الرئيسية الاقسام القوائم البحث

قاعدة رقم الطعن رقم 39 لسنة 9 قضائية “دستورية” – جلسة 07 /11 /1992 

أحكام المحكمة الدستورية العليا ـ الجزء الخامس (المجلد الثانى)
من أول يوليو 1992 حتى آخر يونيو 1993 – صـ 47

جلسة 7 نوفمبر سنة 1992

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة، وحضور السادة المستشارين: الدكتور محمد ابراهيم أبو العينين ومحمد ولى الدين جلال وفاروق عبد الرحيم غنيم وسامى فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد على سيف الدين – أعضاء، وحضور السيد المستشار/ محمد خيرى طه عبد المطلب – المفوض، وحضور السيد/ رأفت محمد عبد الواحد – أمين السر.

قاعدة رقم
القضية رقم 39 لسنة 9 قضائية "دستورية"

1ـ المحكمة الدستورية العليا "اختصاصاتها".
عهد الدستور إلى المحكمة الدستورية العليا بتولى الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح على الوجه المبين فى القانون. وقد فصل قانون المحكمة ما يدخل فى ولايتها حصرا، مستبعدا من مهامها ما لا يندرج تحتها، فخولها اختصاصا منفردا بمباشرة الرقابة القضائية على دستورية النصوص التشريعية التى تتولد عنها مراكز قانونية عامة، وذلك أيا كانت الجهة التى أقرتها أو أصدرتها وسواء تضمنتها التشريعات الأصلية أو الفرعية.
2ـ القرارات الإدارية الفردية "الرقابة على دستوريتها" "جهة الاختصاص بها" "علة عدم امتداد ولاية المحكمة الدستورية العليا إليها".
لا تمتد الرقابة القضائية التى تباشرها المحكمة الدستورية العليا إلى القرارات الإدارية الفردية مهما بلغ خطرها أو درجة انحرافها عن أحكام الدستور، ذلك أن هذه الرقابة تنحصر فى القانون بمعناه الموضوعى الأعم محددا على ضوء النصوص التشريعية التى تتولد عنها مراكز قانونية عامة مجردة، ولا كذلك القرارات الإدارية الفردية إذ لا تعدو المراكز التى تنشئها أو تعدلها أن تكون مراكز فردية أو خاصة تقتصر آثارها على أشخاص معينين بذواتهم، ومن ثم تكون محاكم مجلس الدولة هى جهة الاختصاص بمراقبة دستوريتها.
3ـ قرار بقانون "أوضاعه الشكلية".
ما تنص عليه المادة 108 من الدستور من وجوب عرض القرارات بقوانين الصادرة وفقا لحكمها على السلطه التشريعية فى أول جلسة بعد انتهاء مدة التفويض، يندرج تحت المطاعن الشكلية لاتصاله بإجراء يتطلبه الدستور فى كل قرار بقانون يصدر بناء على تفويض.
4ـ قرار بقانون "علة عرضه على السلطة التشريعية ـ جزاء إغفال هذا العرض".
يعتبر عرض القرار بقانون على السلطة التشريعية لازما لضمان مراقبتها للكيفية التى مارس بها رئيس الجمهورية الاختصاص المفوض فيه، وهو شرط تزول بتخلفه ـ وبأثر رجعى ـ قوة القانون التى كان القرار بقانون متمتعا بها عند صدوره إذا ما نص الدستور على هذا الجزاء.
5ـ قرار بقانون "أوضاعه الشكلية ـ الدستور الذى يحكمها".
جرى قضاء المحكمة الدستورية العليا على أن الأوضاع الشكلية للنصوص التشريعية، إنما تتحدد على ضوء ما قررته فى شأنها أحكام الدستور المعمول بها عند صدورها.
6ـ تشريع "عيوبه الشكلية والموضوعية ـ أبعاد الرقابة القضائية بالنسبة إلى كل منها".
جرى قضاء هذه المحكمة على أن استيفاء النصوص التشريعية لأوضاعها الشكلية أمر سابق بالضرورة على خوضها فى عيوبها الموضوعية، انطلاقا من أن الأوضاع الشكلية للنصوص التشريعية هى من مقوماتها كقواعد قانونية لا يكتمل كيانها أصلا فى غيبة متطلباتها الشكلية، وذلك على خلاف العيوب الموضوعية التى لا يتصور أن تتناولها المحكمة إلا إذا ثبت لديها اكتمال الأوضاع الشكلية للنص التشريعى المطعون عليه.
7ـ دعوى دستورية "المصلحة فيها".
إذا طعن فى دستورية قانون سبق للمحكمة الدستورية العليا الحكم بعدم دستوريته، فإن المصلحة فى الدعوى الدستورية تصبح منتفية ويتعين الحكم بعدم قبولها، ذلك أن الأحكام الصادرة فى الدعاوى الدستورية تحوز حجية مطلقة فى مواجهة الكافة، وبالنسبة إلى الدولة بكامل سلطاتها وعلى امتداد تنظيماتها المختلفة.
1ـ عقد الدستور الفصل الخامس من بابه الرابع للمحكمة الدستورية العليا، وعهد إليها فى المادة 175 منه ـ دون غيرها ـ بتولى الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح على الوجه المبين فى القانون، ثم صدر قانون هذه المحكمة مبينا اختصاصاتها محددا ما يدخل فى ولايتها حصرا، مستبعدا من مهامها ما لا يندرج تحتها، فخولها اختصاصا منفردا بالرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح، مانعا أية جهة من مزاحمتها، مفصلا طرائق هذه الرقابة وكيفية أعمالها، وذلك كله على النحو المنصوص عليه فى المواد 25، 27، 29، منه، وهى قاطعة فى دلالتها على أن اختصاص المحكمة فى مجال الرقابة على الدستورية منحصر فى النصوص التشريعية أيا كان موضعها، أو نطاق تطبيقها، أو الجهة التى أقرتها أو أصدرتها، ذلك أن هذه النصوص هى التى تتولد عنها مراكز قانونية عامة مجردة، وما يميزها كقواعد قانونية، هو أن تطبيقاتها مترامية، ودائرة المخاطبين بها غير متناهية، والآثار المترتبة على ابطالها ـ إذا أهدرتها هذه المحكمة لمخالفتها الدستور ـ بعيدة فى مداها، وتدق دائما ضوابط الرقابة على مشروعيتها الدستورية، وتقارنها محاذير واضحة. وكان لزاما بالتالى أن يؤول أمر هذه الرقابة إلى محكمة واحدة بيدها وحدها زمام إعمالها، كى تصوغ بنفسها معاييرها ومناهجها، وتوازن من خلالها بين المصالح المثارة على اختلافها، وتتولى دون غيرها بناء الوحدة العضوية لأحكام الدستور، بما يكفل تكاملها وتجانسها، ويحول دون تفرق وجهات النظر من حولها، وتباين مناحى الاجتهاد فيها.
2ـ إذ كان الدستور هو القانون الأعلى الذى يرسى الأصول والقواعد التى يقوم عليها نظام الحكم، محددا لكل سلطة عامة وظائفها، مرتبا الحدود والقيود الضابطة لحركتها، مفصلا الحقوق والحريات العامة، كافلا ضماناتها الأساسية، كانت مظنة الخروج على أحكامه لا تنحصر فى النصوص القانونية التى تقرها السلطة التشريعية، بل تتعداها إلى كل قاعدة عامة مجردة أصدرتها السلطة التنفيذية فى إطار صلاحياتها التى ناطها الدستور بها، فإن محل الرقابة القضائية على الدستورية، إنما يتمثل فى القانون بمعناه الموضوعى الأعم محددا على ضوء النصوص التشريعية التى تتولد عنها مراكز قانونية عامة مجردة، سواء وردت هذه النصوص فى التشريعات الأصلية أو الفرعية. ولا كذلك القرارات الإدارية الفردية، إذ لا تمتد إليها هذه الرقابة مهما بلغ خطرها أو درجة انحرافها عن أحكام الدستور، أو وجه خروجها عليه، ذلك أن المراكز القانونية التى تنشئها أو تعدلها، لا تعدو أن تكون مراكز فردية أو خاصة تقتصر آثارها على أشخاص معينين بذواتهم، وأنه وإن صح القول بأن القرارات الإدارية الفردية هى تطبيق لقاعدة قانونية أعلى، إلا أن صدورها إعمالا لها، لا يغير من خصائصها، بل تظل فى محتواها منشئة لمراكز فردية أو ذاتية أو معدلة لها، وهى مراكز تختلف بالضرورة عن ذلك المركز القانونى العام المجرد المتولد عن القانون.
3ـ النعى على القرار بقانون رقم 182 لسنة 1960 فى شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها، مخالفته لنص المادة 108 من الدستور التى توجب عرض القرارات بقوانين الصادرة وفقا لحكمها على السلطة التشريعية فى أول جلسة بعد انتهاء مدة التفويض، يندرج تحت المطاعن الشكلية لاتصاله بإجراء يتطلبه الدستور فى كل قرار بقانون يصدر بناء على تفويض.
4ـ حدد الدستور ميعادا حتميا يعرض خلاله القرار بقانون على السلطة التشريعية لضمان مراقبتها للكيفية التى مارس بها رئيس الجمهورية الاختصاص المفوض فيه، ويعتبر هذا العرض شرطا تزول بتخلفه ـ وبأثر رجعى ـ قوة القانون التى كان القرار بقانون متمتعا بها عند صدوره إذا ما نص الدستور على هذا الجزاء ورتبه على إغفال عرض القرار بقانون على السلطة التشريعية.
5ـ جرى قضاء هذه المحكمة أن الأوضاع الشكلية للنصوص التشريعية، إنما تتحدد على ضوء ما قررته فى شأنها احكام الدستور المعمول بها عند صدورها.
6ـ من المقرر فى قضاء هذه المحكمة أن الرقابة التى تباشرها على دستورية القوانين واللوائح، غايتها أن ترد المحكمة إلى قواعد الدستور كافة النصوص التشريعية المطعون عليها، وأن سبيلها إلى ذلك هو أن تفصل بأحكامها النهائية فى الطعون الموجهة إليها شكلية كانت أم موضوعية، وأن يكون استيثاقها من استيفاء هذه النصوص لأوضاعها الشكلية أمرا سابقا بالضرورة على خوضها فى عيوبها الموضوعية، انطلاقا من أن الأوضاع الشكلية للنصوص التشريعية هى من مقوماتها كقواعد قانونية لا يكتمل كيانها أصلا فى غيبة متطلباتها الشكلية، وذلك خلافا للعيوب الموضوعية التى تقوم فى مبناها على مخالفة النصوص المطعون عليها لقاعدة فى الدستور من حيث محتواها الموضوعى، وهو ما يفترض لزوما اكتمال أوضاعها الشكلية، وإن شابها عوار خروجها على الأحكام الموضوعية فى الدستور. بما مؤداه أن الفصل فى التعارض المدعى به بين نص تشريعى وقاعدة موضوعية فى الدستور سواء بتقرير قيام المخالفة المدعى بها أو بنفيها، إنما يعد قضاء فى موضوعها منطويا لزوما على استيفاء النص التشريعى المطعون عليه للأوضاع الشكلية التى تطلبها الدستور، ومانعا من العودة لبحثها. متى كان ذلك، وكانت المادة 32 من القرار بقانون رقم 182 لسنة 1960 ـ التى تخول وزير الصحة تعديل جدول المواد المخدرة الملحق به ولو بإضافة مادة جديدة إليه تجعل من حيازتها أو إحرازها أو الاتجار فيها جريمة معاقبا عليها قانونا ـ قد طعن بعدم دستوريتها فى القضية رقم 15 لسنة 1 قضائية بمقولة مخالفة حكمها للمادة 66 من الدستور التى تنص على أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون. وإذ خلص قضاء هذه المحكمة الصادر فى تلك القضية فى 9 مايو سنة 1981 والذى نشر فى الجريدة الرسمية بتاريخ 28 مايو سنة 1981 ـ إلى رفض هذا الوجه من النعى الذى ينحل فى حقيقته إلى عوار موضوعى، وكانت العيوب الشكلية ـ وبالنظر إلى طبيعتها ـ لا يتصور أن يكون بحثها تاليا للخوض فى المطاعن الموضوعية، ولكنها تتقدمها وتتحراها هذه المحكمة دوما بلوغا لغاية الأمر فيها ولو كان نطاق الطعن المعروض عليها محددا فى إطار المطاعن الموضوعية دون سواها. متى كان ذلك، وكان قضاء المحكمة فى القضية رقم 15 لسنة 1 قضائية المشار إليه ـ قد فصل فى عوار موضوعى على النحو الذى قدمناه، فإنه يكون متضمنا بالضرورة تحقق المحكمة من استيفاء القرار بقانون المطعون عليه لأوضاعه الشكلية، إذ لو كان الدليل على تخلفها قد توافر لديها لسقط هذا القرار بقانون برمته، ولامتنع عليها الخوض فى اتفاق بعض مواده أو مخالفتها لأحكام الدستور الموضوعية.
7ـ لما كان قضاء هذه المحكمة ـ فيما فصل فيه فى القضية رقم 15 لسنة 1 قضائية المشار اليها ـ يحوز حجية مطلقة فى مواجهة الكافة وبالنسبة إلى الدولة بكامل سلطاتها وعلى امتداد تنظيماتها المختلفة، وهى حجية تحول بذاتها دون المجادلة فيه أو السعى لنقضه من خلال إعادة طرحه على هذه المحكمة لمراجعته، فإن مصلحة المدعين ـ فى طلبهم الاحتياطى ـ تكون منتفية الأمر الذى يتعين معه الحكم بعدم قبول الدعوى بالنسبة إليهم.


الإجراءات

بتاريخ 31 ديسمبر سنة 1987 أودع المدعى قلم كتاب هذه المحكمة صحيفة الدعوى الماثلة طالبا اصليا الحكم بعدم دستورية قرار تعيين السيد المستشار/ ………، واحتياطيا الحكم بعدم دستورية القرار بقانون رقم 182 لسنة 1960 فى شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرا برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة اصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
وحيث إن الوقائع ـ على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق ـ تتحصل فى أن المدعين كانوا قد أقاموا الدعوى رقم 1095 لسنة 1985 مدنى كلى جنوب القاهرة ضد السيد المستشار/ ………….. طالبين فيها الحكم بعدم صلاحيته للعمل القضائى، وبالتالى بطلان الحكم الصادر فى الدعوى رقم 1980 لسنة 1983 جنايات السويس وغيرها من الدعاوى التى أشاروا اليها فى صحيفة الدعوى الماثلة. وإذ دفع المدعون أمام محكمة الموضوع بعدم دستورية قرار تعيين السيد المستشار المذكور وكذلك قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 182 لسنة 1960 فى شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها، وكانت محكمة الموضوع قد قدرت جدية دفعهم وصرحت لهم برفع الدعوى الدستورية، فقد أقاموا الدعوى الماثلة بطلب الحكم أصليا بعدم دستورية قرار تعيين ذلك المستشار، واحتياطيا الحكم بعدم دستورية القرار بقانون رقم 182 لسنة 1960 المشار إليه.
وحيث إن المدعين أقاموا ادعاءهم مخالفة قرار تعيين أحد السادة المستشارين للدستور، على قالة أن قراراته ارتجالية وكذلك حيثيات أحكامه مما أخل بالمساواة فى الضمانات القضائية بينهم وبين غيرهم ممن يقدمون إلى المحاكمة الجنائية. ومرد ذلك إلى قصور ثقافته القانونية وقدراته الذهنية، قصورا دائما لا عرضيا، ثابتا وليس طارئا، وآية ذلك تصديه بغرور إلى قضية لا يدخل الفصل فيها فى مجال تخصصه، وإهداره قوة الأمر المقضى لإغفاله قضاء ضمنيا بعدم الاختصاص الدولى سبق أن صدر فى هذه القضية ذاتها إذ كانت الباخرة التى تم ضبط المواد المخدرة فيها وراء الحدود الخارجية للبحر الإقليمى للدولة حين جرى ضبطها. هذا بالإضافة إلى قضائه بأن كل من كان فى هذه الباخرة يعتبر مسئولا عن المواد المخدرة المضبوطة فيها ولو لم تكن فى حيازته، وتطبيقه أحكام قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 182 لسنة 1960 فى شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها على واقعة الدعوى المعروضة عليه رغم ثبوت مخالفتها للدستور، وانصياعه كذلك لكل أمر يصدر إليه بما يؤثر فى سير العدالة وما يجب أن يتحلى به القضاه فى أدائهم لواجباتهم.
