الرئيسية الاقسام القوائم البحث

قاعدة رقم الطعن رقم 36 لسنة 9 قضائية “دستورية” – جلسة 14 /03 /1992 

أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء الخامس – المجلد الأول
من أول يوليو 1991 حتى آخر يونيو 1992 – صـ 244

جلسة 14 مارس سنة 1992

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة، وحضور السادة المستشارين/ الدكتور محمد ابراهيم أبو العينين ومحمد ولى الدين جلال وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير ومحمد على عبد الواحد وماهر البحيرى – أعضاء، وحضور السيد المستشار/ السيد عبد الحميد عماره – المفوض، وحضور السيد – رأفت محمد عبد الواحد – أمين السر.

قاعدة رقم
القضية رقم 36 لسنة 9 قضائية "دستورية"

1 – حق الملكية "الملكية الخاصة: صونها – وظيفتها الاجتماعية" – دستور – تشريع.
حق الملكية "الملكية الخاصة مصونة، كفل الدستور عدم المساس بها إلا استثناء وفى الحدود وبالقيود التى أوردها – الأموال التى يرد عليها حق الملكية من مصادر الثروة القومية التى لا يجوز التفريط فيها أو استخدامها على وجه يعوق التنمية أو يعطل مصالح الجماعة – الملكية فى اطار النظم الوضعية التى تزاوج بين الفرد وتدخل الدولة لم تعد حقاً مطلقاً ولا عصية على التنظيم التشريعى، وإنما يجوز تحميلها بالقيود التى تقتضيها وظيفتها الاجتماعية، والتى يتحدد نطاقها ومرماها على ضوء طبيعة الأموال محل الملكية والأغراض التى ينبغى توجيهها إليها وبمراعاة الموازنة التى يجريها المشرع ويرجح من خلالها ما يراه من المصالح أولى بالرعاية وأجدر بالحماية.
2 – شريعة إسلامية – حق الملكية "الملكية الخاصة: وظيفتها الاجتماعية" – دستور – تشريع.
كفالة الدستور فى المادة 32 منه حماية الملكية الخاصة التى لا تقوم على الاستغلال، ورده لانحرافها كلما تعارض استخدامها مع الخير العام للشعب، وتأكيده دعمها بشرط قيامها على أداء الوظيفة الاجتماعية التى بين المشرع حدودها، مراعياً أن تعمل فى خدمة الاقتصاد القومى، وفى إطار خطة التنمية – لا مخالفة لمبادىء الشريعة الإسلامية، إذ الأصل فيه أن الأموال مضافة إلى الله تعالى، خلقها وإليه تعود، وقد عهد إلى عباده عمارة الأرض وهم مسئولون عما فى أيديهم من الأموال باعتبارهم مستخلفين فيها، وبالتالى تتقيد الملكية بما لولى الأمر من سلطة فى مجال تنظيمها بما يحقق المقاصد الشرعية فى نطاقها، والتى ينافيها أن يكون إنفاق الأموال أو إدارتها متخذاً وجهة تناقض مصلحة الجماعة أو تخل بمصلحة للغير أولى بالاعتبار، وجاز لولى الأمر رد الضرر البين الفاحش واختيار أهون الشرين إذا تزاحما فى مجال مباشرة المالك لسلطاته لدفع أعظمها.
3 – حق الملكية "وظيفته الاجتماعية – قيوده" – إيجار "إيجار الأماكن: الامتداد القانونى لعقد الإيجار".
بروز الوظيفة الاجتماعية لحق الملكية بوجه خاص فى مجال الإسكان حيث تتزاحم كثرة من القيود فى نطاق مباشرة المالك لسلطته فى مجال استغلال ملكه، وهى قيود قصد بها مواجهة الأزمة المتفاقمة الناشئة عن قلة المعروض من الأماكن المهيأة للسكنى لمقابلة الزيادة فى الطلب عليها، ولازم ذلك أن تدور هذه القيود، وأهمها الإمتداد القانونى لعقد الإيجار وجوداً وعدماً مع علة تقريرها، وباعتبار أن الضرورة تقدر بقدرها وتوافرها هو مناط الحماية التى يقرر المشرع بموجبها امتداد العقد.
4 – حق الملكية – إيجار "إيجار الأماكن: تملك المستأجر عقاراً من أكثر من ثلاث وحدات".
المادة 22 من القانون رقم 136 لسنة 1981 – دلالة نصها بعبارته وفحواه أن إقامة المستأجر عقارا مملوكا له تزيد وحداته السكنية على ثلاث، تقتضيه أن يشغل إحداها بدلاً من العين التى يستأجرها، فإن آثر البقاء فيها كان ذلك تحكماً وانتهازاً لا سبيل لدفعه إلا بتوفيره لمؤجرها أو أحد أقاربه حتى الدرجة الثانية مكاناً ملائماً بديلاً عنها بالعقار الذى أقامه، بم لا يجاوز مثلى أجرتها – حكمها لا ينطوى على عدوان من المؤجر على ملكية المستأجر للعقار الذى أقامه، وأساس ذلك أن بقاء المستأجر فى العين المؤجرة بعد انتهاء المدة الاتفاقية للعقد، يفترض استمرار حاجته إليها بوصفها مكانا يأويه وأسرته، وعلى خلاف ذلك يتأتى العدوان من جهته باقتران احتفاظه بها بامتناعه عن أن يوفر فى عقاره مكاناً ملائماً بديلاً للمؤجر أو أحد اقاربه حتى الدرجة الثانية، ولو أنه تخلى عنها بعد انتفاء حاجته إليها لعاد إليها الحق كاملاً فى استعمال عقاره واستغلاله بالطريقة التى يراها.
5 – شريعة إسلامية – دستور – إيجار "إيجار الأماكن: تملك المستأجر عقاراً من أكثر من ثلاث وحدات".
موازنة نص المادة 22 من القانون رقم 136 لسنة 1981 بين مصلحتين مرجحاً ما ارتاه منهما أحق بالحماية محققا للمصلحة العامة – لا مخالفة لأحكام الدستور ومن بينها المادة الثانية التى يتعين بموجبها رد النصوص التشريعية إلى مبادىء الشريعة الإسلامية لضمان توافقها معها، باعتبار توكيد النص أن المضرة المدفوعة مقدمة على المنفعة المجلوبة، وأنه فى إطار هذا الأصل لا يجوز للمستأجر بعد صيرورته مالكاً لعقار تتعدد وحداته السكنية أن يظل محتفظاً بالعين التى استأجرها متسلطاً عليها رغم زوال حاجته إليها ما لم يوفر فى عقاره بديلاً عنها لمن هم فى حوج إليها.
6 – حق الملكية "وظيفته الاجتماعية – تنظيمه" – إيجار "إيجار الأماكن: تملك المستأجر عقاراً من أكثر من ثلاث وحدات".
إدعاء الطاعن أن نص المادة 22 من القانون رقم 136 لسنة 1981 يخل بحرية التعاقد، إذ يفرض على المستأجر الذى يقيم عقاراً من أكثر من ثلاث وحدات مستأجرين لعقاره ويحمله على التعاقد معهم، على غير أساس، باعتبار أن هذا المأخذ مرده، بفرض صحته، اختياره البقاء فى العين المؤجرة إضراراً بمالكها ولضآلة أجرتها رغم إنتفاء حاجته إليها، وكان الأصل اعتبار عقد إيجاره منتهياً بمجرد إقامته عقاراً مملوكاً له، غير أن المشرع انتهاجاً لسنة التدرج خيره بين التخلى عن العين لصاحبها وبين مزاحمته فى ملكه بإيثاره البقاء فيها ليتحمل بعدئذ قيد تمكين المؤجر أو بعض ذويه من اتخاذ مكان ملائم فى عقاره سكناً، مما يعتبر تنظيماً للحق فى الملكية أداء لوظيفتها الاجتماعية بما لا مخالفة فيه للدستور.
7 – إيجار "إيجار الأماكن: تملك المستأجر عقارا من أكثر من ثلاث وحدات – أجرة".
إدعاء الطاعن بأن نص المادة 22 من القانون رقم 136 لسنة 1981، إذ يفرض على المستأجر الذى يقيم عقارا من أكثر من ثلاث وحدات أن يوفر للمؤجر أو بعض ذويه مسكناً بالعقار الذى أقامه بما لا يجاوز مثلى أجرة الوحدة التى يستأجرها، فقد حدد أجرة ذلك المسكن دون مراعاة لتكلفة المساكن الجديدة، إذ جعلها مثل أجرة المساكن المتهدمة بإيجاراتها الضئيلة، على غير أساس، باعتبار أن هذا الحكم ما كان ليسرى لو أنه قنع بالسكنى فى عقاره منهيا علاقته الإيجارية السابقة، كما أن تدخل المشرع، فى الأوضاع الاستثنائية، لتقرير ضوابط للأجرة بما لا ينزل بها عن الحدود التى تعتبر معها مقابلاً معقولاً لمنفعة العين المؤجرة هو مما يدخل فى نطاق سلطته التقديرية فى مجال تنظيم الحقوق بما لا يناقض الصالح العام.
8 – قاعدة قانونية "خصائصها".
عموم القاعدة القانونية لا يعنى انصرافها إلى جميع الموجودين على اقليم الدولة أو انبساطها على كل ما يصدر عنهم من أعمال، وإنما تتوافر لها مقوماتها بانتفاء التخصيص، ويتحقق ذلك إذا سنها المشرع مجرد عن الاعتداد بشخص معين أو بواقعة بذاتها – تمحض النص عن قاعدة عامة مجردة متى انسحب إلى أشخاص بأوصافهم وتعلق بوقائع غير محددة بذواتها.
9 – مبدأ المساواة "ماهيته – صور التمييز".
مبدأ المساواة أمام القانون لا يعنى معاملة فئات المواطنين على ما بينها من تفاوت فى مراكزها القانونية معاملة قانونية متكافئة، ولا كذلك معارضة صور التمييز جميعها – أساس ذلك، أن من صور التمييز ما يستند إلى أسس موضوعية لا مخالفة فيها للدستور، إذا التمييز المنهى عنه هو الذى يكون تحكمياً، باعتبار أن كل تنظيم تشريعى ليس مقصوداً لذاته بل لتحقيق أغرض بعينها تعكس مشروعيتها اطارا للمصلحة العامة التى يسعى المشرع إلى تحقيقها من ورائه، فإن صادم النص التشريعى، بما انطوى عليه التمييز، هذه الأغراض، كان غير مستند إلى أسس موضوعية ومتبنيا تمييزا تحكميا مجافيا للدستور.
10 – إيجار "إيجار الأماكن: تملك المستأجر عقاراً من أكثر من ثلاث وحدات" – مبدأ المساواة.
النص فى المادة 22 من القانون رقم 136 لسنة 1981 على تخيير المستأجر الذى يقيم عقاراً من أكثر من ثلاث وحدات بين التخلى عن العين التى يستأجرها أو توفيره لمالكها أو بعض ذويه مسكناً بديلاً بعقاره – يتضمن تنظيما خاصا محدد القواعد وفق أسس موضوعية لا تقيم فى مجال تطبيقها تمييزاً بين المخاطبين بها المتكافئة مراكزهم القانونية، وما قصر هذا التنظيم عليهم إلا لاغراض بعينها تقتضيها المصلحة العامة، باعتبار أن التوازن فى العلاقة الإيجارية هو غايته النهائية والتى ترتبط بها وتؤدى إليها قواعده – لا إخلال بمبدأ المساواة.
11 – حرية الاقامة والتنقل.
حرية الاقامة المنصوص عليها فى المادة 50 من الدستور، هى التى ينال تقييدها أو منعها من الحق فى التنقل انتقاصاً أو إهداراً – الحق فى التنقل كفل الله أصله فى محكم اياته، وهو من الحقوق التى تتكامل بها الشخصية الإنسانية ويتصل بالحرية الشخصية، ومن ثم اعتبره الدستور من الحقوق العامة التى يتعين ضمانها لكل مواطن (المواد: 41، 51، 52 من الدستور).
12 – إيجار "إيجار لأماكن: تملك المستأجر عقاراً من أكثر من ثلاث وحدات" – حرية الاقامة والتنقل.
إدعاء الطاعن بأن نص المادة 22 من القانون رقم 136 لسنة 1981 إذ يفرض على المستأجر الذى يقيم عقارا من أكثر من ثلاث وحدات التخلى عن العين التى يستأجرها أو توفيره لمالكها أو بعض ذويه مسكناً بديلاً بعقاره، فإنما يقيد حريته فى الاقامة فى الجهة التى يختارها ويحمله على عدم الاقامة فى مسكنه الأصلى والسكنى فى العقار الذى أقامه بالمخالفة للمادة 50 من الدستور، على غير أساس، باعتبار أن النص المطعون عليه لا يتوخى تنظيم الاقامة أو فرض قيود عليها ولا شأن له بها، وإنما تغيا اقامة توازن كان مفقوداً فى العلاقة الإيجارية، فضلا عن أن جوهر السلطة التقديرية للمشرع إذ يتمثل فى المفاضلة التى يجريها بين البدائل المختلفة المتصلة بالموضوع الذى يتناوله بالتنظيم، فإن ما يثير المدعى لا يعد وكونه تعقيباً على ما ارتاه المشرع ملبياً للمصلحة العامة ومحققاً لمصلحة الغير الأولى بالاعتبار.
1 – إن الدستور قد حرص عل النص على صون الملكية الخاصة وكفل عدم المساس بها إلا على سبيل الاستثناء، وفى الحدود وبالقيود التى اوردها، باعتبار أنها فى الأصل ثمرة مترتبة على الجهد الخاص الذى بذله الفرد بكده وعرقه، وبوصفها حافز كل شخص إلى الإنطلاق والتقدم، إذ يختص دون غيره بالأموال التى يملكها وتهيئة الاتنفاع المفيد بها لتعود إليه ثمارها، وكانت الأموال التى يرد عليها حق الملكية تعد كذلك من مصادر الثروة القومية التى لا يجوز التفريط فيها و استخدامها على وجه يعوق التنمية أو يعطل مصالح الجماعة، وكانت المالكية فى إطار النظم الوضعية التى تزاوج بين الفردية وتدخل الدولة، لم تعد حقا مطلقا، ولا هى عصية على التنظيم التشريعى، وإنما يجوز تحميلها بالقيود التى تقتضيها وظيفتها الاجتماعية، وهى وظيفة يتحدد نطاقها ومرماها على ضوء طبيعة الأموال محل الملكية، والأغراض التى ينبغى توجيهها إليها، وبمراعاة الموازنة التى يجريها المشرع ويرجح من خلالها ما يراه من المصالح أولى بالرعاية وأجدر بالحماية. متى كان ذلك، تعين أن ينظم القانون أداء هذه الوظيفة مستهدياً بوجه خاص بالقيم التى تنحاز إليها الجماعة فى مرحلة من مراحل تطورها، وبمراعاة أن القيود التى تفرضها الوظيفة الاجتماعية على حق الملكية للحد من إطلاقها، لا تعتبر مقصودة لذاتها، بل غايتها خير الفرد والجماعة.
2 – أن الدستور قد كفل فى مادته الثانية والثلاثين حماية الملكية الخاصة التى لا تقوم فى جوهرها على الاستغلال، وهو يرد انحرافها كلما كان استخدامها متعارضاً مع الخير العام للشعب، ويؤكد دعمها بشرط قيامها على أداء الوظيفة الاجتماعية التى يبين المشرع حدودها مراعياً أن تعمل فى خدمة الاقتصاد القومى وفى إطار خطة التنمية. ولا مخالفة فى ذلك كلها لمبادىء الشريعة الإسلامية أو الأسس التى تقوم عليها، إذ الأصل فيها أن الأموال جميعها مضافة إلى الله تعالى، فهو الذى خلقها وإليه تعود، وقد عهد إلى عباده عمارة الأرض وهم مسئولون عما فى أيديهم من الأموال باعتبارهم مستخلفين فيها لقوله سبحانه وتعالى ) وأنفقوا مما جعلناكم مستخلفين فيه( ، ولم تعد الملكية بالتالى مجرد حق خالص لصاحبها ولا هى مزية فى ذاتها تتحرر بموجبها من القيود، وإنما تتقيد بما لولى الأمر من سلطة فى مجال تنظيمها بما يحقق المقاصد الشرعية فى نطاقها، وهى مقاصد ينافيها أن يكون إنفاق الأموال أو إدارتها متخذاً وجهة تناقض مصلحة الجماعة أو تخل بمصلحة للغير أولى بالإعتبار، ومن ثم جاز لولى الأمر رد الضرر البين الفاحش واختيار أهون الشرين – إذا تزاحما فى مجال مباشرة المالك لسلطاته – لدفع أعظمها. كذلك فإن العمل على دفع الضرر قدر الإمكان هو مما ينعقد لولى الأمر بشرط ألا يزال الضرر بمثله، ولا يسوغ بالتالى لمن اختص بمال معين بسبب سبق يده إليه أن يقوم على استخدامه متشحاً بنزعة أنانية قوامها الغلو فى الفردية، وإنما ينبغى أن يكون لحق الملكية إطار محدد تتوازن فيه المصالح ولا تتناقض، ذلك أن الملكية خلافة، وهى باعتبارها كذلك، تؤول إلى وظيفة اجتماعية تعكس بالقيود التى تفرضها على الملكية، الحدود المشروعة لممارسة سلطاتها، وهى حدود لا يجوز تجاوزها لأن المروق منها يخرج الملكية عن وضعها ويحسر الحماية المقررة لها.
3، 4، 5 – إن الوظيفة الاجتماعية لحق الملكية تبرز بوجه خاص فى مجال الإسكان، ذلك أن كثرة من القيود تتزاحم فى نطاق مباشرة المالك لسلطته فى مجال استغلال ملكه، وهى قيود قصد بها فى الأصل مواجهة الأزمة المتفاقمة الناشئة عن قلة المعروض من الأماكن المهيأة للسكنى لمقابلة الزيادة فى الطلب عليها، ولازم ذلك أن تدور هذه القيود – وأهمها الإمتداد القانونى لعقد الإيجار – وجوداً وعدماً مع علة تقريرها. لما كان ذلك، وكانت الضرورة تقدر بقدرها، وكان توافرها يعتبر مناطاً للحماية التى يقرر المشرع بموجبها امتداد عقد الإيجار بحكم القانون، وكان نص المادة 22 من القانون رقم 136 لسنة 1981 المطعون عليه قد تناول بالتنظيم العلاقة الإيجارية فى بعض جوانبها، موازناً بين المصالح المتنازعة لأطرافها، كاشفاً بمضمونه عن أن تقرير الأحكام الاستثنائية لعقد الإيجار رهن بقيام مبرراتها، وكان هذا النص قد صدر لتحقيق غاية بعينها هى تحقيق التوازن فى العلاقة الإيجارية، ودل بعبارته وفحواه على أنه إذا أقام مستأجر العين المؤجرة – فى تاريخ لاحق لإبرامه عقد الإيجار المتعلق بها – عقاراً مملوكاً له تزيد وحداته السكنية على ثلاث، اقتضاه ذلك أن يشغل إحداها بدلاً من العين التى استأجرها، فإذا آثر البقاء فيها كان ذلك تحكما وانتهازا من جهته لا سبيل لدفعه عنه إلا إذا وفر لمؤجر العين أو لأحد أقربائه حتى الدرجة الثانية مكاناً بديلاً عنها فى العقار الذى أقامه، على أن يكون هذا المكان ملائماً، وإلا تجاوز الأجرة التى يقتضيها مقابل منفعته مثلى الأجرة المستحقة عن العين التى أستأجرها. تلك هى الأحكام التى تضمنها النص التشريعى المطعون عليه، ولا ينطوى إعمال المؤجر لها على عدوان من جانبه على ملكية المدعية للعقار الذى أقامته بعد استئجارها لعين فى عقاره، ذلك أن بقاءها فى العين المؤجرة إليها بعد انتهاء المدة الإتفاقية لعقدها، يفترض فيه استمرار حاجتها إليها بوصفها مكاناً يأويها هى وأسرتها. وعلى خلاف ذلك يأتى العدوان من جهتها هى باقتران احتفاظها بالعين التى استأجرتها بامتناعها عن أن توفر فى عقارها مكانا ملائما بديلا عنها لمؤجر العين أو لأحد أقربائه حتى الدرجة الثانية. ولو أنها كانت قد تخلت عن العين المؤجرة بعد انتفاء حاجتها إليها، لعاد إليها الحق كاملاً فى استعمال عقارها واستغلاله بالطريقة التى تراها. وبذلك يكون النص المطعون عليه قد وازن بين مصلحتين مرجحاً ما ارتآه منهما أحق بالحماية بما لا مخالفة فيه لأحكام الدستور ومن بينها المادة الثانية منه التى يتعين بموجبها رد النصوص التشريعية إلى مبادىء الشريعة الإسلامية لضمان توافقها معها، ذلك أن النص المطعون عليه لا يعمد إلى التضحية الكاملة بحقوق المؤجر ولا يسقطها كلية من اعتباره متجاوزاً عن مصالحه المرتبطة بها، وإنما اعتد بها فى الحدود التى قدرها، مؤكداً أن المضرة المدفوعة مقدمة على المنفعة المجلوبة، وأنه فى إطار هذا الأصل لا يجوز للمستأجر بعد أن صار مالكاً لعقار تتعدد وحداته السكنية أن يظل محتفظاً بالعين التى استأجرها متسلطاً عليها رغم زوال الحاجة إليها دون أن يوفر فى عقاره بديلاً عنها للأشخاص الذين عينهم المشرع وحددهم بأوصافهم، وذلك نوع من التوازن ارتآه المشرع محققاً للمصلحة العامة.
6، 7 – نَعْىُ المدعية على نص المادة 22 من القانون رقم 136 لسنة 1981 اخلاله بحرية المتعاقد، بمقولة أنه يفرض عليها مستأجرين لعقارها ويحملها على التعاقد معهم، وأنه كذلك حدد الأجرة التى يدفعونها للوحدة التى أقامتها دون مراعاة لتكلفة المساكن الجديدة إذ جعلها مثلى الأجرة المستحقة عن المساكن المتهدمة بإيجاراتها الضئيلة – مردود بأن المآخذ التى نسبتها المدعية على هذا النحو إلى النص التشريعى المطعون فيه، مردها – وبفرض صحتها – إلى اختيارها البقاء فى العين المؤجرة إضراراً بمالكها ولضآلة أجرتها رغم انتفاء حاجتها إليها ، وكان الأصل هو أن يعتبر عقد إيجارها منتهياً بحكم القانون بمجرد اقامتها عقاراً مملوكاً لها. غير أن المشرع انتهاجاً من جانبه لسنة التدرج، خيرها بين التخلى نهائياً عن العين التى استأجرتها لصاحبها لتعود إليه سلطاته الكاملة المتفرعة عن حق الملكية، وبين مزاحمته فى ملكه بإيثارها البقاء فى هذه العين، لتتحمل بعدئذ القيود التى فرضها المشرع عليها بأن تمكن المؤجر أو بعض ذويه من اتخاذ مكان ملائم فى عقارها سكناً، وليس ذلك إلا تنظيماً للحق فى الملكية بما يكفل أداءها لوظيفتها الاجتماعية وبما لا مخالفة فيه للدستور. وما تنعاه المدعية على مقدار الأجرة التى تستحقها مردود كذلك بأن الحكم التشريعى المتعلق بها – والمطعون عليه – ما كان ليسرى عليها لو أنها قنعت بالسكنى فى عقارها منهية بذلك علاقتها الإيجارية السابقة. هذا بالإضافة إلى أن تدخل المشرع – فى الأوضاع الاستثنائية – لتقرير ضوابط للأجرة بما لا ينزل بها عن الحدود التى تعتبر معها مقابلاً معقولاً لمنفعة العين المؤجرة هو مما يدخل فى نطاق سلطته التقديرية فى مجال تنظيم الحقوق بما لا يناقض الصالح العام.
8، 9، 10 – النعى بأن النص فى المادة 22 من القانون رقم 136 لسنة 1981 على تخيير المستأجر الذى يقيم عقاراً من أكثر من ثلاث وحدات بين التخلى عن العين التى يستأجرها أو توفيره لمالكها أو لبعض ذويه مسكناً بديلاً بعقاره، يعد إخلالاً بمبدأ المساواة أمام القانون، إذ وضع شروطاً غير عامة مجردة حدد بها المراكز القانونية فى واقعة النزاع، مردود بأن عموم القاعدة لا يعنى انصرافها إلى جميع الموجودين على إقليم الدولة أو انبساطها على كل ما يصدر عنهم من أعمال، وإنما تتوافر للقاعدة القانونية مقوماتها بانتفاء التخصيص، ويتحقق ذلك إذا سنها المشرع مجرد عن الاعتداد بشخص معين أو بواقعة بذاتها معينة تحديداً. وكان النص المطعون فيه – بالشروط التى حدد بها نطاقه ومجال تطبيقه – يتمحض عن قاعدة عامة مجردة لانسحابه إلى أشخاص بأوصافهم وتعلقه بوقائع غير محددة بذواتها، وكان مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون لا يعنى أن تعامل فئاتهم على ما بينها من تفاوت فى مراكزها القانونية معاملة قانونية متكافئة، كذلك لا يقوم هذا المبدأ على معارضة صور التمييز جميعها، ذلك أن من بينها ما يستند إلى أسس موضوعية ولا ينطوى بالتالى على مخالفة لنص المادة 40 من الدستور بما مؤداه أن التمييز المنهى عنه بموجبها هو ذلك الذى يكون تحكمياًً، ذلك أن كل تنظيم تشريعى لا يعتبر مقصوداً لذاته، بل لتحقيق أغراض بعينها يعتبر هذا التنظيم ملبياً لها. وتعكس مشروعية هذا الأغراض إطاراً للمصلحة العامة التى يسعى المشرع لبلوغها متخذاً من القواعد القانونية التى يقوم عليها هذا التنظيم سبيلاً إليها، فإذا كان النص التشريعى المطعون عليه – بما انطوى عليه من التمييز – مصادماً لهذه الأغراض مجافياً لها بما يحول دون ربطه منطقياً بها أو اعتباره مدخلاً إليها، فإن ذلك النص يكون مستنداً إلى أسس غير موضوعية، ومتبنياً تمييزاً تحكمياً بالمخالفة لنص المادة 40 من الدستور. متى كان ذلك، وكان المشرع قد أفرد العلاقة الإيجارية محل النزاع الماثل بتنظيم خاص محدداً قواعده وفق أسس موضوعية لا تقيم فى مجال تطبيقها تمييزاً من أى نوع بين المخاطبين بها المتكافئة مراكزهم القانونية بالنسبة إليها، وكان قصر هذا التنظيم عليهم قد تقرر لأغراض بعينها تقتضيها المصلحة العامة باعتبار أن التوازن فى العلاقة الإيجارية هو الغاية النهائية التى استهدفها التنظيم التشريعى المطعون عليه، وكانت القواعد التى يقوم عليها هذا التنظيم – وعلى ضوء دلالتها القاطعة – تعتبر مرتبطة بأغراضه النهائية ومؤدية إليها، فإن قالة الإخلال بمبدأ المساواة المنصوص عليه فى المادة الأربعين من الدستور تكون فاقدة لأساسها.
11، 12 – نَعْىُ المدعية على نص المادة 22 من القانون رقم 136 لسنة 1981 بأنه إذ يفرض على المستأجر الذى يقيم عقاراً من أكثر من ثلاث وحدات التخلى عن العين التى يستأجرها أو توفيره لمالكها أو بعض ذويه مسكناً بديلاً بعقاره، فإنه يكون مخالفاً للدستور فى مادته الخمسين التى حظر بها منع الموطن من الإقامة فى جهة معينة أو إلزامه بالإقامة فى مكان معين، إلا فى الأحوال المبينة فى القانون قولاً منها بأن النص المطعون فيه يقيد حريتها فى الإقامة فى الجهة التى تختارها، ويحملها على عدم الإقامة فى مسكنها الأصلى والسكنى فى العقار الذى أقامته – مردود بأن الإقامة التى يعنيها الدستور فى مادته الخمسين هى التى ينال تقييدها أو منعها من الحق فى التنقل سواء بالإنتقاص منه أو إهداره، وهو حق كفل الله عز وجل أصله بقوله ) هو الذى جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا فى مناكبها( ، وهو كذلك من الحقوق التى تتكامل بها الشخصية الإنسانية التى تعكس حمايتها التطور الذى قطعته البشرية نحو مثلها العليا على ما قررته ديباجة الدستور، ويعتبر من جهة أخرى متصلاً بالحرية الشخصية معززاً لصونها من العدوان، ومن ثم نص الدستور فى مادته الحادية والأربعين على أنه فيما عدا حالة التلبس، لا يجوز القبض على أحد….. أو منعه من التنقل، إلا بأمر تستلزمه ضرورة التحقيق وصيانة أمن المجتمع. وتوكيداً لمضمون الحق فى التنقل وتحديداً لأبعاده، اعتبره الدستور من الحقوق العامة التى يتعين ضمانها لكل مواطن. وفى إطار هذا الحق نص الدستور فى مادته الحادية والخمسين على أنه لا يجوز إبعاد أى مواطن عن البلاد أو منعه من العودة إليها ولو كان ذلك تدبيراً احترازياً لمواجهة خطورة إجرامية. ولقد عنى الدستور كذلك فى مادته الثانية والخمسين بأن ينظم بعض صوره حين كفل للمواطنين حق الهجرة الدائمة أو الموقوتة إلى الخارج وفقاً للقواعد التى يضعها المشرع فى شأن شروط الهجرة وإجراءاتها. لما كان ذلك، وكان النص التشريعى المطعون فيه لا يتوخى تنظيم الإقامة بالمعنى المتقدم ولا شأن له بها، ولم يقصد إلى فرض قيود عليها، بل تغيا بأحكامه إقامة توازن كان مفقوداً فى العلاقة الإيجارية قبل صدوره، وكان جوهر السلطة التقديرية التى يملكها المشرع إنما يتمثل فى المفاضلة التى يجريها بين البدائل المختلفة المتصلة بالموضوع الذى تناوله بالتنظيم، وكان ما تثيره المدعية فى هذا الوجه من مناعيها لا يعدو أن يكون تعقيباً من جانبها على ما إرتآه المشرع ملبياً للمصلحة العامة ومحققاً لمصلحة الغير الأولى بالاعتبار، فإن نعيها يكون حرياً بالرفض


الاجراءات

بتاريخ 22 ديسمبر سنة 1987 أودعت المدعية صحيفة الدعوى الماثلة بطلب الحكم بعدم دستورية نص الفقرة الثانية من المادة 22 من القانون رقم 136 لسنة 1981 فى شأن بعض الأحكام الخاصة بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها رفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرا برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الإطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما بين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل فى أن المدعى عليهم من الثانية إلى الرابع كانوا قد أقاموا الدعوى رقم 3357 لسنة 1986 مدنى كلى المحلة ضد المدعى والمدعى عليه الخامس طالبين الحكم بإنهاء عقد الإيجار المؤرخ أول يولية سنة 1963 عن الوحدة السكنية المبينة بالعقد وصحيفة الدعوى والتى قام مورثهم بتأجيرها إلى مورث المدعية والمدعى عليه الخامس، تأسيسا على إقامة الأخيرين – وهما خلف المستأجر – فى عامى 1984 و1985 مبنى مملوكا لهما يتكون من أكثر من ثلاث وحدات ودون أن يوفرا لهم وحدة ملائمة بالمبنى الذى أقاماه.
وحيث إن القانون رقم 136 لسنة 1981 فى شأن بعض الأحكام الخاصة بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، ينص فى الفقرة الثانية من مادته الثانية والعشرين على أنه "إذا أقام المستأجر مبنى مملوكا له يتكون من أكثر من ثلاث وحدات فى تاريخ لاحق لإستئجاره، يكون بالخيار بين الاحتفاظ بسكنه الذى يستأجره، أو توفير مكان ملائم لمالكه أو أحد أقاربه حتى الدرجة الثانية بالمبنى الذى أقامه، بما لا يجاوز مثلى الأجرة المستحقة له عن الوحدة التى يستأجرها منه".
وحيث إن المدعية تنعى على الفقرة الثانية من المادة الثانية والعشرين المشار إليها مخالفتها للمادة الثانية من الدستور باعتبار أن الملكية وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية هى اختصاص حاجز يجوز للمالك بمقتضاه أن يباشر سلطته على الشيئ الذى يملكه ليمنع غيره من استعماله، هذا بالإضافة إلى مخالفة الفقرة الثانية المشار إليها لنص المادة الرابعة والثلاثين من الدستور لإخلالها بالحماية التى كفلها للملكية الخاصة، وذلك بالزامها المالك بتأجير إحدى وحدات العقار الذى يشيده – ولو كان هو وأسرته فى حاجة إليها – إلى أشخاص بعينهم – ولو كانوا غير أهل للجوار أو فى غير حاجة إلى الوحدة السكنية.
وحيث إن هذا النعى مردود، ذلك أن الدستور حرص على النص على صون الملكية الخاصة وكفل عدم المساس بها إلا على سبيل الاستثناء، وفى الحدود وبالقيود التى أوردها، باعتبار أنها فى الأصل ثمرة مترتبة على الجهد الخاص الذى بذله الفرد بكده وعرقه وبوصفها حافز كل شخص إلى الانطلاق والتقدم، إذ يختص دون غيره بالأموال التى يملكها وتهيئة الانتفاع المفيد بها لتعود إليه ثمارها. وكانت الأموال التى يرد عليها حق الملكية تعد كذلك من مصادر الثروة القومية التى لا يجوز التفريط فيها أو استخدامها على وجه يعوق التنمية أو يعطل مصالح الجماعة، وكانت الملكية فى إطار النظم الوضعية التى تزاوج بين الفردية وتدخل الدولة، لم تعد حقا مطلقا، ولا هى عصية على التنظيم التشريعى، وإنما يجوز تحميلها بالقيود التى تقتضيها وظيفتها الاجتماعية، وهى وظيفة يتحدد نطاقها ومرماها على ضوء طبيعة الأموال محل الملكية، والأغراض التى ينبغى توجيهها إليها، وبمراعاة الموازنة التى يجريها المشرع ويرجح من خلالها ما يراه من المصالح أولى بالرعاية وأجدر بالحماية. متى كان ذلك، تعين أن ينظم القانون أداء هذه الوظيفة مستهدياً بوجه خاص بالقيم التى تنحاز إليها الجماعة فى مرحلة من مراحل تطورها، وبمراعاة أن القيود التى تفرضها الوظيفة الاجتماعية على حق الملكية للحد من إطلاقها، لا تعتبر مقصودة لذاتها بل غايتها خير الفرد والجماعة. ولقد كفل الدستور فى مادته الثانية والثلاثين حماية الملكية الخاصة التى لا تقوم فى جوهرها على الاستغلال، وهو يرد انحرافها كلما كان استخدامها متعارضاً مع الخير العام للشعب، ويؤكد دعمها بشرط قيامها على أداء الوظيفة الاجتماعية التى يبين المشرع حدودها مراعياً أن تعمل فى خدمة الاقتصاد القومى وفى إطار خطة التنمية. ولا مخالفة فى ذلك كله لمبادىء الشريعة الإسلامية أو الأسس التى تقوم عليها، إذ الأصل أن الأموال جميعها مضافة إلى الله تعالى، فهو الذى خلقها وإليه تعود، وقد عهد إلى عباده عمارة الأرض وهم مسئولون عما فى أيديهم من الأموال باعتبارهم مستخلفين فيها لقوله سبحانه وتعالى "وأنفقوا مما جعلناكم مستخلفين فيه"، ولم تعد الملكية بالتالى مجرد حق خالص لصاحبها ولا هى مزية فى ذاتها تتحرر بموجبها من القيود، وإنما تتقيد بما لولى الامر من سلطة فى مجال تنظيمها بما يحقق المقاصد الشرعية فى نطاقها، وهى مقاصد ينافيها أن يكون إنفاق الأموال أو إدارتها متخذاً وجهة تناقض مصلحة الجماعة أو تخل بمصلحة للغير أولى بالاعتبار، ومن ثم جاز لولى الأمر رد الضرر البين الفاحش واختيار أهون الشرين – إذا تزاحما فى مجال مباشرة المالك لسلطاته – لدفع أعظمها. كذلك فإن العمل على دفع الضرر قدر الإمكان هو مما ينعقد لولى الأمر بشرط ألا يزال الضرر بمثله، ولا يسوغ بالتالى لمن اختص بمال معين بسبب سبق يده إليه أن يقوم على استخدامه متشحاً بنزعة أنانية قوامها الغلو فى الفردية، وإنما ينبغى أن يكون لحق الملكية إطار محدد تتوازن فيه المصالح ولا تتناقض، ذلك أن الملكية خلافا، وهى باعتبارها كذلك تؤول إلى وظيفة اجتماعية تعكس بالقيود التى تفرضها على الملكية، الحدود المشروعة لممارسة سلطاتها، وهى حدود لا يجوز تجاوزها لأن المروق منها يخرج الملكية عن وضعها، ويحسر الحماية المقررة لها.
وحيث إن الوظيفة الاجتماعية لحق الملكية تبرز بوجه خاص فى مجال الإسكان، ذلك أن كثرة من القيود تتزاحم فى نطاق مباشرة المالك لسلطته فى مجال استغلال ملكه، وهى قيود قصد بها فى الأصل مواجهة الأزمة المتفاقمة الناشئة عن قلة المعروض من الأماكن المهيأه للسكنى لمقابلة الزيادة فى الطلب عليها، ولازم ذلك أن تدور هذه القيود – وأهمها الإمتداد القانونى لعقد الإيجار – وجوداً وعدماً مع على تقريرها. لما كان ذلك، وكانت الضرورة تقدر بقدرها وكان توافرها يعتبر مناطاً للحماية التى يقرر المشرع بموجبها امتداد عقد الإيجار بحكم القانون، وكان النص التشريعى المطعون عليه قد تناول بالتنظيم العلاقة الإيجارية فى بعض جوانبها، موازناً بين المصالح المتنازعة لأطرافها، كاشفاً بمضمونه عن أن تقرير الأحكام الاستثنائية لعقد الإيجار رهن بقيام مبرراتها، وكان هذا النص قد صدر لتحقيق غاية بعينها هى تحقيق التوازن فى العلاقة الإيجارية، ودل بعبارته وفحواه على أنه إذا أقام مستأجر العين المؤجرة – فى تاريخ لاحق لإبرامه عقد الإيجار المتعلق بها – عقاراً مملوكاً له تزيد وحداته السكنية على ثلاث، اقتضاه ذلك أن يشغل إحداها بدلاً من العين التى استأجرها، فإذا آثر البقاء فيها كان ذلك تحكما وانتهازا من جهته لا سبيل لدفعه عنه إلا إذا وفر لمؤجر العين أو لأحد أقربائه حتى الدرجة الثانية مكانا بديلا عنها فى العقار الذى أقامه، على أن يكون هذا المكان ملائماً، وألا تجاوز ألأجرة التى يقتضيها مقابل منفعته مثلى الأجرة المستحقة عن العين التى استأجرها. تلك هى الأحكام التى تضمنها النص التشريعى المطعون عليه، ولا ينطوى إعمال المؤجر لها على عدوان من جانبه على ملكية المدعية للعقار الذى أقامته بعد استئجارها لعين فى عقاره، ذلك أن بقاءها فى العين المؤجرة إليها بعد انتهاء المدة الإتفاقية لعقدها، يفترض فيه استمرار حاجتها إليها بوصفها مكاناً يأويها هى وأسرتها. وعلى خلاف ذلك يأتى العدوان من جهتها هى باقتران احتفاظها بالعين التى استأجرتها بامتناعها عن أن توفر فى عقارها مكاناً ملائماً بديلاً عنها لمؤجر العين أو لأحد أقربائه حتى الدرجة الثانية ، ولو أنها كانت قد تخلت عن العين المؤجرة بعد انتفاء حاجتها إليها، لعاد إليها الحق كاملاً فى استعمال عقارها واستغلاله بالطريقة التى تراها. وبذلك يكون النص المطعون عليه قد وازن بين مصلحتين مرجحاً ما ارتآه منهما أحق بالحماية بما لا مخالفة فيه لأحكام الدستور ومن بينها المادة الثانية منه التى يتعين بموجبها رد النصوص التشريعية إلى مبادىء الشريعة الإسلامية لضمان توافقها معها، ذلك أن النص التشريعى المطعون عليه، وعلى ما سلف البيان، لا يعمد إلى التضحية الكاملة بحقوق المؤجر ولا يسقطها كلية من اعتباره متجاوزاً عن مصالحه المرتبطة بها، وإنما اعتد بها فى الحدود التى قدرها، مؤكداً بالنص التشريعى المطعون عليه أن المضرة المدفوعة مقدمة على المنفعة المجلوبة، وأنه فى إطار هذا الأصل لا يجوز للمستأجر بعد أن صار مالكاً لعقار تتعدد وحداته السكنية أن يضل محتفظاً بالعين التى استأجرها متسلطاً عليها رغم زوال الحاجة إليها دون أن يوفر فى عقاره بديلاً عنها للأشخاص الذين عينهم المشرع وحددهم بأوصافهم، وذلك نوع من التوازن ارتآه المشرع محققاً للمصلحة العامة.
وحيث إن المدعية تدعى كذلك على النص التشريعى المطعون فيه إخلاله بحرية التعاقد إذ فرض عليها مستأجرين لعقارها وحملها على التعاقد معهم، كما حدد الأجرة التى يدفعونها للوحدة دون مراعاة لتكلفة المساكن الجديدة إذ جعلها مثلى الأجرة المستحقة عن المساكن المتهدمة بإيجاراتها الضئيلة.
وحيث إن المآخذ التى نسبتها المدعية على هذا النحو إلى النص التشريعى المطعون فيه، مردها – وبفرض صحتها – إلى اختيارها البقاء فى العين المؤجرة إضراراً بمالكها ولضآلة أجرتها رغم حاجتها إليها. وكان الأصل هو أن يعتبر عقد إيجارها منتهياً بحكم القانون بمجرد إقامتها عقاراً مملوكاً لها. غير أن المشرع انتهاجاً من جانبه لسنة التدرج، خيرها بين التخلى نهائياً عن العين التى استأجرها لصاحبه لتعود إليه سلطاته الكاملة المتفرعة عن حق الملكية، وبين مزاحمته فى ملكه بإيثارها البقاء فى هذه العين، لتتحمل بعدئذ القيود التى فرضها المشرع عليها بأن تمكن المؤجر أو بعض ذويه من اتخاذ مكان ملائم فى عقارها سكناً، وليس ذلك إلا تنظيماً للحق فى الملكية بما يكفل أداءها لوظيفتها الاجتماعية وبما لا مخالفة فيه للدستور. وما تنعاه المدعية على مقدار الأجرة التى تستحقها مردود كذلك بأن الحكم التشريعى المتعلق بها – والمطعون عليه – ما كن ليسرى عليها لو أنها قنعت بالسكنى فى عقارها منهية بذلك علاقتها الإيجارية السابقة. هذا بالإضافة إلى أن تدخل المشرع – فى الأوضاع الاستثنائية – لتقرير ضوابط للأجرة بما لا ينزل بها عن الحدود التى تعتبر معها مقابلاً معقولاً لمنفعة العين المؤجرة هو مما يدخل فى نطاق سلطته التقديرية فى مجال تنظيم الحقوق بما لا يناقض الصالح العام.
وحيث إن المدعية تنعى على النص التشريعى المطعون فيه إخلاله بمبدأ المساواة أمام القانون وذلك بأن وضع شروطا غير عامة ولا مجردة حدد بها المراكز القانونية فى واقعة النزاع الماثل.
وحيث إن هذا النعى مردود بأن عموم القاعدة لا يعنى انصرافها إلى جميع الموجودين على إقليم الدولة أو انبساطها على كل ما يصدر عنهم من أعمال، وإنما تتوافر للقاعدة القانونية مقوماتها بانتفاء التخصيص، ويتحقق ذلك إذا سنها المشرع مجردة عن الاعتداد بشخص معين أو بواقعة بذاتها معينة تحديداً. وكان النص المطعون فيه – بالشروط التى حدد بها نطاقه ومجال تطبيقه – يتمحض عن قاعدة عامة مجردة لانسحابه إلى أشخاص بأوصافهم وتعلقه بوقائع غير محددة بذواتها، وكان مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون لا يعنى أن تعامل فئاتهم على ما بينها من تفاوت فى مراكزها القانونية معاملة قانونية متكافئة، كذلك لا يقوم هذا المبدأ على معارضة صور التمييز جميعها، ذلك أن من بينها ما يستند إلى أسس موضوعية ولا ينطوى بالتالى على مخالفة لنص المادة 40 من الدستور بما مؤداه أن التمييز المنهى عنه بموجبها هو ذلك الذى يكون تحكمياًًً، ذلك أن كل تنظيم تشريعى لا يعتبر مقصوداً لذاته، بل لتحقيق أغراض بعينها يعتبر هذا التنظيم ملبياً لها. وتعكس مشروعية هذا الأغراض إطاراً للمصلحة العامة التى يسعى المشرع لبلوغها متخذاً من القواعد القانونية التى يقوم عليها هذا التنظيم سبيلاً إليها، فإذا كان النص التشريعى المطعون عليه – بما انطوى عليه من التمييز – مصادماً لهذه الأغراض مجافياً لها بما يحول دون ربطه منطقياً بها أو اعتباره مدخلاً إليها، فإن ذلك النص يكون مستنداً إلى أسس غير موضوعية، ومتبنياً تمييزاً تحكمياً بالمخالفة لنص المادة 40 من الدستور. متى كان ذلك، وكان المشرع قد أفرد العلاقة الإيجارية محل النزاع الماثل بتنظيم خاص محدداً قواعده وفق أسس موضوعية لا تقيم فى مجال تطبيقها تمييزا من أى نوع بين المخاطبين بها المتكافئة مراكزهم القانونية بالنسبة إليها، وكان قصر هذا التنظيم عليهم قد تقرر لأغراض بعينها تقتضيها المصلحة العامة باعتبار أن التوازن فى العلاقة الايجارية هو الغاية النهائية التى استهدفها التنظيم التشريعى المطعون عليه، وكانت القواعد الى يقوم عليها هذا التنظيم – وعلى ضوء دلالتها القاطعة – تعتبر مرتبطة بأغراضه النهائية ومؤدية إليها، فإن قالة الإخلال بمبدأ المساواة المنصوص عليه فى المادة الأربعين من الدستور تكون فاقدة لأساسها.
وحيث إن المدعية تنعى كذلك على النص المطعون عليه مخالفته للدستور فى مادته الخمسين التى حظر بها منع المواطن من الإقامة فى جهة معينة أو إلزامه بالإقامة فى مكان معين، إلا فى الأحوال المبينة فى القانون قولاً منها بأن النص المطعون فيه يقيد حريتها فى الإقامة فى الجهة التى تختارها، ويحملها على عدم الإقامة فى مسكنها الأصلى والسكنى فى العقار الذى أقامته.
وحيث إن هذا النعى مردود بأن الإقامة التى يعنيها الدستور فى مادته الخمسين هى التى ينال تقييدها أو منعها من الحق فى التنقل سواء بالإنتقاص منه أو إهداره، وهو حق كفل الله عز وجل أصله بقوله "هو الذى جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا فى مناكبها"، وهو كذلك من الحقوق التى تتكامل بها الشخصية الإنسانية التى تعكس حمايتها التطور الذى قطعته البشرية نحو مثلها العليا على ما قررته ديباجة الدستور، ويعتبر من جهة أخرى متصلاً بالحرية الشخصية معززاً لصونها من العدوان، ومن ثم نص الدستور فى مادته الحادية والأربعين على أنه فيما عدا حالة التلبس، لا يجوز القبض على أحد…… أو منعه من التنقل، إلا بأمر تستلزمه ضرورة التحقيق وصيانة أمن المجتمع. وتوكيداً لمضمون الحق فى التنقل وتحديداً لأبعاده اعتبره الدستور من الحقوق العامة التى يتعين ضمانها لكل مواطن. وفى إطار هذا الحق نص الدستور فى مادته الحادية والخمسين على أنه لا يجوز إبعاد أى مواطن عن البلاد أو منعه من العودة إليها ولو كان ذلك تدبيراً احترازيا لمواجهة خطورة إجرامية ولقد عنى الدستور كذلك فى مادته الثانية والخمسين بأن ينظم بعض صوره حين كفل للمواطنين حق الهجرة الدائمة أو الموقوتة إلى الخارج وفقاً للقواعد التى يضعها المشرع فى شأن شروط الهجرة وإجراءاتها. لما كان ذلك، وكان النص التشريعى المطعون فيه لا يتوخى تنظيم الإقامة بالمعنى المتقدم ولا شأن له بها، ولم يقصد إلى فرض قيود عليها، بل تغيا بأحكامه إقامة توازن كان مفقوداً فى العلاقة الإيجارية قبل صدوره، وكان جوهر السلطة التقديرية التى يملكها المشرع إنما يتمثل فى المفاضلة التى يجريها بين البدائل المختلفة المتصلة بالموضوع الذى تناوله بالتنظيم، وكان ما تثيره المدعية فى هذا الوجه من مناعيها لا يعدو أن يكون تعقيباً من جانبها على ما ارتآه المشرع ملبياً للمصلحة العامة ومحققاً لمصلحة الغير الأولى بالاعتبار، فإن نعيها يكون حريا بالرفض.

لهذه الأسباب:

حكمت المحكمة برفض الدعوى، ومصادرة الكفالة، والزمت المدعية المصروفات، ومبلغ مائة جنيه أتعابا للمحاماه.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات