قاعدة رقم الطعن رقم 35 لسنة 13 قضائية “دستورية” – جلسة 07 /11 /1992
أحكام المحكمة الدستورية العليا ـ الجزء الخامس
(المجلد الثانى)
من أول يوليو 1992 حتى آخر يونيو 1993 – صـ 79
جلسة 7 نوفمبر سنة 1992
برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة، وحضور السادة المستشارين/ الدكتور محمد ابراهيم أبو العينين ومحمد ولى الدين جلال وفاروق عبد الرحيم غنيم وسامى فرج والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد على سيف الدين – أعضاء، وحضور السيد المستشار/ محمد خيرى طه عبد المطلب – المفوض، وحضور السيد/ رأفت محمد عبد الواحد – أمين السر.
قاعدة رقم
القضية رقم 35 لسنة 13 قضائية "دستورية"
1ـ دعوى دستورية "نطاقها ومناط اتصالها بالمحكمة الدستورية العليا".
يتحدد نطاق الدعوى الدستورية التى أتاح المشرع للخصوم مباشرتها بنطاق الدفع بعدم الدستورية
الذى أثير امام محكمة الموضوع، وفى الحدود التى تقدر فيها جديته، وإذ كان التصريح الصادر
من محكمة الموضوع برفع الدعوى الدستورية، منحصرا فى هذا النطاق وحده لا يتعداه، فإن
ما تضمنته الدعوى الماثلة من طعن على غير النص التشريعى الذى تعلق به التصريح الصادر
عن محكمة الموضوع، يعتبر مجاوزاً النطاق الذى تتحدد به المسألة الدستورية، ومخالفا
شروط اتصال الدعوى الدستورية بالمحكمة الدستورية العليا وفقا للأوضاع المنصوص عليها
فى قانونها.
2ـ نص تشريعى "الغاؤه ـ أثر هذا الالغاء".
إلغاء الاعفاء الجمركى الذى كان معمولا به وفقا لأحكام نظام استثمار رأس المال العربى
والأجنبى، وسريان هذا الالغاء بأثر مباشر، لا يحول دون الطعن بعدم دستورية النص التشريعى
الملغى ممن طبق عليهم هذا النص خلال فترة نفاذه وجرت آثاره فى حقهم.
3ـ قانون "سريانه من حيث الزمان".
الأصل فى القاعدة القانونية هو سريانها اعتبارا من تاريخ العمل بها على الوقائع التى
تتم فى ظلها وحتى الغائها.
4ـ ضريبة جمركية "تكييفها".
لا تعتبر الضريبة الجمركية ضريبة محلية يقتصر نطاق تطبيقها على رقعة إقليمية معينة
تنبسط عليها دون سواها، ويتحدد المخاطبون بها فى اطار هذه الدائرة وحدها، بل هى ضريبة
عامة يمتد نطاق تطبيقها إلى الحدود الاقليمية للدولة.
5ـ الضريبة "تكييفها ـ الالتزام بها: مصدره وحدوده".
الأصل فى الضريبة أنها فريضة مالية تقتضيها الدولة جبرا بما لها من ولاية على إقليمها،
والقانون هو مصدرها المباشر الذى يبين حدود الالتزام بها سواء من حيث الأشخاص المخاطبين
بها أو الأموال الخاضعة لها، كما يحدد وعاءها وسعرها وقواعد تحصيلها ويعين أحوال الاعفاء
منها ويضع الجزاء على مخالفة أحكامها.
6ـ الضريبة "أسس فرضها".
حق الخزانة العامة فى جباية الضريبة، يقابله حق الممول فى فرضها وتحصيلها على أسس عادلة.
7ـ الالتزام بالضريبة "طبيعته"
الالتزام بالضريبة ليس التزاما تعاقديا، بل مرد هذا الالتزام إلى نص القانون وحده.
8 – اعفاء جمركى "مناط مشروعية إلغائه".
عدول المشروع بأثر مباشر عن اعفاء جمركى لأغراض بعينها لها أساسها من المصلحة العامة،
وهى مصلحة شرعية يجوز بناء الأحكام عليها، لا مخالفة فيه للدستور.
1ـ ولاية المحكمة الدستورية العليا ـ على ما يقضى به البند (ب) من المادة 29 من قانونها،
وما جرى به قضاء هذه المحكمة ـ لا تقوم إلا باتصالها بالدعوى اتصالا مطابقا للأوضاع
المقرر قانونا، وإذ كان نطاق الدعوى الدستورية التى أتاح المشرع للخصوم مباشرتها يتحدد
بنطاق الدفع بعدم الدستورية الذى أثير أمام محكمة الموضوع، وفى الحدود التى تقدر فيها
جديته، وكان المدعى فى الدعوى الماثلة قد دفع أمام محكمة الموضوع بعدم دستورية نص المادة
13 من القانون رقم 91 لسنة 1983 بتنظيم الإعفاءات الجمركية، وكان التصريح الصادر من
محكمة الموضوع برفع الدعوى الدستورية منحصرا فى هذا النطاق وحده لا يتعداه، فإن ما
تضمنته الدعوى الماثلة من طعن على غير النص التشريعى الذى تعلق به التصريح الصادر عن
محكمة الموضوع، يعتبر مجاوزا النطاق الذى تتحدد به المسألة الدستورية التى تدعى هذه
المحكمة للفصل فيها، بما مؤداه انتفاء اتصال الدعوى الدستورية ـ فى خصوص المادة 11
من القانون رقم 91 لسنة 1983 المشار إليه، والمادة الثانية من القرار بقانون رقم 186
لسنة 1986 بإصدار قانون تنظيم الإعفاءات الجمركية والمادة التاسعة من هذا القانون ذاته
– بالمحكمة الدستورية العليا اتصالا مطابقا للأوضاع التى رسمها قانونها، والتى لا يجوز
الخروج عليها بوصفها ضوابط جوهرية فرضها المشرع لضرورة تقتضيها المصلحة العامة كى ينتظم
التداعى فى المسائل الدستورية وفقا لها، الأمر الذى يتعين معه الحكم بعدم قبول الدعوى
بالنسبة إلى تلك النصوص.
2ـ إنه وإن كان القرار بقانون رقم 186 لسنة 1986 بإصدار قانون تنظيم الاعفاءات الجمركية
قد نص فى مادته الثانية على إلغاء أحكام القانون رقم 91 لسنة 1983 المشار إليه بتمامها
بما فى ذلك المادة الثالثة عشرة منه المطعون عليها، إلا أن صدور هذا القانون مقررا
إلغاء تلك المادة، وزوال الإعفاء الجمركى الذى كان معمولا به وفقا لأحكام نظام استثمار
رأس المال العربى والأجنبى اعتبارا من تاريخ العمل بها، لا يحول دون الطعن عليها بعدم
الدستورية ممن طبق عليهم هذا النص خلال فترة نفاذه، وجرت آثاره فى حقهم.
3ـ الأصل فى القاعدة القانونية هو سريانها اعتبارا من تاريخ العمل بها على الوقائع
التى تتم فى ظلها وحتى إلغائها، فإذا حلت محل القاعدة القديمة قاعدة قانونية أخرى،
فإن القاعدة الجديدة تسرى من الوقت المحدد لنفاذها، ويقف سريان القاعدة القديمة من
تاريخ إلغائه، وبذلك يتحدد النطاق الزمنى لكل من القاعدتين، وتغدو المراكز القانونية
التى اكتمل تكوينها وترتبت آثارها فى ظل القانون القديم، خاضعة لحكمه وحده. متى كان
ذلك، وكانت المادة 13 المطعون فيها ـ وهى نص غير عقابى ـ قد سرى حكمها اعتبارا من اليوم
التالى لنشر القانون الذى يتضمنها فى الجريدة الرسمية ـ على ما سبق بيانه – فإنها لا
تكون منطوية على رجعية، بل مستصحبة الأصل فى القوانين الذى رددته المادة 187 من الدستور،
وهو سريانها بأثر مباشر على ما يقع من تاريخ العمل بها، وعدم جريان آثارها فيما وقع
قبلها.
4ـ لا تعتبر الضريبة الجمركية التى يدور النزاع الراهن حول استحقاقها أو الإعفاء منها
ضريبة محلية يقتصر نطاق تطبيقها على رقعة إقليمية معينة تنبسط عليها دون سواها، ويتحدد
المخاطبون بها فى إطار هذه الدائرة وحدها، بل هى ضريبة عامة يعتبر تحقق الواقعة المنشئه
لها على امتداد الحدود الإقليمية للدولة، وبغض النظر عن تقسيماتها الإدارية أو فواصلها
الجغرافية، مرتبا لدينها فى ذمة الممول.
5ـ الأصل فى الضريبة أنها فريضة مالية تقتضيها الدولة جبرا بما لها من ولاية على إقليمها،
وأن قانونها يبين حدود العلاقة بين الملتزم بالضريبة من ناحية، وبين الدولة التى تفرضها
من ناحية أخرى، سواء فى مجال تحديد الأشخاص الخاضعين لها، أو الأموال التى تسرى عليها،
وشروط سريانها، وسعر الضريبة، وكيفية تحديد وعائها، وقواعد تحصيلها، وأحوال الإعفاء
منها، والجزاء على مخالفة أحكامها. وقانون الضريبة إذ يصدر على هذا النحو، فإنه ينظم
رابطتها تنظيما شاملا يدخل فى مجال القانون العام، ويبرز ما للخزانة العامة من حقوق
قبل الممول، وامتيازاتها عند مباشرتها، وبوجه خاص فى مجال توكيده حق الإدارة المالية
فى المبادأة بتنفيذ دين الضريبة على الممول، واعتباره محاولة التخلص منها جريمة معاقبا
عليها قانونا.
6ـ حق الخزانة العامة فى جباية الضريبة، يقابله حق الممول فى فرضها وتحصيلها على أسس
عادلة.
7ـ الالتزام بالضريبة ليس التزاما تعاقديا ناشئا عن التعبير المتبادل عن إرادتين متطابقتين،
بل مرد هذا الالتزام إلى نص القانون وحده، فهو مصدره المباشر ـ وهو ما يملكه ولى الأمر
ويجد دليله الشرعى فى رعاية مصلحة الجماعة التى يمثلها ـ وإذ تتدخل الدولة لتقرير الضريبة
وتحصيلها، فليس ذلك باعتبارها طرفا فى رابطة تعاقدية أيا كان مضمونها، ولكنها تفرض
ـ فى إطار القانون العام ـ الأسس الكاملة لعلاقة قانونية ضريبية لا يجوز التبديل أو
التعديل فيها بالاتفاق على خلافها. ولا يعنى إقرار السلطة التشريعية لضريبة معينة،
أن الخاضعين لها قد أنابوها عنهم فى القبول بها، وأن علاقتهم فى مجالها هى علاقة تعاقدية
أو شبه تعاقدية، ذلك أن إقرار السلطة التشريعية لتنظيم معين، إنما يتم فى إطار ممارستها
لولايتها المستمدة مباشرة من الدستور والتى لا يجوز لها النزول عنها. وتأتى الضريبة
العامة فى موقع الصداره من مهامها لاتصالها من الناحية التاريخية بوجود المجالس التشريعية
ذاتها، ولما ينطوى عليه فرضها من تحميل المكلفين بها أعباء مالية يتعين تقريرها بموازين
دقيقة، ولضرورة تقتضيها. ولو كان حق الدولة فى استئداء الضريبة ناشئا عن علاقة تعاقدية
أو أية علاقة أخرى تشتبه بها، لكان لها حق التخلى عنها وإسقاطها باتفاق لاحق، وهو ما
يناقض حقيقة أن الضريبة العامة لا يفرضها إلا القانون، ولا يتقرر الاعفاء منها إلا
وفقا لأحكامه على ما تقضى به المادة 119 من الدستور.
8ـ متى كان عدول المشرع بالقانون رقم 91 لسنة 1983 ـ المشار إليه ـ عن الإعفاء الجمركى
الذى كان مقررا بمقتضى قانون نظام استثمار رأس المال العربى والأجنبى والمناطق الحرة
الصادر بالقانون رقم 43 لسنة 1974 قد تقرر لأغراض بعينها لها أساسها من المصلحة العامة،
وهى مصلحة معتبرة يجوز بناء الأحكام الشرعية عليها، ودل عليها ما قررته اللجنة المشتركة
من لجنتى الخطة والموازنة والشئون الاقتصادية ومكتب لجنة الشئون الدستورية والتشريعية
من أن التعريفة الجمركية يتعين أن تظل محتفظة بدورها كأداة موجهة للسياسة الاقتصادية
والمالية للدولة، وأن قصورها عن أداء هذا الدور ـ ازاء الزيادة المطردة فى القوانين
الاستثنائية التى تقرر إعفاء ضريبيا، وكذلك بالنظر إلى انتفاء الأغراض الحيوية التى
يتعين أن يكون الإعفاء من أداء الضريبة الجمركية مرتبطا بها ـ آل إلى تقلص الموارد
السيادية للدولة بما يهدد حصيلتها، ويفقد التعريفة الجمركية مقوماتها كأداة يمكن من
خلالها التأثير فى الأوضاع الاقتصادية المالية. لما كان ذلك، فإن إلغاء الإعفاء الجمركى
الذى كان مقررا بقانون نظام استثمار رأس المال العربى والأجنبى يكون قد تقرر بأثر مباشر،
وفى إطار رابطة قانونية يحكمها القانون العام أصلا، وتستمد مصدرها المباشر من نص القانون،
وارتكن إلى مصلحة مشروعة تقرها مبادئ الشريعة الإسلامية، بما لا مخالفة فيه للمواد
2، 66، 187 من الدستور.
الإجراءات
بتاريخ 13 من إبريل سنة 1991 أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم
كتاب المحكمة بطلب الحكم بقبول الطعن شكلا وفى الموضوع بعدم دستورية المادتين الحادية
عشرة والثالثة عشرة من القانون رقم 91 لسنة 1983 بتنظيم الإعفاءات الجمركية، وكذلك
المادة الثانيه من القرار بقانون رقم 186 لسنة 1986 بإصدار قانون تنظيم الإعفاءات الجمركية،
والمادة التاسعة منه.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، ضمنتها دفعا بعدم قبول الدعوى وطلبا برفضها موضوعا.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرا برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة اصدار الحكم فيها بجلسة
اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع ـ على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق ـ تتحصل فى أن نيابة الشئون
المالية والتجارية اتهمت المدعى ـ فى الدعوى الماثلة ـ بأنه: هرب البضائع المبينة
الوصف والقيمة بالأوراق من أداء الضريبة الجمركية المستحقة عنها، وكان ذلك بقصد الاتجار
فيها مع علمه بأمر تهريبها لكونها أجنبية الصنع دون أن تكون مصحوبة بما يفيد أداء الضريبة
الجمركية المستحقة عنها. استورد البضائع المبينة الوصف والقيمة بالتهمة الأولى
دون الحصول على ترخيص بذلك من الجهة المختصة. وقدمته إلى المحاكمة الجنائية أمام محكمة
جنوب القاهرة فى الجنحة رقم 43 لسنة 1991 جنح شئون مالية لمعاقبته بالمواد 5/ 1 ـ 3،
13، 26، 43، 121، 122، 124، 124 مكررا من قانون الجمارك الصادر بالقانون رقم 66 لسنة
1963، وبالمادتين 1، 15 من القانون رقم 118 لسنة 1975 فى شأن الاستيراد والتصدير. وأمام
محكمة الموضوع دفع المدعى بعدم دستورية نص المادة 13 من القانون رقم 91 لسنة 1983 بتنظيم
الإعفاءات الجمركية، وإذ قدرت المحكمة جدية دفعه وصرحت له برفع الدعوى الدستورية، فقد
أقام الدعوى الماثلة طالبا الحكم بعدم دستورية المادتين 11، 13 من القانون رقم 91 لسنة
1983 المشار إليه، وكذلك المادة الثانية من القرار بقانون رقم 186 لسنة 1986 بإصدار
قانون تنظيم الإعفاءات الجمركية، والمادة التاسعة منه.
وحيث إن ولاية المحكمة الدستورية العليا ـ على ما يقضى به البند ب من المادة 29 من
قانونها، وما جرى به قضاء هذه المحكمة ـ لا تقوم إلا باتصالها بالدعوى اتصالا مطابقا
للأوضاع المقررة قانونا، وكان نطاق الدعوى الدستورية التى أتاح المشرع للخصوم مباشرتها
يتحدد بنطاق الدفع بعدم الدستورية الذى أثير أمام محكمة الموضوع، وفى الحدود التى تقدر
فيها جديته، وكان المدعى فى الدعوى الماثلة قد دفع أمام محكمة الموضوع بعدم دستورية
نص المادة 13 من القانون رقم 91 لسنة 1983 بتنظيم الإعفاءات الجمركية، وكان التصريح
الصادر من محكمة الموضوع برفع الدعوى الدستوريه منحصرا فى هذا النطاق وحده لا يتعداه،
فإن ما تضمنته الدعوى الماثلة من طعن على غير النص التشريعى الذى تعلق به التصريح الصادر
عن محكمة الموضوع، يعتبر مجاوزا النطاق الذى تتحدد به المسألة الدستورية التى تدعى
هذه المحكمة للفصل فيها، بما مؤداه انتفاء اتصال الدعوى الدستورية فى خصوص المادة 11
من القانون رقم 91 لسنة 1983 المشار إليه، والمادة الثانية من القرار بقانون رقم 186
لسنة 1986 بإصدار قانون تنظيم الإعفاءات الجمركية والمادة التاسعة من هذا القانون ذاته
– بالمحكمة الدستورية العليا اتصالا مطابقا للأوضاع التى رسمها قانونها والتى لا يجوز
الخروج عليها بوصفها ضوابط جوهرية فرضها المشرع لضرورة تقتضيها المصلحة العامة كى ينتظم
التداعى فى المسائل الدستورية وفقا لها، الأمر الذى يتعين معه الحكم بعدم قبول الدعوى
بالنسبة إلى تلك النصوص.
وحيث إن الثابت من الأوراق أنه بتاريخ 10 أبريل سنة 1978 صدر قرار مجلس الوزراء رقم
355 لسنة 1978 متضمنا إعفاء كافة عناصر الأصول الرأسمالية اللازمة للشركة المصرية لمنتجات
الألمونيوم ـ التى يعمل المدعى مديرا ماليا لها ـ من الضرائب والرسوم الجمركية على
أن يحظر التصرف فى الأشياء التى تم إعفاؤها بموجب هذا القرار قبل خمس سنين من تاريخ
ورودها ما لم تؤد الضرائب والرسوم الجمركية التى تم الإعفاء منها. وقد صدر ذلك القرار
استنادا للفقرة الأخيرة من المادة 16 من قانون نظام استثمار رأس المال العربى والأجنبى
والمناطق الحرة الصادر بالقانون رقم 43 لسنة 1974 والتى تخول رئيس الجمهورية ـ أو من
يفوضه ـ بناء على اقتراح مجلس إدارة الهيئة العامة للاستثمار، إعفاء كافة الأصول الرأسمالية
اللازمة لانشاء المشروعات المقبولة فى نطاق أحكام ذلك القانون من كل أو بعض الضرائب
والرسوم الجمركية وغيرها من الضرائب والرسوم أو تأجيل استحقاقها وذلك كله بشرط عدم
التصرف فى الأشياء محل الإعفاء أو التأجيل أو التقسيط لمدة خمس سنين من تاريخ ورودها
أو لمدة التقسيط أو التأجيل بحسب الأحوال، وإلا حصلت عنها الضرائب والرسوم السابق الإعفاء
منها أو تأجيلها أو تقسيطها.
وحيث إنه تطبيقا لأحكام قرار مجلس الوزراء رقم 355 لسنة 1978 المشار إليه ـ استصدر
المدعى من الهيئة العامة للاستثمار فى 31 يوليو سنة 1978 و24 سبتمبر سنة 1978 و25 نوفمبر
سنة 1978 ثلاثة تصاريح لاستيراد سيارتين (ميكروباس) وثالثة للنقل، وقام باستيرادها
فعلا والإفراج عنها بعد إعفائها من الضريبة الجمركية. وبتاريخ 18 من يوليو 1993 صدر
القانون رقم 91 لسنة 1983 بتنظيم الإعفاءات الجمركية ليعمل به اعتباراً من 29 يوليو
سنة 1983 ـ وهو اليوم التالى لنشره فى الجريدة الرسمية ـ وقد أعاد هذا القانون تنظيم
الإعفاءات الجمركية على أسس جديدة قدر أنها أكثر إحكاما من تلك التى كانت قائمة قبل
صدوره قاصدا بذلك ترشيدها، وأن يكون تقريرها وفق معايير وضوابط أدنى إلى تحقيق العدالة
بين المخاطبين بها، وأكفل لبلوغ الغاية المقصودة من فرض الضريبة الجمركية. وبعد أن
حدد هذا القانون الجهات والأشخاص الذين تسرى فى شأنهم نظم الإعفاء الجمركى التى أحدثها
ابتداء من تاريخ العمل به، حظر فى المادة 11 منه على المستفيدين منها أن يبرموا فى
شأن الأشياء المعفاة من الضريبة الجمركية تصرفا أيا كان نوعه يناقض الأغراض التى تقرر
الإعفاء من أجله، وإلا كان تصرفهم فيها تهربا جمركيا معاقبا عليه بالعقوبات المنصوص
عليها فى القانون الجمركى. وقرن القانون رقم 91 لسنة 1983 ما تقدم بإسقاط الإعفاءات
الجمركية السابقة على صدوره أيا كان موردها من نصوص القوانين المختلفة، فنص فى المادة
13 منه على أنه فيما عدا الإعفاءات الجمركية المقررة بموجب اتفاقيات مبرمة ببن الحكومة
المصرية والدول والمنظمات الدولية والإقليمية والجهات الأجنبية، يعمل بالأحكام المنظمة
للإعفاءات الجمركية الواردة بهذا القانون، ويلغى كل نص يخالفها ورد فى القوانين التى
عددتها هذه المادة حصر، ومن بينها نظام استثمار رأس المال العربى والأجنبى والمناطق
الحرة الصادر بالقانون رقم 43 لسنة 1974.
وحيث إن المدعى ينعى على المادة 13 من القانون رقم 91 لسنة 1983 بتنظيم الإعفاءات الجمركية
عدم دستوريتها من عدة أوجه، أولها: إهدارها للحقوق المكتسبة وإخلالها بالمراكز القانونية
التى اكتمل وجودها قبل نفاذ هذا القانون، وهو ما يعتبر ارتدادا بآثاره إلى ما قبل العمل
باحكامه وتقريرا لرجعية لا تجوز إلا بنص خاص، وبموافقة أغلبية أعضاء مجلس الشعب عملا
بالمادة 187 من الدستور. ثانيها: اطراحها علاقة تعاقدية تعتبر الدولة طرفا فيها إذ
أن طلبه إقامة مشروع معين وفقا لقانون نظام استثمار المال العربى والأجنبى يعد إيجابا
من جانبه، اقترن بموافقة الهيئة العامة للاستثمار وقبولها سريان الإعفاءات الجمركية
التى نص عليها هذا القانون فى حقه، بما يخوله بيع الأشياء المعفاة بعد انتهاء مدة الإعفاء
دون اخطار مصلحة الجمارك بتصرفه فيها، أو أداء الضريبة الجمركية عنها. وإذ كان الأصل
الشرعى هو الوفاء بالعقود بما فى ذلك المزايا المقررة بها، فإن النص التشريعى المطعون
عليه ـ فيما قرره من إلغاء الإعفاءات الجمركية السابقة على العمل به ـ يكون مخالفا
لنص المادة الثانية من الدستور. وثالثها: أن تصرفه فى الأشياء المعفاة وفقا لأحكام
نظام استثمار رأس المال العربى والأجنبى والمناطق الحرة الصادر بالقانون رقم 43 لسنة
1974 ـ كان مباحا وأضحى بعد العمل بالقانون رقم 91 لسنة 1983 بتنظيم الإعفاءات الجمركية
جريمة معاقبا عليها، وهو ما يتضمن رجعية لنص عقابى بالمخالفة لنص المادة 66 من الدستور.
وحيث إنه وإن كان القرار بقانون رقم 186 لسنة 1986 بإصدار قانون تنظيم الإعفاءات الجمركية،
قد نص فى مادته الثانية على إلغاء أحكام القانون رقم 91 لسنة 1983 المشار إليه بتمامها
بما فى ذلك المادة الثالثة عشرة منه المطعون عليها، إلا أن صدور ذلك القانون مقررا
إلغاء هذه المادة وزوال الإعفاء الجمركى الذى كان معمولا به وفقا لأحكام نظام استثمار
رأس المال العربى والأجنبى اعتبارا من تاريخ العمل بها، لا يحول دون الطعن عليها بعدم
الدستورية ممن طبق عليهم هذا النص خلال فترة نفاذه وجرت آثاره فى حقهم، ذلك أن الأصل
فى القاعدة القانونية هو سريانها اعتبارا من تاريخ العمل بها على الوقائع التى تتم
فى ظلها وحتى إلغائها. فإذا ألغيت هذه القاعدة وحلت محلها قاعدة قانونية أخرى، فإن
القاعدة الجديدة تسرى من الوقت المحدد لنفاذها، ويقف سريان القاعدة القديمة من تاريخ
إلغائها. وبذلك يتحدد النطاق الزمنى لسريان كل من القاعدتين لتغدو المراكز القانونية
التى نشأت واكتمل تكوينها وترتبت آثارها فى ظل القانون القديم، خاضعة لحكمه وحده.
وحيث إن المناعى التى آثارها المدعى فى شأن دستورية النص المطعون فيه مبتغيا بها تقرير
بطلانه وإنهاء كل الآثار المترتبة على إعماله مردود عليها بأن المادة 13 المطعون فيها
ـ وهى نص غير عقابى ـ قد سرى حكمها اعتبارا من اليوم التالى لنشر القانون الذى يتضمنها
فى الجريدة الرسمية ـ على ما سبق بيانه – وبالتالى لا تكون منطوية على رجعية، بل مستصحبة
الأصل فى القوانين الذى رددته المادة 187 من الدستور، وهو سريانها بأثر مباشر على ما
يقع من تاريخ العمل بها، وعدم انسحابها وجريان آثارها فيما وقع قبلها. ومن جهة أخرى
لا تعتبر الضريبة الجمركية التى يدور النزاع الراهن حول استحقاقها أو الإعفاء منها
ضريبة محلية يقتصر نطاق تطبيقها على رقعة إقليمية معينة تنبسط عليها دون سواها، ويتحدد
المخاطبون بها فى إطار هذه الدائرة وحدها، بل هى ضريبة عامة يعتبر تحقق الواقعة المنشئة
لها على امتداد الحدود الإقليمية للدولة، وبغض النظر عن تقسيماتها الإدارية أو فواصلها
الجغرافية، مرتبا لدينها فى ذمة الممول. متى كان ذلك وكان الأصل فى الضريبة أنها فريضة
مالية تقتضيها الدولة جبرا بما لها من ولاية على إقليمها، وأن قانونها يبين حدود العلاقة
بين الملتزم بالضريبة من ناحية، وبين الدولة التى تفرضها من ناحية أخرى، سواء فى مجال
تحديد الأشخاص الخاضعين لها، أو الأموال التى تسرى عليها، وشروط سريانها وسعر الضريبة
وكيفية تحديد وعائها وقواعد تحصيلها، وأحوال الإعفاء منها، والجزاء على مخالفة أحكامه،
وكان قانون الضريبة إذ يصدر على هذا النحو فإنه ينظم رابطتها تنظيما شاملا يدخل فى
مجال القانون العام، ويبرز ما للخزانة العامة من حقوق قبل الممول وامتيازاتها عند مباشرتها
وبوجه خاص فى مجال توكيده حق الإدارة المالية فى المبادأة بتنفيذ دين الضريبة على الممول،
واعتباره محاولة التخلص منها جريمة معاقبا عليها قانونا، وإذ كان حق الخزانة العامة
فى جباية الضريبة يقابله حق الممول فى فرضها وتحصيلها على أسس عادلة، إلا أن من المحقق
أن الالتزام بالضريبة ليس التزاما تعاقديا ناشئا عن التعبير المتبادل عن إرادتين متطابقتين،
بل مرد هذا الالتزام إلى نص القانون وحده فهو مصدره المباشر، وهو ما يملكه ولى الأمر
ويجد دليله الشرعى فى رعاية مصلحة الجماعة التى يمثلها. وإذ تتدخل الدولة لتقرير الضريبة
وتحصيلها، فليس ذلك باعتبارها طرفا فى رابطة تعاقدية أيا كان مضمونها، ولكنها تفرض
ـ فى اطار القانون العام ـ الأسس الكاملة لعلاقة قانونية ضريبية لا يجوز التبديل أو
التعديل فيها بالاتفاق على خلافها. ولا يعنى إقرار السلطة التشريعية لضريبة معينة أن
الخاضعين لها قد أنابوها عنهم فى القبول بها، وأن علاقتهم فى مجالها هى علاقة تعاقدية
أو شبه تعاقدية، ذلك أن إقرار السلطة التشريعية لتنظيم معين إنما يتم فى إطار ممارستها
لولايتها المستمدة مباشرة من الدستور والتى لا يجوز لها النزول عنه، وتأتى الضريبة
العامة فى موقع الصدارة من مهامها لاتصالها من الناحية التاريخية بوجود المجالس التشريعية
ذاتها، ولما ينطوى عليه فرضها من تحميل المكلفين بها أعباء مالية يتعين تقريرها بموازين
دقيقة، ولضرورة تقتضيها. ولو كان حق الدولة فى استئداء الضريبة ناشئا عن علاقة تعاقدية
أو أية علاقة أخرى تشتبه بها، لكان لها حق التخلى عنها وإسقاطها باتفاق لاحق، وهو ما
يناقض حقيقة أن الضريبة العامة لا يفرضها إلا القانون، ولا يتقرر الإعفاء منها إلا
وفقا لأحكامه على ما تقضى به المادة 119 من الدستور. وليس لأحد ـ بالتالى ـ أن يعدلها
بإرادته المنفردة أو باتفاق لاحق ينال منها. متى كان ذلك، وكان عدول المشروع بالقانون
رقم 91 لسنة 1983 ـ المشار إليه ـ عن الإعفاء الجمركى الذى كان مقررا بمقتضى قانون
نظام استثمار رأس المال العربى والأجنبى والمناطق الحرة الصادر بالقانون رقم 43 لسنة
1974 قد تقرر لأغراض بعينها لها أساسها من المصلحة العامة، وهى مصلحة معتبرة يجوز بناء
الأحكام الشرعية عليها، ودل عليها ما قررته اللجنة المشتركة من لجنتى الخطة والموازنة
والشئون الاقتصادية ومكتب لجنة الشئون الدستورية والتشريعية من أن التعريفة الجمركية
يتعين أن تظل محتفظة بدورها كأداة موجهة للسياسة الاقتصادية والمالية للدولة، وأن قصورها
عن أداء هذا الدور ـ إزاء الزيادة المطردة فى القوانين الاستثنائية التى تقرر إعفاءً
ضريبيا، وكذلك بالنظر إلى انتفاء الأغراض الحيوية التى يتعين أن يكون الإعفاء من أداء
الضريبة الجمركية مرتبطا بها ـ آل إلى تقلص الموارد السيادية للدولة بما يهدد حصيلتها،
ويفقد التعريفة الجمركية مقوماتها كأداة يمكن من خلالها التأثير فى الأوضاع الاقتصادية
والمالية. لما كان ذلك، فإن إلغاء الإعفاء الجمركى الذى كان مقررا بقانون نظام استثمار
رأس المال العربى والأجنبى يكون قد تقرر بأثر مباشر، وفى إطار رابطة قانونية يحكمها
القانون العام أصلا، وتستمد مصدرها المباشر من نص القانون، وارتكن إلى مصلحة مشروعة
تقرها مبادئ الشريعة الإسلامية، بما لا مخالفة فيه للمواد 2، 66، 187 من الدستور.
وحيث إن النص التشريعى المطعون عليه لا يتعارض مع الدستور من أوجه أخرى.
فلهذه الأسباب:
حكمت المحكمة برفض الدعوى، وبمصادرة الكفالة، وألزمت المدعى المصروفات، ومبلغ مائة جنيه مقابل اتعاب المحاماة.
