الرئيسية الاقسام القوائم البحث

قاعدة رقم الطعن رقم 102 لسنة 12 قضائية “دستورية” – جلسة 19 /06 /1993 

أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء الخامس (المجلد الثانى)
من أول يوليو 1992 حتى آخر يونيو 1993 – صـ 343

جلسة 19 يونية سنة 1993

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة، وحضور السادة المستشارين/ محمد إبراهيم أبو العينين وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد على سيف الدين وعدلى محمود منصور – أعضاء، وحضور السيد المستشار/ محمد خيرى طه عبد المطلب – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ رأفت محمد عبد الواحد – أمين السر.

قاعدة رقم
القضية رقم 102 لسنة 12 قضائية "دستورية"

1 – الشرعية الدستورية – "غايتها – مكانتها – أصلها – مؤداها".
الشرعية الدستورية: غايتها: ضمان أن تكون النصوص التشريعية مطابقة لأحكام الدستور، وهى فرع من خضوع الدولة للقانون. مؤدى ذلك: عدم جواز إعمال نص تشريعى للفصل فى نزاع معروض على أية جهة قضائية إذا بدا لها مصادمته للدستور من وجهة مبدئية.
2 – الدفع بعدم الدستورية – "طبيعيته – إبداؤه أمام محكمة النقض".
ليس من الدفوع التى يخالطها واقع، وإنما ينحل إلى إدعاء بمخالفة نص تشريعى لحكم فى الدستور. أثر ذلك: جواز إبدائه ولو لأول مرة أمام محكمة النقض.
3 – محكمة النقض – "طبيعة الرقابة القضائية التى تباشرها".
محكمة النقض تعتبر من المحاكم التى عنتها المادة 29 من قانون المحكمة الدستورية العليا – تقرير ما إذا كان النص التشريعى المطعون بعدم دستوريته يعد لازما أو غير لازم للفصل فى الحقوق المدعى بها، وكذلك ما إذا كانت المطاعن الموجهة اليه تثير شبهة جدية للتعارض بين هذا النص وحكم فى الدستور، كلاهما من مسائل القانون التى عهد المشرع إلى محكمة النقض بمراقبة صحة تطبيقه.
4 – الحق فى التقاضى: "قصره على درجة واحدة: مدلوله".
قصر الحق فى التقاضى على درجة واحدة مما يستقل المشرع بتقديره – لا يكفى للقول بقيام هذا الحق أن يعهد المشرع بالنزاع إلى محكمة أو هيئة ذات اختصاص قضائى. لزوم أن يمتد اختصاصها إلى بحث عناصر النزاع جميعها: الواقعية منها والقانونية، ورود نص على خلاف ذلك يعتبر انكارا لحق اللجوء إلى القضاء (المادة 68 من الدستور).
5 – عمل قضائى: "المعيار المميز للعمل القضائي".
إسباغ الصفة القضائية على أعمال أى جهة عهد إليها المشرع بالفصل فى نزاع معين يفترض أن يكون تشكيلها واستقلالها كاشفين عن حيدتها عند الفصل فى النزاع، مع عدم الإخلال بالضمانات القضائية الرئيسية التى لا يجوز النزول عنها، وعلى ضوء قاعدة قانونية نص عليها المشرع سلفا.
6 – هيئات ذات اختصاص قضائى: "القرار بقانون رقم 55 لسنة 1960".
اللجنة التى عهد إليها القرار بقانون رقم 55 لسنة 1960 بفحص طلبات القسمة، وكذا اللجنة التى اختصها بالفصل فى الاعتراضات على الأحكام التى تصدرها اللجنة الأولى، كلتاهما هيئتان ذواتا اختصاص قضائى. أساس ذلك.
7 – الحق فى التقاضى: "محكمة الاستئناف: أحوال الطعن أمامها فى قرارات لجان القسمة".
إباحة الطعن أمام محكمة الاستئناف فى القرارات النهائية الصادرة من لجان القسمة فى أحوال تماثل أحوال الطعن بطريق النقض، ليس إنكارا لحق التقاضى فى مفهوم المادة 68 من الدستور، بل هو توكيد لمضمونه وإرساء لأبعاده بما يكفل الاغراض التى توخاها.
8 – الحق فى التقاضى: "تنظيمه: القرار بقانون رقم 55 لسنة 1960".
سلطة المشرع فى تنظيم حق اللجوء إلى القضاء غير مقيدة بأشكال محددة لا تقبل التغيير أو التبديل. التنظيم التشريعى الذى تضمنه القرار بقانون رقم 55 لسنة 1960 – بمراعاة طبيعة المنازعات التى اختص اللجان التى أنشاها بالفصل فيها، وفى الحدود التى يقتضيها الصالح العام – لا مخالفة فيه للدستور.
9 – مبدأ المساواة – "إعماله".
إعماله يفترض تماثل المراكز القانونية فى نطاق الموضوع محل التنظيم التشريعي. اندراج النص المطعون فيه ضمن تنظيم متكامل لحق التقاضى تقرر لأغراض مشروعة ووفق أسس موضوعية. لا مخالفة للدستور.
10 – مبدأ تكافؤ الفرص.
اتصاله بالفرص التى تتعهد الدولة بتقديمها، وإعماله حين يقع التزاحم عليها، انتفاء الصلة بين النص المطعون فيه وبين فرص قائمة. لا مجال لإعمال هذا المبدأ.
11 – دعوى دستورية. طلب تدخل. المصلحة فيه.
التدخل فى الدعوى الدستورية انضماميا للمدعين فيها، عدم استباقه بالمثول فى الدعوى الموضوعية، انتفاء المصلحة فى الطعن بعدم الدستورية، أثره، عدم قبول التدخل.