وحيث إن هذا النعى مردود بأن الدستور عقد الفصل الخامس من بابه الرابع للمحكمة الدستورية العليا، وعهد إليها فى المادة 175 منه ـ دون غيرها ـ بتولى الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح على الوجه المبين فى القانون، ثم صدر قانون هذه المحكمة مبينا اختصاصاتها محددا ما يدخل فى ولايتها حصرا، مستبعدا من مهامها ما لا يندرج تحتها، فخولها اختصاصا منفردا بالرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح مانعا أية جهة مزاحمتها، مفصلا طرائق هذه الرقابة وكيفية إعمالها، وذلك كله على النحو المنصوص عليه فى المواد 25، 27، 29، منه، وهى قاطعة فى دلالتها على أن اختصاص المحكمة فى مجال الرقابة على الدستورية، منحصر النصوص التشريعية أيا كان موضعها، أو نطاق تطبيقها، أو الجهة التى أقرتها أو اصدرتها، ذلك أن هذه النصوص هى التى تتولد عنها مراكز قانونية عامة مجردة، وما يميزها كقواعد قانونية، هو أن تطبيقاتها مترامية، ودائرة المخاطبين بها غير متناهية، والآثار المترتبة على إبطالها ـ إذا أهدرتها هذه المحكمة لمخالفتها الدستور ـ بعيدة فى مداها، وتدق دائما ضوابط الرقابة على مشروعيتها الدستورية، وتقارنها محاذير واضحة، وكان لزاما بالتالى أن يؤول أمر هذه الرقابة إلى محكمة واحدة بيدها وحدها زمام إعمالها كى تصوغ بنفسها معاييرها ومناهجها، وتوازن من خلالها بين المصالح المثارة على اختلافها، وتتولى دون غيرها بناء الوحدة العضوية لأحكام الدستور بما يكفل تكاملها وتجانسها، ويحول دون تفرق وجهات النظر من حولها، وتباين مناحى الاجتهاد فيها. إذ كان ذلك وكان الدستور هو القانون الأعلى الذى يرسى الأصول والقواعد التى يقوم عليها نظام الحكم، ويحدد السلطات العامة ويرسم لها وظائفها، ويضع الحدود والقيود الضابطة لحركتها، ويقرر الحقوق والحريات العامة، ويرتب ضماناتها الأساسية، وكانت مظنة الخروج على أحكامه لا تنحصر فى النصوص القانونية التى تقرها السلطة التشريعية، بل تتعداها إلى كل قاعدة عامة مجردة أصدرتها السلطة التنفيذية فى حدود صلاحياتها التى ناطها الدستور بها، فإن محل الرقابة القضائية على الدستورية إنما يتمثل فى القانون بمعناه الموضوعى الأعم محددا على ضوء النصوص التشريعية التى تتولد عنها مراكز قانونية عامة مجردة، سواء وردت هذه النصوص فى التشريعات الأصلية أو الفرعية. ولا كذلك القرارات الإدارية الفردية إذ لا تمتد إليها هذه الرقابة مهما بلغ خطرها أو درجة انحرافها عن أحكام الدستور، أو وجه خروجها عليه، ذلك أن تلك القرارات لا تتولد عنها إلا مراكز قانونية من طبيعته، إذ لا تعدو المراكز القانونية التى تنشئها أو تعدلها أن تكون مراكز فردية أو خاصة تقتصر آثارها على أشخاص معينين بذواتهم، وأنه وإن صح القول بأن القرارات الإدارية الفردية هى تطبيق لقاعدة قانونية أعلى، إلا أن صدورها إعمالا لها لا يغير من خصائصها، بل تظل فى محتواها منشئة لمراكز فردية أو ذاتية أو معدلة لها، وهى مراكز تختلف بالضرورة عن ذلك المركز القانونى العام المجرد المتولد عن القانون. متى كان ذلك تعين القول بأن الفصل فى المخالفة الدستورية المدعى بها فى هذا الوجه من النعى هو مما لا يدخل فى اختصاص هذه المحكمة، وهو ما يجب الحكم به.
وحيث إن المدعين ينعون على القرار بقانون رقم 182 لسنة 1960 فى شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها مخالفته لنص المادة 108 من الدستور التى توجب عرض القرارات بقوانين الصادرة وفقا لحكمها على السلطة التشريعية فى أول جلسة بعد انتهاء مدة التفويض وإلا زال ما كان لها من قوة القانون.
ووحيث إن هذا النعى يندرج تحت المطاعن الشكلية لاتصاله بإجراء يتطلبه الدستور فى كل قرار بقانون يصدر بناء على تفويض، وذلك لضمان مراقبة السلطة التشريعية ـ من خلال عرض القرار بقانون عليها فى الميعاد الذى حدده الدستور ـ للكيفية التى مارس بها رئيس الجمهورية الاختصاص المفوض فيه. كذلك يعتبر هذا العرض شرطا تزول بتخلفه ـ وبأثر رجعى ـ قوة القانون التى كان القرار بقانون متمعا بها عند صدوره إذا ما نص الدستور على هذا الجزاء ورتبه على إغفال عرض القرار بقانون على السلطة التشريعية، وكان من المقرر فى قضاء هذه المحكمة أن الاوضاع الشكلية للنصوص التشريعية، إنما تتحدد على ضوء ما قررته فى شأنها أحكام الدستور المعمول بها عند صدورها، وكان قضاء هذه المحكمة قد جرى كذلك على أن الرقابة التى تباشرها على دستورية القوانين واللوائح، غايتها أن ترد المحكمة إلى قواعد الدستور كافة النصوص التشريعية المطعون عليها، وأن سبيلها إلى ذلك هو أن تفصل بأحكامها النهائية فى الطعون الموجهة إليها شكلية كانت أم موضوعية، وأن يكون استيثاقها من استيفاء هذه النصوص لأوضاعها الشكلية أمرا سابقا بالضرورة على خوضها فى عيوبها الموضوعية انطلاقا من أن الأوضاع الشكلية للنصوص التشريعية هى من مقوماتها كقواعد قانونية لا يكتمل كيانها أصلا فى غيبة متطلباتها الشكلية، وذلك خلافا للعيوب الموضوعية التى تقوم فى مبناها على مخالفة النصوص المطعون عليها لقاعدة فى الدستور من حيث محتواها الموضوعى، وهو ما يفترض لزوما اكتمال أوضاعها الشكلية، وإن شابها عوار خروجها على الأحكام الموضوعية فى الدستور، بما مؤداه أن الفصل فى التعارض المدعى به بين نص تشريعى وقاعدة موضوعية فى الدستور سواء بتقرير قيام المخالفة المدعى بها أو بنفيها، إنما يعد قضاء فى موضوعها منطويا لزوما على استيفاء النص التشريعى المطعون عليه للأوضاع الشكلية التى تطلبها الدستور، ومانعا من العودة لبحثها. متى كان ذلك، وكانت المادة 32 من القرار بقانون رقم 182 لسنة 1960 ـ التى تخول وزير الصحة تعديل جدول المواد المخدرة الملحق به ولو بإضافة مادة جديدة إليه تجعل من حيازتها أو إحرازها أو الاتجار فيها جريمة معاقبا عليها قانونا ـ قد طعن بعدم دستوريتها فى القضية رقم 15 لسنة 1 قضائية بمقولة مخالفة حكمها للمادة 66 من الدستور التى تنص على أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون. وإذ خلص قضاء هذه المحكمة الصادر فى تلك القضية فى 9 مايو سنة 1981 والذى نشر فى الجريدة الرسمية بتاريخ 28 مايو سنة 1981 ـ إلى رفض هذا الوجه من النعى الذى ينحل فى حقيقته إلى عوار موضوعى، وكانت العيوب الشكلية ـ وبالنظر إلى طبيعتها ـ لا يتصور أن يكون بحثها تاليا للخوض فى المطاعن الموضوعية ولكنها تتقدمها وتتحراها هذه المحكمة دوما بلوغا لغاية الأمر فيه، ولو كان نطاق الطعن المعروض عليها محددا فى إطار المطاعن الموضوعية دون سواها. متى كان ذلك وكان قضاء المحكمة فى القضية رقم 15 لسنة 1 قضائية المشار إليه ـ قد فصل فى عوار موضوعى على النحو الذى قدمناه، فإنه يكون متضمنا بالضرورة تحقق المحكمة من استيفاء القرار بقانون المطعون عليه لأوضاعه الشكلية، إذ لو كان الدليل على تخلفها قد توافر لديها لسقط هذا القرار بقانون برمته ولامتنع عليها الخوض فى اتفاق بعض مواده أو مخالفتها لأحكام الدستور الموضوعية. متى كان ذلك، وكان قضاء هذه المحكمة ـ فيما فصل فيه فى القضية رقم 15 لسنة 1 قضائية المشار إليها ـ إنما يحوز حجية مطلقة فى مواجهة الكافة، وبالنسبة إلى الدولة بكامل سلطاتها وعلى امتداد تنظيماتها المختلفة، وهى حجية تحول بذاتها دون المجادلة فيه أو السعى لنقضه من خلال إعادة طرحه على هذه المحكمة لمراجعته، فإن مصلحة المدعين فى طلبهم الاحتياطى تكون منتفية، الأمر الذى يتعين معه الحكم بعدم قبول الدعوى فى الشق الأخير منها.

فلهذه الأسباب:

حكمت المحكمة بعدم اختصاصها بنظر الدعوى فى شقها المتعلق بالطلب الاصلى، وبعدم قبولها بالنسبة لشقها الخاص بالطلب الاحتياطى، وبمصادره الكفالة، وألزمت المدعى المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات