قاعدة رقم الطعن رقم 7 لسنة 8 قضائية “دستورية” – جلسة 15 /05 /1993
أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء الخامس
(المجلد الثانى)
من أول يوليو 1992 حتى آخر يونيو 1993 – صـ 260
جلسة 15 مايو سنة 1993
برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة، وحضور السادة المستشارين/ الدكتور محمد إبراهيم أبو العينين وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد على سيف الدين ومحمد عبد القادر عبد الله – أعضاء، وحضور السيد المستشار/ محمد خيرى طه عبد المطلب – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ رأفت محمد عبد الواحد – أمين السر.
قاعدة رقم
القضية رقم 7 لسنة 8 قضائية "دستورية"
1 – دستور – مجلس الشورى "اختصاصه".
اختصاص هذا المجلس حدده الدستور فى المادتين 194، 195 منه، وبهما أخرج الدستور من ولايته
ممارسة الوظيفة التشريعية التى ينعقد الاختصاص بها لمجلس الشعب دون غيره.
2 – دستور – مجلس الشورى "اختصاصه".
دراسته للمسائل المعينة فى المادة 194 من الدستور، لا يعدو الغرض منها مجرد معاونة
الدولة من خلال سلطاتها وتنظيماتها المختلفة على اتخاذ قراراتها فى هذه المسائل.
3 – دستور – مجلس الشورى "اختصاصه".
قوام المادة 195 من الدستور أن يؤخذ رأى هذا المجلس وجوبا فى المسائل المبينة فيها،
ومنها مشروعات القوانين المكملة للدستور قبل تقديمها إلى السلطة التشريعية الأصيلة
ممثلة فى مجلس الشعب.
4 – دستور – القوانين المكملة للدستور "مقصودها".
عدم وضوح معنى هذه العبارة فى الدستور، يُلزم المحكمة الدستورية العليا بأن تبين المقصود
بها قطعا لكل جدل حولها.
5 – القانون المكمل للدستور "شرطاه".
ثمة شرطان يتعين اجتماعهما معاً لاعتبار مشروع قانون معين مكملاًً للدستور: ( أ ) نص
الدستور صراحة فى مسألة بعينها على أن يكون تنظيمها بقانون أو وفقاً لقانون أو فى الحدود
التى بينها القانون أو طبقاً للأوضاع التى يقررها. (ب) اتصال هذا التنظيم بقاعدة كلية
من القواعد الدستورية بطبيعتها والتى لا تخلو منها فى الأعم أية وثيقة دستورية.
6 – دستور – تشريع "قانون الأحوال الشخصية".
هذا القانون لا يتناول موضوعاً نص الدستور على أن يكون تنظيمه بقانون. مراعاة الشكلية
المنصوص عليها فى المادة 195 من الدستور فى شأنه لا يكون واجباً.
7 – دعوى دستورية "المصلحة فيها: مناطها".
المصلحة الشخصية المباشرة تعد شرطاً لقبول الدعوى الدستورية، ومناطها أن يكون ثمة ارتباط
بينها وبين المصلحة القائمة فى الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم الصادر فيها
لازماً للفصل فى مسألة كلية أو فرعية تدور حولها الخصومة – بأكملها أو فى شق منها –
فى الدعوى الموضوعية.
8 – دستور "المادة الثانية: "مؤداها" الشريعة الإسلامية: أحكامها القطعية – المحكمة
الدستورية العليا "ولايتها".
مؤدى نص المادة 2 من الدستور – بعد تعديلها – أنه لا يجوز لنص تشريعى صادر بعد
العمل بهذا التعديل أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية فى ثبوتها ودلالتها، والتى
تمثل من الشريعة الإسلامية مبادئها الكلية وأصولها الثابتة، ولا تحتمل تأويلا أو
تعديلا.
ومن غير المقصور بالتالى أن يتغير مفهومها تبعاً لتغير الزمان والمكان. اقتصار ولاية
المحكمة الدستورية العليا فى شأنها على مراقبة التقيد بها وتغليبها على أية قاعدة قانونية
تعارضها.
9 – الشريعة الإسلامية "الأحكام الظنية – الاجتهاد: قيده".
انحصار دائرة الاجتهاد فى الأحكام الظنية – من الشريعة الإسلامية – سواء فى ثبوتها
أو دلالتها أو فيهما معا. يلزم أن يكون هذا الاجتهاد واقعا فى اطار الأصول الكلية
للشريعة الإسلامية، معتمداً فى استنباط الأحكام العملية على الأدلة الشرعية، متوخياً
تحقيق المقاصد العامة للشريعة.
10 – حضانة "الأصل فيها".
الحضانة ولاية للتربية، غايتها الاهتمام بالصغير ورعايته، والأصل فيها هو مصلحة الصغير،
وتتحقق بضمه للحاضنة التى لها الحق فى تربيته شرعاً.
11 – الشريعة الإسلامية – حضانة "سن الحضانة – اجتهاد".
الشريعة الإسلامية فى مبادئها القطعية فى ثبوتها ودلالتها لا تحدد لزمن الحضانة سناً
أقصى لا يجوز تجاوزه، زمن الحضانة من المسائل الاجتهادية التى تتباين الآراء حولها.
12 – الحضانة "سن الحضانة" – الشريعة الإسلامية "مرونتها".
إيجاب ألا تكون سن الحضانة محددة بقاعدة جامدة لا تأخذ فى اعتبارها تغير الزمان والمكان
وما يقتضيه التمييز فى نطاقها بين الصغير والصغيرة، ينطوى على قدر من المرونة التى
تسعها الشريعة الإسلامية فى أحكامها الفرعية المستجيبة دوماً للتطور.
13 – الشريعة الإسلامية – الحضانة – تشريع "القانون رقم 100 لسنة 1985".
السن الإلزامية للحضانة التى حددها هذا القانون لا تعدو أن تكون تقريراً لأحكام عملية
فى دائرة الاجتهاد، بما لا يصادم الشريعة الإسلامية فى مبادئها القطعية فى ثبوتها ودلالتها،
ومما يدخل فى تقدير ولى الأمر.
14 – تشريع "القانون رقم 100 لسنة 1985 – سن الحضانة – مسكن الزوجية – الاستبقاء".
التزام والزوج المطلق – وفقاً لهذا القانون – بأن يهيئ لصغاره من مطلقته ولحاضنتهم
مسكناً مستقلاً مناسباً إنما يدور وجودا وعدما مع المدة الالزامية للحضانة المحددة
فيه. انقضاء حق الحاضنة فى شغل مسكن الزوجية ببلوغ الصغير سن العاشرة والصغيرة اثنتى
عشرة سنة. ما يأذن به القاضى بعد ذلك يعتبر فترة استبقاء. ليس للحاضنة بالتالى أن تستقل
بمسكن الزوجية خلالها.
15 – دعوى دستورية "المصلحة فيها: استمرارها".
توافر المصلحة فى الدعوى الدستورية عند رفعها، ثم تخلفها قبل أن يصدر الحكم فيها، مؤداه:
زوال هذه المصلحة.
16 – تدخل انضمامى "تبعيته".
عدم قبول الدعوى الدستورية يستتبع بطريق اللزوم انقضاء طلب التدخل الانضمامى.
17 – الشريعة الإسلامية "أصل المتعة – عمومها".
أصل تشريع المتعة هو النصوص القرآنية التى تعددت مواضعها، وعموم خطابها، مؤداه عدم
جواز تخصيص حكمها بغير دليل، وسريانه على كل مطلقة سواء كان طلاقها قبل الدخول أم بعده
فرض لها مطلقها مهراً أم كان غير مفروض لها.
18 – الشريعة الإسلامية – المتعة "نطاقها".
الشريعة الإسلامية لا تعين للمتعة نطاقاً محدداً بأحكام قطعية فى ثبوتها ودلالتها،
ولولى الامر الاجتهاد فيها تنظيماً لأحكامها بنص تشريعى يقرر أصل الحق فيها ويفصل شروط
استحقاقها بما يوحد تطبيقها، وبما لا يتعارض مع الشريعة فى أصولها الثابتة.
19 – الشريعة الإسلامية – تشريع، "القانون رقم 100 لسنة 1985 – المتعة".
ما شرطه القانون المشار إليه لاستحقاق المتعة من أن تكون المطلقة مدخولاً بها فى زواج
صحيح وألا يكون الطلاق برضاها أو من جهتها لا ينافى الشريعة الإسلامية سواء فى ركائزها
أو مقاصدها.
20 – الشريعة الإسلامية "المتعة" – تشريع "القانون رقم 100 لسنة 1985 المتعة – مقدارها
– حدها الأدنى".
ليس فى النصوص القرآنية الكريمة ما يفيد أن الله تعالى قدر المتعة أو حددها بنصاب معين،
مؤدى ذلك: إجازة تنظيمها بنصوص وضعية، ما قرره القانون المشار إليه من أن المتعة تقدر
بنفقة سنتين على الأقل وبمراعاة حالة المطلق يسرا وعسرا، وعلى ضوء ظروف الطلاق ومدة
الزوجية، هو ما يدخل فى نطاق السلطة التقديرية التى يملكها المشرع فى مجال تنظيم الحقوق.
1، 2 – إن الباب السابع من الدستور – المضاف بعد تعديله فى 22 مايو سنة 1980 – تضمن
أحكاماً جديدة خص الدستور بها مجلساً وليداً أنشأه لأول مرة هو مجلس الشورى، وأفرده
بها، وبوجه خاص فيما يتعلق باختصاصاته، وكيفية تشكيله، ومدة عضويته، ومدى مسئولية رئيس
مجلس الوزراء ونوابه والوزراء أمامه، وشروط حله. وقد حدد الدستور اختصاص هذا المجلس
فى مادتين، هما المادتان 194، 195 منه، وبهما أخرج الدستور من ولايته ممارسة الوظيفة
التشريعية التى ينعقد الاختصاص بها لمجلس الشعب دون غيره، وقصر مهمته على مسائل بذاتها
يؤخذ رأيه فيها، أخرى يتولى دراستها مبديا وجهة نظره فى شأنها. وفى هاتين الحالتين
كلتيهما، عين الدستور هذه المسائل تعييناً دقيقاً، وحددها حصراً مما مؤداه امتناع الإضافة
إليها أو التبديل فيها أو القياس عليها. والبين من هاتين المادتين أن أولاهما تتناول
ولاية مجلس الشورى فى شأن المسائل الكفيلة بالحفاظ على ثورتى 23 يوليو سنة 1952 و15
مايو سنة 1971 وكذلك تلك المتعلقة بدعم الوحدة الوطنية وصون السلام الاجتماعى وحماية
قوى الشعب العاملة فى تحالفها ومكاسبها الاشتراكية، وإرساء المقومات الأساسية للمجتمع
وقيمه العليا، وضمان الحقوق والحريات والواجبات العامة، وتعميق النظام الاشتراكى الديمقراطى وتوسيع مجالاته. وتقتصر مهمة المجلس فى شأن هذه المسائل جميعها على دراستها وقوفاً
على جوانبها، واستظهاراً لوجهات النظر المتباينة فى مجالها، وعرضها معززة بأدلتها مقرونة
بما يراه صائباً منها، محققاً للمصالح التى قصد الدستور إلى حمايتها. ولا تعدو مهمته
بالتالى – فى نطاق دراسته للمسائل التى عينتها المادة 194 من الدستور – مجرد معاونة
الدولة – من خلال سلطاتها المختلفة وتنظيماتها المتعددة – على أن تتخذ قراراتها فى
شأن هذه المسائل محيطة بشتى زواياها، واعية بآثارها الإيجابية وانعكاساتها السلبية،
وذلك كله فى إطار من الموضوعية المنزهة عن الميل، أو الانحياز لوجهة نظر بذاتها لا
تعززها الحقائق العلمية. ومن ثم تنحل الدراسة التى يجريها مجلس الشورى للمسائل التى
حددتها المادة 194 من الدستور، إلى غوص فى أعماقها تجلية لجوانبها المختلفة بلوغاً
لغاية الأمر فيها، وهى بعد دراسة يقوم بها المجلس غالبا بمبادرة من جانبه، وليس ثمة
التزام على أية جهة بطلبها منه. وهو يقرر كذلك أولوياته فى مجالها، ويستقل بتقدير ما
يراه ملحاً منها، وقيمتها العملية لا خفاء فيها، لأنها تتناول مسائل لها خطرها بقصد
اقتحام مشكلاتها، والتوصل إلى حلول واقعية لها توطئة للعمل بها كلما كان ذلك ممكناً
ومفيداً. وبالتالى لا يعتبر عرض أى موضوع مما يندرج تحتها على هذا المجلس التزاماً
مترتباً بحكم الدستور.
3 – حرص الدستور على أن يفصل بصورة قاطعة بين مهمة المجلس وفقاً لنص المادة 194 من
ناحية، وبين الولاية التى يباشرها فى إطار المادة 195 منه من ناحية أخرى، مما مؤداه
أن هاتين المادتين لا تختلطان ببعضهما، ولا يجوز القول بامتزاجهما، إذ لو صح ذلك لأدمجهما
الدستور فى مادة واحدة يكون اختصاص مجلس الشورى فى شأن المسائل تندرج تحتها محيطاً
بها جميعاً، أياً كان نطاق هذا الاختصاص أو الأغراض التى يتوخاها، وهو ما قام الدليل
على نقضيه، ذلك أن المادة 195 من الدستور قوامها أن يؤخذ رأى مجلس الشورى وجوباً فى
مسائل بذواتها غير التى حددتها المادة 194 منه، ولها من الأهمية والخطر ما يقتضى أن
يكون عرضها عليه كى يقول كلمته فيها، أمراً محتوماً. وتنحصر هذه المسائل فى كل اقتراح
يكون متعلقاً بتعديل مادة أو أكثر من مواد الدستور، وكذلك كل مشروع لقانون يكون مكملاً
للدستور، وكل معاهدة يكون موضوعها صلحاً أو تحالفا أو متعلقا بحقوق السيادة أو من
شأنها التعديل فى النطاق الإقليمى للدولة، وكل مشروع يتناول الخطة العامة للدولة فى
مجال التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وكل مشروع قانون يحيله إليه رئيس الجمهورية،
بالإضافة إلى أية موضوعات يحيلها رئيس الجمهورية إليه وتتصل بالسياسة العامة للدولة
أو بسياستها فى الشئون العربية أو الخارجية. وهذه المسائل التى حددتها المادة 195 من
الدستور، يجمعها أن الدستور قدر حيوية المصالح المرتبطة بها، وأن اتخاذ قرار فيها قبل
أن يدلى مجلس الشورى برأيه فى نطاقها بعد عرضها عليه، تكتنفه محاذير واضحة مرجعها رجحان
أن يصدر هذا القرار متسرعاً أو مبتسراً. ومن ثم كان عرضها على مجلس الشورى لأخذ رأيه
فيها وجوبياً باعتبار أن ذلك شكلية جوهرية لا يجوز إهمالها أو التجاوز عنها، بالنظر
إلى دقة المسائل التى عينتها المادة 195 وما يقتضيه بحثها من تعمق، وبوجه خاص فى جوانبها
المتعلقة بالتنمية فى مجالاتها المختلفة، وبالحدود الاقليمية للدولة التى تمتد إليها
سيادتها، وبالشرعية الدستورية التى ترسى الدولة عليها دعائمها. متى كان ما تقدم، وكانت
مشروعات القوانين المكملة للدستور من بين المسائل التى يتعين عرضها على مجلس الشورى
لأخذ رأيه فيها قبل تقديمها إلى السلطة التشريعية الأصيلة ممثلة فى مجلس الشعب، فإن
إقرار السلطة التشريعية لقانون مكمل للدستور دون اتباع هذا الإجراء، لن يقيله من عثرة
مخالفته للأوضاع الشكلية التى تطلبتها المادة 195 من الدستور، ولن يرده بالتالى إلى
دائرة المشروعية الدستورية فى جوانبها الإجرائية، إذ يعتبر القانون الصادر على خلافها
مفتقراً إلى مقوماته كإطار لقواعد قانونية اكتمل تكوينها، ويقع من ثم مشوباً بالبطلان.
4 – إن "القوانين المكملة للدستور" وإن نص الدستور على حتمية عرض مشروعاتها على مجلس
الشورى لأخذ رأيه فيها، إلا أن إيراد الدستور لهذه العبارة لم يقترن بما يعين على إيضاح
معناها بما لا خفاء فيه، فحق على هذه المحكمة أن تبين المقصود بها قطعاً لكل جدل حولها،
ولضمان إرساء العلاقة بين مجلس الشعب ومجلس الشورى على أسس ثابتة تكفل مباشرة كل منهما
لولايته فى الحدود التى رسمها الدستور لهما، فلا يجور أحدهما على الآخر مفتئتا على
اختصاصاته الدستورية، مقتحماً تخومها، وكان لا مقابل لعبارة "القوانين المكملة للدستور"
فى الدساتير المصرية السابقة على الدستور القائم، وليس ثمة أعمال تحضيرية يمكن الارتكان
إليها فى تجلية معناها. ولا شبهة كذلك فى أن انبهامها آل إلى غموض المعايير التى قيل
بها ضبطاً لفحواها وتحرياً لدلالتها، وكان المشرع لازال عازفاً عن التدخل فى هذا المجال
سواء باعتناق معيار منها أو بإبدالها بمعيار من عنده يمزج بينها أو يقوم على أنقاضها،
إلا أن تلك كله لا يجوز أن يحول بين هذه المحكمة وبين مباشرة ولايتها فى مجال إعمال
النصوص الدستورية، إذ هى التى تقوم من خلال تفسيرها على ربطها ببعض على ضوء المقاصد
الحقيقية التى ابتغاها الدستور منها، وبما يرد عنها الغموض، بما مؤداه أن النصوص الدستورية
جميعها غير مستعصية على التحديد من ناحية، وأنه يتعين من ناحية أخرى أن يكون لكل منها
مجال يعمل فيه، متكاملاً فى ذلك مع غيره من النصوص.
55 – عبارة "القوانين المكملة للدستور" وإن كانت جديدة كل الجدة، فريدة فى بابها، ولا
تعرفها الدساتير المقارنة، إلا أنها تحمل فى أعطافها ضوابط تحديد معناها، ذلك أن الدستور
من ناحية قد ينص فى مادة أو أكثر من مواده على أن موضوعاً معيناً، يتعين تنظيمه بقانون،
أو وفقاً للقانون، أو فى الحدود التى يبينها القانون. بيد أن صدور قانون فى هذا النطاق
لا يدل بالضرورة – ومن ناحية أخرى – على أن أحكامه مكملة للدستور، ذلك أن الموضوع الذى
أحال الدستور فى تنظيمه إلى القانون، قد لا تكون له طبيعة القواعد الدستورية، وليس
له من صلة بها، بل يعتبر غريباً عنها وخارجاً بطبيعته عن إطارها. ومن ثم لا يكفى لاعتبار
تنظيم قانونى معين مكملاً للدستور أن يصدر إعمالاً لنص فى الدستور، بل يتعين – فوق
هذا – أن تكون أحكامه مرتبطة بقاعدة كلية مما تتضمنها الوثائق الدستورية عادة كتلك
المتعلقة بصون استقلال السلطة القضائية بما يكفل مباشرتها لشئون العدالة دون تدخل من
أية جهة. فالقاعدة المتقدمة – وما يجرى على منوالها – مما تحرص الدساتير المختلفة على
إدراجها فى صلبها، باعتبار أن خلوها منها يجردها من كل قيمة. فإذا اتصل بها تنظيم تشريعى
قرر الدستور صدوره بقانون، أو وفقاً للقانون، أو فى الحدود التى يبينها القانون، دل
ذلك على أن هذا التنظيم مكمل للدستور. ولا كذلك النصوص التشريعية التى لا تربطها صلة
عضوية بتلك القواعد الكلية، كالقانون الذى يصدر أعمالاً لنص المادة 14 من الدستور محدداً
أحوال فصل العاملين بغير الطريق التأديبى، والقانون الصادر فى شأن العفو الشامل على
ما تقضى به المادة 149 من الدستور، أو فى شأن تنظيم التعبئة العامة وفقاً لنص المادة
181 منه. فالتنظيم التشريعى الصادر فى الحدود المتقدمة، ليس مرتبطاً بأية قاعدة من
القواعد الدستورية بمعنى الكلمة، بل يفتقر هذا التنظيم إلى العنصر الموضوعى الذى يدخل
القانون الصادر به فى عداد القوانين المكملة للدستور. ولازم ذلك أن شرطين يتعين اجتماعهما
معاً لاعتبار مشروع قانون معين مكملاً للدستور: (أولهما) أن يكون الدستور ابتداء قد
نص صراحة فى مسألة عينها على أن يكون تنظيمها بقانون، أو وفقاً لقانون، أو فى الحدود
التى يبينها القانون، أو طبقاً للأوضاع التى يقررها، فإن هو فعل، دل ذلك على أن هذا
التنظيم بلغ فى تقديره درجة من الأهمية والثقل لا يجوز معها أن يعهد به إلى أداة أدنى.
(ثانيهما) أن يكون هذا التنظيم متصلاً بقاعدة كلية مما جرت الوثائق الدستورية على احتوائها
وإدراجها تحت نصوصها، وتلك هى القواعد الدستورية بطبيعتها التى لا تخلو منها فى الأعم
أية وثيقة دستورية، والتى يتعين كى يكون التنظيم التشريعى مكملاً لها أن يكون محدداً
لمضمونها مفصلاً لحكمها مبيناً لحدودها، بما مؤداه أن الشرط الأول وإن كان لازماً كأمر
مبدئى يجب التحقق من توافره قبل الفصل فى أى نزاع حول ما إذا كان مشروع القانون المعروض
يعد أو لا يعد مكملاً للدستور، إلا أنه ليس شرطاً كافياً، بل يتعين لاعتبار المشروع
كذلك، أن يقوم الشرطان معاً متضافرين استبعاداً لكل مشروع قانون لا تربطه أية صلة بالقواعد
الدستورية الأصيلة، بل يكون غريباً عنها مقحماً عليها. ودلالة اجتماع هذين الشرطين
أن معيار تحديد القوانين المكملة للدستور، والتى يتعين أو يؤخذ فيها رأى مجلس الشورى
قبل تقديمها إلى السلطة التشريعية، لا يجوز أن يكون شكلياً صرفاً، ولا موضوعيا بحتا،
بل قوامه مزاوجة بين ملامح شكلية، وما ينبغى أن يتصل بها من العناصر الموضوعية، على
النحو المتقدم بيانه.
6 – إذ كان قانون الأحوال الشخصية المطعون عليه، لا يتناول موضوعاً نص الدستور على
أن يكون تنظيمه بقانون، فإنه أياً كان وجه الرأى فى شأن اتصال النصوص التشريعية التى
تضمنها قانون الأحوال الشخصية بقاعدة دستورية بطبيعتها أو انفكاكها عنها، فإن مراعاة
الشكلية المنصوص عليها فى المادة 195 من الدستور لا يكون واجباً من زاوية دستورية.
7 – إن المصلحة الشخصية المباشرة تعد شرطاً لقبول الدعوى الدستورية، ومناطها أن يكون
ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة فى الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم الصادر
فى الدعوى الدستورية لازماً للفصل فى مسألة كلية أو فرعية تدور حولها الخصومة – بأكملها
أو فى شق منها – فى الدعوى الموضوعية، فإذا لم يكن له بها من صلة، كانت الدعوى الدستورية
غير مقبولة. ومن ثم لا يكفى لقيام المصلحة الشخصية المباشرة التى تعتبر شرطاً لقبول
الدعوى الدستورية، أن يكون النص التشريعى المطعون عليه مخالفاً فى ذاته للدستور، بل
يتعين أن يكون هذا النص – بتطبيقه على المدعى – قد أخل بأحد الحقوق التى كفلها على
نحو ألحق به ضرراً مباشراً. إذ كان ذلك، فإن شرط المصلحة الشخصية المباشرة يغدو متصلاً
بالحق فى الدعوى، ومرتبطاً بالخصم الذى أثار المسألة الدستورية، وليس بهذه المسألة
فى ذاتها منظوراً إليها بصفة مجردة، وهو بذلك يعتبر محدداً لفكرة الخصومة فى الدعوى
الدستورية، مبلوراً نطاق المسألة الدستورية التى تدعى هذه المحكمة للفصل فيها، ومؤكداً
ضرورة أن تكون المنفعة التى يقرها القانون هى محصلتها النهائية، ومنفصلاً دوماً عن
مطابقة النص التشريعى المطعون عليه للدستور أو مخالفته لقيوده ونواهيه، ومستلزماً أبداً
أن يكون الفصل فى المسألة الدستورية موطئاً للفصل فى الطلبات الموضوعية المرتبطة بها
والمطروحة أمام محكمة الموضوع. متى كان ما تقدم، وكان المدعى ينعى على المواد 5 مكرراً
بفقرتيها الأولى والثالثة، و11 مكرراً، و23 مكرراً بفقرتيها الثانية والثالثة التى
أضافتها المادة الأولى من القانون رقم 100 لسنة 1985 إلى المرسوم بقانون رقم 25 لسنة
1929 مخالفتها للدستور، وكانت دعويا الموضوع المقامتان من المدعى عليها ضد المدعى –
واللتان أثير فيهما الدفع بعدم الدستورية – قد توخيتا الحكم باستقلالها وصغيرها منه
بمسكن الزوجية حتى تنقضى حضانتها له بالإضافة إلى القضاء لها قبله بمتعة تماثل نفقة
مدة حددتها – فإن الفصل فى دستورية المواد 5 مكرراً بفقرتيها الأولى والثالثة، و 11
مكرراً، و 23 مكرراً بفقرتيها الثانية والثالثة، لن يكون لازماً للفصل فى الطلبات الموضوعية
المطروحة أمام محكمة الموضوع، إذ ليس لهذه المواد من صلة بتلك الطلبات، بما مؤداه انتفاء
ارتباطها بالمصلحة الشخصية المباشرة – وهى شرط قبول الدعوى الدستورية ومناطها – وآية
ذلك أن أولى هذه المواد تقرر التزام المطلق بأن يوثق إشهار طلاقة، وتحدد الآثار المترتبة
على الطلاق وتاريخ سريانها، أما ثانيتها فغايتها ضمان إعلام كل زوجة على العصمة بالزواج
الجديد وتقرير حقها فى طلب التطليق من زوجها، وكذلك ضوابط حق الزوجة الجديدة فى طلبه،
وتبين ثالثتها العقوبة الجنائية التى يتعين توقيعها على المطلق عند مخالفته الاحكام
المنصوص عليها فى المادة 5 مكرراً المشار إليها. متى كان ذلك، فإن المصلحة فى الطعن
على المواد السالف بيانها، تكون متخلفة.
8، 9 – إن ما نص عليه الدستور فى مادته الثانية بعد تعديلها – وعلى ما جرى به قضاء
المحكمة الدستورية العليا – من سريان حكمها على التشريعات الصادرة بعد العمل بها، ومن
بينها أحكام القانون رقم 100 لسنة 1985 – مؤداه أنه لا يجوز لنص تشريعى أن يناقض الأحكام
الشرعية القطعية فى ثبوتها ودلالتها، فهذه الأحكام وحدها هى التى لا يجوز الاجتهاد
فيها، وهى تمثل من الشريعة الإسلامية مبادئها الكلية وأصولها الثابتة التى لا تحتمل
تأويلاً أو تبديلاً. ومن غير المتصور بالتالى أن يتغير مفهومها تبعاً لتغير الزمان
والمكان، إذ هى عصية على التعديل ولا يجوز الخروج عليها، وتقتصر ولاية المحكمة الدستورية
العليا فى شأنها على مراقبة التقيد بها وتغليبها على كل قاعدة قانونية تعارضها، ذلك
أن المادة الثانية من الدستور تقدم على هذه القواعد، أحكام الشريعة الإسلامية فى أصولها
ومبادئها الكلية، إذ هى إطارها العام وركائزها الثابتة التى تفرض متطلباتها دوماً بما
يحول دون إقرار أية قاعدة قانونية على خلافها، وإلا اعتبر ذلك تشهيا وإهداراً لما علم
من الدين بالضرورة. وعلى خلاف هذا، الأحكام الظنية سواء فى ثبوتها أو دلالتها أو فيهما
معاً، ذلك أن دائرة الاجتهاد تنحصر فيها ولا تمتد إلى سواها، وهى تتغير بتغير الزمان
والمكان لضمان مرونتها وحيويتها، ولمواجهة النوازل على اختلافها، تنظيماً لشئون العباد
بما يكفل مصالحهم المعتبرة شرعاً. ولا بد أن يكون هذا الاجتهاد واقعاً فى إطار الأصول
الكلية للشريعة الإسلامية بما لا يجاوزها، مقيماً الأحكام العملية بالاعتماد فى استنباطها
على الأدلة الشرعية، متوخياً من خلالها تحقيق المقاصد العامة للشريعة بما تقوم عليه
من صون الدين والنفس والعقل والعرض والمال. متى كان ما تقدم، وكانت الفقرة الأولى من
المادة 20 من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 ببعض أحكام الأحوال الشخصية بعد تعديلها
بالقانون رقم 100 لسنة 1985 – قد قررت فى شأن الحضانة أحكاماً تدخل فى نطاق المسائل
الاجتهادية، فإن النعى بمخالفتها المادة الثانية من الدستور لا يكون له محل.ل.
10، 11، 12، 13 – إن الحضانة – فى أصل شرعتها – هى ولاية للتربية، غايتها الاهتمام
بالصغير وضمان رعايته والقيام على شئونه فى الفترة الأولى من حياته. والأصل فيها هو
مصلحة الصغير، وهى تتحقق بأن تضمه الحاضنة – التى لها الحق فى تربيته شرعاً – إلى جناحها
باعتبارها أحفظ عليه وأحرص على توجيهه وصيانته، ولأن انتزاعه منها – وهى أشفق عليه
وأوثق اتصالاً به وأكثر معرفة بما يلزمه وأوفر صبراً – مضرة به إبان الفترة الدقيقة
التى لا يستقل فيها بأموره والتى لا يجوز خلالها أن يعهد به إلى غير مؤتمن يأكل من
نفقته، ويطعمه نزرا، أو ينظر إليه شزرا. وحين يقرر ولى الأمر حدود هذه المصلحة معرفا
بأبعادها، فذلك لأن الشريعة الإسلامية فى مبادئها الكلية – لا تقيم لسن الحضانة تخوماً
لا يجوز تجاوزها، انطلاقاً من أن تربية الصغير مسألة لها خطرها، وإن تطرق الخلل إليها
– ولو فى بعض جوانبها – مدعاة لضياع الولد، ومن ثم تعين أن يتحدد مداها بما يكون لازماً
للقيام على مصلحته، ودفع المضرة عنه، باعتبار أن مدار الحضانة على نفع المحضون، وأن
رعايته مقدمة على أية مصلحة لغيره، حتى عند من يقولون بأن الحضانة لا تتمحض عن حق للصغير،
وإنما يتداخل فيها حق من ترعاه، ويعهد إليها بأمره. ولولى الأمر بالتالى أن يقدر ما
يراه خيراً للصغير وأصلح له، بمراعاة أن حقه فى الحضانة لا يعتبر متوقفاً على طلبها
ممن له الحق فيها، وأن ما يصون استقراره النفسى ويحول دون إيذائه، ويكفل تقويمه، من
المقاصد الشرعية التى لا تجوز المجادلة فيها، وأن النزول عن الحضانة بعد ثبوتها لا
يحول دون العودة إليها، بل إن من المجتهدين من يقول بجواز حمل الحاضنة عليها – بافتراض
اجتماع شروطها فيها – كلما كان ذلك ضرورياً لصيانة الصغير وحفظه. وقد دل الفقهاء –
باختلافهم فى زمن الحضانة – وهى الفترة الواقعة بين بدئها وانتهاء الحق فيها – على
أن مصلحة الصغير هى مدار أحكامها، وأنها من المسائل الاجتهادية التى تتباين الآراء
حولها، كل من وجهة يعتد فيها بما يراه أكفل لتحصيل الخير للصغير فى إطار من الحق والعدل.
ولئن كان المتقدمون لا يقدرون للحضانة مدة معينة تنتهى بانتهائها، وإنما يركنون إلى
معايير مرنة بطبيعتها ضابطها هو انتهاؤها عند السن التى يبلغها الصغير أو الصغيرة مميزين
قادرين على الوفاء بحاجاتهما الأولية مستغنيين تبعاً عن خدمة النساء، وكان آخرون من
بعدهم قد حدوا للحضانة سناً معينة تنتهى ببلوغها قطعاً لكل جدل حولها، إلا أن استقراء
أقوال هؤلاء وهؤلاء يدل على أن اجتهاداتهم فى شأن واقعة انتهاء الحضانة، مدارها نفع
المحضون – صغيراً كان أم صغيرة – ويتعين بالتالى أن يصار إلى كل ما يصلحه ويكفل وقايته
مما يؤذيه، وتربيته إنماء لمداركه ولإعداده للحياة، وبوجه خاص من النواحى النفسية والعقلية،
وكان الأصل فى حضانة الصغير والصغيرة – على ما تقدم – هو تعهدهما بما يحول دون الإضرار
بهما، تعين ألا تكون سن الحضانة محددة بقاعدة جامدة صارمة لا تأخذ فى اعتبارها تغير
الزمان والمكان، أو تغفل فى مجال تطبيقها ما يقتضيه التمييز فى نطاق الحضانة بين الصغير
والصغيرة، بالنظر إلى طبيعة كل منهما، وخصائص تكوينه، ودرجة احتياجه إلى من يقوم على
تربيته وتقويمه، وما تتطلبه الذكورة والأنوثة من تنمية ملكاتهما. وفى ذلك قدر من المرونة
التى تسعها الشريعة الإسلامية فى أحكامها الفرعية المستجيبة دوماً للتطور، توخياً لربطها
بمصالح الناس واحتياجاتهم المتجددة، وأعرافهم المتغيرة، التى لا تصادم حكماً قطعياً.
وهى مرونة ينافيها أن يتقيد المشرع بآراء بذاتها لا يريم عنها، أو يقعد باجتهاده عند
لحظة زمنية معينة تكون المصالح المعتبرة شرعاً قد جاوزتها. وتلك هى الشريعة فى أصولها
ومنابته، شريعة مرنة غير جامدة يتقيد الاجتهاد فيها – بما يقوم عليه من استفراغ الجهد
للوصول إلى حكم فيما لا نص عليه – بضوابطها الكلية وبما لا يعطل مقاصدها. ولئن صح القول
بأن أهمية الاجتهاد ولزومه لا يوازيها إلا خطره ودقته، فإن من الصحيح كذلك أن لولى
الأمر الاجتهاد فى الأحكام الظنية بمراعاة المصلحة الحقيقية التى يقوم برهانها من الأدلة
الشرعية، وهو ما نحاه النص التشريعى المطعون فيه، ذلك أن السن الإلزامية للحضانة التى
حددها – وهى عشر سنين للصغير واثنتا عشرة سنة للصغيرة – لا تعدو أن تكون تقريراً لأحكام
عملية فى دائرة الاجتهاد بما لا يصادم الشريعة الإسلامية فى أصولها الثابتة ومبادئها
الكلية، إذ ليس ثمة نص قطعى – فى ثبوته ودلالته – يقرر للحضانة سناً لا يجوز لولى الأمر
أن يتخطاها، وإنما مرد الأمر فى تعيينها إلى ما يترخص ولى الأمر فى تقديره مقيداً فى
ذلك بمصلحة المحضون بما يراه أكفل لها وأدعى لتحقيقها، وبما يحول دون إعناته. وهو فى
ذلك لا يصدر عن نظرة تحكمية، بل غايته رفع الحرج وفق أسس موضوعية قدر معها أن مصلحة
المحضون لازمها عدم ترويعه بانتزاعه من حاضنته، بما يخل بأمنه واطمئنانه ويهدد استقراره،
وأن وجود الولد – ذكراً كان أو أنثى – فى يدها سواء قبل بلوغ السن الإلزامية للحضانة،
أو بعد بلوغها – حين يقرر القاضى أن المصلحة تقتضى إبقاء الصغير حتى سن الخامسة عشرة
والصغيرة حتى تتزوج – لا يغل يد والدهما عنهما ولا يحد من ولايته الشرعية عليهما، وكان
النص المطعون عليه قد تناول أمورا تنظيمية، وتقرر لمصلحة مشروعة يستجلبها، وقد قال
المالكية بما لا يناقض مضمونه بذهابهم إلى حضانة الصغير تنتهى إذا بلغ عاقلا غير زمن،
وأن أمد الحضانة للصغيرة حتى يدخل بها زوجها، وكان النص التشريعى المطعون عليه قد صدر
مستلهما مقاصد الشريعة الكلية، غير مناقض لمقوماتها الأساسية، واقعاً فى نطاق توجهاتها
العامة التى تحض على الاجتهاد فى غير أحكامها القطعية فى ثبوتها ودلالتها. إذ كان ذلك،
فان قالة مخالفة هذا النص للمادة الثانية من الدستور لا يكون لها محل.
14 – ما قررته المادة 18 مكرراً ثالثاً – التى أضافها القانون رقم 100 لسنة 1985 إلى
المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 ببعض أحكام الأحوال الشخصية – من إلزامها الزوج المطلق
بأن يهيئ لصغاره من مطلقه ولحاضنتهم مسكناً مستقلاً مناسباً، إنما يدور وجوداً وعدماً
مع المدة الإلزامية للحضانة التى قررتها الفقرة الأولى من المادة 20 المطعون عليها،
ومن ثم فإن حق الحاضنة فى شغل مسكن الزوجية إعمالاً للمادة 18 مكرراً ثالثاً المشار
إليها يعتبر منقضياً بلوغ الصغير سن العاشرة والصغيرة اثنتى عشرة سنة. ولا ينال مما
تقدم قالة أن للقاضى أن يأذن للحاضنة بعد انتهاء المدة الإلزامية للحضانة بإبقاء الصغير
فى رعايتها حتى الخامسة عشرة، والصغيرة حتى تتزوج إذا تبين أن مصلحتهما تقتضى ذلك،
ذلك أن ما يأذن به القاضى على هذا النحو، لا يعتبر امتداداً لمدة الحضانة الإلزامية،
بل منصرفاً إلى مدة استبقاء تقدم الحاضنة خلالها خدماتها متبرعة بها وليس للحاضنة بالتالى
أن تستقل بمسكن الزوجية خلال المدة التى شملها هذا الإذن، باعتبار أنه مدة الحضانة
التى عناها المشرع بنص الفقرتين الأولى والرابعة من المادة 18 مكرراً ثالثاً – والتى
جعل من فواتها نهاية لحق الحاضنة وصغيرها من مطلقها فى شغل مسكن الزوجية – هى المدة
الإلزامية للحضانة على ما تقدم – وغايتها بلوغ الصغير سن العاشرة والصغيرة اثنتى عشرة
سنة، وببلوغها يسقط حقهما فى الاستقلال بمسكن الزوجية ليعود إليه الزوج المطلق منفرداً
فى الانتقاع به إذا كان له ابتداء أن يحتفظ به قانوناً. .
15 – لا محاجة فى القول بأن مجرد توافر المصلحة عند رفع الدعوى الدستورية يعتبر كافياً
لقبولها ولو قام الدليل على تخلفها قبل الفصل فيها، ذلك أن قضاء هذه المحكمة قد جرى
على أن توافر شرط المصلحة فى الدعوى عند رفعها، ثم تخلفه قبل أن تصدر حكمها فيها، مؤداه
زوال هذه المصلحة، وذلك أياً كانت طبيعة المسألة الدستورية التى تدعى المحكمة الدستورية
العليا لتقول كلمتها فى شأنها.
16 – لما كانت الخصومة فى طلب التدخل الانضمامى تعتبر تابعة للخصومة الأصلية، وكان
قضاء المحكمة الدستورية العليا فى الدعوى الماثلة قد خلص إلى انتقاء مصلحة المدعى فيها
فى الطعن بعدم دستورية حكم المادة 18 مكرراً ثالثاً سالفة البيان – فإن عدم قبول الدعوى
الدستورية فى هذا الشق منها، يستتبع بطريق اللزوم انقضاء طلب التدخل الانضمامى.
17، 18، 19، 20 – إن أصل تشريع المتعة هو النصوص القرآنية التى تعددت مواضعها، مع قوله
تعالى (وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين) التى نحا الشافعى فى أحد قوليه وكذلك
الظاهرية إلى وجوبها، وأيدهم فى ذلك آخرون باعتبار أن "حقاً" صفة لقوله تعالى "متاعاً"
وذلك أدخل لتوكيد الأمر بها. هذا بالإضافة إلى أن عموم خطابها مؤداه عدم جواز تخصيص
حكمها بغير دليل، وسريانه على كل مطلقة سواء كان طلاقها قبل الدخول بها أم بعده، فرض
لها مطلقها مهراً أم كان غير مفروض لها. وجماهير الفقهاء على استحبابها بمقولة افتقارها
إلى أمر صريح بها. كذلك فإن تقرير المتعة وجوباً أظهر فى آية أخرى إذ يقول الله تعالى
فى المطلقة غير المفروض لها ولا مدخول بها (ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره
متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين) بمعنى اعطوهن شيئاً يكون متاعاً لهن. والأمر بالإمتاع
فيها ظاهر، وإضافة الإمتاع إليهن تمليكاً – عند من يقولون بوجوبها – لا شبهة فيه، وانصرافها
إلى المتقين والمحسنين لا يدل على تعلقها بهم دون سواهم، بل توكيد لإيجابها باعتبار
أن الناس جميعاً ملزمون بالامتثال إلى أمر الله تعالى وعدم الانزلاق إلى معاصيه. والبين
من استقراء أقوال الفقهاء فى شأن دلالة النصوص القرآنية الواردة فى شأن "المتعة" أنهم
مختلفون فى نطاق تطبيقها من ناحية، وفى وجوبها أو استحبابها من ناحية أخرى، وما ذلك
إلا لأن هذه النصوص ظنية فى دلالتها، غير مقطوع بمراد الله تعالى منها. وجاز لولى الأمر
بالتالى الاجتهاد فيها تنظيماً لأحكامها بنص تشريعى يقرر أصل الحق فيها، ويفصل شروط
استحقاقها بما يوحد تطبيقها، ويقيم بنيانها على كلمة سواء ترفع نواحى الخلاف فيها،
ولا تعارض الشريعة فى أصولها الثابتة أو مبادئها الكلية. وقد شرط النص التشريعى المطعون
فيه لاستحقاق المتعة شرطين: (أولهما) أن تكون المرأة التى طلقها زوجها مدخولاً بها
فى زواج صحيح. (ثانيهما) ألا يكون الطلاق برضاها أو من جهتها، وهما شرطان لا ينافيان
الشريعة الإسلامية سواء فى ركائزها أو مقاصدها، ذلك أن تشريع المتعة يتوخى جبر خاطر
المطلقة تطبيباً لنفسها ولمواجهة ايحاشها بالطلاق، ولأن مواساتها من المروءة التى تتطلبها
الشريعة الإسلامية، والتى دل العمل على ترخيها لا سيما بين زوجين انقطع حبل المودة
بينهما. ولا كذلك المرأة التى تختار الطلاق أو تسعى إليه، كالمختلعة والمبارئة، أو
التى يكون الطلاق من قبلها بما يدل على أنه ناجم عن إساءتها أو عائد إلى ظلمها وسوء
تصرفها، إذ لا يتصور – وقد تقررت المتعة إزاء غم الطلاق – أن يكون إمتاعها – فى طلاق
تم برضاها أو وقع بسبب من قبلها – تطبيباً لخاطرها، ولا أن يصلها زوجها بمعونة مالية
تزيد على نفقة العدة تخفيفاً لآلامها الناجمة عن الفراق. وما قرره المدعى من أن المتعة
لا تستحق إلا للمرأة غير المدخول بها قبل طلاقها، مردود بأن الله تعالى ناط بعباده
المتقين الذين يلتزمون بالتعاليم التى فرضها صوناً لأنفسهم عن مخالفته، بأن يقدموا
لكل مطلقة متاعاً يتمحض معروفاً بما مؤداه استحقاقها الإمتاع، ولو كان ذلك بعد الدخول
بها. كذلك فإن أمهات المؤمنين المدخول بهن هن اللاتى عنتهن الآية الكريمة التى يقول
فيها سبحانه (يا أيها النبى قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين
أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلا). وما قرره النص التشريعى المطعون عليه من أن المتعة تقدر
بنفقة سنتين على الأقل وبمراعاة حال المطلق يسراً وعسراً وعلى ضوء ظروف الطلاق ومدة
الزوجية، مستلهماً فى أسس تقديرها قوله تعالى (ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر
قدره)، ومستعبداً بذلك الآراء التى تقيسها على المهر وتراعى فيها حال الزوجة بالتالى،
ومقرراً حداً أدنى لها فى إطار التكافل الاجتماعى لضمان ألا يقل ما يعود على المرأة
منها عما قدره ولى الأمر لازماً لتمتيعها بعد طلاقها دون رضاها، ومن غير جهتها، ذلك
أن غربتها بالطلاق تؤلمها وتمزق سكينتها، وقد تعرضها لمخاطر تفوق طاقة احتمالها، وغالباً
ما يقترن طلاقها بالتناحر والتباغض وانقطاع المودة، فحق ألا يكون أدناها متناهياً فى
ضآلته صوناً للحكمة من تشريعها لا سيما أن من الفقهاء من حدد أدنى ما يجزئ فيها، ومنهم
من حدد أرفعها وأوسطها، وليس فى النصوص القرآنية ما يفيد أن الله تعالى قد قدرها أو
حددها، بما مؤداه جواز تنظيمها بما يحقق للناس مصالحهم المعتبرة شرعاً. ولئن كان النص
التشريعى المطعون عليه لا يورد حداً أقصى لتلك المعونة المالية التى يقدمها الرجل لمن
طلقها، إلا أن ذلك أدخل إلى الملاءمة التى لا تمتد إليها الرقابة الدستورية، ولا يجوز
أن تخوض فيها، لا سيما أن من الفقهاء من يقول بأنه ليس للمتعة عندهم حد معروف لا فى
قليلها أو كثيرها. كذلك فإن أمر تقديرها فيما يجاوز حدها الأدنى موكول إلى المحكمة
المختصة تجيل فيه بصرها معتمدة فى تحديد مبلغها على أسس موضوعية لا تفرضها تحكماً أو
إعناتاً، من بينها أن يكون هذا التحديد دائرا مع حال مطلقها يسراً وعسراً، إذ هى متاع
تقرر معروفاً، ولمصلحة لها اعتبارها. والمتقون الممتثلون إلى الله تعالى الطامعون فى
مرضاته مدعوون إليها، بل ومطالبون بها، باعتبارها أكفل للمودة، وأدعى لنبذ الشقاق،
وإقامة العلائق البشرية على أساس من الحق والعدل. كذلك فإن اعتداد النص التشريعى بمدة
الزوجية وظروف الطلاق فى مجال تقدير المتعة الواجبة، لا يتوخى فرض قيود غير مبررة على
الحق فى الطلاق، وإنما قصد المشرع – بإضافته هذين العنصرين إلى حال المطلق يسرا وعسرا
– أن تكون المعونة المالية التى تتبلور المتعة فى مبلغها، واقعية قدر الإمكان بما لا
إفراط فيه أو تفريط، وهو ما يدخل فى نطاق السلطة التقديرية التى يملكها المشرع فى مجال
تنظيم الحقوق بما لا يناقض أحكام الدستور أو يخل بالضوابط التى فرضها.
الإجراءاتات
بتاريخ 18 مارس سنة 1986 أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب
المحكمة طالباً الحكم بعدم دستورية القانون رقم 100 لسنة 1985 برمته شكلاً، وفى الموضوع
الحكم بعدم دستورية مواد هذا القانون خاصة مادته الثالثة المعدلة للفقرة الأولى من
المادة 20 من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 ببعض أحكام الأحوال الشخصية، وكذلك ما
أضافته مادته الأولى إلى ذلك المرسوم بقانون من نصوص هى المواد 5 مكرراً فى فقرتيها
الأولى والثالثة و11 مكررا و 18 مكررا ثالثا و23 مكررا فى فقرتيها الثانية والثالثة.
قدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة دفعت فيها بعد قبول الدعوى، كما طلبت رفضها. وبعد تحضير
الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها. ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر
الجلسة، وقررت المحكمة اصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.
المحكمةمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل فى أن المدعى
عليها الرابعة كانت قد اقامت الدعوى رقم 1141 لسنة 1985 شرعى كلى الجيزة ضد المدعى
بطلب تمكينها من الاستقلال بمسكن الزوجية المبين بالأوراق لحضانتها إبنها منه "هيثم"
ومنع تعرضه لها فى ذلك. كما كانت المدعى عليها نفسها قد أقامت الدعوى رقم 1140 لسنة
1985 شرعى كلى الجيزة بطلب الحكم لها قبل المدعى بمتعة تعادل عشر سنين. وإذ دفع المدعى
– فى الدعوى الماثلة – أمام محكمة الموضوع فى هاتين الدعويين كلتيهما بعدم دستورية
القانون رقم 100 لسنة 1985 بتعديل بعض أحكام قوانين الأحوال الشخصية، وكانت محكمة الموضوع
قد صرحت له برفع الدعوى الدستورية – بعد أن قدرت جدية دفعه – فقد أقام الدعوى الماثلة.
وحيث إنه بجلسة 4 من يوليه سنة 1992 حضر الأستاذ أمين صفوت المحامى وطلب قبول تدخله
منضماً إلى المدعى فى طلباته فى شأن المادة 18 مكررا (ثالثا) المتعلقة باستقلال الصغار
وحاضنتهم بمسكن الزوجية. .
وحيث إن المدعى ينعى على القانون رقم 100 لسنة 1985 – المشار إليه – صدوره بالمخالفة
للأوضاع الشكلية التى تطلبتها المادة 194 من الدستور، على أساس أن مجلس الشورى وفقاً
لحكمها يختص بدراسة واقتراح ما يراه كفيلاً بالحفاظ على المقومات الأساسية للمجتمع
وقيمه العليا وتندرج تحتها الأسرة التى نص الدستور فى مادته التاسعة على أنها أساس
المجتمع، وأن قوامها الدين والأخلاق والوطنية بما مؤداه أن إغفال عرض القانون رقم 100
لسنة 1985 المشار إليه على مجلس الشورى قبل تقديمه إلى السلطة التشريعية لإقراره، إنما
ينحل إلى إهدار لشكلية جوهرية لا يقوم هذا القانون سوياً على قدميه بتخلفها.
وحيث إن الباب السابع من الدستور – المضاف بعد تعديله فى 22 مايو سنة 1980 – تضمن أحكاماً
جديدة خص الدستور بها مجلساً وليداً أنشأه لأول مرة هو مجلس الشورى، وأفرده بها، وبوجه
خاص فيما يتعلق باختصاصاته، وكيفية تشكيله، ومدة عضويته، ومدى مسئولية رئيس مجلس الوزراء
ونوابه والوزراء أمامه، وشروط حله. وقد حدد الدستور اختصاص هذا المجلس فى مادتين هما
المادتان 194 و195 منه، وبهما أخرج الدستور من ولايته ممارسة الوظيفة التشريعية التى
ينعقد الاختصاص بها المجلس الشعب دون غيره، وقصر مهمته على مسائل بذاتها يؤخذ رأيه
فيها، أخرى يتولى دراستها مبدياً وجهة نظره فى شأنه، وفى هاتين الحالتين كلتيهما،
عين الدستور هذه المسائل تعييناً دقيقاً، وحددها حصراً مما مؤداه امتناع الإضافة إليها
أو التبديل فيها أو القياس عليها.
وحيث إن البين من هاتين المادتين أو أولاهما تتناول ولاية مجلس الشورى فى شأن المسائل
الكفيلة بالحفاظ على ثورتى 23 يوليو سنة 1952 و15 مايو سنة 1971، وكذلك تلك المتعلقة
بدعم الوحدة الوطنية وصون السلام الاجتماعى وحماية قوى الشعب العاملة فى تحالفها ومكاسبها
الاشتراكية، وإرساء المقومات الأساسية للمجتمع وقيمه العليا، وضمان حقوق المواطن وحرياته
وأدائه لواجباته العامة، وتعميق النظام الاشتراكى الديمقراطى وتوسيع مجالاته. وتقتصر
مهمة المجلس فى شأن هذه المسائل جميعها على دراستها وقوفاً على جوانبها، واستظهاراً
لوجهات النظر المتباينة فى مجالها، وعرضها معززة بأدلتها مقرونة بما يراه صائباً منها
محققاً للمصالح التى قصد الدستور إلى حمايتها. ولا تعدو مهمته بالتالى – فى نطاق دراسته
للمسائل التى عينتها المادة 194 من الدستور – مجرد معاونة الدولة – من خلال سلطاتها
المختلفة وتنظيماتها المتعددة – على أن تتخذ قراراتها فى شأن هذه المسائل محيطة بشتى
زواياها، واعية بآثارها الإيجابية وانعكاساتها السلبية، وذلك كله فى إطار من الموضوعية
المنزهة عن الميل، أو الانحياز لوجهة نظر بذاتها لا تعززها الحقائق العلمية، ومن ثم
تنحل الدراسة التى يجريها مجلس الشورى للمسائل التى حددتها المادة 194 من الدستور،
إلى غوص فى أعماقها تجلية لجوانبها المختلفة بلوغا لغاية الأمر فيها. وهى بعد دراسة
يقوما بها المجلس غالباً بمبادرة من جانبه. وليس ثمة التزام على أية جهة بطلبها منه.
وهو يقرر كذلك أولوياته فى مجالها ويستقل بتقدير ما يراه ملحاً منها. وقيمتها العملية
لا خفاء فيها. لأنها تتناول مسائل لها خطرها بقصد اقتحام مشكلاتها، والتوصل إلى حلول
واقعية لها توطئه للعمل بها كلما كان ذلك ممكناً ومفيداً. وبالتالى لا يعتبر عرض أى
موضوع مما يندرج تحتها على هذا المجلس التزاماً مترتباً بحكم الدستور، وآية ذلك أن
الدستور حرص على أن يفصل بصورة قاطعة بين مهمة المجلس وفقاً لنص المادة 194 من ناحية،
وبين الولاية التى يباشرها فى إطار المادة 195 منه من ناحية أخرى، مما مؤداه أن هاتين
المادتين لا تختلطان ببعضهما، ولا يجوز القول بامتزاجهما، إذ لو صح ذلك لأدمجهما الدستور
فى مادة واحدة يكون اختصاص مجلس الشورى فى شأن المسائل التى تندرج تحتها محيطاً بها
جميعاً، أياً كان نطاق هذا الاختصاص أو الأغراض التى يتوخاها، وهو ما قام الدليل على
نقضيه، ذلك أن المادة 195 من الدستور قوامها أن يؤخذ رأى مجلس الشورى وجوباً فى مسائل
بذواتها غير التى حددتها المادة 194 منه، ولها من الأهمية والخطر ما يقتضى أن يكون
عرضها عليه كى يقول كلمته فيها، أمراً محتوماً. وتنحصر هذه المسائل فى كل اقتراح يكون
متعلقاً بتعديل مادة أو أكثر من مواد الدستور، وكذلك كل مشروع لقانون يكون مكملاً للدستور،
وكل معاهدة يكون موضوعها صلحاً أو تحالفاً أو متعلقاً بحقوق السيادة أو من شأنها التعديل
فى النطاق الاقليمى للدولة، وكل مشروع يتناول الخطة العامة للدولة فى مجال التنمية
الاجتماعية والاقتصادية، وكل مشروع قانون يحيله إليه رئيس الجمهورية، بالإضافة إلى
أية موضوعات يحيلها رئيس الجمهورية إليه وتتصل بالسياسة العامة للدولة أو بسياستها
فى الشئون العربية أو الخارجية. وهذه المسائل التى حددتها المادة 195 من الدستور، يجمعها
أن الدستور قدر حيوية المصالح المرتبطة بها، وأن اتخاذ قرار فيها قبل أن يدلى مجلس
الشورى برأيه فى نطاقها بعد عرضها عليه تكتنفه محاذير واضحة مرجعها رجحان أن يصدر هذا
القرار متسرعا أو مبتسرا. ومن ثم كان عرضها على مجلس الشورى لأخذ رأيه فيها وجوبياً
باعتبار أن ذلك شكلية جوهرية لا يجوز إهمالها أو التجاوز عنها، بالنظر إلى دقة المسائل
التى عينتها المادة 195 وما يقتضيه بحثها من تعمق، وبوجه خاص فى جوانبها المتعلقة بالتنمية
فى مجالاتها المختلفة، وبالحدود الاقليمية للدولة التى تمتد إليها سيادتها، وبالشرعية
الدستورية التى ترسى الدولة عليها دعائمها. متى كان ما تقدم، وكانت مشروعات القوانين
المكملة للدستور من بين المسائل التى يتعين عرضها على مجلس الشورى لأخذ رأيه فيها قبل
تقديمها إلى السلطة التشريعية الأصيلة ممثلة فى مجلس الشعب، فإن إقرار السلطة التشريعية
لقانون مكمل للدستور دون اتباع هذا الإجراء لن يقيله من عثرة مخالفته للأوضاع الشكلية
التى تطلبتها المادة 195 من الدستور، ولن يرده بالتالى إلى دائرة المشروعية الدستورية
فى جوانبها الإجرائية، إذ يعتبر القانون الصادر على خلافها مفتقراً إلى مقوماته كإطار
لقواعد قانونية اكتمل تكوينها، ويقع من ثم مشوباً بالبطلان.
وحيث إن "القوانين المكملة للدستور" وأن نص الدستور على حتمية عرض مشروعاتها على مجلس
الشورى لأخذ رأيه فيها، إلا أن إيراد الدستور لهذه العبارة لم يقترن بما يعين على إيضاح
معناها بما لا خفاء فيه، فحق على هذه المحكمة أن تبين المقصود بها قطعاً لكل جدل حولها،
ولضمان إرساء العلاقة بين مجلس الشعب – ومجلس الشورى على أسس ثابتة تكفل مباشرة كل
منهما لولايته فى الحدود التى رسمها الدستور لهما، فلا يجور أحدهما على الآخر مفتئتا
على اختصاصاته الدستورية، مقتحماً تخومها، وكان لا مقابل لعبارة "القوانين المكملة
للدستور" فى الدساتير المصرية السابقة على الدستور القائم، وليس ثمة أعمال تحضيرية
يمكن الارتكان إليها فى تجلية معناه، ولا شبهة كذلك فى أن انبهامها آل إلى غموض المعايير
التى قيل بها ضبطاً لفحواها وتحرياً لدلالتها، وكان المشرع لازال عازفاً عن التدخل
فى هذا المجال سواء باعتناق معيار منها أو بإبدالها بمعيار من عنده يمزج بينها أو يقوم
على أنقاضها، إلا أن ذلك كله لا يجوز أن يحول بين هذه المحكمة وبين مباشرة ولايتها
فى مجال إعمال النصوص الدستورية، إذ هى التى تقوم من خلال تفسيرها على ربطها ببعض على
ضوء المقاصد الحقيقية التى ابتغاها الدستور منها، وبما يرد عنها الغموض، بما مؤداه
أن النصوص الدستورية جميعها غير مستعصية على التحديد من ناحية، وأنه يتعين من ناحية
أخرى أن يكون لكل منها مجال يعمل فيه، متكاملاً فى ذلك مع غيره من النصوص. ومن المحقق،
فإن عبارة "القوانين المكملة للدستور" وإن كانت جديدة كل الجدة، فريدة فى بابها، ولا
تعرفها الدساتير المقارنة، إلا أنها تحمل فى أعطافها ضوابط تحديد معناها، ذلك أن الدستور
من ناحية قد ينص فى مادة أو أكثر من مواده على أن موضوعاً معيناً، يتعين تنظيمه بقانون،
أو وفقاً للقانون، أو فى الحدود التى يبينها القانون. بيد أن صدور قانون فى هذا النطاق
لا يدل بالضرورة – ومن ناحية أخرى – على أن أحكامه مكملة للدستور، ذلك أن الموضوع الذى
أحال الدستور فى تنظيمه إلى القانون، قد لا تكون له طبيعة القواعد الدستورية، وليس
له من صلة بها، بل يعتبر غريباً عنها وخارجاً بطبيعته عن إطارها. ومن ثم لا يكفى لاعتبار
تنظيم قانونى معين مكملاً للدستور أن يصدر إعمالاً لنص فى الدستور، بل يتعين – فوق
هذا – أن تكون أحكامه مرتبطة بقاعدة كلية مما تتضمنها الوثائق الدستورية عادة كتلك
المتعلقة بصون استقلال السلطة القضائية بما يكفل مباشرتها لشئون العدالة دون تدخل من
أية جهة. فالقاعدة المتقدمة – وما يجرى على منوالها – مما تحرص الدساتير المختلفة على
إدراجها فى صلبها، باعتبار أن خلوها منها يجردها من كل قيمة، فإذا اتصل بها تنظيم تشريعى
قرر الدستور صدوره بقانون، أو وفقاً للقانون، أو فى الحدود التى يبينها القانون، دل
ذلك على أن هذا التنظيم مكمل الدستور. ولا كذلك النصوص التشريعية التى لا تربطها صلة
عضوية بتلك القواعد الكلية، كالقانون الذى يصدر اعمالا لنص المادة 14 من الدستور محدداً
أحوال فصل العاملين بغير الطريق التأديبى، والقانون الصادر فى شأن العفو الشامل على
ما تقضى به المادة 149 من الدستور أو فى شأن تنظيم التعبئة العامة وفقاً لنص المادة
181 منه. فالتنظيم التشريعى الصادر فى الحدود المتقدمة، ليس مرتبطاً بأية قاعدة من
القواعد الدستورية بمعنى الكلمة، بل يفتقر هذا التنظيم إلى العنصر الموضوعى الذى يدخل
القانون الصادر به فى عداد القوانين المكملة للدستور. ولازم ذلك أن شرطين يتعين اجتماعهما
معاً لاعتبار مشروع قانون معين مكملاً للدستور، أولهما: أن يكون الدستور ابتداء قد
نص صراحة فى مسألة عينها على أن يكون تنظيمها بقانون، أو وفقاً لقانون، أو فى الحدود
التى يبينها القانون، أو طبقاً للأوضاع التى يقررها، فإن هو فعل، دل ذلك على أن هذا
التنظيم بلغ فى تقديره درجة من الأهمية والثقل لا يجوز معها أن يعهد به إلى أداة أدنى.
ثانيهما: أن يكون هذا التنظيم متصلاً بقاعدة كلية مما جرت الوثائق الدستورية على احتوائها
وإدراجها تحت نصوصها، وتلك هى القواعد الدستورية بطبيعتها التى لا تخلو منها فى الأعم
أية وثيقة دستورية، والتى يتعين كى يكون التنظيم التشريعى مكملاً لها أن يكون محدداً
لمضمونها مفصلاً لحكمها مبيناً لحدودها، بما مؤداه أن الشرط الأول وإن كان لازماً كأمر
مبدئى يجب التحقق من توافره قبل الفصل فى أى نزاع حول ما إذا كان مشروع القانون المعروض
يعد أو لا يعد مكملاً للدستور، إلا أنه ليس شرطاً كافياً، بل يتعين لاعتبار المشروع
كذلك، أن يقوم الشرطان معاً متضافرين استبعاداً لكل مشروع قانون لا تربطه أية صلة بالقواعد
الدستورية الأصيلة، بل يكون غريباً عنها مقحماً عليها. ودلالة اجتماع هذين الشرطين
أن معيار تحديد القوانين المكملة للدستور، والتى يتعين أو يؤخذ فيها رأى مجلس الشورى
قبل تقديمها إلى السلطة التشريعية، لا يجوز أن يكون شكلياً صرفاً، ولا موضوعياً بحتاً،
بل قوامه مزاوجة بين ملامح شكلية، وما ينبغى أن يتصل بها من العناصر الموضوعية، على
النحو المتقدم بيانه.
وحيث إنه متى كان ذلك، وكان قانون الأحوال الشخصية المطعون عليه، لا يتناول موضوعاً
نص الدستور على أن يكون تنظيمه بقانون، فإنه أياً كان وجه الرأى فى شأن اتصال النصوص
التشريعية التى تضمنها قانون الأحوال الشخصية بقاعدة دستورية بطبيعتها أو انفكاكها
عنها، فإن مراعاة الشكلية المنصوص عليها فى المادة 195 من الدستور لا يكون واجباً من
زاوية دستورية، إذ يتعين دوماً لاعتبار نص تشريعى مكملاً للدستور – وعلى ما سلف بيانه
– ان يكون قد تناول مسألة يعتبر موضوعها متعلقاً بقاعدة دستورية بطبيعتها متى نص الدستور
على أن يكون تنظيمها بقانون، وهو ما تخلف فى واقعة النزاع الماثل، الأمر الذى يكون
معه النعى على القانون محل الطعن – من هذا الوجه – مفتقراً إلى الدعامة التى يستند
عليها حريا بالرفض. .
وحيث إن المدعى يقرر كذلك أن الأحكام التى انتظمها القانون رقم 100 لسنة 1985 فى مادته
الثالثة المعدلة للفقرة الأولى من المادة 20 من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 –
المشار إليه – وكذلك ما أضافته مادته الأولى إلى ذلك المرسوم بقانون من نصوص هى المواد
5 مكررا فى فقرتيها الأولى والثالثة، 11 مكررا و 18 مكررا و 18 مكررا ثالثا و 23 مكررا
فى فقرتيها الثانية والثالثة – جميعها معيبة بما يبطلها لمخالفتها المادتين الثانية
والتاسعة من الدستور، بالإضافة إلى خروجها على قاعدة عرفية استقر عليها العمل حاصلها
أن المسلمين لا يخضعون فى أحوالهم الشخصية لغير شريعتهم.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن المصلحة الشخصية المباشرة تعد شرطاً لقبول
الدعوى الدستورية، وأن مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة فى الدعوى
الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم الصادر فى الدعوى الدستورية لازماً للفصل فى مسألة
كلية أو فرعية تدور حولها الخصومة – بأكملها أو فى شق منها – فى الدعوى الموضوعية،
فإذا لم يكن له بها من صلة، كانت الدعوى الدستورية غير مقبولة. ومن ثم لا يكفى لقيام
المصلحة الشخصية المباشرة التى تعتبر شرطاً لقبول الدعوى الدستورية، أن يكون النص التشريعى
المطعون عليه مخالفاً فى ذاته للدستور، بل يتعين أن يكون هذا النص – بتطبيقه على المدعى
– قد أخل بأحد الحقوق التى كفلها على نحو ألحق به ضرراً مباشراً. إذ كان ذلك، فإن شرط
المصلحة الشخصية المباشرة يغدو متصلاً بالحق فى الدعوى، ومرتبطاً بالخصم الذى أثار
المسألة الدستورية، وليس بهذه المسألة فى ذاتها منظوراً إليها بصفة مجردة، وهو بذلك
يعتبر محدداً لفكرة الخصومة فى الدعوى الدستورية مبلوراً نطاق المسألة الدستورية التى
تدعى هذه المحكمة للفصل فيها، ومؤكداً ضرورة أن تكون المنفعة التى يقرها القانون هى
محصلتها النهائية، ومنفصلاً دوماً عن مطابقة النص التشريعى المطعون عليه للدستور أو
مخالفته لقيوده ونواهيه، ومستلزماً أبداً أن يكون الفصل فى المسألة الدستورية موطئاً
للفصل فى الطلبات الموضوعية المرتبطة بها والمطروحة أمام محكمة الموضوع.
وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكان المدعى ينعى على المواد 5 مكررا بفقرتيها الأولى والثالثة
و11 مكررا و23 مكررا بفقرتيها الثانية والثالثة التى أضافتها المادة الأولى من القانون
رقم 100 لسنة 1985 إلى المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 مخالفتها للدستور، وكانت دعويا
الموضوع المقامتان من المدعى عليها الرابعة ضد المدعى – واللتان أثير فيهما الدفع بعدم
الدستورية – قد توخيتا الحكم باستقلالها وصغيرها منه بمسكن الزوجية حتى تنقضى حضانتها
له بالإضافة إلى القضاء لها قبله بمتعة تماثل نفقة مدة حددتها – فإن الفصل فى دستورية
المواد 5 مكررا بفقرتيها الأولى والثالثة و 11 مكررا و 23 مكررا بفقرتيها الثانية والثالثة
لن يكون لازماً للفصل فى الطلبات الموضوعية المطروحة أمام محكمة الموضوع، إذ ليس لهذه
المواد من صلة بتلك الطلبات، بما مؤداه انتفاء ارتباطها بالمصلحة الشخصية المباشرة
– وهى شرط قبول الدعوى الدستورية ومناطها – وآية ذلك أن أولى هذه المواد تقرر التزام
المطلق بأن يوثق إشهار طلاقه، وتحدد الآثار المترتبة على الطلاق وتاريخ سريانها، أما
ثانيتها فغايتها ضمان إعلام كل زوجة على العصمة بالزواج الجديد وتقرير حقها فى طلب
التطليق من زوجها، وكذلك ضوابط حق الزوجة الجديدة فى طلبه، وتبين ثالثتها العقوبة الجنائية
التى يتعين توقيعها على المطلق عند مخالفته الأحكام المنصوص عليها فى المادة 5 مكررا
المشار إليها. متى كان ذلك، فإن المصلحة فى الطعن على المواد السالف بيانها، تكون متخلفة.
وحيث إن المدعى ينعى على الفقرة الأولى من المادة 20 من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة
1929 بعد تعديلها بالقانون رقم 100 لسنة 1985 – المشار إليهما – مخالفتها للدستور،
وذلك فيما تنص عليه من أن "ينتهى حق حضانة النساء ببلوغ الصغير سن العاشرة وبلوغ الصغيرة
سن اثنتى عشرة سنة، ويجوز للقاضى بعد هذه السن إبقاء الصغير حتى سن الخامسة عشرة والصغيرة
حتى تتزوج فى يد الحاضنة دون أجر حضانة إذا تبين أن مصلحتهما تقتضى ذلك".
وحيث إن البين من المذكرة الإيضاحية لهذا النص أن تتبع المنازعات الدائرة فى شأن الصغار
يدل على أن المصلحة هى فى استقرارهم حتى يتوافر لهم الأمان والاطمئنان وتهدأ نفوسهم
فلا ينزعوا من يد حاضنتهم، وانه لا يجوز للقاضى مد فترة الحضانة إلا أن تكون مصلحة
الصغير أو الصغيرة فى بقاء الحضانة بيد النساء وذلك مع التزام الأب بنفقة المحضون الذاتية
من طعام وكساء ومسكن وغير ذلك إلى جانب ما يقضى به العرف أو ما يقوم مقامه، مع حرمان
الحاضنة من أجر الحضانة فى المدة التى تمتد إليها بأذن القاضى، وبمراعاة أن الغاية
التى توخاها المشرع بالفقرة الأولى من المادة 20 – المشار إليها – هى منع الخلاف بين
الأب والحاضنة على نزع الحضانة فى سن غير مناسبة بقصد النكاية دون رعاية لصالح الصغار،
وما يقتضيه الاستقرار النفسى اللازم لسلامة نموهم وحسن تربيتهم، وأن السند الشرعى لهذه
الأحكام هو مذهب الإمام مالك.
وحيث إن النعى بمخالفة الفقرة الأولى من المادة 20 – المشار إليها – للدستور غير سديد،
ذلك ما نص عليه الدستور فى مادته الثانية بعد تعديلها – وعلى ما جرى به قضاء المحكمة
– من سريان حكمها على التشريعات الصادرة بعد العمل بها – ومن بينها أحكام القانون رقم
100 لسنة 1985 – مؤداه أنه لا يجوز لنص تشريعى أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية فى
ثبوتها ودلالتها، فهذه الأحكام وحدها هى التى لا يجوز الاجتهاد فيها، وهى تمثل من الشريعة
الإسلامية مبادئها الكلية وأصولها الثابتة التى لا تحتمل تأويلاً أو تبديلاً. ومن غير
المتصور بالتالى أن يتغير مفهومها تبعاً لتغير الزمان والمكان، إذ هى عصية على التعديل
ولا يجوز الخروج عليها. وتقتصر ولاية المحكمة الدستورية العليا فى شأنها على مراقبة
التقيد به، وتغليبها على كل قاعدة قانونية تعارضها، ذلك أن المادة الثانية من الدستور
تقدم على هذه القواعد، أحكام الشريعة الإسلامية فى أصولها ومبادئها الكلية، إذ هى إطارها
العام وركائزها الثابتة التى تفرض متطلباتها دوماً بما يحول دون إقرار آية قاعدة قانونية
على خلافها، وإلا اعتبر ذلك تشهيا وإهداراً لما علم من الدين بالضرورة. وعلى خلاف هذا،
الأحكام الظنية سواء فى ثبوتها أو دلالتها أو فيهما معاً، ذلك أن دائرة الاجتهاد تنحصر
فيها ولا تمتد إلى سواها، وهى تتغير بتغير الزمان والمكان لضمان مرونتها وحيويتها،
ولمواجهة النوازل على اختلافها تنظيماً لشئون العباد بما يكفل مصالحهم المعتبرة شرعاً.
ولا بد أن يكون هذا الاجتهاد واقعاً فى إطار الأصول الكلية للشريعة الإسلامية بما لا
يجاوزها، مقيما الأحكام العملية بالاعتماد فى استنباطها على الأدلة الشرعية، متوخياً
من خلالها تحقيق المقاصد العامة للشريعة بما تقوم عليه من صون الدين والنفس والعقل
والعرض والمال.
وحيث إن الحضانة – فى أصل شرعتها – هى ولاية للتربية، غايتها الاهتمام بالصغير وضمان
رعايته والقيام على شئونه فى الفترة الأولى من حياته. والأصل فيها هو مصلحة الصغير،
وهى تتحقق بأن تضمه الحاضنة – التى لها الحق فى تربيته شرعاً – إلى جناحها باعتبارها
أحفظ عليه وأحرص على توجيهه وصيانته، ولأن انتزاعه منها – وهى أشفق عليه وأوثق اتصالاً
به وأكثر معرفة بما يلزمه وأوفر صبراً – مضرة به إبان الفترة الدقيقة التى لا يستقل
فيها بأموره والتى لا يجوز خلالها أن يعهد به إلى غير مؤتمن يأكل من نفقته، ويطعمه
نزراً، أو ينظر إليه شرزا. وحين يقرر ولى الأمر حدود هذه المصلحة معرفاً بأبعادها،
فذلك لأن الشريعة الإسلامية فى مبادئها الكلية – القطعية فى ثبوتها ودلالتها – لا تقيم
لسن الحضانة تخوماً لا يجوز تجاوزها، انطلاقاً من أن تربية الصغير مسألة لها خطرها،
وأن تطرق الخلل إليها – ولو فى جوانبها – مدعاة لضياع الولد. ومن ثم تعين أن يتحدد
مداها بما يكون لازماً للقيام على مصلحته، ودفع المضرة عنه، باعتبار أن مدار الحضانة
على نفع المحضون، وأن رعايته مقدمة على آية مصلحة لغيره، حتى عند من يقولون بأن الحضانة
لا تتمحض عن حق للصغير، وإنما يتداخل فيها حق من ترعاه، ويعهد إليها بأمره. ولولى الأمر
بالتالى أن يقدر ما يراه خيراً للصغير وأصلح له، بمراعاة أن حقه فى الحضانة لا يعتبر
متوقفاً على طلبها ممن له الحق فيها، وأن ما يصون استقراره النفسى ويحول دون إيذائه،
ويكفل تقويمه، من المقاصد الشرعية التى لا تجوز المجادلة فيها، وأن النزول عن الحضانة
بعد ثبوتها لا يحول دون العودة إليها. بل إن من المجتهدين من يقول بجواز حمل الحاضنة
عليها – بافتراض اجتماع شروطها فيها – كلما كان ذلك ضرورياً لصيانة الصغير وحفظه. وقد
دل الفقهاء – باختلافهم فى زمن الحضانة – وهى الفترة الواقعة بين بدئها وانتهاء الحق
فيها – على أن مصلحة الصغير هى مدار أحكامها، وأنها من المسائل الاجتهادية التى تتباين
الآراء حولها، كل من وجهة يعتد فيها بما يراه أكفل لتحصيل الخير للصغير فى إطار من
الحق والعدل. ولئن كان المتقدمون لا يقدرون للحضانة مدة معينة تنتهى بانتهائها، وإنما
يركنون إلى معايير مرنة بطبيعتها ضابطها هو انتهاؤها عند السن التى يبلغها الصغير أو
الصغيرة مميزين قادرين على الوفاء بحاجاتهما الأولية مستغنيين تبعاً عن خدمة النساء،
وكان آخرون من بعدهم قد حدوا للحضانة سناً معينة تنتهى ببلوغها قطعاً لكل جدل حولها،
إلا أن استقراء أقوال هؤلاء وهؤلاء يدل على أن اجتهاداتهم فى شأن واقعة انتهاء الحضانة،
مدارها نفع المحضون – صغيراً كان أم صغيرة – ويتعين بالتالى أن يصار إلى كل ما يصلحه
ويكفل وقايته مما يؤذيه، وتربيته إنماء لمداركه ولإعداده للحياة، وبوجه خاص من النواحى
النفسية والعقلية، وكان الأصل فى حضانة الصغير والصغيرة – على ما تقدم – هو تعهدهما
بما يحول دون الإضرار بهما، تعين ألا تكون سن الحضانة محددة بقاعدة جامدة صارمة لا
تأخذ فى اعتبارها تغير الزمان والمكان، أو تغفل فى مجال تطبيقها ما يقتضيه التمييز
فى نطاق الحضانة بين الصغير والصغيرة بالنظر إلى طبيعة كل منهما، وخصائص تكوينه، ودرجة
احتياجه إلى من يقوم على تربيته وتقويمه، وما تتطلبه الذكورة والأنوثة من تنمية ملكاتهما.
وفى ذلك قدر من المرونة التى تسعها الشريعة الإسلامية فى أحكامها الفرعية المستجيبة
دوماً للتطور، توخياً لربطها بمصالح الناس واحتياجاتهم المتجددة، وأعرافهم المتغيرة،
التى لا تصادم حكماً قطعي، وهى مرونة ينافيها أن يتقيد المشرع بآراء بذاتها لا يريم
عنها، أو أن يقعد باجتهاده عند لحظة زمنية معينة تكون المصالح المعتبرة شرعاً قد جاوزتها.
وتلك هى الشريعة فى أصولها ومنابته، شريعة مرنة غير جامدة يتقيد الاجتهاد فيها – بما
يقوم عليه من استفراغ الجهد للوصول إلى حكم فيما لا نص عليه – بضوابطها الكلية وبما
لا يعطل مقاصدها. ولئن صح القول بأن أهمية الاجتهاد ولزومه لا يوازيها إلا خطره ودقته،
فإن من الصحيح كذلك أن لولى الأمر الاجتهاد فى الأحكام الظنية بمراعاة المصلحة الحقيقية
التى يقوم برهانها من الأدلة الشرعية، وهو ما نحاه النص التشريعى المطعون فيه، ذلك
أن السن الإلزامية للحضانة التى حددها – وهى عشر سنين للصغير واثنتا عشرة سنة للصغيرة
– لا تعدو أن تكون تقريراً لأحكام عملية فى دائرة الاجتهاد بما لا يصادم الشريعة الإسلامية
فى أصولها الثابتة ومبادئها الكلية، إذ ليس ثمة نص قطعى فيها – فى ثبوته ودلالته –
يقرر للحضانة سناً لا يجوز لولى الأمر أن يتخطاها، وإنما مرد الأمر فى تعيينها إلى
ما يترخص ولى الأمر فى تقديره مقيداً فى ذلك بمصلحة المحضون بما يراه أكفل لها وأدعى
لتحقيقها، وبما يحول دون إعناته. وهو فى ذلك لا يصدر عن نظرة تحكمية، بل غايته رفع
الحرج وفق أسس موضوعية قدر معها أن مصلحة المحضون لازمها عدم ترويعه بانتزاعه من حاضنته،
بما يخل بأمنه واطمئنانه ويهدد استقراره، وأن وجود الولد – ذكراً كان أو أنثى – فى
يدها سواء قبل بلوغ السن الإلزامية للحضانة، أو بعد بلوغها – حين يقرر القاضى أن المصلحة
تقتضى إبقاء الصغير حتى سن الخامسة عشرة والصغيرة حتى تتزوج – لا يغل يد والدهما عنهما
ولا يحد من ولايته الشرعية عليهما، وكان النص المطعون عليه قد تناول أموراً تنظيمية،
وتقرر لمصلحة مشروعة يستجلبها، وقد قال المالكية بما لا يناقض مضمونه بذهابهم إلى أن
حضانة الصغير تنتهى إذا بلغ عاقلاً غير زمن، وأن أمد الحضانة للصغيرة حتى يدخل بها
زوجها، وكان النص التشريعى المطعون عليه قد صدر مستلهما مقاصد الشريعة الكلية، غير
مناقض لمقوماتها الأساسية، واقعاً فى نطاق توجيهاتها العامة التى تحض على الاجتهاد
فى غير أحكامها القطعية فى ثبوتها ودلالتها. إذ كان ذلك، فإن قالة مخالفة هذا النص
للمادة الثانية من الدستور لا يكون لها محل.
وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكان ما قررته المادة 18 مكررا ثالثا – التى أضافها القانون
رقم 100 لسنة 1985 إلى المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 ببعض أحكام الأحوال الشخصية
– من إلزامها الزوج المطلق بأن يهيئ لصغاره من مطلقته ولحاضنتهم مسكناً مستقلاً مناسباً،
إنما يدور وجوداً وعدماً مع المدة الإلزامية للحضانة التى قررتها الفقرة الأولى من
المادة 20 المطعون عليها، فإن حق الحاضنة فى شغل مسكن الزوجية إعمالاً للمادة 18 مكررا
ثالثا المشار إليه، يعتبر منقضياً بلوغ الصغير سن العاشرة والصغيرة اثنتى عشرة سنة.
متى كان ذلك، وكان البين من الصورة الرسمية لشهادة ميلاد "هيثم" – ابن المدعى من مطلقته
– وهى الشهادة المرفقة بملف الدعوى الموضوعية – أنه ولد فى 9 من ديسمبر سنة 1979، فإنه
يكون قد جاوز أمد الحضانة الإلزامية، ولم يعد لحاضنته بالتالى أن تستقل مع صغيرها هذا
بمسكن الزوجية بعد طلاقه، بما مؤداه انتفاء مصلحة المدعى فى الطعن على الأحكام التى
تضمنتها المادة 18 مكررا ثالثا آنفة البيان. ولا ينال مما تقدم قالة أن للقاضى أن يأذن
للحاضنة بعد انتهاء المدة الإلزامية للحضانة بإبقاء الصغير فى رعايتها حتى الخامسة
عشرة، والصغيرة حتى تتزوج إذا تبين أن مصلحتها تقتضى ذلك، ذلك أن ما يأذن به القاضى
على هذا النحو، لا يعتبر امتداداً لمدة الحضانة الإلزامية، بل منصرفاً إلى مدة استبقاء
تقدم الحاضنة خلالها خدماتها متبرعة بها. وليس للحاضنة بالتالى أن تستقل بمسكن الزوجية
خلال المدة التى شملها هذا الإذن، ذلك أن مدة الحضانة التى عناها المشرع بنص الفقرتين
الأولى والرابعة من المادة 18 مكررا ثالثا – والتى جعل من نهايتها نهاية لحق الحاضنة
وصغيرها من مطلقها فى شغل مسكن الزوجية – هى المدة الإلزامية للحضانة على ما تقدم،
وغايتها بلوغ الصغير سن العاشرة والصغيرة اثنتى عشرة سنة. وببلوغها يسقط حقهما فى الاستقلال
بمسكن الزوجية ليعود إليه الزوج المطلق منفرداً فى الانتفاع به إذا كان له ابتداء أن
يحتفظ به قانوناً. ولا محاجة فى القول بأن مجرد توافر المصلحة عند رفع الدعوى الدستورية
يعتبر كافياً لقبولها ولو قام الدليل على تخلفها قبل الفصل فيها، ذلك أن قضاء هذه المحكمة
قد جرى على أن توافر شرط المصلحة فى الدعوى عند رفعها، ثم تخلفه قبل أن تصدر حكمها
فيها، مؤداه زوال هذه المصلحة، وذلك أياً كانت طبيعة المسألة الدستورية التى تدعى المحكمة
الدستورية العليا لتقول كلمتها فى شأنها.
وحيث إنه عن طلب التدخل الانضمامى، فإنه لما كانت الخصومة فى هذا الطلب تعتبر تابعة
للخصومة الأصلية، وكان قضاء هذه المحكمة فى الدعوى الماثلة قد خلص إلى انتفاء مصلحة
المدعى فيها فى الطعن بعدم دستورية حكم المادة 18 مكررا ثالثا سالفة البيان – فإن عدم
قبول الدعوى الدستورية فى هذا الشق منها يستتبع بطريق اللزوم انقضاء طلب التدخل الانضمامى،
وهو ما تقضى به المحكمة.
وحيث إن المادة 18 مكررا من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 المضافة إليه بالقانون
رقم 100 لسنة 1985 – المشار إليهما – تنص على أن "الزوجة المدخول بها فى زواج صحيح
إذا طلقها زوجها بدون رضاها ولا بسبب من قبلها، تستحق فوق نفقة عدتها متعة تقدر بنفقة
سنتين على الأقل، وبمراعاة حال المطلق يسراً وعسراً وظروف الطلاق ومدة الزوجية، ويجوز
أن يرخص للمطلق فى سداد هذه المتعة على أقساط".
وحيث إن المدعى ينعى على هذا النص مخالفته أحكام الشريعة الإسلامية على سند من أن المتعة
لا تستحق للمطلقة إلا بشروط ثلاثة هى ألا يسبق الاتفاق على مهرها وألا يدخل زوجها بها
وألا يختلى بها خلوة صحيحة قبل طلاقها – هذا إلى أن نفقة العدة هى المقصودة بالمتعة.
وهى كذلك أجر لزواج محرم هو الزواج الموقوت. فضلاً عن أنها تقيد الحق فى الطلاق المعتبر
خالصاً للزوج. ولا يعدو تقريرها أن يكون شرطاً جزائياً مترتباً على إيقاع الطلاق فى
ذاته. ولا تعرف الشريعة الإسلامية حداً أدنى لها.
وحيث إن هذا النعى مردود، ذلك أن أصل تشريع المتعة هو النصوص القرآنية التى تعددت مواضعها،
منها قوله تعالى (وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين) التى نحا الشافعى فى أحد
قوليه وكذلك الظاهرية إلى وجوبها، وأيدهم فى ذلك آخرون باعتبار أن "حقاً" صفة لقوله
تعالى "متاعاً" وذلك أدخل لتوكيد الأمر بها. هذا بالإضافة إلى أن عموم خطابها مؤداه
عدم جواز تخصيص حكمها بغير دليل، وسريانه على كل مطلقة سواء كان طلاقها قبل الدخول
بها أم بعده، فرض لها مطلقها مهراً أم كان غير مفروض لها. وجماهير الفقهاء على استحبابها
بمقولة افتقارها إلى أمر صريح بها. كذلك فإن تقرير المتعة وجوباً أظهر فى آية أخرى
إذ يقول الله تعالى فى المطلقة غير المفروض لها ولا مدخول بها (ومتعوهن على الموسع
قدره وعلى المقتر قدره متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين) بمعنى أعطوهن شيئاً يكون
متاعاً لهن. والأمر بالإمتاع فيها ظاهر، وإضافة الإمتاع إليهن تمليكاً – عند من يقولون
بوجوبها – لا شبهة فيه. وانصرافها إلى المتقين والمحسنين لا يدل على تعلقها بهم دون
سواهم، بل هو توكيد لإيجابها باعتبار أن الناس جميعاً ملزمون بالامتثال إلى أمر الله
تعالى وعدم الانزلاق فى معاصيه.
وحيث إن البين من استقراء أقوال الفقهاء فى شأن دلالة النصوص القرآنية الوارد فى شأن
"المتعة" أنهم مختلفون فى نطاق تطبيقها من ناحية، وفى وجوبها أو استحبابها من ناحية
أخرى، وما ذلك إلا لأن هذه النصوص ظنية فى دلالتها، غير مقطوع بمراد الله تعالى منه،
وجاز لولى الأمر بالتالى الاجتهاد فيها تنظيماً لأحكامها بنص تشريعى يقرر أصل الحق
فيها، ويفصل شروط استحقاقها بما يوحد تطبيقها، ويقيم بنيانها على كلمة سواء ترفع نواحى الخلاف فيها ولا تعارض الشريعة فى أصولها الثابتة أو مبادئها الكلية.
وحيث إن النص التشريعى المطعون فيه شرط لاستحقاق المتعة شرطين، أولهما: أن تكون المرأة
التى طلقها زوجها مدخولاً بها فى زواج صحيح. وثانيهما: ألا يكون الطلاق برضاها أو من
جهتها، وهما شرطان لا ينافيان الشريعة الإسلامية سواء فى ركائزها أو مقاصدها، ذلك أن
تشريع المتعة يتوخى جبر خاطر المطلقة تطبيباً لنفسها ولمواجهة إيحاشها بالطلاق، ولأن
مواساتها من المروءة التى تتطلبها الشريعة الإسلامية، والتى دل العمل على تراخيها لا
سيما بين زوجين انقطع حبل المودة بينهما. ولا كذلك المرأة التى تختار الطلاق أو تسعى
إليه، كالمختلعة والمبارئة، أو التى يكون الطلاق من قبلها بما يدل على أنه ناجم عن
إساءتها أو عائد إلى ظلمها وسوء تصرفها، إذ لا يتصور – وقد تقررت المتعة إزاء غم الطلاق
– أن يكون إمتاعها – فى طلاق تم برضاها أو وقع بسبب من قبلها – تطبيباً لخاطرها، ولا
أن يصلها زوجها بمعونة مالية تزيد على نفقة العدة تخفيفاً لآلامها الناجمة عن الفراق.
وما قرره المدعى من أن المتعة لا تستحق إلا للمرأة غير المدخول بها قبل طلاقها، مردود
بأن الله تعالى ناط بعباده المتقين الذين يلتزمون بالتعاليم التى فرضها صوناً لأنفسهم
عن مخالفته، بأن يقدموا لكل مطلقة متاعاً يتمحض معروفاً بما مؤداه استحقاقها الإمتاع،
ولو كان ذلك بعد الدخول به، كذلك فإن أمهات المؤمنين المدخول بهن، هن اللاتى عنتهن
الآية الكريمة التى يقول فيها سبحانه (يا أيها النبى قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة
الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلا). وما قرره النص التشريعى المطعون
عليه من أن المتعة تقدر بنفقة سنتين على الأقل وبمراعاة حال المطلق يسراً وعسراً وعلى
ضوء ظروف الطلاق ومدة الزوجية مستلهماً بذلك فى أسس تقديرها قوله تعالى (ومتعوهن على
الموسع قدره وعلى المقتر قدره)، ومستعبداً بذلك الآراء التى تقيسها على المهر وتراعى
فيها حال الزوجة بالتالى، ومقرراً حداً أدنى لها فى إطار التكافل الاجتماعى لضمان ألا
يقل ما يعود على المرأة منها عما قدره ولى الأمر لازماً لتمتيعها بعد طلاقها دون رضاها،
ومن غير جهتها، ذلك أن غربتها بالطلاق تؤلمها وتمزق سكينتها، وقد تعرضها لمخاطر تفوق
طاقة احتمالها، وغالباً ما يقترن طلاقها بالتناحر والتباغض وانقطاع المودة، فحق ألا
يكون أدناها متناهياً فى ضآلته صوناً للحكمة من تشريعها لا سيما أن من الفقهاء من حدد
أدنى ما يجزئ فيها، ومنهم من حدد أرفعها وأوسطها. وليس فى النصوص القرآنية ما يفيد
أن الله تعالى قد قدرها أو حددها، بما مؤداه جواز تنظيمها بما يحقق للناس مصالحهم المعتبرة
شرعاً. ولئن كان النص التشريعى المطعون عليه لا يورد حداً أقصى لتلك المعونة المالية
التى يقدمها الرجل لمن طلقها، إلا أن ذلك أدخل إلى الملاءمة التى لا تمتد إليها الرقابة
الدستورية، ولا يجوز أن تخوض فيها، لا سيما أن من الفقهاء من يقول بأنه ليس للمتعة
عندهم حد معروف لا فى قليلها أو كثيرها. كذلك فإن أمر تقديرها فيما يجاوز حدها الأدنى
موكول إلى المحكمة المختصة تجيل فيه بصرها معتمدة فى تحديد مبلغها على أسس موضوعية
لا تفرضها تحكماً أو إعناتاً، من بينها أن يكون هذا التحديد دائراً مع حال مطلقها يسراً
وعسراً، إذ هى متاع تقرر معروفاً ولمصلحة لها اعتبارها. والمتقون الممتثلون إلى الله
تعالى الطامعون فى مرضاته مدعوون إليها، بل ومطالبون بها، باعتبارها أكفل للمودة، وأدعى
لنبذ الشقاق وإقامة العلائق البشرية على أساس من الحق والعدل. كذلك فإن اعتداد النص
التشريعى بمدة الزوجية وظروف الطلاق فى مجال تقدير المتعة الواجبة، لا يتوخى فرض قيود
غير مبررة على الحق فى الطلاق، وإنما قصد المشرع – بإضافة هذين العنصرين إلى حال المطلق
يسراً وعسراً – أن تكون المعونة المالية التى تتبلور المتعة فى مبلغها، واقعية قدر
الإمكان بما لا إفراط فيه أو تفريط، وهو ما يدخل فى نطاق السلطة التقديرية التى يملكها
المشرع فى مجال تنظيم الحقوق بما لا يناقض أحكام الدستور أو يخل بضوابطه.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة، أولاً: بعدم قبول الدعوى بالنسبة إلى الطعن بعدم دستورية نصوص المواد 5 مكررا بفقرتيها الأولى والثالثة و11 مكررا و18 مكررا ثالثا و23 مكررا بفقرتيها الثانية والثالثة من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 الخاص ببعض أحكام الاحوال الشخصية المعدل بالقانون رقم 100 لسنة 1985 بتعديل ببعض أحكام قوانين الأحوال الشخصية. ثانياً: برفض الدعوى بالنسبة إلى الطعن على المادتين 18 مكررا و20 فقرة أولى من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 المعدل بالقانون رقم 100 لسنة 1985 – المشار إليهما، وبمصادرة الكفالة، وألزمت المدعى المصروفات، ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.
ملحوظة:
أصدرت المحكمة بذات الجلسة حكماً مماثلاً بالنسبة للمادة 18 مكررا
من القانون المشار إليه فى الدعوى رقم 18 لسنة 10 قضائية "دستورية"، وبجلسة 19 يونيو
1993 أصدرت المحكمة حكماً مماثلاً آخر فى الدعوى رقم 9 لسنة 11 قضائية "دستورية".