1 – إن الشرعية الدستورية التى تقوم المحكمة الدستورية العليا على مراقبة التقيد بها، غايتها ضمان أن تكون النصوص التشريعية مطابقة لأحكام الدستور، وتتبوأ هذه الشرعية من البنيان القانونى فى الدولة القمة من مدارجه، وهى فرع من خضوع الدولة للقانون والتزامها بضوابطه. ولا يجوز بالتالى لأية محكمة أو هيئة اختصها المشرع بالفصل فى نزاع معين فصلا قضائيا – وأيا كان موقعها من الجهة القضائية التى تنتمى إليها – إعمال نص تشريعى لازم للفصل فى النزاع المعروض عليها إذا بدا لها مصادمته للدستور من وجهة مبدئية. ذلك أن قيام هذه الشهبة لديها يلزمها أن تستوثق من صحتها عن طريق عرضها على المحكمة الدستورية العليا التى تتولى دون غيرها الفصل فى المسائل الدستورية، لتقول كلمتها القاطعة فيها، بما مؤداه أنه كلما بدا لأية جهة أو هيئة أولاها المشرع سلطة الفصل فى الخصومة بأكملها أو فى بعض جوانبها، أن التعارض المدعى به أمامها بين النص التشريعى الأدنى والقاعدة الدستورية التى تحتل مرتبة الصدارة بين قواعد النظام العام، محمولا على أسس تظاهره من وجهة مبدئية غير متعمقة دخائل المطاعن الدستورية، فلا يجوز لهذه الجهة أو الهيئة، أن تتجاهل مظنة الخروج على أحكام الدستور، ولا أن تنحيها جانبا، بل يتعين عليها – ولو كان بحثها منحصرا فى مسائل القانون دون غيرها – إما أن تحيل بنفسها ما ارتأته من تعارض بين نص تشريعى وقاعدة دستورية إلى المحكمة الدستورية العليا ليكون قضاؤها فى شأن هذا التعارض قولا فصلا، وإما أن توفر للخصم الذى دفع أمامها بعدم دستورية نص تشريعى، وكان دفعه جديا، مكنة عرض دعواه على المحكمة الدستورية العليا عن طريق تخويلها إياه حق رفعها إليها خلال الأجل الذى تحدده.
2، 3 – إن الدفع بعدم الدستورية ليس من الدفوع التى يخالطها واقع، ولا تعتبر المجادلة فيه مجادلة موضوعية مما تستقل بتقديرها محكمة الموضوع. وإنما ينحل إلى ادعاء بمخالفة نص تشريعى لحكم فى الدستور، وهو ادعاء لا يرتبط الفصل فيه بأية واقعة تكون محكمة الموضوع قد حققتها. ومن ثم تجوز إثارته ولو لأول مرة أمام محكمة النقض – التى تعتبر من المحاكم التى عنتها المادة 29 من قانون المحكمة الدستورية العليا، والتى يجوز إثارة مثل هذا الدفع أمامها – ذلك أن إعراضها عن بحثه على ضوء ظاهر الأمر فيه، بمقولة أن رقابتها منحصرة فى مسائل القانون وحدها، مؤداه أن يكون مرجعها فى هذه الرقابة إلى النصوص التشريعية المعمول بها عند الفصل فى الطعن المعروض عليها، ولو كانت معيبة فى ذاتها لمخالفتها للدستور. وهو ما يؤول إلى إنزالها لهذه النصوص دوما على الواقعة التى حصلها الحكم المطعون فيه أيا كان وجه تعارضها مع الدستور. ويناقض ذلك دون ريب التزامها بالخضوع للقانون – والدستور فى مدارجه العليا – وبضرورة أن تكون الشرعية الدستورية متكاملة حلقاتها، وأن تكون لأحكام الدستور الصدارة على ما دونها فى المرتبة. ومحصلة ما تقدم، أن طبيعة الرقابة التى تباشرها محكمة النقض على محكمة الموضوع، لا تحول بذاتها دون إثارة الدفع بعدم الدستورية أمامها، بل إن إجالتها لبصرها فى هذا الدفع، يعكس جوهر رقابتها القانونية، ويعتبر أوثق اتصالا بها، ذلك أن تقرير ما إذا كان النص التشريعى المطعون بعدم دستوريته يعد لازما أو غير لازم للفصل فى الحقوق المدعى بها، وكذلك ما إذا كان التعارض الذى يثيره الدفع بين هذا النص وحكم فى الدستور، يعد – من وجهة مبدئية – مفتقرا إلى ما يظاهره أو مرتكنا إلى ما يبرره، كلاهما من مسائل القانون التى يدخل الفصل فيها فى ولاية محكمة النقض التى عهد إليها المشرع بمراقبة صحة تطبيقه على الوقائع التى خلص إليها الحكم المطعون فيه.
4 – ينبغى – ابتداء – التمييز بين قصر حق التقاضى على درجة واحدة من ناحية، وبين إنكار الحق فيه إنكاراً مطلقا أو مقيدا من ناحية أخرى. ذلك أن قصر التقاضى فى المسائل التى فصل فيها الحكم على درجة واحدة – وهو ما يستقل المشرع بتقريره – يفترض لزوما أمرين، أولهما: أن تكون الدرجة الواحدة محكمة أو هيئة ذات اختصاص قضائى من حيث تشكيلها وضماناتها والقواعد المعمول بها أمامها. وثانيهما: أن يكون المشرع قد عهد إليها بالفصل فى عناصر النزاع جميعها – الواقعية منها والقانونية – دون أن تراجعها فيما تخلص إليه "من ذلك" أية جهة. وعلى نقيض ما تقدم، أن يقيم المشرع محكمة أو هيئة ذات اختصاص قضائى للفصل فى مسائل القانون المرتبطة بنزاع معين دون سواها، تعقيبا من جانبها على قرار أصدرته جهة إدارية عند فصلها فيه، إذ يعتبر ذلك إنكارا لحق اللجوء إلى القضاء – وهو الحق الذى كفلته المادة الثامنة والستون من الدستور – باعتبار أن الفصل فى عناصر النزاع الواقعية عائد إلى جهة إدارية لا تتوافر أمامها – وبالضرورة – مقومات التقاضى وضماناته الرئيسية. كذلك يتعين التمييز بين قصر حق التقاضى على درجة واحدة من ناحية، وبين تعدد مراحله فى الموضوع الواحد من ناحية أخرى، ذلك أن هذا التعدد – حين يتوافر الدليل عليه من النصوص التشريعية ذاتها – يعتبر نافيا – وبداهة – لقالة انحصاره فى درجة واحدة، ومتحققا دوما حين تقوم محكمة استئنافية بمراجعة قضاء المحكمة الدنيا فى عناصره الواقعية والقانونية، وكذلك حين تتصدر التنظيم القضائى، وتحتل القمة من مدارجه، محكمة تعلوهما تكون ولايتها مقصورة على الفصل فى مسائل القانون لتقعيدها، ولو كان الطعن فى أحكامها ممتنعا.
5 – إن قضاء المحكمة الدستورية العليا قد جرى على أن التمييز بين الأعمال القضائية وبين غيرها من الأعمال التى تلتبس بها، إنما يقوم على مجموعة من العناصر لا تتحدد بها ضوابط هذا التمييز على وجه قطعي، ولكنها تُعين على إبراز الخصائص الرئيسية للعمل القضائي، من بينها أن إسباغ الصفة القضائية على أية جهة عهد إليها المشرع بالفصل فى نزاع معين، يفترض أن يكون تشكيلها واستقلالها كاشفين عن حيدتها عند الفصل فى النزاع، ومؤديين إلى غيريتها فى مواجهة أطرافه. وفى كل حال يتعين أن يثير النزاع المطروح عليها إدعاء قانونيا يبلور الحق فى الدعوى كرابطة قانونية تنعقد الخصومة القضائية من خلالها، وبوصفها الوسيلة التى عينها المشرع لاقتضاء الحقوق المدعى بها، وبمراعاة أن يكون إطار الفصل فيها محددا بما لا يخل بالضمانات القضائية الرئيسية التى لا يجوز النزول عنها، وعلى ضوء قاعدة قانونية نص عليها المشرع سلفا، ليكون القرار الصادر فى النزاع مؤكدا للحقيقة القانونية، مبلورا لمضمونها، لتفرض نفسها على كل من ألزمه المشرع بها، بافتراض تطابقها مع الحقيقة الواقعة.
6، 7 – البين من أحكام قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 55 لسنة 1960 ومذكرته الإيضاحية، أن الأعيان التى كان مصرفها على غير جهات البر، والتى اعتبر وقفها منتهيا بصدور المرسوم بقانون رقم 180 لسنة 1952، كان ينبغى توزيعها على المستحقين، كل بقدر نصيبه، باعتبار أنهم أصبحوا مالكين لهذه الأنصبة، إلا أن معظم هذه الأعيان لم تصل إلى أيدى مستحقيها بسبب شيوع أنصبتهم، وما يقيمه بعض الحراس، بل وبعض المستحقين، من العوائق التى تحول دون إجراء القسمة. ولمواجهة ذلك، صدر القانون 18 لسنة 1958 بقسمة الأعيان التى اعتبر وقفها منتهيا مستهدفا تقرير قواعد ميسرة تكفل إيصال الحقوق إلى المستحقين، وتجنبهم المنازعات والخصومات التى تتفرع عن إجراءات التقاضى المعتادة والتى قد تعرض حقوقهم للضياع. إلا أن تطبيق هذا القانون أسفر عن تعقد إجراءاته وبطئها بالنظر إلى تعدد لجانه وتعدد إجراءاتها ومواعيدها. ومن ثم فقد صدر القرار بقانون رقم 55 لسنة 1960 متوخيا تعديل أحكام القانون رقم 18 لسنة 1958 المشار إليه بما يكفل سرعة إنجاز عملية القسمة أو البيع – عند تعذر إجرائها – وبمراعاة أن تكون إجراءاتها مبسطة، وبما يصون حقوق المتقاسمين وغيرهم على السواء. وفى هذا الإطار، حدد القرار بالقانون رقم 55 لسنة 1960 كيفية إجراء القسمة فى الأعيان التى اعتبر وقفها منتهيا، فاستعاض عن القواعد الإجرائية المعقدة بلجنتين، تختص إحداهما بفحص طلبات القسمة وتحقيق جديتها وإجرائها، وكذلك ببيع الأعيان التى تتعذر قسمتها، وتختص أخراهما بالفصل فى الاعتراضات على الأحكام التى تصدرها اللجنة الأولى، سواء كان الاعتراض مبناه المنازعة فى الاستحقاق أو تقويم الأعيان أو غير ذلك. وقد قيد المشرع هاتين اللجنتين بقواعد قانونية ألزمهما باتباعها، بعضها من طبيعة إجرائية هى تلك المنصوص عليها فى قانون المرافعات المدنية والتجارية، ومنها ما هو طبيعة موضوعية تمثلها الأحكام التى تضمنها القانون المدنى فى شأن القسمة، وكذلك ما تضمنه القانون رقم 48 لسنة 1946 من أحكام متعلقة بالوقف. وتفصل هذه اللجان – التى يغلب العنصر القضائى على تشكيلها – فيما يعرض عليها مما يدخل فى اختصاصها بعد إعلان أصحاب الشأن ببدء إجراءاتها، وبما يكفل حقوق المتقاسمين والأغيار على السواء، وفى إطار من الضمانات الرئيسية للتقاضى التى تتهيأ معها لكل من كان طرفا فى إجراءات القسمة الفرص الكاملة لإبداء أقواله ومواجهة خصمه وتحقيق دفاعه، بما مؤداه أن المشرع أقام هيئتين ذواتى اختصاص قضائى تعلو إحداهما أدناهما، وتتقيد كلتاهما بقواعد إجرائية وموضوعية لا تريم عنها، وتتوافر فى تشكيلها الحيدة التى تكفل غيريتها فى مواجهة المتنازعين. وقد اقترن هذا التنظيم القائم على تعدد مراحل التقاضى فى الموضوع الواحد، بضمان حق الطعن أمام محكمة الاستئناف فى القرارات النهائية الصادرة عن لجان القسمة كلما كان الطعن عليها مبناه مخالفتها القانون أو خطؤها فى تطبيقه أو تأويله، أو إذا وقع بطلان فى قراراتها أو بطلان فى إجراءاتها أثر فيها. ومن ثم يكون المشرع قد حصر اختصاص محكمة الاستئناف فى مسائل القانون، وعهد إليها – من خلال مراقبتها لصحة تطبيقه – بدور مماثل لدور محكمة النقض التى لا يجوز الطعن فى أحكامها أمام أية جهة، وليس ذلك انكارا لحق التقاضى المنصوص عليه فى المادة 68 من الدستور، بل هو توكيد لمضمونه، وإرساء لأبعاده بما يكفل الأغراض التى توخاها.
8 – المشرع غير مقيد – فى مجال ضمانه حق اللجوء إلى القضاء – بأشكال محددة تمثل أنماطا جامدة لا تقبل التغيير أو التبديل. بل يجوز أن يختار من الصور الإجرائية لإنفاذ هذا الحق ما يكون فى تقديره الموضوعى أكثر اتفاقا مع طبيعة المنازعة التى يعهد بالفصل فيها إلى محكمة أو هيئة ذات اختصاص قضائى ودون ما إخلال بضماناتها الرئيسية التى تكفل إيصال الحقوق لأصحابها وفق قواعد محددة تكون منصفة فى ذاتها. متى كان ذلك، فإن التنظيم التشريعى الذى تضمنه القرار بقانون رقم 55 لسنة 1960 – بمراعاة طبيعة المنازعات التى اختص اللجان التى أنشأها بالفصل فيها، وفى الحدود التى يقتضيها الصالح العام – لا يكون مخالفا للدستور من هذه الناحية.
9 – إعمال مبدأ المساواة – وما يقتضيه من الحماية القانونية المتكافئة – يفترض تماثل المراكز القانونية فى نطاق الموضوع محل التنظيم التشريعى، ومعاملتها بالتالى على ضوء قاعدة قانونية موحدة لا تفرق بين أصحابها بما ينال من مضمون الحقوق التى يتمتعون بها، وكان النص التشريعى المطعون عليه لا يعدو أن يكون جزءا من التنظيم المتكامل لحق التقاضى الذى ورد بالقرار بقانون رقم 55 لسنة 1960، وكان هذا التنظيم قد تقرر لأغراض مشروعة، ووفق أسس موضوعية لا تقيم فى مجال تطبيقها تمييزا منهيا عنه بين المخاطبين بها، فإن قالة اخلال النص المطعون عليه بمبدأ المساواة أمام القانون المنصوص عليه فى المادة 40 من الدستور لا يكون لها محل.
10 – إن ما ينعاه المدعون من إخلال النص التشريعى المطعون فيه بمبدأ تكافؤ الفرص الذى تكفله الدولة للمواطنين كافة لنص المادة 8 من الدستور، مردود بأن مضمون هذا المبدأ يتصل بالفرص التى تتعهد الدولة بتقديمها، وأن إعماله يقع عند التزاحم عليها، وإن الحماية الدستورية لتلك الفرص غايتها تقرير أولوية – فى مجال الانتفاع بها – لبعض المتزاحمين على بعض، وهى أولوية تتحدد وفقا لأسس موضوعية يقتضيها الصالح العام. إذ كان ذلك، فإن إعمال مبدأ تكافؤ الفرص – فى نطاق تطبيق النص المطعون عليه – يكون منتفيا، إذ لا صلة له بفرص قائمة يجرى التزاحم عليها.
11 – إذ كان المتدخلون انضماما للمدعين غير ماثلين فى الدعوى الموضوعية التى يؤثر الحكم فى المسألة الدستورية على الحكم فيها، ولا يعتبرون بالتالى خصوما ذوى شأن فى الدعوى الدستورية، فإن مصلحتهم فى الطعن على النص التشريعى محلها تكون منتفية، مما يتعين معه الحكم بعدم قبول تدخلهم.


الإجراءات

بتاريخ 19 ديسمبر سنة 1990 أودع المدعون صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة طالبين الحكم بعدم دستورية الفقرة الثالثة من المادة الثالثة عشرة من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 55 لسنة 1960 بقسمة الأعيان التى انتهى فيها الوقف.
قدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم أصليا بعدم قبول الدعوى، واحتياطيا برفضها.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة اصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل فى أن المدعى عليهما الأولى والرابعة كانتا قد تقدمتا بطلب إلى لجنة القسمة بوزارة الأوقاف ابتغاء قسمة أعيان وقف مصطفى حلمى. وبتاريخ 11 مارس سنة 1986 صدر قرار اللجنة باعتماد تقرير الخبير المؤرخ 4 يناير سنة 1986 بالنسبة للطريقة الأولى لقسمة أطيان الوقف. وإذ لم يرتض المدعون هذا القرار فقد تقدموا باعتراض عليه إلى لجنة الاعتراضات التى انتهت إلى قبول الاعتراض شكلا، ورفضه موضوعا. طعن المدعون فى هذا القرار أمام محكمة استئناف القاهرة بالاستئناف رقم 6 لسنة 154 حيث قضت المحكمة بقبول الطعن شكلا وفى الموضوع برفضه وتأييد القرار المطعون فيه. وإذ لم يرتض المدعون هذا الحكم فقد طعنوا فيه أمام محكمة النقض ودفعوا أمامها بعدم دستورية الفقرة الثالثة من المادة الثالثة عشرة من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 55 لسنة 1960 بقسمة الأعيان التى انتهى فيها الوقف والتى تنص على أن "ويكون الحكم الصادر من محكمة الاستئناف نهائيا غير قابل للطعن أمام أية جهة قضائية". وإذ قدرت المحكمة جدية هذا الدفع فقد صرحت للمدعين باتخاذ إجراءات الطعن بعدم الدستورية، فأقاموا دعواهم الماثلة.
وحيث إن هيئة قضايا الدولة دفعت بعدم قبول الدعوى الماثلة قولا منها بأنها لم تتصل بالمحكمة الدستورية العليا وفقا للأوضاع المنصوص عليها فى قانونها باعتبار أن الدفع بعدم الدستورية أثير أمام محكمة النقض التى لا تعتبر محكمة موضوع، ولا يعد النزاع المعروض عليها متصلا بتقرير الحق أو نفيه، بل تقتصر مهمتها على مراقبة صحة تطبيق القانون على الوقائع التى فصل فيها الحكم المطعون فيه. وبالتالى لا يجوز لمحكمة النقض أن تحيل مسألة دستورية تتصل بطعن معروض عليها إلى المحكمة الدستورية العليا ولا أن تقدر جدية دفع بعدم الدستورية أثير أمامها بمناسبة فصلها فى هذا الطعن، إذ لا يعتبر هذا الدفع متعلقا بالنظام العام، ولا يجوز أن يثار أمامها لأول مرة.
وحيث إن هذا الدفع مردود بأن الشرعية الدستورية التى تقوم المحكمة الدستورية العليا على مراقبة التقيد بها، غايتها ضمان أن تكون النصوص التشريعية مطابقة لأحكام الدستور. وتتبوأ هذه الشرعية من البنيان القانونى فى الدولة القمة من مدارجه وهى فرع من خضوع الدولة للقانون والتزامها بضوابطه. ولا يجوز بالتالى لأية محكمة أو هيئة اختصها المشرع بالفصل فى نزاع معين فصلا قضائيا – وأيا كان موقعها من الجهة القضائية التى تنتمى إليها – إعمال نص تشريعى لازم للفصل فى النزاع المعروض عليها إذا بدا لها مصادمته للدستور من وجهة مبدئية قوامها ظاهر الأمر فى المطاعن الدستورية الموجهة إليه دون خوض فى أعماقها. ذلك أن قيام هذه الشبهة لديها يلزمها أن تستوثق من صحتها عن طريق عرضها على المحكمة الدستورية العليا التى تتولى دون غيرها الفصل فى المسائل الدستورية، إذ هى التى تتحراها سابرة أغواره، متقصية أبعاده، بالغة ببحثها منتهاه، لتقول كلمتها القاطعة فيها، بما مؤداه أنه كلما بدا لأية جهة أو هيئة أولاها لمشرع سلطة الفصل فى الخصومة بأكملها أو فى بعض جوانبها، أن التعارض المدعى به أمامها بين النص التشريعى الأدنى والقاعدة الدستورية التى تحتل مرتبة الصدارة بين قواعد النظام العام، محمول على أسس تظاهره من وجهة مبدئية غير متعمقة دخائل المطاعن الدستورية، فلا يجوز لهذه الجهة أو الهيئة، أن تتجاهل مظنة الخروج على أحكام الدستور، ولا أن تنحيها جانبا، بل يتعين عليها – ولو كان بحثها منحصرا فى مسائل القانون دون غيرها – أما أن تحيل بنفسها ما ارتأته من تعارض بين نص تشريعى وقاعدة دستورية إلى المحكمة الدستورية العليا ليكون قضاؤها فى شأن هذا التعارض قولا فصلا، وإما أن توفر للخصم الذى دفع أمامها بعدم دستورية نص تشريعى، وكان دفعه جديا، مكنة عرض دعواه على المحكمة الدستورية العليا عن طريق تخويلها إياه حق رفعها إليها خلال الأجل الذى تحدده. يؤيد ذلك أن الدفع بعدم الدستورية ليس من الدفوع التى يخالطها واقع، ولا تعتبر المجادلة فيه مجادلة موضوعية مما تستقل بتقديرها محكمة الموضوع، وإنما ينحل إلى ادعاء بمخالفة نص تشريعى لحكم فى الدستور. وهو ادعاء لا يرتبط الفصل فيه بأية عناصر واقعية تكون محكمة الموضوع قد حققتها. ومن ثم تجوز إثارته ولو لأول مرة أمام محكمة النقض – التى تعتبر من المحاكم التى عنتها المادة 29 من قانون المحكمة الدستورية العليا والتى يجوز إثارة مثل هذا الدفع أمامها – ذلك أن إعراضها عن بحثه على ضوء ظاهر الأمر فيه، بمقولة أن رقابتها منحصرة فى مسائل القانون وحدها، مؤداه أن يكون مرجعها فى هذه الرقابة إلى النصوص التشريعية المعمول بها عند الفصل فى الطعن المعروض عليها، ولو كانت معيبة فى ذاتها لمخالفتها للدستور، وهو ما يؤول إلى إنزالها لهذه النصوص دوما على الواقعة التى حصلها الحكم المطعون فيه أيا كان وجه تعارضها مع الدستور، ويخل بضرورة أن تكون الشرعية الدستورية متكاملة حلقاتها، وأن تكون لأحكام الدستور الصدارة على ما دونها فى المرتبة. ولازم ذلك، أن طبيعة الرقابة القانونية التى تباشرها محكمة النقض على محكمة الموضوع، لا تحول بذاتها دون إثارة الدفع بعدم الدستورية أمامها، بل ان إجالتها لبصرها فى هذا الدفع، يعكس جوهر رقابتها القانونية، ويعتبر أوثق اتصالات بها. ذلك أن تقرير ما إذا كان النص التشريعى المطعون بعدم دستوريته يعد لازما أو غير لازم للفصل فى الحقوق المدعى بها، وكذلك ما إذا كان التعارض الذى يثيره الدفع بين هذا النص وحكم فى الدستور، يعد – من وجهة مبدئية – مفتقرا إلى ما يظاهره أو مرتكنا إلى ما يبرره، كلاهما من مسائل القانون التى يدخل الفصل فيها فى ولاية محكمة النقض التى عهد إليها المشرع بمراقبة صحة تطبيقه على الوقائع التى خلص إليها الحكم المطعون فيه.
وحيث إن المدعين ينعون على الفقرة الثالثة من المادة الثالثة عشرة من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 55 لسنة 1960 بقسمة الأعيان التى انتهى فيها الوقف، أنها إذ تنص على أنه "ويكون الحكم الصادر من محكمة الاستئناف نهائيا غير قابل للطعن أمام أية جهة قضائية"، فإنها تكون قد حالت دون الطعن بالنقض فى أحكام القسمة الصادرة عن تلك المحكمة، وذلك على خلاف الأصل فيها بما مؤداه أن تكون قرارات لجان القسمة بمنأى من الرقابة التى تباشرها محكمة النقض على صحة تطبيقها للقانون، وهو ما ينطوى على إنكار لحق التقاضى وإخلال بمبدأى المساواة وتكافؤ الفرص المنصوص عليهما فى المواد 8، 40، 68 من الدستور.
وحيث إن الفصل فى هذا النعى يقتضى ابتداء التمييز بين قصر حق التقاضى على درجة واحدة من ناحية، وبين إنكار الحق فيه إنكاراً مطلقا أو مقيداً من ناحية أخرى، ذلك أن قصر التقاضى فى المسائل التى فصل فيها الحكم على درجة واحدة – وهو ما يستقل المشرع بتقريره – يفترض لزوما أمرين، أولهما أن تكون الدرجة الواحدة محكمة أو هيئة ذات اختصاص قضائى من حيث تشكيلها وضماناتها والقواعد المعمول بها أمامها. وثانيهما أن يكون المشرع قد عهد إليها بالفصل فى عناصر النزاع جميعها – الواقعية منها والقانونية – دون أن تراجعها فيما تخلص إليه من ذلك أية جهة. وعلى نقيض ما تقدم، أن يقيم المشرع محكمة أو هيئة ذات اختصاص قضائى للفصل فى مسائل القانون المرتبطة بنزاع معين دون سواها، تعقيبا من جانبها على قرار أصدرته جهة إدارية عند فصلها فيه، إذ يعتبر ذلك إنكارا لحق اللجوء إلى القضاء وهو الحق الذى كفلته المادة الثامنة والستون من الدستور باعتبار أن الفصل فى عناصر النزاع الواقعية عائد إلى جهة إدارية لا تتوافر أمامها – وبالضرورة – مقومات التقاضى وضماناته الرئيسية. كذلك يتعين التمييز بين قصر حق التقاضى على درجة واحدة من ناحية، وبين تعدد مراحله فى الموضوع الواحد من ناحية أخرى. ذلك أن هذا التعدد – حين يتوافر الدليل عليه من النصوص التشريعية ذاتها – يعتبر نافيا – وبداهة – لقالة انحصاره فى درجة واحدة، ومتحققا دوما حين تقوم محكمة استئنافية بمراجعة قضاء المحكمة الدنيا فى عناصره الواقعيه والقانونيه. وكذلك حين تتصدر التنظيم القضائى، وتحتل القمة من مدارجه، محكمة تعلوهما تكون ولايتها مقصورة على الفصل فى مسائل القانون لتقعيدها، ولو كان الطعن فى أحكامها ممتنعا.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن التمييز بين الأعمال القضائية وبين غيرها من الأعمال التى تلتبس بها، إنما يقوم على مجموعة من العناصر لا تتحدد بها ضوابط هذا التمييز على وجه قطعى، ولكنها تُعين على إبراز الخصائص الرئيسية للعمل القضائى، من بينها إن إسباغ الصفة القضائية على أعمال أية جهة عهد إليها المشرع بالفصل فى نزاع معين، يفترض أن يكون تشكيلها واستقلالها كاشفين عن حيدتها عند الفصل فى النزاع، ومؤديين إلى غيريتها فى مواجهة أطرافه، وأنه فى كل حال يتعين أن يثير النزاع المطروح عليها إدعاء قانونيا يبلور الحق فى الدعوى كرابطة قانونية تنعقد الخصومة القضائية من خلالها، وبوصفها الوسيلة التى عينها المشرع لاقتضاء الحقوق المدعى بها، وبمراعاة أن يكون إطار الفصل فيها محددا بما لا يخل بالضمانات القضائية الرئيسية التى لا يجوز النزول عنها، وعلى ضوء قاعدة قانونية نص عليها المشرع سلفا ليكون القرار الصادر فى النزاع مؤكدا للحقيقة القانونية، مبلورا لمضمونها، لتفرض نفسها على كل من ألزمه المشرع بها، بافتراض تطابقها مع الحقيقة الواقعة.
وحيث إن البين من أحكام قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 55 لسنة 1960 ومذكرته الإيضاحية، أن الأعيان التى كان مصرفها على غير جهات البر، والتى اعتبر وقفها منتهيا بصدور المرسوم بقانون رقم 180 لسنة 1952، كان ينبغى توزيعها على المستحقين، كل بقدر نصيبه، باعتبار أنهم أصبحوا مالكين لهذه الأنصبة، إلا أن معظم هذه الأعيان لم تصل إلى أيدى مستحقيها بسبب شيوع أنصبتهم، وما يقيمه بعض الحراس، بل وبعض المستحقين، من العوائق التى تحول دون إجراء القسمة، وأنه لمواجهة ذلك، صدر القانون رقم 18 لسنة 1958 بقسمة الأعيان التى اعتبر وقفها منتهي، مستهدفا تقرير قواعد ميسرة تكفل إيصال الحقوق إلى المستحقين، وتجنبهم المنازعات والخصومات التى تتفرع عن إجراءات التقاضى المعتادة والتى قد تعرض حقوقهم للضياع، إلا أن تطبيق هذا القانون أسفر عن تعقد إجراءاته وبطئهما بالنظر إلى تعدد لجانه وتشابك إجراءاتها ومواعيدها. ومن ثم صدر القرار بقانون رقم 55 لسنة 1960متوخيا تعديل أحكام القانون رقم 18 لسنة 1958 المشار إليه بما يكفل سرعة إنجاز عملية القسمة أو البيع – عند تعذر إجرائها – وبمراعاة أن تكون إجراءاتها مبسطة، وبما يصون حقوق المتقاسمين وغيرهم على السواء. وفى هذا الإطار نص قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 55 لسنة 1960 فى مادته الأولى على أنه استثناء من أحكام المادة 836 من القانون المدنى والمادة 41 من القانون رقم 48 لسنة 1946 بأحكام الوقف، تتولى وزارة الأوقاف بناء على طلب أحد ذوى الشأن قسمة الأعيان التى انتهى فيها الوقف طبقا للمرسوم بقانون رقم 1980 لسنة 1952، كما تتولى الوزارة فى هذه الحالة فرز حصة الخيرات الشائعة فى ذلك الأعيان. وتعهد مادته الثانية بإجراء القسمة إلى لجنة أو أكثر يصدر بتشكيلها ومكان انعقادها قرار من وزير الأوقاف على أن يرأسها مستشار مساعد بمجلس الدولة ويكون أحد القضاة وأحد العاملين فى وزارة الأوقاف أو هيئة الأوقاف المصرية من الفئة الوظيفية التى حددتها، عضوين بها. وعملا بمادتيه الرابعة والخامسة تختص لجان القسمة هذه بفحص طلباتها وتحقيق جديتها، ولها أن تكلف الحارس على الوقف، أو من يتولى إدارة أعيانه، بأن يقدم جميع الإشهارات الصادرة بالوقف والمتضمنة الزيادة فيه والاستبدال منه والأحكام الصادرة فى شأنه، وكذلك بيانا بأعيانه ومقرها والمنازعات القائمة بصددها. فإذا لم يقدم الحارس على الوقف أو من يتولى إدارة أعيانه فى الموعد الذى تحدده اللجنة البيانات والمستندات التى طلبتها، تعين عليها تغريمه، وجاز لها إقالته وإبداله بغيره يتولى إدارة الأعيان بصفة مؤقتة إلى أن تتم قسمتها نهائيا. ولكل ذى شأن الاطلاع على الأوراق المقدمة إلى اللجنة وأن يطلب صورا منها مطابقة للأصل. ووفقا لمادته السادسة تراعى لجان القسمة فى عملها اتباع القواعد الإجرائية المنصوص عليها فى قانون المرافعات المدنية والتجارية، كما تتقيد فى مباشرتها بالقواعد الموضوعية المنصوص عليها فى القانون رقم 48 لسنة 1946 بأحكام الوقف وكذلك قواعد القانون المدنى فى شأن القسمة، وذلك دون إخلال بما نص عليه القرار بقانون رقم 55 لسنة 1960 من أحكام. وتكون لجان القسمة هى المختصة بالفصل فى جميع المنازعات التى تدخل فى اختصاص المحاكم وفقا لأحكام القوانين المتقدمة. ولا تباشر هذه اللجان أعمالها فى غيبة ذوى الشأن ولكن بعد إعلانهم بالكيفية المنصوص عليها فى المادة الثامنة من القرار بقانون المشار إليه. وتنشئ مادته العاشرة لجنة أو أكثر تسمى لجة الاعتراضات تشكل بقرار من وزير الأوقاف برئاسة مستشار بمحكمة الاستئناف وعضوية مستشار مساعد على الأقل بمجلس الدولة وأحد العاملين بالشئون القانونية بوزارة الأوقاف أو هيئة الأوقاف المصرية من الفئة الوظيفية التى حددتها هذه المادة. وتختص لجنة الاعتراضات بالنظر فيما يقدمه أصحاب الشأن من أوجه الاعتراضات على الحكم الصادر من لجنة القسمة سواء كان ذلك متعلقا بتقدير أنصبة المستحقين أو تقويم أعيان الوقف أو غير ذلك، على أن ترفع الاعتراضات على حكم لجنة القسمة – وعلى ما ينص عليه القرار بقانون رقم 55 لسنة 1960 فى مادته الحادية عشرة – من كل خصم فى الدعوى خلال ثلاثين يوما من تاريخ صدوره. وقد اعتبرت المادة الثانية عشرة القرارات النهائية للجان القسمة بمثابة أحكام مقررة للقسمة بين أصحاب الشأن وتشهر فى مصلحة الشهر العقارى والتوثيق. وخولت مادته الثالثة عشرة كل من كان طرفا فى إجراءات القسمة أن يطعن فى القرارات النهائية الصادرة من لجان القسمة إذا كان القرار مبنيا على مخالفة القانون أو خطأ فى تطبيقه أو فى تأويله أو إذا وقع بطلان فى القرار أو فى إجراءاته أثر فيه. ويرفع الطعن إلى محكمة الاستئناف خلال موعد محدد، ويكون قرارها نهائيا غير قابل للطعن فيه أمام أية جهة قضائية.
وحيث إن البين مما تقدم أن القرار بقانون رقم 55 لسنة 1960 حدد كيفية إجراء القسمة فى الأعيان التى اعتبر وقفها منتهيا، فاستعاض عن القواعد الإجرائية المعقدة بلجنتين تختص إحداهما بفحص طلبات القسمة وتحقيق جديتها وإجرائها وكذلك ببيع الأعيان التى تتعذر قسمتها، وتختص أخراهما بالفصل فى الاعتراضات على الأحكام التى تصدرها اللجنة الأولى سواء كان الاعتراض مبناه المنازعة فى الاستحقاق أو تقويم الأعيان أو غير ذلك. وقد قيد المشرع هاتين اللجنتين بقواعد قانونية ألزمهما باتباعها، بعضها من طبيعة إجرائية هى تلك المنصوص عليها فى قانون المرافعات المدنية والتجارية، ومنها ما هو طبيعة موضوعية تمثلها الأحكام التى تضمنها القانون المدنى فى شأن القسمة، وكذلك ما تضمنه القانون رقم 48 لسنة 1946 من أحكام متعلقة بالوقف. وتفصل هذه اللجان – التى يغلب العنصر القضائى على تشكيلها – فيما يعرض عليها مما يدخل فى اختصاصها بعد إعلان أصحاب الشأن ببدء اجراءاتها، وبما يكفل حقوق المتقاسمين والأغيار على السواء، وفى إطار من الضمانات الرئيسية للتقاضى التى تتهيأ معها لكل من كان طرفا فى إجراءات القسمة الفرص الكاملة لإبداء أقواله ومواجهة خصمه وتحقيق دفاعه، بما مؤداه أن المشرع أقام هيئتين ذواتى اختصاص قضائى تعلو إحداهما أدناهما، وتتقيد كلتاهما بقواعد إجرائية وموضوعية لا تريم عنها، وتتوافر فى تشكيلها الحيدة التى تكفل غيريتها فى مواجهة المتنازعين. وقد اقترن هذا التنظيم القائم على تعدد مراحل التقاضى فى الموضوع الواحد، بضمان حق الطعن أمام محكمة الاستئناف فى القرارات الصادرة عن لجان القسمة كلما كان الطعن عليها مبناه مخالفتها القانون أو خطؤها فى تطبيقه أو تأويله، أو إذا وقع بطلان فى قراراتها أو بطلان فى إجراءاتها أثر فيها. ومن ثم يكون المشرع قد حصر اختصاص محكمة الاستئناف فى مسائل القانون، وعهد إليها – من خلال مراقبتها لصحة تطبيقه – بدور مماثل لدور محكمة النقض التى لا يجوز الطعن فى أحكامها أمام أية جهة. وليس ذلك إنكارا لحق التقاضى المنصوص عليه فى المادة 68 من الدستور، بل هو توكيد لمضمونه، وإرساء لأبعاده بما يكفل الأغراض التى توخاها.
وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكان المشرع غير مقيد – فى مجال ضمانه حق اللجوء إلى القضاء – بأشكال محددة تمثل أنماطا جامدة لا تقبل التغيير أو التبديل، بل يجوز أن يختار من الصور الإجرائية لإنفاذ هذا الحق ما يكون فى تقديره الموضوعى أكثر اتفاقا مع طبيعة المنازعة التى يعهد بالفصل فيها إلى محكمة أو هيئة ذات اختصاص قضائى، ودون ما إخلال بضماناتها الرئيسية التى تكفل إيصال الحقوق لأصحابها وفق قواعد محددة تكون منصفة فى ذاتها وغير متحفية بالتالى. متى كان ذلك، فإن التنظيم التشريعى الذى تضمنه القرار بقانون رقم 55 لسنة 1960 – بمراعاة طبيعة المنازعات التى اختص اللجان التى أنشأها بالفصل فيها، وفى الحدود التى يقتضيها الصالح العام – لا يكون مخالفا للدستور من هذه الناحية.
وحيث إن المدعين ينعون على النص التشريعى المطعون عليه إخلاله بمبدأ المساواة أمام القانون، وكان إعمال هذا المبدأ – وما يقتضيه من الحماية القانونية المتكافئة – يفترض تماثل المراكز القانونية فى نطاق الموضوع محل التنظيم التشريعى ومعاملتها بالتالى على ضوء قاعدة موحدة لا تفرق بين أصحابها بما ينال من مضمون الحقوق التى يتمتعون بها، وكان النص التشريعى المطعون عليه لا يعدو أن يكون جزءاً من التنظيم المتكامل لحق التقاضى الذى تضمنه القرار بقانون رقم 55 لسنة 1960، وكان هذا التنظيم قد تقرر لأغراض مشروعة، ووفق أسس موضوعية لا تقيم فى مجال تطبيقها تمييزا منهيا عنه بين المخاطبين بها، فإن قالة إخلال النص المطعون عليه بمبدأ المساواة أمام القانون المنصوص عليه فى المادة 40 من الدستور، لا يكون لها حل.
وحيث إن ما ينعاه المدعون من إخلال النص التشريعى المطعون فيه بمبدأ تكافؤ الفرص الذى تكفله الدولة للمواطنين كافة وفقا لنص المادة 8 من الدستور، مردود بأن مضمون هذا المبدأ يتصل بالفرص التى تتعهد الدولة بتقديمها، وأن إعماله يقع عند التزاحم عليها، وأن الحماية الدستورية لتلك الفرص غايتها تقرير أولوية – فى مجال الانتفاع بها – لبعض المتزاحمين على بعض، وهى أولوية تتحدد وفقا لأسس موضوعية يقتضيها الصالح العام. إذ كان ذلك، فإن إعمال مبدأ تكافؤ الفرص فى نطاق تطبيق النص المطعون عليه يكون منتفيا، إذ لا صلة له بفرص قائمة يجرى التزاحم عليها.
وحيث إنه عن طلبات التدخل فى الدعوى الماثلة، فإنه إذ كان المتدخلون انضماما للمدعين فيها غير ماثلين فى الدعوى الموضوعية التى يؤثر الحكم فى المسألة الدستورية على الحكم فيها، ولا يعتبرون بالتالى خصوما ذوى شأن فى الدعوى الدستورية، فإن مصلحتهم فى الطعن على النص التشريعى محلها تكون منتفية، مما يتعين معه الحكم بعدم قبول تدخلهم.
وحيث إن النص التشريعى المطعون عليه لا يتعارض مع حكم فى الدستور من أوجه أخرى.

فلهذه الأسباب:

حكمت المحكمة برفض الدعوى، وبمصادرة الكفالة، والزمت المدعين المصروفات، ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماه.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات