قاعدة رقم الطعن رقم 12 لسنة 13 قضائية “دستورية” – جلسة 07 /11 /1992
أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء الخامس
(المجلد الثانى)
من أول يوليو 1992 حتى آخر يونيو 1993 – صـ 68
جلسة 7 نوفمبر سنة 1992
برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة، وحضور السادة المستشارين/ الدكتور محمد ابراهيم أبو العينين ومحمد ولى الدين جلال وفاروق عبد الرحيم غنيم وسامى فرج يوسف والدكتور عبد الحميد فياض ومحمد على سيف الدين – أعضاء، وحضور السيد المستشار/ محمد خيرى طه عبد المطلب – المفوض، وحضور السيد/ رأفت محمد عبد الواحد – أمين السر.
قاعدة رقم
القضية رقم 12 لسنة 13 قضائية "دستورية"
1 – تموين وتسعير "اختصاص وزير التموين".
خول المرسوم بقانون رقم 95 لسنة 1945 وزير التموين – لضمان تموين البلاد بالمواد الغذائية
وغيرها ولضمان العدالة فى توزيعها – أن يقرر بموافقة لجنة التموين العليا فرض قيود
على إنتاج أية سلعة أو تداولها أو استهلاكها بما فى ذلك توزيعه، وكذلك على نقلها من
جهة إلى اخرى. ولوزير التموين – فى نطاق هذه التدابير – أن يقرر عقوبة على مخالفتها
تكون أقل من المنصوص عليها فى المرسوم بقانون رقم 95 لسنة 1945. وهذا النهج هو ما احتذاه
كذلك المرسوم بقانون رقم 163 لسنة 1950 الخاص بشئون التسعير الجبرى.
2 – تقرير وزير التموين عقوبة على تداول بعض المواد الغذائية أو التعامل فيها أو حيازتها
بقصد الاتجار – "أثره" لا مخالفة فيه لنص المادة 66 من الدستور.
قرار وزير التموين بحظر تداول بعض المواد الغذائية أو التعامل فيها أو حيازتها بقصد
الاتجار لا يناقض قاعدة "لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون" المنصوص عليها فى
المادة 66 من الدستور، ذلك أن المقصود بهذه القاعدة هو توكيد ما جرى عليه العمل من
تفويض السلطة التنفيذية – فى الحدود وبالشروط التى بينها القانون – فى أن تعين بقراراتها
اللائحية بعض نواحى التجريم والعقاب.
3 – تجريم تداول إحدى السلع أو التعامل فيها أو حيازتها بقصد الاتجار – رد هذه الأفعال
بعدئذ إلى دائرة المشروعية بمحو صفتها الاجرامية – أثره.
لئن نص الدستور فى المادتين 66، 187 منه على قاعدة عدم رجعية القوانين العقابية، إلا
أن هذه القاعدة تكملها وتقوم إلى جانبها قاعدة أخرى هى قاعدة القانون الأصلح للمتهم.
4 – قاعدة رجعية القوانين الأصلح للمتهم: "مؤداها".
مؤدى قاعدة رجعية القوانين الأصلح للمتهم، سريانها بأثر رجعى – ومنذ صدورها – على الجريمة
التى ارتكبها من قبل وذلك لانتفاء الفائدة الاجتماعية التى كان يرجى بلوغها من وراء
تقرير العقوبة وتوقيعها عليه.
5 – قاعدة رجعية القوانين الأصلح للمتهم – "أساسها وغايتها".
لئن كان الدستور لا يتضمن بين أحكامه مبدأ رجعية القوانين الأصلح للمتهم، إلا أن القاعدة
التى يرتكز عليها هذا المبدأ تفرضها المادة 41 من الدستور، التى تقرر أن الحرية الشخصية
حق طبيعى، وأنها مصونة لا تمس، وعلى تقدير أن هذه الرجعية ضرورة حتمية يقتضيها صون
الحرية الفردية بما يرد عنها كل قيد غدا تقريره مفتقرا إلى أية مصلحة اجتماعية.
6 – قاعدة رجعية القوانين الأصلح للمتهم – "صلتها بالنظام العام".
لا تخل قاعدة رجعية القوانين الأصلح للمتهم بالنظام العام، بل هى أدعى إلى تثبيته بما
يحول دون انفراط عقده.
7 – قاعدة رجعية القوانين الأصلح للمتهم: "نطاق تطبيقها".
إإذ كان وزير التموين قد أقر تنظيما يؤثم أفعالا تتعلق بتداول إحدى السلع أو حيازتها
بقصد الاتجار أو التعامل فيها، وكان هذا التنظيم غير مقيد بفترة زمنية موقوتة، بل كان
العمل به ممتدا فى الزمان، فإن عدول الوزير عن هذا التنظيم واباحته الأفعال التى كان
قد حظرها، يتحقق به معنى القانون الأصلح للمتهم.
8 – دعوى دستورية "المصلحة فيها".
محو الصفة الإجرامية عن الأفعال التى أثمها القرار المطعون فيه وردها إلى دائرة المشروعية
– أثره: انتفاء المصلحة فى الدعوى.
1 – إن المادة الأولى من المرسوم رقم 95 لسنة 1945 الخاص بشئون التموين قد خولت وزير
التموين لضمان تموين البلاد بالمواد الغذائية وغيرها، ولتحقيق العدالة فى توزيعها،
أن يتخذ بقرارات يصدرها – بموافقة لجنة التموين العليا – كل أو بعض التدابير التى حددتها
هذه المادة، ويندرج تحتها فرض قيود على إنتاج أية سلعة أو تداولها أو استهلاكها بما
فى ذلك توزيعها، وكذلك على نقلها من جهة إلى أخرى. ونصت الفقرة الرابعة من المادة 56
على أن يعاقب بالعقوبات المنصوص عليها فى هذه المادة على مخالفة أحكام قرارات وزير
التموين والتجارة الداخلية الصادرة تنفيذا لهذا القانون، ويجوز أن ينص فى تلك القرارات
على عقوبات أقل…. والبين من النصوص المتقدمة أن المشرع عهد إلى وزير التموين اتخاذ
كل أو بعض التدابير التى نص عليها لضمان توفير المواد التموينية، ولتحقيق العدالة فى
توزيعها، وخوله – فى نطاق هذه التدابير – أن يقرر عقوبة على مخالفتها تكون أقل من تلك
المنصوص عليها فى المرسوم بقانون رقم 95 لسنة 1945 المشار إليه. وهذا النهج هو ما احتذاه
كذلك المرسوم بقانون رقم 163 لسنة 1950 الخاص بشئون التسعير الجبرى.
2 – إذ أصدر وزير التموين بمقتضى الرخصة المخولة فى النطاق المتقدم – القرار رقم 238
لسنة 1986 مانعا بموجبه تداول الياميش المستورد – بأصنافه التى عينها فى الجدول المرافق
لهذا القرار ومن بينها الثمار المجمدة والمحفوظة والمجففة بكافة أنواعها – وكذلك التعامل
فيها أو حيازتها بقصد الاتجار، ومحيلا فى مادته الثالثة – وكجزاء على مخالفة هذا الحظر
– إلى العقوبات المنصوص عليها فى المرسوم بقانون رقم 95 لسنة 1945 الخاص بشئون التموين،
فإن وزير التموين لا يكون قد أهدر حكم المادة 66 من الدستور التى تقضى بأنه لا جريمة
ولا عقوبة إلا بناء على قانون، ذلك أن المقصود من هذا النص – وعلى ما جرى عليه قضاء
المحكمة الدستورية العليا – توكيد ما جرى عليه العمل من تفويض السلطة التنفيذية – فى
الحدود وبالشروط التى يبينها القانون – فى أن تعين بقراراتها اللائحية وبعض نواحى التجريم
والعقاب، ولا تعتبر القرارات التى تصدرها الجهة التى حددها المشرع لممارسة هذا الاختصاص
من قبيل اللوائح التفويضية المنصوص عليها فى المادة 108 من الدستور، ولا هى من اللوائح
التنفيذية التى نظمتها المادة 144 منه، وإنما مرد الامر بالنسبة إليها إلى المادة 66
من الدستور التى لا تتخلى السلطة التشريعية بموجبها كلية عن اختصاصاتها بتأثيم الأفعال
التى يعد ارتكابها جريمة وتقرير العقوبة المناسبة لها، وإنما تعهد إلى السلطة التنفيذية
بتحديد بعض جوانبها على ما تقدم، ومن ثم يكون قرار وزير التموين رقم 238 لسنة 1986
– المطعون فيه – صادرا فى حدود التفويض المنصوص عليه فى المادة 66 من الدستور، ملتزما
أحكامه مترسما خطاه، ولا يعد تجريمه تداول بعض السلع أو التعامل فيها أو حيازتها بقصد
الاتجار عملا مخالفا للدستور.
3 – لئن كان الدستور قد نص فى المادة 66 منه على أنه لا عقاب على الأفعال اللاحقة لتاريخ
نفاذ القانون الذى ينص عليها، مقررا بموجبها قاعدة عدم رجعية القوانين العقابية، مؤكدا
كذلك هذه القاعدة بما قررته المادة 187 منه من أن الأصل فى أحكام القوانين هو سريانها
من تاريخ العمل بها، وعدم جواز إعمال أثرها فيما وقع قبلها، وأنه لا خروج على هذا الأصل
إلا بنص خاص، وفى غير المواد الجنائية، وبموافقة أغلبية أعضاء السلطة التشريعية فى
مجموعهم، وذلك توقيا لتقرير عقوبة على فعل كان مباحا حين ارتكابه، أو تغليظها على فعل
كانت عقوبته أخف، وكان مبدأ عدم رجعية القوانين العقابية يقيد السلطة التشريعية إعمالا
لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، وصونا للحرية الشخصية بما يرد كل عدوان عليها، إلا
أن هذا المبدأ لا يعمل منفردا، بل تكمله وتقوم إلى جانبه قاعدة أخرى هى رجعية القانون
الأصلح للمتهم، وهى قاعدة مؤداها إفادته من النصوص التى تمحو عن الفعل صفته الاجرامية،
أو تنزل بالعقوبة المفروضة جزاء على ارتكابه، إلى ما دونها.
4 – مؤدى رجعية النصوص العقابية الأصلح للمتهم هو سريانها بأثر رجعى – ومنذ صدورها
– على الجريمة التى ارتكبها من قبل، وذلك لانتفاء الفائدة الاجتماعية التى كان يرجى
بلوغها من وراء تقرير العقوبة وتوقيعها عليه.
5 – لئن كان الدستور لا يتضمن بين أحكامه مبدأ رجعية القوانين الأصلح للمتهم، إلا أن
القاعدة التى يرتكز عليها هذا المبدأ، تفرضها المادة 41 منه، التى تقرر أن الحرية الشخصية
حق طبيعى، وأنها مصونة لا تمس، ذلك أن مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات وما اتصل به من
عدم جواز تقرير رجعية النصوص العقابية، غايته حماية الحرية الفردية وصونها من العدوان
عليها فى إطار من الموازنة بين موجباتها من ناحية، وما يعتبر لازما لحماية مصلحة الجماعة
والتحوط لنظامها العام من ناحية أخرى. وفى إطار هذه الموازنة وعلى ضوئها، تكون رجعية
القوانين الأصلح للمتهم ضرورة حتمية يقتضيها صون الحرية الفردية بما يرد عنها كل قيد
غدا تقريره مفتقرا إلى أية مصلحة اجتماعية. ويتحقق ذلك بوجه خاص حين ينتقل القانون
الجديد بالفعل كلية من منطقة التجريم إلى دائرة الإباحة – وهى الأصل – مقررا أن ما
كان مؤثما لم يعد كذلك، وأن الفلسفة التى كان القانون القديم ينطلق منها معاقبا على
كل فعل يناقضها، قد أسقطتها فلسفة جديدة اعتنقتها الجماعة فى واحد من أطوار تقدمها،
بما مؤداه انتفاء الضرورة الاجتماعية الكامنة وراء انفاذ أحكامه. ويتعين بالتالى –
وكلما صدر قانون جديد يعيد الأوضاع إلى حالها قبل التجريم – أن ترد إلى أصحابها الحرية
التى كان القانون القديم ينال منها، وأن يرتد هذا القانون بالتالى على عقبيه إعلاء
لقيم القانون الجديد.
6 – لا تخل رجعية القانون الأصلح بالنظام العام، بل هى أدعى إلى تثبيته بما يحول دون
انفراط عقده، على تقدير أن إعماله منذ صدوره أكفل لحقوق المخاطبين بالقانون القديم
وأصون لحرياتهم.
7 – إذ كان وزير التموين – فى إطار اتجاه الدولة المتنامى خلال الحقبة الأخيرة إلى
تحرير سياستها الاقتصادية من القيود التى كانت تحكم بها قبضتها على حرية ارتياد الآفاق
الاقتصادية واقتحام مجالاتها المختلفة، ومن بينها التجارة الخارجية والداخلية معا –
قد ألغى تنظيما سابقا يقوم على حظر تداول إحدى السلع أو التعامل فيها أو حيازتها بقصد
الاتجار، وكان هذا التنظيم غير مقيد بفترة زمنية موقوتة، بل كان العمل به ممتدا فى
الزمان، وكان يمكن أن يظل نفاذه قائما إلى غير حد لو لم تعدل الدولة عن فلسفتها الاقتصادية
القديمة القائمة على تدخلها فى توجيه الاقتصاد القومى وإدارتها زمام الأمر فيه، وإعاقتها
القطاع الخاص عن مباشرة دوره الراشد فى مجال التنمية الاقتصادية، وإعراضها عن الخضوع
لقوانين السوق وآلياته، والتى كان تبنيها مؤديا إلى تعثر خطاها، وتراجعها عن الوفاء
بطموحاتها، وانتكاس إرادة الإقدام التى لا بديل عنها للتقدم، متى كان ذلك، فإن إلغاء
وزير التموين لهذا التنظيم يتحقق به معنى القانون الأصلح للمتهم.
8 – إذ كان قرار وزير التموين والتجارة الداخلية قد محا عن الأفعال التى أثمها القرار
المطعون فيه صفتها الاجرامية، وأدخلها فى دائرة الأفعال المباحة، وردها بذلك إلى المشروعية،
وكان قضاء المحكمة الدستورية العليا قد جرى على أن المصلحة الشخصية المباشرة تعد شرطا
لقبول الدعوى الدستورية، ومناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة فى
الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم فى المسألة الدستورية لازما للفصل فى الطلبات
المرتبطة بها المطروحة على محكمة الموضوع. متى كان ذلك، وكانت الواقعة محل الاتهام
الجنائى – والتى كان القرار المطعون فيه قد أثمها – لم تعد معاقبا عليها، فإن مصلحة
المدعى فى الدعوى تكون قد انتفت بعد أن غض المشرع بصره عن منهجية اقتصادية سابقة خرج
القرار المطعون فيه من صلبها، الأمر الذى يتعين معه الحكم بعدم قبول الدعوى.
الإجراءات
بتاريخ 23 يناير سنة 1991 أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب
المحكمة طالبا الحكم بعدم دستورية قرار وزير التموين والتجارة الداخلية رقم 238 لسنة
1986.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرا برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة اصدار الحكم فيها بجلسة
اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل فى أن النيابة
العامة قدمت المدعى – وآخرين – إلى المحاكمة الجنائية أمام محكمة أمن الدولة "طوارئ"
بالاسكندرية فى قضية الجنحة رقم 299 لسنة 1990 الرمل بوصف أنهم فى يوم 22 فبراير سنة
1990 بدائرة قسم الرمل حازوا بقصد الاتجار الياميش المبين بالمحضر (كمبوت) وطلبت عقابهم
بمواد المرسوم بقانون رقم 95 لسنة 1945 الخاص بشئون التموين، والمادتين الأولى والثالثة
من قرار وزير التموين والتجارة الداخلية رقم 238 لسنة 1986 بحظر تداول الياميش المستورد.
دفع المدعى بعدم دستورية القرار المشار إليه، وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية الدفع، فقد
صرحت للمدعى باتخاذ إجراءات الطعن بعدم الدستورية، فأقام الدعوى الماثلة طالبا الحكم
بعدم دستورية قرار وزير التموين والتجارة الداخلية رقم 238 لسنة 1986 – المشار إليه
– بمقولة مخالفته أحكام المواد 2، 4، 40 من الدستور.
وحيث إن المادة الأولى من المرسوم بقانون رقم 95 لسنة 1945 الخاص بشئون التموين قد
خولت وزير التموين لضمان تموين البلاد بالمواد الغذائية وغيرها، ولتحقيق العدالة فى توزيعها، أن يتخذ بقرارات يصدرها – بموافقة لجنة التموين العليا – كل أو بعض التدابير
التى حددتها هذه المادة، ويندرج تحتها فرض قيود على إنتاج أية سلعة أو تداولها أو استهلاكها
بما فى ذلك توزيعها، وكذلك على نقلها من جهة إلى أخرى. ونصت الفقرة الرابعة من المادة
56 على أن يعاقب بالعقوبات المنصوص عليها فى هذه المادة على مخالفة أحكام قرارات وزير
التموين والتجارة الداخلية الصادرة تنفيذا لهذا القانون، ويجوز أن ينص فى تلك القرارات
على عقوبات أقل….
وحيث إن البين من النصوص المتقدمة أن المشرع عهد إلى وزير التموين اتخاذ كل أو بعض
التدابير التى نص عليها لضمان توفير المواد التموينية، ولتحقيق العدالة فى توزيعها،
وخوله – فى نطاق هذه التدابير – أن يقرر عقوبة على مخالفتها تكون أقل من تلك المنصوص
عليها فى المرسوم بقانون رقم 95 لسنة 1945 المشار إليه. وهذا النهج هو ما احتذاه كذلك
المرسوم بقانون رقم 163 لسنة 1950 الخاص بشؤون التسعير الجبرى، إذ خول وزير التموين
فى المادة 5 منه أن يتخذ بقرارات يصدرها التدابير المتعلقة بتعيين المقادير التى يجوز
شراؤها أو تملكها أو حيازتها من أية سلعة، وبتقرير الوسائل اللازمة لتعيين مواصفاتها،
ومنع التلاعب بأسعارها. كما أحال فى الفقرة الأخيرة من المادة 9 إلى العقوبات المنصوص
عليها فى فقرتها الأولى، ونص على توقيعها على مخالفة القرارات التى يصدرها وزير التموين
تنفيذا للمادة 5. وخول وزير التموين كذلك تقرير عقوبة أقل جزاء على مخالفة التدابير
المتخذة وفقا لها.
وحيث إنه إعمالا للرخصة المخولة لوزير التموين فى النطاق المتقدم، أصدر هذا الوزير
القرار رقم 238 لسنة 1986 مانعا بموجبه تداول الياميش المستورد – بأصنافه التى عينها
فى الجدول المرافق لهذا القرار، ومن بينها الثمار المجمدة والمحفوظة والمجففة بكافة
أنواعها – وكذلك التعامل فيها أو حيازتها بقصد الاتجار، ومحيلا فى مادته الثالثة –
وكجزاء على مخالفة هذا الحظر – إلى العقوبات المنصوص عليها فى المرسوم بقانون رقم 95
لسنة 1945 الخاص بشئون التموين. متى كان ذلك، وكان إصدار وزير التموين لقراره سالف
البيان، لا يتضمن مخالفة لنص المادة 66 من الدستور التى تنص على أنه "لا جريمة ولا
عقوبة إلا بناء على قانون" – ذلك أن المقصود من هذا النص – وعلى ما جرى عليه قضاء هذه
المحكمة – توكيد ما جرى عليه العمل من تفويض السلطة التنفيذية – فى الحدود وبالشروط
التى يبينها القانون، فى أن تعين بقراراتها اللائحية بعض نواحى التجريم والعقاب، ولا
تعتبر القرارات التى تصدرها الجهة التى حددها المشرع لممارسة هذا الاختصاص من قبيل
اللوائح التفويضية المنصوص عليها فى المادة 108 من الدستور، ولا هى من اللوائح التنفيذية
التى نظمتها المادة 144 منه، وإنما مرد الأمر فيها إلى المادة 66 من الدستور التى لا
تتخلى السلطة التشريعية بموجبها كلية عن اختصاصاتها بتأثيم الأفعال التى يعد ارتكابها
جريمة وتقرير العقوبة المناسبة لها، وإنما تعهد إلى السلطة التنفيذية بتحديد بعض جوانبها
على ما تقدم. ومن ثم يكون قرار وزير التموين رقم 238 لسنة 1986 – المطعون فيه – صادرا
فى حدود التفويض المنصوص عليه فى المادة 66 من الدستور ملتزما أحكامه مترسما خطاه،
ولا يعد تجريمه تداول بعض السلع أو التعامل فيها أو حيازتها بقصد الاتجار عملا مخالفا
للدستور.
وحيث إنه كان القرار رقم 238 لسنة 1986 – المشار إليه – قد صدر مستوفيا شرائط صحته
الدستورية، إلا أن مصدره ألغاه بقرار لاحق هو القرار رقم 52 لسنة 1991 الذى حظر فى
مادته الأولى على غير شركات المستلزمات السياحية تداول الياميش المستورد – بأصنافه
المحددة بالكشف المرافق لهذا القرار – أو التعامل فيه أو حيازته بقصد الاتجار، وأجاز
– من ناحية أخرى – للمنشآت الفندقية والسياحية الخاضعة لأحكام القانون رقم 1 لسنة 1973،
وكذلك المصانع التى تدخل هذه الأصناف فى منتجاتها، حيازتها بقصد التصنيع دون الاتجار.
وحدد فى مادته الثانية العقوبة التى فرضها على مخالفة أحكامه. ثم أصدر وزير التموين
القرار رقم 571 لسنة 1991 معدلا بموجبه الجدول المرافق للقرار رقم 52 لسنة 1991، والمتضمن
بيان أنواع الياميش المستورد المحظورة تداولا وتعاملا وحيازة بقصد الاتجار. وأخيرا
– وبتاريخ 30 يناير سنة 1992 – صدر قرار وزير التموين والتجارة الداخلية رقم 87 لسنة
1992 ملغيا فى مادته الأولى القرار رقم 52 لسنة 1991 وتعديله، ومقررا فى مادته الثانية
العمل به من تاريخ نشره فى الجريدة الرسمية بما مؤاده أن الياميش المستورد – بكافة
أنواعه ومختلف أصنافه – قد أضحى – ابتداء من 30 يناير سنة 1992 – سلعة مُبَاحٌ تداولها
والتعامل فيها وحيازتها بقصد الاتجار، ويتعين بالتالى تطبيقه على الوقعة محل الاتهام
الجنائى الماثل باعتباره أصلح للمتهم، ذلك أن الدستور وإن نص فى المادة 66 منه على
أنه لا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون الذى ينص عليها، مقررا بموجبها
قاعدة عدم رجعية القوانين العقابية، مؤكدا كذلك هذه القاعدة بما قررته المادة 187 منه
من أن الأصل فى أحكام القوانين هو سريانها من تاريخ العمل بها، وعدم جواز إعمال أثرها
فيما وقع قبلها، وأنه لا خروج على هذا الأصل إلا بنص خاص، وفى غير المواد الجنائية،
وبموافقة أغلبية اعضاء السلطة التشريعية فى مجموعهم وذلك توقيا لتقرير عقوبة على فعل
كان مباحا حين ارتكابه، أو تغليظها على فعل كانت عقوبته أخف، وكان مبدأ عدم رجعية القوانين
العقابية يقيد السلطة التشريعية إعمالا لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، وصونا للحرية
الشخصية بما يرد كل عدوان عليها، إلا أن هذا المبدأ لا يعمل منفردا، بل تكمله وتقوم
إلى جانبه قاعدة أخرى هى رجعية القانون الأصلح للمتهم، وهى قاعدة مؤداها إفادته من
النصوص التى تمحو عن الفعل صفته الإجرامية، أو تنزل بالعقوبة المفروضة جزاء على ارتكابه،
إلى ما دونه، وهو ما قررته المادة 5 من قانون العقوبات التى تقضى بأن "يعاقب على الجرائم
بمقتضى القوانين المعمول بها وقت ارتكابها. ومع ذلك إذا صدر بعد وقوع الفعل وقبل الحكم
فيه نهائيا قانون أصلح للمتهم فهو الذى يتبع دون غيره. وإذا صدر قانون بعد حكم نهائى
يجعل الفعل الذى حكم على المجرم من أجله غير معاقب عليه، يوقف تنفيذ الحكم وتنتهى آثاره
الجنائية. غير أنه فى حالة قيام إجراءات الدعوى أو صدور حكم بالإدانة فيها، وكان ذلك
عن فعل وقع مخالفا لقانون ينهى عن ارتكابه فى فترة محددة، فإن انتهاء هذه الفترة لا
يحول دون السير فى الدعوى أو تنفيذ العقوبة المحكوم بها". متى كان ذلك، وكان مؤدى رجعية
النصوص العقابية الأصلح للمتهم هو سريانها بأثر رجعى – ومنذ صدورها – على الجريمة التى
ارتكبها من قبل، وذلك لانتفاء الفائدة الاجتماعية التى كان يرجى بلوغها من وراء تقرير
العقوبة وتوقيعها عليه. ولئن كان الدستور لا يتضمن بين أحكامه مبدأ رجعية القوانين
الأصلح للمتهم، إلا أن القاعدة التى يرتكز عليها هذا المبدأ تفرضها المادة 41 من الدستور
التى تقرر أن الحرية الشخصية حق طبيعى وأنها مصونة لا تمس. ذلك أن مبدأ شرعية الجرائم
والعقوبات وما اتصل به من عدم جواز تقرير رجعية النصوص العقابية، غايته حماية الحرية
الفردية وصونها من العدوان عليها فى اطار من الموازنة بين موجباتها من ناحية، وما يعتبر
لازما لحماية مصلحة الجماعة والتحوط لنظامها العام من ناحية أخرى. وفى إطار هذه الموازنة
وعلى ضوئها، تكون رجعية القوانين الأصلح للمتهم ضرورة حتمية يقتضيها صون الحرية الفردية
بما يرد عنها كل قيد غدا تقريره مفتقرا إلى أية مصلحة اجتماعية. ويتحقق ذلك بوجه خاص
حين ينتقل القانون الجديد بالفعل كلية من منطقة التجريم إلى دائرة الإباحة – وهى الأصل
– مقررا أن ما كان مؤثما لم يعد كذلك، وأن الفلسفة التى كان القانون القديم ينطلق منها
ويعاقب على كل فعل يناقضها قد أسقطتها فلسفة جديدة اعتنقتها الجماعة فى واحد من أطوار
تقدمها، بما مؤداه انتفاء الضرورة الاجتماعية الكامنة وراء إنفاذ أحكامه، وحمل المخاطبين
بها على الرضوخ له، ويتعين بالتالى – وكلما صدر قانون جديد يعيد الأوضاع إلى حالها
قبل التجريم – أن ترد إلى أصحابها الحرية التى كان القانون القديم ينال منها، وأن يرتد
هذا القانون بالتالى على عقبيه إعلاء لقيم القانون الجديد. ولا إخلال فى ذلك بالنظام
العام، ذلك أن رجعية القانون الأصلح للمتهم، أدعى إلى تثبيته بما يحول دون انفراط عقده
على تقدير أن إعماله منذ صدوره أكفل لحقوق المخاطبين بالقانون القديم وأصون لحرياتهم.
إذ كان ما تقدم، وكان قرار وزير التموين والتجارة الداخلية رقم 87 لسنة 1992 قد ألغى
تنظيما سابقا جرم أفعالا بذاتها تتصل بالياميش المستورد، هى تلك المتعلقة بتداول بعض
أنواعه أو التعامل فيها أو حيازتها بقصد الاتجار، وكان التنظيم الجديد قد تقرر فى إطار
اتجاه الدولة المتنامى خلال الحقبة الأخيرة إلى تحرير سياستها الاقتصادية من القيود
التى كانت تحكم بها قبضتها على حرية ارتياد الآفاق الاقتصادية واقتحام مجالاتها المختلفة،
ومن بينها التجارة الخارجية والداخلية معا، وكان القرار المطعون فيه وما أعقبه من قرارات
تدور فى فلكه أصدرها وزير التموين، وأن اختلف مداها – تغليظا وتخفيفا، شدة ويسرا على
التفصيل السالف بيانه – إلا أنها جميعا – وإلى ما قبل صدور القرار رقم 87 لسنة 1992
– كانت تعكس سياسة سابقة قوامها تدخل الدولة فى توجيه الاقتصاد القومى، وإدارتها زمام
الأمر فيه، وإعاقتها القطاع الخاص عن مباشرة دوره الراشد فى مجال التنمية الاقتصادية،
وإعراضها عن الخضوع لقوانين السوق وآلياته، وكان البين من هذه القرارات التى أثم بها
وزير التموين تداول الياميش أو التعامل فيه أو حيازته بقصد الاتجار، أن تطبيقها كان
غير مقيد بفترة زمنية موقوتة، بل كان العمل بها ممتدا فى الزمان، وكان يمكن أن يظل
نفاذها قائما إلى غير حد لو لم تعدل الدولة عن فسفتها الاقتصادية القديمة التى كان
تبنيها مؤديا إلى تعثر خطاها، وتراجعها عن الوفاء بطموحاتها، وانتكاس إرادة الإقدام
التى لا بديل عنها للتقدم. إذ كان ذلك، وكان قرار وزير التموين والتجارة الداخلية رقم
87 لسنة 1992 – المشار إليه – قد محا عن الأفعال التى أثمها القرار المطعون فيها صفتها
الإجرامية وأدخلها فى دائرة الأفعال المباحة، وردها بذلك إلى المشروعية، وكان قضاء
هذه المحكمة قد جرى على أن المصلحة الشخصية المباشرة تعد شرطا لقبول الدعوى الدستورية،
ومناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة فى الدعوى الموضوعية، وذلك
بأن يكون الحكم فى المسألة الدستورية لازما للفصل فى الطلبات المرتبطة بها المطروحة
على محكمة الموضوع. متى كان ذلك، وكان البين مما تقدم أن الواقعة محل الاتهام الجنائى والتى كان القرار المطعون فيه قد أثمها لم تعد معاقبا عليها بعد صدور قرار وزير التموين
والتجارة الداخلية رقم 87 لسنة 1992 المشار إليه، فإن مصلحة المدعى فى الدعوى الماثلة
تكون قد انتفت بعد أن غض المشرع بصره عن منهجية اقتصادية سابقة خرج القرار المطعون
فيه من صلبها، الأمر الذى يتعين معه الحكم بعدم قبول الدعوى.
فلهذه الأسباب:
حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى، وبمصادرة الكفالة، والزمت المدعى المصروفات، ومبلغ ثلاثين جنيها مقابل أتعاب المحاماه.
