات الاستثنائية متصلة حلقاتها، مترامية فى زمن تطبيقها، محتفظة بذاتيتها واستقلالها عن القانون المدنى، متعلقة أحكامها بالنظام العام لابطال كل اتفاق على خلافها، ولضمان سريانها بأثر مباشر على الآثار التى رتبتها عقود الايجار القائمة عند العمل بها ولو كانت مبرمة قبلها، وزايلتها بالتالى صفتها المؤقتة، وآل الأمر إلى اعتبار أحكامها من قبيل التنظيم الخاص لموضوعها مكملا بقواعد القانون المدنى باعتباره القانون العام، إذ كان ذلك، وكانت الضرورة الموجهة لهذا التنظيم الخاص تقدر بقدرها، ومعها تدور القيود النابعة منها وجودا وعدما باعتبارها علة تقريرها، وكان حق المستأجر فى العين المؤجرة – حتى مع قيام هذا التنظيم الخاص – لا زال حقا شخصيا تؤول إليه بمقتضاه منفعة العين المؤجرة، وليس حق عينيا يرد على هذه العين فى ذاتها، تعين أن يكون البقاء فى العين المؤجرة بعد انتهاء مدة الإجارة مرتبطا بحاجة المستأجر إليها بوصفها مكانا يأويه هو وأسرته أو يباشر مهنته أو حرفته فيها، فإذا إنفكت ضرورة شغل العين عن مستأجرها، زايلته الأحكام الاستثنائية التى بسطها المشرع عليه لحمايته، ولم يعد له من بعد حق فى البقاء فى العين المؤجرة، ولا النزول عنها للغير بالمخالفة لإرادة مالكها، وهو ما رددته هذه التشريعات ذاتها بإلقائها على المستأجر واجبات ثقيلة غايتها ضمان أن يكون شغله العين المؤجرة ناشئا عن ضرورة حقيقية يقوم الدليل عليها، لا أن يتخذها وسيلة إلى الانتهاز والاستغلال، ذلك أن القيود التى يفرضها المشرع على حق الملكية لضمان أدائها لوظيفتها الاجتماعية يتعين أن تظل مرتبطة بالأغراض التى تتوخاها، دائرة فى فلكها، باعتبار أن ذلك وحده هو علة مشروعيتها ومناط استمرارها.
9، 10 – من المقرر أن سلطة المشرع فى مجال تنظيم الحقوق لا تعنى ترخصه فى التحرر من القيود والضوابط التى فرضها الدستور كحدود نهائية لهذا التنظيم لا يجوز تخطيها أو الدوران من حولها، وكان كل نص تشريعى لا يقيم وزنا للتوازن فى العلاقة الايجارية عن طريق التضحية الكاملة بحقوق أحد طرفيها – وهو المؤجر فى تطبيق النص المطعون عليه – يعتبر مقتحما الحدود المشروعة لحق الملكية، ومنطويا على إهدار الحماية الدستورية المقررة لها، وكان الأصل فى مهنة المحاماة التى نظمها القانون رقم 17 لسنة 1983 بإصدار قانون المحاماة المعدل بالقانون رقم 227 لسنة 1984 أنها مهنة حرة قوامها مشاركة السلطة القضائية فى تحقيق العدالة، وفى توكيد سيادة القانون وفى كفالة حق الدفاع عن حقوق المواطنين وحرياتهم، ويمارسها المحامون وحدهم فى استقلال ولا سلطان عليهم فى ذلك إلا لضمائرهم وأحكام القانون، ولتحقيق هذا الغرض حظر المشرع – وعلى ما قررته المادة 14 من هذا القانون – الجمع بينها وبين الأعمال التى عددتها والتى قدر المشرع منافاتها لها، كما كفل بالمادة 51 من ذلك القانون عدم جواز التحقيق مع محام أو تفتيش مكتب إلا بمعرفة أحد أعضاء النيابة العامة، ولم يجز كذلك بنص الفقرة الأولى من المادة 55 منه الحجز على مكتبه وكافة محتوياته المستخدمة فى مزاولة المهنة. متى كان ذلك، وكانت النصوص التى أوردها قانون المحاماة على النحو السالف بيانه، تتضافر مع غيرها من النصوص التى بسطها فى مجال توجهها نحو دعم مهنة المحاماة والتمكين من أداء رسالتها على الوجه الذى يكفل إرساء سيادة القانون، وبمراعاة ما يقتضيه تنظيم أصول المهنة سعيا للنهوض بها، فان الفقرة الثانية من المادة 55 منه – وهى النص التشريعى المطعون فيه – تبدو غريبة فى بابها منفصلة عن مجموع الأحكام التى اشتمل عليها هذا القانون، منافية للتنظيم المتكامل لمهنة المحاماة، وهو تنظيم خاص توخى تحديد حقوق المحامين وواجباتهم بصورة دقيقة بما لا يخرج على أصول المهنة أو يخل بمتطلباتها محددة على ضوء الأغراض التى ترمى هذه المهنة بلوغها، بما مؤداه إنفصال الفقرة الثانية من المادة 55 – فى جوانبها المطعون عليها – عن الأحكام التى تقتضيها مزاولة مهنة المحاماة والقيام على رسالتها، ذلك أنها تقرر لكل محام – ولو بعد تخليه حال حياته عن مزاولة المهنة – ولورثته من بعده – ولو كانوا من غير المحامين مزية إستثنائية تنطوى على إسقاط كامل لحقوق المالك المرتبطة بها، وتقدم المنفعة المجلوبة على المضرة المدفوعة بالمخالفة لمبادئ الشريعة الإسلامية، ويظهر ذلك على الأخص من وجهين: أولهما: أن الفقرة المطعون عليها تتجاهل كلية موجبات التوازن فى العلاقة الإيجارية التى استهدفتها المادة 20 من القانون رقم 136 لسنة 1981، وذلك بحرمانها من قام بتأجير عين يملكها لآخر لاستخدامها مكتبا للمحاماة – دون غيره من المؤجرين – من الحصول على 50% من مقابل التنازل إذا أراد إنفاذه، ومن الانتفاع بالعين إذا أرد إهداره مقابل أداء هذه القيمة، ثانيا: أن مؤدى الفقرة المطعون عليها أن تنازل المحامى أو ورثته عن حق إيجار مكتبه يعتبر نافذا فى حق المالك بغير رضاه، إذ يظل عقد الإيجار قائما ومستمرا لمصلحة المتنازل إليه، ودون مقابل يؤديه المتنازل إلى المالك، ولو كان المتنازل إليه لا يزاول مهنة المحاماة، بل مهنة أخرى، أو يمارس حرفة – أيا كان نوعها – شريطة أن تكون غير مقلقة للراحة أو مضرة بالصحة، وكلا الوجهين ينطوى على مخالفة للدستور، ذلك أن النص التشريعى المطعون فيه ليس له من صلة بالأغراض التى يتوخاها تنظيم مهنة المحاماة أو التمكين من أداء رسالتها، هذا بالإضافة إلى إسقاطه الكامل لحقوق المالك وتجاهلها بتمامها تغليبا لمصلحة مالية بحتة لمن يمارسون مهنة بذاتها هى مهنة المحاماة، ولا يدخل ذلك فى نطاق التنظيم التشريعى لحق الملكية، بل هو عدوان عليها لا يختار أهون الشرين لدفع أعظمهما، بل يلحق بالمؤجر وحده، الضرر البين الفاحش منافيا بذلك المقاصد الشرعية التى ينظم ولى الأمر الحقوق فى نطاقها، ومجاوزا الحدود المنطقة لعلاقة ايجارية كان ينبغى أن تتوازن فيها المصالح توازنا دقيقا،لا أن ينحدر الميزان كلية فى اتجاه مناقض للمصالح المشروعة لأحد طرفيها، وهى حدود لا يجوز تخطيها بالنزول عن العين إلى الغير بعد انتفاء حاجة المتنازل إليها، ورغما عن مالكها، وبمقابل يختص به مستأجرها من دونه وأيا كان مقداره.
11 – ولا محاجة فى القول بأن النص التشريعى المطعون عليه يوفر مزايدا من الرعاية للمحامين عند اعتزالهم المهنة ولورثتهم من بعدهم تقديرا لدور المحامين فى الدفاع عن حقوق المواطنين. ذلك أن قيام المحامين على واجباتهم الأصيلة ونهوضهم بتبعاتها، لا يصلح سندا لإهدار الحماية التى كفلها الدستور لحق الملكية فى المادتين 32، 34 منه، وهما تكفلان دعم الملكية الخاصة ممثلة فى رأس المال غير المستغل، وتقرران صونها فى إطار وظيفتها الاجتماعية، وباعتبار أن الحماية الدستورية لحق الملكية تمتد إلى عناصره المختلفة ويندرج تحتها استعمال المالك للشئ فى كل ما أعد له واستغلاله استغلالا مباشرا أو غير مباشرة جنيا لثماره.


الاجراءات

بتاريخ 26 أبريل سنة 1989 أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة طالبا الحكم – وعلى ما يبين من مذكرته المودعة بتاريخ 29 مارس سنة 1990 – بعدم دستورية نص المادة 55 من القانون رقم 17 لسنة 1983 فيما تضمنته "واستثناء من حكم المادة 20 من القانون رقم 136 لسنة 1981 يجوز للمحامى أو لورثته التنازل عن حق إيجار مكتب المحاماة لمزاولة مهنة حرة أو حرفة غير مقلقة للراحة أو مضرة بالصحة".
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها رفض الدعوى، وقدم المدعى عليه الأول مذكرة طلب فيها الحكم أصليا بعدم قبول الدعوى واحتياطيا برفضها.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرا برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة اصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل فى أن المدعى عليه الأول استأجر الشقة رقم 20 التى يملكها المدعى والكائنة فى العقار رقم 32 الكائن بشارع يحيى إبراهيم بالزمالك قسم قصر النيل بالقاهرة – وذلك بموجب عقد إيجار مؤرخ 20 من نوفمبر سنة 1979 وبغرض استغلالها مسكنا خاصا، وبتاريخ أول مايو سنة 1988 غير الغرض لتصبح مكتبا للمحاماة، وفى الثانى من مارس سنة 1989 تنازل المدعى عليه الأول عن إيجار الشقة المذكورة إلى المدعى عليه الثانى رقم 3879 لسنة 1989 أمام محكمة جنوب القاهرة الابتدائية (دائرة الايجارات) ضد وكيل المدعى طالبين الحكم بصحة التنازل المشار إليه وإلزامه بتحرير عقد إيجار إلى المتنازل إليه بذات شروط عقد الإيجار المتنازل عنه وذلك استنادا إلى الفقرة الثانية من المادة 55 من قانون المحاماة الصادر بالقانون رقم 17 لسنة 1983 التى تجيزه. وأثناء نظر الدعوى دفع وكيل المدعى بعدم دستورية هذه المادة، وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية هذا الدفع فقد صرحت له بجلسة 26 من مارس سنة 1989 برفع دعواه الدستورية، فأقام الدعوى الماثلة، وعقب قيدها قضت المحكمة المذكورة بجلسة 28 من مايو سنة 1989 بوقف الدعوى الموضوعية حتى يصدر حكم من هذه المحكمة.
وحيث إن المدعى عليه الأول دفع بعدم قبول الدعوى الماثلة على أساس أنها طعن مباشر بعدم دستورية النص التشريعى المطعون فيه بالمخالفة للمادة 29 من قانون هذه المحكمة الصادر بالقانون رقم 49 لسنة 1979 التى لا تجيز ذلك سواء عن طريق الدعوى الأصلية أو الطلب العارض، ولا يجدى فى ذلك الدفع بعدم الدستورية الذى أثاره المدعى أمام محكمة الموضوع ذلك أنها لم توقف الدعوى بعد تقديرها لجديته وتصريحها لها بإقامة الدعوى الدستورية.
وحيث إن هذا الدفع غير سديد، ذلك أن المادة 29 سالفة البيان تنص على أن "تتولى المحكمة الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح على الوجه الآتي:
(أ)……..
(ب) إذا دفع أحد الخصوم أثناء نظر دعوى أمام إحدى المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائى بعدم دستورية نص فى قانون أو لائحة ورأت المحكمة أو الهيئة أن الدفع جدى أجلت نظر الدعوى وحددت لمن أثار الدفع ميعادا لا يجاوز ثلاثة أشهر لرفع الدعوى بذلك أمام المحكمة الدستورية العليا، فإذا لم ترفع الدعوى فى الميعاد اعتبر الدفع كأن لم يكن"، متى كان ذلك، وكان البين من هذا النص أن محكمة الموضوع إذ ترخص لمن أثار الدفع بعدم الدستورية – بعد تقديرها لجديته – برفع الدعوى الدستورية إلى المحكمة الدستورية العليا، فان هذا الترخيص لا يلزمها سوى بتأجيل الدعوى الموضوعية المنظورة أمامها، وبالتالى لا يكون وقفها شرطا لقبول الدعوى الدستورية، ولا يغير من هذا النظر إن تستعيض محكمة الموضوع فى حالة بذاتها وفى حدود سلطتها التقديرية عن تأجيل الدعوى الموضوعية المطروحة عليها، بوقفها لان ذلك منها لا يعدو أن يكون تربصا بقضاء المحكمة الدستورية العليا فى شأن دستورية النصوص التشريعية المطعون عليها، هى عين النتيجة التى قصد المشرع إلى بلوغها من وراء تأجيل الدعوى الموضوعية أثر التصريح برفع الدعوى الدستورية، ومن ثم يكون الدفع بعدم قبول الدعوى الماثلة على غير أساس حريا بالرفض.
وحيث إن المدعى ينعى على الفقرة الثانية من المادة 55 من قانون المحاماة الصادر بالقانون رقم 17 لسنة 1983 – وهى الفقرة المطعون عليها – إيثارها المحامى أو ورثته بميزان النزول عن حق إيجار مكتب المحاماة لمن حددتهم من الغير دون أن تكفل لمالك العين الحق فى أن يتقاسم مع المتنازل المقابل المعروض للتنازل عنها، وهو ما يخرج بالفقرة المطعون عليها عن عمومية القاعدة القانونية وتجردها باعتبارها استثناء غير مبرر من حكم المادة 20 من القانون رقم 136 لسنة 1981، هذا بالإضافة إلى انطوائها على مخالفة لمبدأ تكافؤ الفرص، وإخلالها بمبدأ مساواة الوطنين أمام القانون، والمنصوص عليهما فى المادتين 8، 40 من الدستور.
وحيث إنه من المقرر – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – أن مناط المصلحة فى الدعوى الدستورية – وهى شرط لقبولها – أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة فى الدعوى الموضوعية، وذلك أن يكون الفصل فى المسألة الدستورية لازما للفصل فى الطلبات المرتبطة بها المطروحة على محكمة الموضوع، متى كان ذلك. وكانت الدعوى الموضوعية تتعلق بنزول المدعى عليه الأول عن إجارة العين التى اتخذها مكتبا للمحاماة إلى المدعى عليه الثانى بوصفه طبيبا لتمكينه من الانتفاع بها كعيادة طبية، وكان الدفع بعدم الدستورية الذى أبداه المدعى أمام محكمة الموضوع منحصرا فى هذا النطاق وحده، فان مصلحته الشخصية المباشرة إنما تتحدد فى المسألة الدستورية المتصلة بالنزاع الموضوعى، وهى تلك المتعلقة بنزول المحامى أو ورثته عن حق إيجار مكتب المحاماة لمزاولة غيرها من المهن الحرة أو لممارسة حرفة غير مقلقة للراحة أو مضرة بالصحة، ومن البديهى أن انحصار الطعن الماثل فى النطاق المتقدم لا يعنى أن ما تضمنته الفقرة الثانية من المادة 55 من قانون المحاماة من أحكام تجاوز هذا النطاق وتتعداه، قد أضحى مطهرا مما قد يكون عالقا بها من مثالب موضوعية، إذ لا يزال مجال الطعن فيها مفتوحا لكل ذى مصلحة.
وحيث إن حق المدعى فى الحصول على 50% من مقابل تنازل لا يعدو أن يكون أثرا مترتبا بقوة القانون على النزول عن الحق فى الإجارة، وكان ما قررته الفقرة المطعون عليها من حرمان المدعى من هذا الحق، يثير بالضرورة مسألة سابقة على نشوئه قانونا، هى ما إذا كان النزول عن الإجارة فى ذاته لمزاولة غير مهنة المحاماة من المهن الحرة أو لممارسة حرفة غير مقلقة للراحة أو مضرة بالصحة يعتبر جائزا من الناحية الدستورية. متى كان ذلك، وكان مناط مجريان الآثار التى يرتبها المشرع على الأعمال القانونية أن تتوافر لهذه الأعمال ذاتها مقوماتها من الناحية الدستورية والقانونية على حد سواء، فان مدى اتفاق النازل فى ذاته وأحكام الدستور يكون مطروحا بقوة النصوص الدستورية على هذه المحكمة لتقول كلمتها فيه
وحيث إن المادة 20 من القانون رقم 136 لسنة 1981 فى شأن بعض الأحكام الخاصة بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر تنص على أنه "يحق للمالك عند قيام المستأجر فى الحالات التى يجوز فيها بيع المتجر أو المصنع أو التنازل عن حق الانتفاع بالوحدة السكنية أو المؤجرة لغير أغراض السكنى الحصول على 50% من ثمن البيع أو مقابل التنازل بحسب الأحوال، بعد خصم قيمة المنقولات التى بالعين. وعلى المستأجر قبل إبرام الاتفاق إعلان المالك على يد محضر بالثمن مخصوما منه نسبة الـ 50% المشار إليها خزانة المحكمة الجزئية الواقع فى دائرتها العقار إيداعا مشروطا بالتنازل عن عقد الايجار وتسليم العين وذلك من خلال شهر من تاريخ الاعلان. وبانقضاء ذلك الأجل يجوز للمستأجر أن يبيع لغير المالك مع التزام المشترى بأن يؤدى للمالك نسبة الـ 50% المشار اليها، وتنص الفقرة الثانية من المادة 55 من قانون المحاماة الصادر بالقانون رقم 17 لسنة 1983 – وهى الفقرة المطعون عليها – على أنه "استثناء من حكم المادة 20 من القانون رقم 136 لسنة 1981 يجوز للمحامى أو لورثته التنازل عن حق إيجار مكتب المحاماة لمزاولة مهنة حرة أو حرفة غير مقلقة للراحة أو مضرة بالصحة".
وحيث إن مؤدى نص المادة 20 من القانون رقم 136 لسنة 1981 المشار إليه أنه فى الأحوال التى يجوز فيها للمستأجر التنازل عن حق الانتفاع بالوحدة السكنية أو المؤجرة لغير أغراض السكنى، قرر المشرع قاعدة عامة مجردة يستحق المالك بموجبها 50% من مقابل التنازل بعد خصم قيمة ما يكون فى هذه الوحدة من منقولات، وهى قاعدة عدل بها المشرع عما كان معمولا به قبلها من تخويل المستأجر الأصلى المرخص له بالنزول عن الإجارة – سواء فى عقد إيجار أو فى ترخيص لاحق – حق التنازل عنها إلى الغير بمقابل لا ينال منه المالك شيئا أيا كان قدره، وقد توخى المشرع بالعدول عن انفراد المستأجر بمقابل التنازل أن يعيد إلى العلاقة الايجارية توازنها الذى كان قد اختل، وأن يكفل ذلك من خلال أمرين:
أولهما: الزامه المستأجر بأن يتقاسم مع المالك مقابل التنازل المعروض عليه لمواجهة نزول الأول عن المكان المؤجر نزولا نافذا فوريا فى حق المالك وبغير رضاه، ثانيهما: تقرير أولوية لمالك العين المؤجرة فى الانتفاع بها دون المتنازل إليه وذلك إذا أفصح المالك عن رغبته فى ذلك عن طريق إيداع خزانة المحكمة الجزئية الواقع فى دائرتها العقار 50% من مقابل النازل المعروض بعد خصم قيمة المنقولات التى بالعين، وعلى أن يكون هذا الإيداع مشروطا بالتنازل عن عقد ايجارها وتسليمها. غير أن قانون المحاماة الصادر بالقانون رقم 17 لسنة 1983 انتظم بأحكامه موضوع النزول عن الإجارة إذا كان محل التنازل حق إيجار مكتب المحاماة، وكان المتنازل محاميا أو أحد ورثته، فأجاز – بنص الفقرة الثانية من المادة 55 منه – هذا التنازل لمن كان مزاولا لمهنة حرة أو لحرفة غير مقلقة للراحة أو مضرة بالصحة، وأورد بمقتضاها – واستثناء من نص المادة 20 من القانون رقم 136 لسنة 1981 المشار إليه – حكما مؤداه حرمان المالك من حقين كانت المادة 20 سالفة البيان قد كفلتهما له بغية أن تعيد إلى العلاقة الايجارية – باقرارها لهذين الحقين – توازنا مفقودا هما حق المالك فى الحصول على 50 % من مقابل التنازل عن العين المؤجرة إذا اتجهت إرادته إلى إنفاذه، وحقه – إذا عمد إلى اهدار التنازل – فى أن يستعيد العين من مستأجرها بعد أداء تلك القيمة، ومن ثم يكون المشرع قد فرض بالأحكام التى قررتها الفقرة الثانية من المادة 55 من قانون المحاماة الصادر بالقانون رقم 17 لسنة 1983 – وفى حدود نطاق الطعن الماثل – التنازل على من يملكون هذه الأماكن بما مؤداه التعرض لحق ملكيتهم عليها عن طريق حرمانهم من الاستئثار بمنافعها.
وحيث إن الدستور حرص على النص على صون المكية الخاصة وكفل عدم المساس بها إلا على سبيل الاستثناء، وفى الحدود وبالقيود التى أوردها، باعتبار أنها فى الأصل ثمرة مترتبة على الجهد الخاص الذى بذله الفرد بكده وعرقه، وبوصفها حافز كل شخص إلى الانطلاق والتقدم، إذ يختص دون غيره بالأموال التى يملكها، وتهيئة الانتفاع المقيد بها لتعود إليها ثمارها، وكانت الأموال التى يرد عليها حق الملكية تعد كذلك من مصادر الثروة القومية التى لا يجوز التفريط فيها أو استخدامها على وجه يعوق التنمية أو يعطل مصالح الجماعة، وكانت الملكية فى اطار النظم الوضعية التى تزاوج بين الفردية وتدخل الدولة لم تعد حق مطلقا، ولا هى عصية على التنظيم التشريعى، وانما يجوز تحميلها بالقيود التى تقتضيها وظيفتها الاجتماعية، وهى وظيفة يتحدد نطاقها ومرماها على ضوء طبيعة الأموال محل الملكية، والأغراض التى ينبغى توجيهها إليها، وبمراعاة الموازنة التى يجريها المشرع ويرجح من خلالها ما يراه من المصالح أولى بالرعاية وأجدر بالحماية على ضوء أحكام الدستور متى كان ذلك، تعين أن ينظم القانون أداء هذه الوظيفة مستهديا بوجه خاص بالقيم التى تنحاز إليها الجماعة فى مرحلة معينة من مراحل تطورها، وبمراعاة أن القيود التى تفرضها الوظيفة الاجتماعية على حق الملكية للحد من إطلاقها، لا تعتبر مقصودة لذاتها، بل غايتها خير الفرد والجماعة. ولقد كفل الدستور فى مادته الثانية والثلاثين حماية الملكية الخاصة التى لا تقوم فى جوهرها على الاستغلال، وهو يرد انحرافها كلما كان استخدامها متعارضا مع الخير العام للشعب، ويؤكد دعمها بشرط قيامها على أداء الوظيفة الاجتماعية التى يبين المشرع حدودها مراعيا أن تعمل فى خدمة الاقتصاد القومى، وفى إطار خطة التنمية.
ووحيث إن الوظيفة الاجتماعية لحق الملكية تبرز – على الأخص – فى مجال الانتفاع بالأعيان المؤجرة، ذلك أن كثرة من القيود تتزاحم فى نطاق مباشرة المالك لسلطته المتعلقة باستغلاله لملكه، وهى قيود قصد بها فى الأصل مواجهة الأزمة المتفاقمة الناشئة عن قلة المعروض من الأماكن المهيأة للسكنى وغيرها من الأماكن لمقابلة الزيادة المطردة فى الطلب عليها، تلك الأزمة التى ترتد جذورها إلى الحربين العالمتين الأولى والثانية وما ترتب عليهما من ارتفاع أجرة الأماكن على اختلافها بعد انقطاع ورود المواد الأولى للبناء ونضوبها وازدياد النازحين إلى المدن، بالإضافة إلى الزيادة الطبيعية فى سكانها، وكان أن عمد المشرع إلى مواجهة هذه الأزمة بتشريعات استثنائية مؤقتة – لا يجوز التوسع فى تفسيرها أو القياس عليها – خرج فيها على القواعد العامة فى عقد الإيجار مستهدفا بها – على الأخص – الحد من حرية المؤجر فى تقدير الأجرة واعتبار العقد ممتدا بقوة القانون بذات شروطه الأصلية عدا المدة والأجرة، غير أن ضراوة الأزمة وحدتها جعلت التشريعات الاستثنائية متصلة حلقاتها، مترامية فى زمن تطبيقها، محتفظة بذاتيتها واستقلالها عن القانون المدنى، متعلقة أحكامها بالنظام العام لابطال كل اتفاق على خلافها ولضمان سريانها بأثر مباشر على الآثار التى رتبتها عقود الايجار القائمة عند العمل بها ولو كانت مبرمة قبلها، وزايلتها بالتالى صفتها المؤقتة، وآل الأمر إلى اعتبار أحكامها من قبيل التنظيم الخاص لموضوعها مكملا بقواعد القانون المدنى باعتباره القانون العام، إذ كان ذلك، وكانت الضرورة الموجهة لهذا التنظيم الخاص تقدر بقدرها، ومعها تدور القيود النابعة منها وجودا وعدما باعتبارها علة تقريرها، وكان حق المستأجر فى العين المؤجرة – حتى مع قيام هذا التنظيم الخاص – لا زال حقا شخصيا تؤول إليه بمقتضاه منفعة العين المؤجرة، وليس حق عينيا يرد على هذه العين فى ذاتها، تعين أن يكون البقاء فى العين المؤجرة بعد انتهاء مدة الإجارة مرتبطا بحاجة المستأجر إليها بوصفها مكانا يأويه هو وأسرته أو يباشر مهنته أو حرفته فيها، فإذا انفكت ضرورة شغل العين عن مستأجرها، زايلته الأحكام الاستثنائية التى بسطها المشرع عليه لحمايته، ولم يعد له من بعد حق فى البقاء فى العين المؤجرة، ولا النزول عنها للغير بالمخالفة لإرادة مالكها، وهو ما رددته هذه التشريعات ذاتها بإلقائها على المستأجر واجبات ثقيلة غايتها ضمان أن يكون شغله العين المؤجرة ناشئا عن ضرورة حقيقية يقوم الدليل عليها، لا أن يتخذها وسيلة إلى الانتهاز والاستغلال، ذلك أن القيود التى يفرضها المشرع على حق الملكية لضمان أدائها لوظيفتها الاجتماعية يتعين أن تظل مرتبطة بالأغراض التى تتوخاها، دائرة فى فلكها، باعتبار أن ذلك وحده هو علة مشروعيتها ومناط استمرارها. متى كان ذلك، وكانت سلطة المشرع فى مجال تنظيم الحقوق لا تعنى ترخصه فى التحرر من القيود والضوابط التى فرضها الدستور كحدود نهائية لهذا التنظيم لا يجوز تخطيها أو الدوران من حولها، وكان كل نص تشريعى لا يقيم وزنا للتوازن فى العلاقة الايجارية عن طريق التضحية الكاملة بحقوق أحد طرفيها – وهو المؤجر – يعتبر مقتحما الحدود المشروعه لحق الملكية ومنطويا على اهدار الحماية الدستورية المقررة لها، وكان الأصل فى مهنة المحاماة التى نظمها القانون رقم 17 لسنة 1983 بإصدار قانون المحاماة المعدل بالقانون رقم 227 لسنة 1984 أنها مهنة حرة قوامها مشاركة السلطة القضائية فى تحقيق العدالة، وفى توكيد سيادة القانون وفى كفالة حق الدفاع عن حقوق المواطنين وحرياتهم، ويمارسها المحامون وحدهم فى استقلال ولا سلطان عليهم فى ذلك إلا لضمائرهم وأحكام القانون، ولتحقيق هذا الغرض حظر المشرع – وعلى ما قررته المادة 14 من هذا القانون – الجمع بينها وبين الأعمال التى عددتها والتى قدر المشرع منافاتها لها، كما كفل بالمادة 51 من ذلك القانون عدم جواز التحقيق مع محام أو تفتيش مكتبه إلا بمعرفة أحد أعضاء النيابة العامة، ولم يجز كذلك بنص الفقرة الأولى من المادة 55 منه الحجز على مكتبه وكافة محتوياته المستخدمة فى مزاولة المهنة، متى كان ذلك وكانت النصوص التى أوردها قانون المحاماة على النحو السالف بيانه تتضافر مع غيرها من النصوص التى بسطها فى مجال توجهها نحو دعم مهنة المحاماة والتمكين من أداء رسالتها على الوجه الذى يكفل إرساء سيادة القانون، وبمراعاة ما يقتضيه تنظيم أصول المهنة سعيا للنهوض بها، فان الفقرة الثانية من المادة 55 منه – وهى النص التشريعى المطعون فيه – تبدو غريبة فى بابها منفصلة عن مجموع الأحكام التى اشتمل عليها هذا القانون، منافية للتنظيم المتكامل لمهنة المحاماة، وهو تنظيم خاص توخى تحديد حقوق المحامين جباتهم بصورة دقيقة بما لا يخرج على أصول المهنة أو يخل بمتطلباتها محددة على ضوء الأغراض التى ترمى هذه المهنة بلوغها، بما مؤداه انفصال الفقرة الثانية من المادة 55 – فى جوانبها المطعون عليها – عن الأحكام التى تقتضيها مزاولة مهنة المحاماة والقيام على رسالتها، ذلك أنها تقرر لكل محام – ولو بعد تخليه حال حياته عن مزاولة المهنة – ولورثته من بعده – ولو كانوا من غير المحامين – مزية استثنائية تنطوى على إسقاط كامل لحقوق المالك المرتبطة بها، وتقدم المنفعة المجلوبة على المضرة المدفوعة بالمخالفة لمبادئ الشريعة الاسلامية، ويظهر ذلك على الأخص من وجهين: أولهما: أن الفقرة المطعون عليها تتجاهل كلية موجبات التوازن فى العلاقة الإيجارية التى استهدفتها المادة 20 من القانون رقم 136 لسنة 1981 وذلك بحرمانها من قام بتأجير عين يملكها لآخر لاستخدامها مكتبا للمحاماة – دون غيره من المؤجرين – من الحصول على 50% من مقابل التنازل إذا أراد انفاذه ومن الانتفاع بالعين إذا أرد إهداره مقابل أداء هذه القيمة. ثانيا: أن مؤدى الفقرة المطعون عليها أن تنازل المحامى أو ورثته عن حق إيجار مكتبه يعتبر نافذا فى حق المالك بغير رضاه، إذ يظل عقد الإيجار قائما ومستمرا لمصلحة المتنازل إليه، ودون مقابل يؤديه المتنازل إلى المالك، ولو كان المتنازل اليه لا يزاول مهنة المحاماة بل مهنة أخرى، أو يمارس حرفة – أيا كان نوعها – شريطة أن تكون غير مقلقة للراحة أو مضرة بالصحة، وكلا الوجهين ينطوى على مخالفة للدستور، ذلك أن النص التشريعى المطعون فيه ليس له من صلة بالأغراض التى يتوخاها تنظيم مهنة المحاماة أو التمكين من أداء رسالتها، هذا بالإضافة إلى إسقاطه الكامل لحقوق المالك وتجاهلها بتمامها تغليبا لمصلحة مالية بحتة لمن يمارسون مهنة بذاتها هى مهنة المحاماة، ولا يدخل ذلك فى نطاق التنظيم التشريعى لحق الملكية، بل هو عدوان عليها لا يختار أهون الشرين لدفع أعظمهما، بل يلحق بالمؤجر وحده الضرر البين الفاحش منافيا بذلك المقاصد الشرعية التى ينظم ولى الأمر الحقوق فى نطاقها، ومجاوزا الحدود المنطقة لعلاقة ايجارية كان ينبغى أن تتوازن فيها المصالح توازنا دقيقا،لا أن ينحدر الميزان كلية فى اتجاه مناقض للمصالح المشروعة لأحد طرفيها، وهى حدود لا يجوز تخطيها بالنزول عن العين إلى الغير بعد انتفاء حاجة المتنازل إليها، ورغما عن مالكها، وبمقابل يختص به مستأجرها من دونه وأيا كان مقداره. ولا محاجة فى القول بأن النص التشريعى المطعون عليه يوفر مزايدا من الرعاية للمحامين عند اعتزالهم المهنة ولورثتهم من بعدهم تقديرا لدور المحامين فى الدفاع عن حقوق المواطنين، ذلك أن قيام المحامين على واجباتهم الأصيلة ونهوضهم بتبعاتها، لا يصلح سندا لإهدار الحماية التى كفلها الدستور لحق الملكية فى المادتين 32، 34 منه وهما تكفلان دعم الملكية الخاصة ممثلة فى رأس المال غير المستغل وتقرران صونها فى إطار وظيفتها الاجتماعية، وباعتبار أن الحماية الدستورية لحق الملكية تمتد إلى عناصره المختلفة ويندرج تحتها استعمال المالك للشئ فى كل ما أعد له واستغلاله استغلالا مباشرا أو غير مباشرة جنيا لثماره.
وحيث إنه متى كان ذلك، تعين الحكم بعدم دستورية ما قررته الفقرة الثانية من المادة 55 من قانون المحاماة الصادر بالقانون رقم 17 لسنة 1983 من جواز نزول المحامى أو ورثته عن إيجار مكتبه لمزاولة غير المحاماة من المهن الحرة أو لمباشرة حرفة غير مقلقة للراحة أو مضرة بالصحة، لما ينطوى عليه التنازل عن الإجارة فى هذه الأحوال من عدوان على الملكية الخاصة التى كفل الدستور حمايتها فى المادتين 32، 34 منه، وبما مؤداه زوال الآثار القانونية التى يرتبها النص المطعون فيه على هذا التنازل ترتيبا على بطلانه فى ذاته من الناحية الدستورية.

فلهذه الأسباب:

حكمت المحكمة بعدم دستورية الفقرة الثانية من المادة 55 من قانون المحاماة الصادر بالقانون رقم 17 لسنة 1983 وذلك فيما قررته من جواز نزول المحامى أو ورثته عن إيجار مكتبه لمزاولة غير المحاماة من المهن الحرة أو لمباشرة حرفة غير مقلقة للراحة أو مضرة بالصحة، وما يرتبه هذا النص من آثار قانونية على التنازل المشار اليه، والزمت الحكومة المصروفات، ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماه.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات