الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 4 لسنة 35 ق – جلسة 15 /06 /1965 

أحكام النقض – المكتب الفني – جنائي
العدد الثاني – السنة 16 – صـ 580

جلسة 15 من يونيه سنة 1965

برياسة السيد المستشار/ توفيق الخشن نائب رئيس المحكمة، وبحضور السادة المستشارين: أديب نصر، ومحمد محفوظ، ومحمود عزيز الدين سالم، وحسين سامح.


الطعن رقم 4 لسنة 35 القضائية

( أ ) إجراءات المحاكمة. موانع العقاب "المرض العقلي". دفاع. "الإخلال بحق الدفاع". "ما يوفره". مسئولية جنائية.
المتهم هو صاحب الشأن الأول فى الدفاع عن نفسه. إصابته بعاهة في العقل بعد وقوع الجريمة. وجوب وقف إجراءات التحقيق أو المحاكمة حتى يعود إلى رشده ويكون في مكنته الدفاع بذاته عن نفسه والإسهام مع المدافع عنه في تخطيط أسلوب دفاعه.
(ب) إجراءات المحاكمة. محكمة الجنايات. دفاع. "الإخلال بحق الدفاع". "ما يوفره". حكم. "تسبيبه. تسبيب معيب".
على محكمة الجنايات إذا دفع أمامها بأن المتهم مصاب بعاهة عقلية أن تتثبت من أنه لم يكن مصاباً بتلك العاهة أثناء محاكمته. ليس لها أن تطالبه بإقامة الدليل على ذلك. وإلا كان حكمها معيباً.
1 – المتهم هو صاحب الشأن الأول في الدفاع عن نفسه – وما كان النص على وجوب تنصيب محام له في مواد الجنايات وإجازة ذلك له في مواد الجنح والمخالفات إلا لمعاونته ومساعدته في الدفاع فحسب. وبالتالي فإذا ما عرضت له عاهة في العقل بعد وقوع الجريمة المسندة إليه. فإنه ولو أن مسئوليته الجنائية لا تسقط في هذه الصورة. إلا أنه يتعين أن توقف إجراءات التحقيق أو المحاكمة حتى يفيق المتهم ويعود إليه رشده ويكون في مكنته المدافعة بذاته عن نفسه فيما أسند إليه وأن يسهم مع وكيله المدافع عنه في تخطيط أسلوب دفاعه ومراميه وهو متمتع بكامل ملكاته العقلية ومواهبه الفكرية.
2 – ليس لمحكمة الجنايات أن تستند في إثبات عدم مس الطاعن بعاهة عقلية إبان محاكمته إلى القول بأنه لم يقدم من جانبه دليلاً على ذلك – لأن واجب المحكمة في مثل هذه الصورة صيانة لحقه في الدفاع أن تتثبت هي من أنه لم يكن مصاباً بعاهة في عقله وقت محاكمته ولا تطالبه هو بإقامة الدليل على صدق دعواه وتقديم برهانه بين يديها. أما وهى قد تنكبت الطريق القويم في الرد وقعدت في نفس الوقت عن النهوض بما يجب عليها القيام به من إجراءات تستبين منها وجه الحق في الدفع وتتحقق بواسطتها من أن الطاعن لم يكن مصاباً أثناء محاكمته بعاهة في العقل من شأنها إعجازه عن الدفاع عن نفسه. فإن حكمها بما تضمنه من قصور في البيان وفساد في الاستدلال وإخلال خطير بحق الدفاع يكون معيباً بما يستوجب نقضه.


الوقائع

اتهمت النيابة العامة الطاعن وآخرين بأنهم في الفترة السابقة على يوم 25/ 8/ 1958 بدائرة قسم المنشية محافظة الإسكندرية: (أولاً) قلدوا عملة ورقية ذات العشرة قروش المتداولة قانوناً في مصر وكان ذلك بطريق طبع أوراق على هيئة الأوراق المالية الصحيحة (ثانياً) روجوا العملة المقلدة المبينة بالوصف الأول مع علمهم بتقليدها بأن دفعوا بها إلى التعامل على أنها صحيحة (ثالثاً) حازوا الأدوات والآلات والمعدات المبينة الوصف بالمحضر والتي تستعمل في تقليد العملة بغير مسوغ. وطلبت إلى غرفة الاتهام إحالتهم إلى محكمة الجنايات لمعاقبتهم بالمواد 202 و203 و204 مكرر ثانياً من قانون العقوبات المعدلة بالقانون رقم 68 لسنة 1956، فقررت بذلك. ومحكمة جنايات الإسكندرية قضت حضورياً في 14/ 11/ 1963 عملاً بمواد الاتهام وتطبيق المادة 32 من قانون العقوبات بمعاقبة المتهم (الطاعن) بالأشغال الشاقة لمدة خمس سنوات ومصادرة المضبوطات. فطعن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض…… إلخ.


المحكمة

حيث إن مما ينعاه الطاعن على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجرائم تقليد وترويج عملة ورقية متداولة قانوناً وحيازة أدوات وآلات ومعدات مما تستعمل في تقليد تلك العملة قد شابه قصور في التسبيب وفساد في الاستدلال وانطوى على إخلال بحق الدفاع، وفى تفصيل ذلك يقول الطاعن إن المدافع عنه دفع بجلسة 14 من نوفمبر سنة 1963 بعدم جواز محاكمته لإصابته بمرض عقلي أودع بسببه مستشفي الأمراض العقلية بالعباسية ورفضت المحكمة الاستجابة لهذا الطلب قولاً منها بأنه لا يوجد بأوراق الدعوى ما يدل على صحة ذلك الدفاع، وذلك على الرغم من اشتمال ملف الدعوى على إشارة من قسم شرطة كرموز برقم 1265 في 30 من أكتوبر سنة 1963 تفيد صحة ما ذهب إليه الطاعن من أنه كان نزيل تلك المستشفى، هذا فضلاً عن أنه كان لزاماً على المحكمة إزاء ذلك الذي دفع به الطاعن أن تأمر بإحالته إلى الطبيب الشرعي لتحقيق دفاعه والتحقق من مدى صحته، أما وهى لم تفعل فإنها تكون قد أخلت بحق الطاعن في الدفاع بالإضافة إلى ما شاب حكمها من قصور في البيان وفساد في الاستدلال وهذا وذاك مما يبطل الحكم ويعيبه ويستوجب نقضه.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بعد أن استظهر واقعة الدعوى واستند في القول بثبوتها في حق الطاعن وآخرين معه بالصورة الواردة به إلى أقوال الملازم أول راضي عثمان راضي والنقيب عبد المجيد السيد عبد المجيد وتقرير قسم أبحاث التزييف والتزوير واعترافات الطاعن والمتهمين الثاني والثالث بتحقيقات النيابة، عرض لدفاع الطاعن ورد عليه في قوله "وحيث إن الدفاع عن المتهم الأول (الطاعن) طلب القضاء ببراءته بمقولة إن المتهم المذكور أدخل مستشفى الأمراض العقلية ومكث بها ستة شهور وأنه لم يشف من مرضه، كما طلب إعفاءه من العقوبة تطبيقاً لنص المادة 205 من قانون العقوبات. وحيث إن المحكمة لا تأخذ بدفاع المتهم الأول إزاء ما ثبت من أن مظاهر السلامة العقلية لديه قد تمثلت فيما أدلى به من اعترافات تطابقت وتكاملت في تناسق مما يؤكد تلك السلامة وقد تقدم بتلك الاعترافات ليجعلها أساساً لإعفائه من العقاب حسبما قال به الدفاع أما ما زعمه الدفاع عنه من أنه قد طرأ له بعد ذلك من مظاهر عقلية بقى من أجلها فترة في مستشفى الأمراض العقلية فليس في الأوراق ما يدل على صحة ذلك…" لما كان ذلك، وكان يبين من مطالعة محاضر جلسات المحاكمة أن الطاعن لم يحضر بجلسة 22 مايو سنة 1963 وحضر محاميه الأستاذ لينين عازر وأعلن أن موكله نزيل مستشفى الأمراض العقلية بالعباسية وأجلت المحكمة نظر الدعوى لجلسة 14 من نوفمبر سنة 1963 وكلفت النيابة العامة بالتحري عن ذلك، وفى هذه الجلسة الأخيرة مثل الطاعن أمام المحكمة ومعه محاميه الذي ذكر أن المتهم كان نزيل مستشفى الأمراض العقلية ولا يجوز محاكمته الآن لأنه مريض ثم قال "إن المتهم خرج من مستشفى الأمراض العقلية بعد أن مكث بها 6 شهور وأن خروجه من المستشفى لا يعني شفاؤه من مرضه وإنما المرض يتردد عليه في فترات". ثم سألت المحكمة الطاعن عما إذا كان لديه ما يدل على أنه كان في مستشفى الأمراض العقلية فأجاب سلباً وقررت الاستمرار في نظر الدعوى بحضور مدافع آخر ندبته إثر انسحاب المحامي الأصيل الأستاذ لينين عازر. لما كان ما تقدم, وكان مؤدى دفاع الطاعن بادي الذكر أنه قد طرأت عليه بعد وقوع الجريمة عاهة في عقله أودع بسببها مستشفى الأمراض العقلية بالعباسية ومكث بها ستة أشهر وأنه وإن خرج منها إلا أن هذه الحالة المرضية لا زالت لصيقة به تتردد عليه بين الحين والحين وتنتابه بين آونة وأخرى. وكانت دلالة هذه القالة المطالبة بوقف إجراءات محاكمته لمرضه وعدم قدرته على المساهمة في إعداد دفاعه، وكانت المادة 339 من قانون الإجراءات تنص على أنه: "إذا ثبت أن المتهم غير قادر على الدفاع عن نفسه بسبب عاهة في عقله طرأت بعد وقوع الجريمة يوقف رفع الدعوى عليه أو محاكمته حتى يعود إليه رشده. ويجوز في هذه الحالة لقاضي التحقيق أو للقاضي الجزئي كطلب النيابة العامة أو غرفة الاتهام أو المحكمة المنظورة أمامها الدعوى إذا كانت الواقعة جناية أو جنحة عقوبتها الحبس إصدار الأمر بحجز المتهم في أحد المحال المعدة للأمراض العقلية إلى أن يتقرر إخلاء سبيله" وكان الشارع إنما استهدف من هذا النص تحقيق مبادئ العدالة وتقديس حق الدفاع أثناء التحقيق والمحاكمة وكفالته في كلتا الحالتين بصورة حقيقية حاسمة من شأنها البلوغ بسفينة الدعوى الجنائية إلى بر الأمان رغم ما قد يحيط بها من عواصف التضليل والبهتان وما يتهددها من عوامل الخطأ أو النسيان، وكان المتهم – هو الخصم – هو صاحب الشأن الأول في الدفاع عن نفسه وما كان النص على وجوب تنصيب محام له في مواد الجنايات وإجازة ذلك له في مواد الجنح والمخالفات إلا لمعاونته ومساعدته في الدفاع فحسب وبالتالي فإذا ما عرضت له عاهة في العقل بعد وقوع الجريمة المسندة إليه فإنه ولو أن مسئوليه الجنائية لا تسقط في هذا الصورة إلا أنه يتعين أن توقف إجراءات التحقيق أو المحاكمة حتى يفيق المتهم ويعود إليه رشده ويكون في مكنته المدافعة بذاته عن نفسه فيما أسند إليه وأن يسهم مع وكيله المدافع عنه في تخطيط أسلوب دفاعه ومراميه وهو متمتع بكامل ملكاته العقلية ومواهبه الفكرية. لما كان كل ما تقدم، وكان المدافع عن الطاعن قد دفع بجلسة 14 من نوفمبر سنة 1963 بعدم جواز محاكمته استناداً إلى الحكم الوارد بالمادة 339 سالفة البيان لإصابته – بعد وقوع الجرائم المنسوب إليه مقارفتها في غضون شهر أغسطس سنة 1958 – بمرض عقلي – وكان ما استندت إليه المحكمة في رفض هذا الدفع من الإشارة إلى ما تبينته من أن مظاهر السلامة العقلية قد تمثلت فيما أدلى به بتحقيق النيابة الحاصل في 25 أغسطس سنة 1958 من اعترافات متكاملة متناسقة ومن أنه لا يوجد بأوراق الدعوى ما يدل على أن الطاعن قد أصيب بعد ذلك بعاهة في عقله بقى بسببها حقبة من الزمن بمستشفى الأمراض العقلية غير سديد، إذ أن الطاعن لم يدفع بأنه كان مذهوب العقل وفاقد الشعور والاختيار في الوقت الذي وقعت فيه الجرائم المنسوبة إليه وباشرت النيابة تحقيقها فيه حتى تركن المحكمة إلى أقواله ومسلكه في التحقيقات الابتدائية. هذا فضلاً عن أنه ليس بصحيح ما ذهبت إليه المحكمة في سبيل التدليل على عدم إصابة الطاعن بمرض عقلي في الوقت الذي كان تجرى محاكمته فيه إذ يبين من مراجعة المفردات التي أمرت المحكمة بضمها تحقيقاً لوجه الطعن أنها تضم كتاب قسم شرطة كرموز الرقيم 1265 والمؤرخ في 30 / 10 / 1963 متضمناً الرد على إشارة نيابة شرق الإسكندرية في شأن الاستعلام – تنفيذاً لقرار المحكمة الصادر في 22 مايو سنة 1963 – عما إذا كان الطاعن قد أدخل إحدى مستشفيات الأمراض العقلية، ويفيد أنه قد أودع بالفعل مستشفى الأمراض العقلية بالقاهرة وأنه خرج منها ويقيم بالعنوان الموضح بذلك الكتاب، ومن ثم يكون رد المحكمة بشقيه على الدفاع الذي أبداه الطاعن – وهو من وجوه الدفاع الأساسية والجوهرية – غير قويم ولا يصلح بذاته لإطراح ما تمسك به الدفاع، وبالإضافة إلى ما تقدم فإنه ما كان لمحكمة الجنايات المطعون في حكمها أن تستند في إثبات عدم مس الطاعن بعاهة عقلية إبان محاكمته إلى القول بأنه لم يقدم من جانبه دليلاً على ذلك لأن واجب المحكمة في مثل هذه الصورة صيانة لحقه في الدفاع ومع ظروفه الخاصة بدخوله مستشفى الأمراض العقلية أن تتثبت هي من أنه لم يكن مصاباً بعاهة في عقله وقت محاكمته ولا تطالبه هو بإقامة الدليل على صدق دعواه وتقديم برهانه بين يديها, أما وهى قد تنكبت الطريق القويم في الرد وقعدت في نفس الوقت عن النهوض بما يجب عليها القيام به من إجراءات تستبين منها وجه الحق في الدفع وتتحقق بواسطتها من أنه – الطاعن – لم يكن مصاباً أثناء محاكمته بعاهة في العقل من شأنها إعجازه عن الدفاع عن نفسه فإن حكمها بما تضمنه من قصور في البيان وفساد في الاستدلال وإخلال خطير بحق الدفاع يكون معيباً بما يستوجب نقضه.
وحيث إنه لكل ما تقدم يتعين نقض الحكم وإحالة الأوراق إلى محكمة استئناف الإسكندرية لتفصل فيها من جديد دائرة مشكلة من مستشارين آخرين وذلك بغير حاجه إلى بحث الوجه الثاني من وجهي الطعن.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات