الطعن رقم 178 لسنة 35 ق – جلسة 03 /05 /1965
أحكام النقض – المكتب الفني – جنائي
العدد الثاني – السنة 16 – صـ 424
جلسة 3 من مايو سنة 1965
برياسة السيد المستشار/ عادل يونس نائب رئيس المحكمة، وبحضور السادة المستشارين: حسين السركي، ومحمد صبري، وقطب فراج، ومحمد عبد المنعم حمزاوي.
الطعن رقم 178 لسنة 35 القضائية
رد القضاه على الحكم. حكم. بطلان.
كشف القاضي عن اعتناقه لرأي معين في الدعوى قبل الحكم فيها. أثره: فقدانه صلاحيته للحكم.
قضاؤه في الدعوى على الرغم من ذلك. صدور الحكم باطلاً.
مفاد المادتين 313، 314 من قانون المرافعات صريح في أنه إذا ما كشف القاضي عن اعتناقه
لرأي معين في الدعوى قبل الحكم فيها يفقد صلاحيته للحكم لما في إبداء هذا الرأي من
تعارض مع ما يشترط فيه خلو الذهن عن موضوع الدعوى ليستطيع أن يزن حجج الخصوم وزناً
مجرداً. فإذا ما حكم في الدعوى – على الرغم من ذلك – فإن قضاءه يقع باطلاً. ولما كان
الثابت أن المحكمة عندما أصدرت حكمها بتبرئة المتهمة الثانية قد أفصحت فيه عن أن الطاعن
هو مرتكب الجريمة التي كانت مسندة إلى كليهما ثم عادت فدانته بحكمها المطعون فيه، وبذلك
يكون هذا الحكم الأخير باطلاً لصدوره من هيئة فقدت صلاحيتها مما يتعين معه نقضه.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة الطاعن وأخرى بأنهما في يوم 8 مارس سنة 1963 بدائرة مركز المنشأة محافظة سوهاج: قتلا حسانين عبد الرحيم عبد الكريم عمداً مع سبق الإصرار بأن عقدا العزم على قتله وأطبق المتهم الأول بيديه على عنقه وأخذ يرفعه إلى أعلى ثم يهوي به على الأرض قاصداً من ذلك قتله حتى مات باسفكسيا الخنق على نحو ما هو مبين بتقرير الصفة التشريحية، وكانت المتهمة الثانية تقف معه حينذاك لتشد من أزره. وقد تلت هذه الجناية جناية أخرى هي أنهما في الزمان والمكان سالفى الذكر: وضعا النار عمداً في مسكن عبد الرحيم عبد الكريم المبين بالمحضر بأن أضرما النار في كومة من الأحطاب القائمة فيه فحدث الحريق الأمر المعاقب عليه بالمادة 252/ 1 من قانون العقوبات. وطلبت من مستشار الإحالة إحالتهما على محكمة الجنايات لمعاقبتهما بالمواد 230 و231 و234/ 1 – 2 من قانون العقوبات، فقرر بذلك. وبتاريخ 18 أكتوبر سنة 1964 قضت محكمة جنايات سوهاج حضورياً أولاً – ببراءة المتهمة الثانية. ثانياً – وبإجماع الآراء بإحالة أوراق القضية إلى مفتي الجمهورية بالنسبة إلى المتهم الأول (الطاعن) وحددت جلسة 17 يناير سنة 1965 للنطق بالحكم وفيها قضت حضورياً وبإجماع الآراء عملاً بالمادة 234/ 1 – 2 من قانون العقوبات بمعاقبة الطاعن بالإعدام شنقاً. فطعن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض في…. إلخ.
المحكمة
حيث إن مما ينعاه الطاعن على الحكم المطعون فيه أنه مشوب بالبطلان
لصدوره من هيئة فقدت صلاحيتها بما أبدته من رأي سابق بإدانة الطاعن مما كان يمتنع عليها
معه إصدار هذا الحكم.
وحيث إن الدعوى الجنائية رفعت على الطاعن وأخرى بوصف أنهما قتلا حسانين عبد الكريم
عمداً مع سبق الإصرار بأن عقدا العزم على قتله وأطبق المتهم الأول بيديه على عنقه وأخذ
يرفعه إلى أعلى ثم يهوي به على الأرض قاصداً من ذلك قتله حتى مات باسفكسيا الخنق على
ما هو مبين بتقرير التشريح وكانت المتهمة الثانية تقف معه حينذاك لتشد أزره وقد تلت
هذه الجناية جناية أخرى هي أنهما… وضعا النار عمداً في مسكن عبد الرحيم عبد الكريم
المبين بالمحضر بأن أضرما النار في كومة من الأحطاب القائمة فيه فحدث الحريق الأمر
المعاقب عليه بالمادة 252/ 1 من قانون العقوبات وطلبت النيابة العامة عقابهما بالمواد
230 و231 و234/ 1 – 2 من قانون العقوبات وبتاريخ 18 أكتوبر سنة 1964 قضت محكمة الجنايات
حضورياً (أولاً) ببراءة المتهمة الثانية "هندية على عبد العال" (ثانياً) وبإجماع الآراء
بإحالة أوراق القضية إلى مفتي الجمهورية بالنسبة إلى المتهم متولي حسانين عليو – الطاعن
– وحددت جلسة 17 يناير سنة 1965 للنطق بالحكم عليه – وبهذه الجلسة الأخيرة قضت المحكمة
حضورياً وبإجماع الآراء بمعاقبة متولي حسانين عليو بالإعدام شنقاً عملاً بالمادة 234/
1 – 2 من قانون العقوبات. لما كان ذلك, وكان الحكم المطعون فيه قد بين واقعة الدعوى
في قوله "إن عبد الرحيم عبد الكريم – والد المجني عليه – تزوج منذ حوالي ثلاث سنوات
سابقة على الحادث من هندية على عبد العال – المتهمة الثانية التي قضي ببراءتها – بعد
وفاة زوجته السابقة التي تركت له طفلين هما نادية التي تبلغ السابعة من عمرها والمجني
عليه حسانين البالغ من العمر ست سنوات ومنذ حوالي أربعة أشهر قبل الحادث سافر إلى الإسكندرية
سعياً وراء الرزق تاركاً زوجته المذكورة مع طفلتها الرضيعة وولديه من زوجته السابقة
السالف ذكرهما يقيمون في منزله الكائن بنجع التواب التابع لناحية الشواولة مركز المنشأة
محافظة سوهاج وفى المنزل الملاصق لمنزله ولا يفصله عنه إلا حاجز من البوص يقيم فيه
شقيقه عبد المجيد عبد الكريم وزوجته ثرياً متولي حسانين ابنة المتهم ونظراً لغياب زوج
الأخيرة أيضاً طلباً للرزق فقد اعتادت أن تبيت مع هندية على عبد العال وأولادها في
منزل عبد الرحيم عبد الكريم وفى الصباح تتوجه إلى منزل والدها لقضاء النهار مع عائلتها
وبسبب هذه الصلة ولكون المتهم أيضاً عم عبد الرحيم عبد الكريم أي في حكم جد المجني
عليه كان يتردد من حين لآخر على هندية على عبد العال في منزل زوجها الغائب عبد الرحيم
عبد الكريم وفى ليلة الحادث اضطرت هندية على عبد العال للمبيت في منزل والدها بناحية
الشواولة المجاورة للنجع الذي تقيم فيه بسبب أن زوجة والدها كانت في حالة وضع وتركت
ولدى زوجها سالفى الذكر يبيتان في منزلهم مع زوجة عمهما ثرياً متولي حسانين كالعادة
وفى صباح اليوم التالي الموافق 8/ 3/ 1963 توجهت إلى منزلها حيث كلفت الطفلة نادية
بقيادة الجاموسة المملوكة لهم إلى الحقل وحراستها كالمعتاد يومياً ثم عادت بالتالي
إلى منزل والدها يصحبها الطفل حسانين للمساهمة في قضاء الأعمال اللازمة في حالات الوضع
لزوجة أبيها وقبيل الظهر أرسلت حسانين ببعض الخبز إلى شقيقته نادية في الحقل للغذاء
على أن تلحق به في المنزل بعد قليل ولما عادت إلى المنزل وجدت الطفل حسانين هناك وحضر
في أثرها المتهم متولي حسانين عليو وفوجئت به يراودها عن نفسها ويمسك بها في محاولة
لارتكاب الفحشاء معها فصدته وأفلتت منه وكان ذلك على مشهد من الطفل حسانين عبد الكريم
الذي ثار دفاعاً عن عرض أبيه وأمسك بالمتهم طالباً منه الخروج من منزلهم وعدم العودة
إليه فما كان من المتهم إلا أن أمسكه من رقبته وأطبق عليها بكلتا يديه وأخذ يرفعه إلى
أعلا ويهوي به على الأرض قاصداً من ذلك قتله فأحدث به الإصابات الموصوفة بتقرير الصفة
التشريحية والتي أودت بحياته وبعد أن أتم جريمته بقتل المجني عليه عمد إلى إحراق المنزل
والجثة بداخله بأن جمع بعض الحطب والبوص الموجود بالمنزل وأشعل فيها النار وتركها تلتهم
المنزل والجثة للإيهام بأن الوفاة بسبب الحريق وكانت هندية على عبد العال بعد أن تخلصت
من المتهم وأبصرت به يمسك بطفل زوجها على الصورة المتقدمة ولم تكن قد تأكدت من وفاته
قد فزعت خارج المنزل مهرولة إلى منزل والدها في هلع تحدث نفسها في الطريق بما أراده
بها المتهم وهناك قصت على والدتها عسكرية عبد الجواد حماد ما كان من أمر المتهم ومحاولته
الفسق بها واعتدائه على ابن زوجها فنصحتها والدتها بكتمان الأمر حفظاً على عرضها أن
تلوكه الألسن وبعد الظهر بقليل وكان يوم جمعة عادت الطفلة نادية شقيقة المجني عليه
إلى المنزل ففوجئت بالنار مندلعة فيه فأسرعت مذعورة إلى زوجة أبيها هندية علي عبد العال
في منزل والدها وأخبرتها بنبأ الحريق فخرجت تعدو إليه مولولة وكان جمع من الأهالي قد
تجمع حول المنزل لإخماد الحريق وبعد إطفائه وقد ثار التساؤل عن الطفل حسانين دخل بعض
الأشخاص ومعهم المتهم حيث أخرجوه جثة محترقة وكان محشوراً بين الحائط وإحدى الصوامع
وعلى أثر ذلك أخذ المتهم يتشاور مع أفراد العائلة في طريقة الإبلاغ عن الحادث درءاً
للمسئولية وهو بحكم عمله كخفير نظامي عالم بمثل هذه الإجراءات فقر القرار على أن يتولي
هو الإبلاغ عن الحادث مصوراً إياه أنه حدث قضاء وقدراً بأن امتدت النار إلى القش الكائن
بالمنزل أثناء قيام هندية على عبد العال بإيقاد الفرن للخبيز وكان الطفل بجوار النار
ولم تتمكن من إنقاذه وفعلاً قام بالإبلاغ عن الحادث بهذه الصورة وأوعزوا إلى هندية
أن تردد هذا التصوير فامتثلت خوفاً ورهبة وستراً لعرضها….." وأورد الحكم على ثبوت
هذه الواقعة في حق الطاعن أدلة مستمدة من أقوال الشهود ومما ثبت من تقرير الصفة التشريحية
وما دل عليه تقرير المطافئ ومن أقوال هندية علي عبد العال – المتهمة الثانية. ولما
كان ذلك، وكان يبين من الاطلاع على المفردات المنضمة أن المحكمة أفردت حكمها الصادر
بتاريخ 18 أكتوبر سنة 1964 لتبرئة المتهمة الثانية هندية على عبد العال, وبعد أن حصلت
فيه واقعة الدعوى بقدر، وأوردت أدلة الاتهام بالنسبة إليها، عرضت لهذه الأدلة بالتفنيد،
وقد جاء فيها أن تحريات ضابط المباحث "لم تتضمن أية إشارة إلى مساهمة المتهمة الثانية
في القتل أو حتى إقرارها لهذا الفعل وأنه لو صحت الشائعات بوجود علاقة بين المتهم الأول
– الطاعن – وبينها وأن امتناعها عليه يوم الحادث كان بسبب وجود المجني عليه فإن ذلك
لا يعني أنها وضعت هذه العلاقة في مرتبة أقوى من حرصها على حياة المجني عليه…. ولما
أبصرت المتهمة الثانية المتهم الأول يطبق بيديه على الطفل بلغ بها الهلع حداً جعلها
تفر إلى منزل والدها الأمر الذي يتفق مع روايتها في أقوالها الأخيرة التي تأيدت بشهادة
عبد الكريم أحمد رشوان الذي قرر أنه شاهدها في ذلك الوقت خارجة من منزل زوجها الذي
وقع فيه الحادث مولية صوب منزل أبيها تحدث نفسها بما أراده المتهم الأول الأمر الذي
ينفي عنها مظنة مساهمتها في فعل القتل أو التوافق بينها وبين المتهم الأول عليه…"
ثم أردف الحكم أن تقرير المطافئ أثبت "بأنه لا يوجد لا بالفرن ولا بالكانون آثار تدل
على اشتعالها أثناء أو قبل الحريق الأمر الذي يقطع بعد صحة تصوير المتهمة للحادث في
أقوالها الأولى التي عدلت عنها فيما بعد والتي ثبت من التحقيقات أنها أمليت عليها من
المتهم الأول ونفر من أهل الطرفين بعد الإبلاغ عن الحادث بالصورة التي أدلى بها المتهم
الأول وحيل بينها وبين ذكر الحقيقة واضطرت لمسايرتهم فيها خوفاً ورهبة بالإضافة إلى
خشيتها أن تلوك الألسن عرضها". وأضاف الحكم أن تقرير المطافئ خلص إلى احتمال افتعال
الحريق إخفاء لمعالم جريمة أخرى. لما كان ذلك، وكان يبين من هذا السرد أن المحكمة استبقت
حكمها المطعون فيه فأبدت رأيها وكشفت عن عقيدتها بإدانة الطاعن بما وقر لديها وسطرته
في حكمها السابق الصادر بتاريخ 18 أكتوبر سنة 1964 من أنه وحده هو المرتكب للجريمتين
المسندتين إليه وقد انعكس هذا الرأي في حكمها المطعون فيه على ما هو واضح في بيانه
واقعة الدعوى. ولما كانت المادة 313 من قانون المرافعات – ونصها عام في أحوال عدم الصلاحية
يسري على الدعوى الجنائية – قد نصت: "يكون القاضي غير صالح لنظر الدعوى ممنوعاً من
سماعها ولو لم يرده أحد من الخصوم في الأحوال الآتية .. (خامساً) إذا كان قد أفتى أو
ترافع عن أحد الخصوم في الدعوى أو كتب فيها، ولو كان ذلك قبل اشتغاله بالقضاء، أو كان
قد سبق له نظرها قاضياً أو خبيراً أو محكماً أو كان قد أدى الشهادة فيها". ونصت المادة
314 "عمل القاضي أو قضاؤه في الأحوال المتقدمة الذكر ولو باتفاق الخصوم يقع باطلاً"
ومفاد هذين النصين صريح في أنه إذا ما كشف القاضي عن اعتناقه لرأي معين في الدعوى قبل
الحكم فيها يفقد صلاحيته للحكم لما في إبداء هذا الرأي من تعارض مع ما يشترط في القاضي
من خلو الذهن عن موضوع الدعوى ليستطيع أن يزن حجج الخصوم وزناً مجرداً، فإذا ما حكم
في الدعوى – على الرغم من ذلك – فإن قضاءه يقع باطلاً. لما كان ما تقدم، وكان الثابت
على ما سلف بيانه، أن المحكمة أصدرت في 18 أكتوبر سنة 1964 حكماً بتبرئة المتهمة الثانية
"هندية علي عبد العال" أفصحت فيه عن أن الطاعن هو مرتكب الجريمة التي كانت مسندة إلى
كليهما ثم عادت فدانته بحكمها المطعون فيه الذي أصدرته في 17 يناير سنة 1965، وبذلك
يكون هذا الحكم الأخير باطلاً لصدوره من هيئة فقدت صلاحيتها ويتعين لذلك نقض الحكم
المطعون فيه والإحالة بغير حاجة إلى بحث بقية أوجه الطعن.
