الرئيسية الاقسام القوائم البحث

قاعدة رقم الطعن رقم 62 لسنة 13 قضائية “دستورية” – جلسة 05 /09 /1992 

أحكام المحكمة الدستورية العليا ـ الجزء الخامس (المجلد الثانى)
من أول يوليو 1992 حتى آخر يونيو 1993 – صـ 31

جلسة 5 سبتمبر سنة 1992

برئاسة المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة، وحضور السادة المستشارين/ الدكتور محمد ابراهيم أبو العينين ومحمد ولى الدين جلال وفاروق عبد الرحيم غنيم وسامى فرج يوسف ومحمد على عبد الواحد والدكتور عبد المجيد فياض – أعضاء، وحضور السيد المستشار/ محمد خيرى طه عبد المطلب – المفوض، وحضور السيد/ رأفت محمد عبد الواحد – أمين السر.

قاعدة رقم
القضية رقم 62 لسنة 13 قضائية "دستورية"

1ـ دعوى دستورية "صحيفتها أو القرار بإحالتها ـ بياناتهما الجوهرية ـ علة إيجابها".
يتعين أن تتضمن صحيفة الدعوى الدستورية أو قرار إحالتها إلى المحكمة الدستورية العليا ـ وعلى ما تنص عليه المادة 30 من قانون المحكمة ـ البيانات الجوهرية التى تكشف بذاتها عن ماهية ونطاق المسألة الدستورية التى يعرض على هذه المحكمة أمر الفصل فيها بما ينفى التجهيل بها كى يحيط كل ذى شأن فيها بجوانبها المختلفة، ولتتاح لهم جميعا ـ على ضوء تعريفهم بأبعاد المسألة الدستورية ـ ابداء ملاحظاتهم ورودهم وتعقيباتهم.
2ـ دعوى دستورية "قابلية المسألة الدستورية التى تطرحها للتعيين".
يكفى لتحقق ما تغياه المشرع من نص المادة 30 من قانون المحكمة الدستورية العليا، أن تكون المسألة الدستورية المطروحة عليها قابلة للتعيين، وذلك بأن تكون الوقائع التى تتضمنها صحيفة الدعوى الدستورية أو قرار إحالتها مفضية إليها، جلية فى دلالة الإفصاح عنها: مثال.
3ـ دعوى دستورية "انصراف التصريح الصادر عن محكمة الموضوع برفع الدعوى الدستورية إلى نطاق معين تتحدد به المسألة الدستورية ـ مؤداه".
إذ كان التصريح الصادر عن محكمة الموضوع برفع الدعوى الدستورية منصرفا إلى نطاق معين تتحدد به المسألة الدستورية، فإن الطعن على ما يجاوز هذا النطاق من الأحكام التى تضمنها التشريع ـ يكون غير مقبول.
4ـ دستور "المادة الثانية منه ـ تعديلها ـ دلالته".
مؤدى المادة الثانية من الدستور بعد تعديلها فى 22 مايو سنة 1980، إنه اعتبارا من تاريخ العمل بهذا التعديل، قيد الدستور السلطة التشريعية فيما تقر من تشريعات، بألا تكون مناقضة لمبادئ الشريعة الإسلامية دون ما إخلال بالضوابط الأخرى التى فرضها الدستور على هذه السلطة فى ممارستها لاختصاصاتها التشريعية. وأساس ذلك، أن كل مصدر ترد إليه النصوص التشريعية أو تكون نابعة منه يتعين بالضرورة أن يكون سابقا فى وجوده على هذه النصوص ذاتها ـ مرجعية مبادئ الشريعة الإسلامية التى أقامها الدستور معيارا للقياس فى مجال الشرعية الدستورية، تفترض لزوما أن تكون النصوص التشريعية التى لا تخل بهذه المبادى، صادرة بعد نشوء قيد المادة الثانية من الدستور.
5ـ شريعة إسلامية ـ شفعة ـ "القرار بقانون رقم 100 لسنة 1964".
القيد المقرر بمقتضى المادة الثانية من الدستور بعد تعديلها فى 22 مايو سنة 1980 ـ لا يتأتى إعماله بالنسبة للتشريعات السابقة عليه، ومنها نص المادة 58 فقرة ثانية من القرار بقانون رقم 100 لسنة 1964 ـ فيما قرره من عدم جواز أخذ العقارات التى يتم التصرف فيها وفقا لأحكامه بالشفعة ـ النعى عليه بمخالفة المادة الثانية من الدستور غير سديد.
1ـ يتعين وفقا لنص المادة 30 من قانون المحكمة الدستورية العليا أن يتضمن القرار الصادر بالإحالة أو صحيفة الدعوى المرفوعة إليها وفقا لحكم المادة السابقة، بيان النص التشريعى المطعون بعدم دستوريته والنص الدستورى المدعى بمخالفته وأوجه المخالفة، وكان ما تغياه المشرع بنص المادة المشار اليها ـ على ما جرى به قضاء هذه المحكمة ـ هو أن يتضمن قرار الإحالة أو صحيفة الدعوى البيانات الجوهرية التى تكشف بذاتها عن ماهية المسألة الدستورية التى يعرض على هذه المحكمة أمر الفصل فيها وكذلك نطاقها، بما ينفى التجهيل بها، كى يحيط كل ذى شأن ـ ومن بينهم الحكومة التى يتعين إعلانها بقرار الإحالة أو بصحيفة الدعوى إعمالا لنص المادة 35 من قانون المحكمة ـ بجوانبها المختلفة، وليتاح لهم جميعا ـ على ضوء تعريفهم بأبعاد المسألة الدستوريه المطروحة عليها ـ إبداء ملاحظاتهم وردودهم وتعقيباتهم فى المواعيد التى حددتها المادة 37 من القانون ذاته، بحيث تتولى هيئة المفوضين ـ بعد انقضاء هذه المواعيد ـ تحضير الموضوع المعروض عليها، وإعداد تقرير يشتمل على زواياه المختلفة، محددا بوجه خاص المسائل الدستورية والقانونية المتصلة بها، ورأى الهيئة فى شأنها وفقا لما تقضى به المادة 40 من ذلك القانون.
2ـ ما توخته المادة 30 من قانون المحكمة الدستورية العليا ـ على النحو المتقدم ـ يعتبر متحققا كلما تضمن قرار الإحالة أو صحيفة الدعوى ما يعين على تحديد المسألة الدستورية، سواء كان ذلك بطريق مباشر أو غير مباشر. إذ ليس لازما للوفاء بالأغراض التى استهدفتها المادة 30 المشار إليها أن يتضمن قرار الإحالة أو صحيفة الدعوى تحديدا مباشرا وصريحا للنص التشريعى المطعون بعدم دستوريته، والنص الدستورى المدعى بمخالفته وأوجه المخالفة، بل يكفى أن تكون المسألة الدستورية التى يراد الفصل فيها قابلة للتعيين، وذلك بأن تكون الوقائع التى تضمنها قرار الإحالة أو صحيفة الدعوى ـ فى ترابطها المنطقى ـ مفضية إليها جلية فى دلالة الإفصاح عنها. متى كان ذلك، وكان الطعن بعدم دستورية أحكام القرار بقانون رقم 100 لسنة 1964 بتنظيم تأجير العقارات المملوكة للدولة ملكية خاصة والتصرف فيها، يقوم فى مبناه على مخالفة ما تضمنته أحكامه من عدم جواز أخذ العقارات المتصرف فيها بالشفعة لمبادىء الشريعة الإسلامية، وكانت المادة 58 من القرار بقانون المشار إليه ـ الواردة ضمن الأحكام العامة التى انتطمها الباب الخامس منه والتى تسرى على كافة العقارات التى تملكها الدولة ملكية خاصة سواء كانت مبنية أم من الأراضى الزراعية أو البور أو الصحراوية ـ تنص فى فقرتها الأولى على أن تؤول ملكية العقارات التى يتم التصرف فيها وفقا لأحكام هذا القانون إلى المتصرف إليهم محملة بما عليها من حقوق الإرتفاق، كما تنص فى فقرتها الثانية على أنه فى جميع الأحوال لا يجوز أخذ العقارات المشار إليها بالشفعة، فإن هذه الفقرة تكون هى النص التشريعى المطعون فيه، إذ هى التى قصد المدعون اهدارها بمقولة مخالفتها نص المادة الثانية من الدستور التى توجب رد النصوص التشريعية إلى مبادئ الشريعة الإسلامية أو استمدادها منها لضمان توافقها معها. ذلك أن الشفعة ـ وباعتبارها سببا يكسب به الشفيع ملكية عقار أو حقا عينيا على عقار وبها يحل الشفيع ـ فى بيع العقار ـ محل المشفوع منه فى العقار المشفوع فيه، تستمد أحكامها من الفقه الإسلامى باعتباره مصدرا لها.
3ـ جرى قضاء المحكمة الدستورية العليا على أن المصلحة الشخصية المباشرة تعد شرطا لقبول الدعوى الدستورية، ومناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة فى الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم فى المسألة الدستورية لازما للفصل فى الطلبات المرتبطة بها المطروحة على محكمة الموضوع. متى كان ذلك، وكانت المسألة الدستورية المرتبطة بالنزاع الموضوعى، والمؤثرة فيه، ليس لها من صلة بأحكام القرار بقانون رقم 100 لسنة 1964 فى جملتها، وإنما يتحدد إطارها ونطاقها بنص الفقرة الثانية من المادة 58 منه التى لا تجيز الأخذ بالشفعة فى العقارات المتصرف فيها وفقا لأحكامه، وكان التصريح الصادر من محكمة الموضوع برفع الدعوى الدستورية منصرفا إلى هذا النطاق وحده لا يتعداه، فإن الطعن على الأحكام الأخرى التى اشتمل عليها هذا القرار بقانون، لا يكون قد اتصل بالمحكمة وفقا للأوضاع المنصوص عليها فى قانونه، وليس للمدعى كذلك من مصلحة فى الطعن عليها.
4ـ من المقرر وعلى ما جرى به قضاء المحكمة الدستورية العليا ـ أن ما تضمنته المادة الثانية من الدستور بعد تعديلها فى 22 مايو سنة 1980، يدل على أن الدستور واعتباراً من تاريخ العمل بهذا التعديل ـ قد أتى بقيد على السلطة التشريعية مؤداه إلزامها فيما تقره من النصوص التشريعية بأن تكون غير مناقضة لمبادئ الشريعة الإسلامية بعد أن اعتبرها الدستور أصلا يتعين أن ترد إليه هذه النصوص أو تستمد منه لضمان توافقها مع مقتضاه، ودون ما إخلال بالضوابط الأخرى التى فرضها الدستور على السلطة التشريعية وقيدها بمراعاتها والنزول عليها فى ممارستها لاختصاصاتها الدستورية؛ وإذ كان من المقرر كذلك أن كل مصدر ترد إليه النصوص التشريعية أو يكون منبعها، يتعين بالضرورة أن يكون سابقا فى وجوده على هذه النصوص ذاتها، فإن مرجعية مبادئ الشريعة الإسلامية التى أقامها الدستور معيارا للقياس فى مجال الشرعية الدستورية، تفترض لزوما أن تكون النصوص التشريعيه المدعى إخلالها بتلك المبادئ ـ وتراقبها هذه المحكمة ـ صادرة بعد نوء قيد المادة الثانية من الدستور التى تقاس على مقتضاه، بما مؤداه أن الدستور قصد بإقراره لهذا القيد أن يكون مداه من حيث الزمان منصرفا إلى فئة من النصوص التشريعية دون سواها، هى تلك الصادرة بعد نفاذ التعديل الذى أدخله الدستور على مادته الثانية بحيث إذا انطوى نص منها على حكم يناقض مبادئ الشريعة الإسلامية، فإنه يكون قد وقع فى حومة المخالفة الدستورية. وإذ كان هذا القيد هو مناط الرقابة التى تباشرها هذه المحكمة على دستورية القوانين واللوائح المدعى مخالفتها لمبادئ الشريعة الإسلامية، فإن النصوص التشريعية الصادرة قبل نفاذه تظل بمنأى عن الخضوع لأحكامه.
5ـ متى كان مبنى الطعن الماثل مخالفة الفقرة الثانية من المادة 58 من القرار بقانون رقم 100 لسنة 1964 للمادة الثانية من الدستور لخروجها ـ فيما قررته من عدم جواز أخذ العقارات التى يتم التصرف فيها وفقاً لأحكامه بالشفعة ـ على مبادئ الشريعة الإسلامية التى تجعل من الأخذ بالشفعة فى بيع العقار أصلاً ثابتاً مقرراً متى توافرت شروط إعمال هذه الرخصة، وكان البين مما تقدم أن القيد المقرر بمقتضى هذه المادة بعد تعديلها فى 22 من مايو سنة 1980 ـ والمتضمن إلزام المشرع بعدم مخالفة مبادئ الشريعة الإسلامية ـ لا يتأتى إعماله بالنسبة للتشريعات السابقة عليه ومنها نص المادة 58 فقرة ثانية من القرار بقانون رقم 100 لسنة 1964 المشار إليه، وكان لم يلحق هذا النص أى تعديل بعد التاريخ المذكور، فإن النعى عليه ـ وحالته هذه ـ بمخالفته المادة الثانية من الدستور ـ وأيا كان وجه الرأى فى مدى تعارضه معها ـ يكون غير سديد.


الإجراءات

بتاريخ 18 يوليو 1991 أودع المدعون صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة بطلب الحكم بعدم دستورية نصوص القرار بقانون رقم 100 لسنة 1964 وبوجه خاص أحكامه التى تفسر على منعها الحق فى الأخذ بالشفعة.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم بعدم قبول الدعوى أو برفضها.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة اصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الإطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع ـ على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق ـ تتحصل فى أن المدعين كانوا قد أقاموا الدعوى رقم 5305 لسنة 1982 مدنى كلى شبين الكوم ضد مصلحة الأموال الأميرية وآخرين طالبين فيها الحكم بأحقيتهم فى أخذ قطعة الأرض الموضحة الحدود والمعالم بصحيفة الدعوى بالشفعة، وذلك نظير الثمن الذى تم به بيعها والمودع من قبلهم خزينة محكمة شبين الكوم الإبتدائية مع ما يترتب على ذلك من آثار. وإذ صدر حكم محكمة أول درجة بعدم قبول طلبهم أخذ هذا العقار بالشفعة لتعارض هذا الطلب وأحكام القرار بقانون رقم 100 لسنة 1964 بتنظيم تأجير العقارات المملوكة للدولة ملكية خاصة والتصرف فيها، فقد أقاموا عنه استئنافهم رقم 760 لسنة 22 قضائية أمام محكمة استئناف طنطا قولا منهم بأن الحكم المستأنف أخطأ فى رفض طلبهم وقف الدعوى إلى حين الفصل فى الدفع المبدى منهم بعدم دستورية القرار بقانون رقم 100 لسنة 1964 المشار إليه، وعلى الأخص أحكامه التى قد تفسر على منع الحق فى الأخذ بالشفعة على أساس أن الدستور قد نص على أن الشريعة الإسلامية هى المصدر الأساسى للتشريع، وأن النص التشريعى الذى يمنع الحق فى الأخذ بالشفعة يعتبر مخالفاً لنظام مقرر مستقر فى الشريعة الإسلامية ومناقضاً للدستور بالتالى. وإذ قدرت محكمة الاستئناف جدية الدفع، وحددت ستين يوماً لرفع الدعوى بعدم دستورية النص الوارد بالقرار بقانون رقم 100 لسنة 1964، والذى حال بينهم وبين الأخذ بالشفعة، فقد أقام المدعون الدعوى الماثلة طالبين الحكم بعدم دستورية أحكام القرار رقم 100 لسنة 1964 وعلى الأخص مواده التى قد تفسر على منع الحق فى الأخذ بالشفعة على أساس مخالفته لمبادئ الشريعة الإسلامية التى اعتبرها الدستور المصدر الرئيسى للتشريع.
وحيث إن الحكومة دفعت بعدم قبول الدعوى الدستورية على أساس أن صحيفتها لم تتضمن البيانات الجوهرية التى تطلبتها المادة 30 من قانون المحكمة، لإغفالها تحديد النص التشريعى المطعون عليه والنص الدستورى المدعى بمخالفته.
وحيث إن قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979 قد نص فى المادة 30 منه على أنه يجب أن يتضمن القرار الصادر بالاحالة إلى المحكمة الدستورية العليا أو صحيفة الدعوى المرفوعة إليها وفقا لحكم المادة السابقة بيان النص التشريعى المطعون بعدم دستوريته والنص الدستورى المدعى بمخالفته وأوجه المخالفة، وكان ما تغياه المشرع بنص المادة المشار إليها ـ على ما جرى به قضاء هذه المحكمة ـ هو أن يتضمن قرار الإحالة أو صحيفة الدعوى البيانات الجوهرية التى تكشف بذاتها عن ماهية المسألة الدستورية التى يعرض على هذه المحكمة أمر الفصل فيها وكذلك نطاقها، بما ينفى التجهيل بها، كى يحيط كل ذى شأن ـ ومن بينهم الحكومة التى يتعين إعلانها بقرار الاحالة أو بصحيفة الدعوى إعمالاً لنص المادة 35 من قانون المحكمة الدستورية العليا – بجوانبها المختلفة، وليتاح لهم جميعاً ـ على ضوء تعريفهم بأبعاد المسألة الدستورية المطروحة عليها ـ إبداء ملاحظاتهم وردودهم وتعقيباتهم فى المواعيد التى حددتها المادة 37 من القانون ذاته، بحيث تتولى هيئة المفوضين ـ بعد انقضاء هذه المواعيد ـ تحضير الموضوع المعروض عليها وإعداد تقرير يشتمل على زواياه المختلفة، محدداً بوجه خاص المسائل الدستورية والقانونية المتصلة بها ورأى الهيئة فى شأنها وفقا لما تقضى به المادة 40 من قانون المحكمة، وكان ما توخاه المشرع على النحو المتقدم يعتبر متحققاً كلما تضمن قرار الإحالة أو صحيفة الدعوى ما يعين على تحديد المسألة الدستورية سواء كان ذلك بطريق مباشر أو غير مباشر، إذ ليس لازماً للوفاء بالأغراض التى استهدفتها المادة 30 من قانون هذه المحكمة، أن يتضمن قرار الإحالة أو صحيفة الدعوى تحديداً مباشراً وصريحاً للنص التشريعى المطعون بعدم دستوريته والنص الدستورى المدعى بمخالفته وأوجه المخالفة، بل يكفى أن تكون المسألة الدستورية التى يراد الفصل فيها قابلة للتعيين، بأن تكون الوقائع التى تضمنها قرار الإحالة أو صحيفة الدعوى ـ فى ترابطها المنطقى ـ مفضية إليها جلية فى دلالة الافصاح عنها. إذ كان ذلك وكانت صحيفة الدعوى الماثلة واضحة فى دلالتها على أن الطعن بعدم دستورية أحكام القرار بقانون رقم 100 لسنة 1964 بتنظيم تأجير العقارات المملوكة للدولة ملكية خاصة والتصرف فيها، يقوم فى مبناه على مخالفة ما تضمنته أحكامه من عدم جواز أخذ العقارات المتصرف فيها بالشفعة لمبادئ الشريعة الإسلامية، وكانت المادة 58 من القرار بقانون المشار إليه ـ الواردة ضمن الأحكام العامة التى انتظمها الباب الخامس منه والتى تسرى على كافة العقارات التى تملكها الدولة ملكية خاصة سواء كانت مبنية أم من الأراضى الزراعية أو البور أو الصحراوية ـ تنص فى فقرتها الأولى على أن تؤول ملكية العقارات التى يتم التصرف فيها وفقا لأحكام القانون إلى المتصرف إليهم محملة بما عليها من حقوق الارتفاق، كما تنص فقرتها الثانية على أنه فى جميع الأحوال لا يجوز أخذ العقارات المشار إليها بالشفعة، فإن هذه الفقرة تكون هى النص التشريعى المطعون فيه لمخالفتها نص المادة الثانية من الدستور التى توجب رد النصوص التشريعية إلى مبادئ الشريعة الإسلامية أو استمدادها منها لضمان توافقها معه، ذلك أن الشفعة ـ وباعتبارها سببا يكسب به الشفيع ملكية عقار أو حقاً عينياً على عقار وبها يحل الشفيع ـ فى بيع العقار ـ محل المشفوع منه فى العقار المشفوع فيه، تستمد أحكامها من الفقه الإسلامى باعتباره مصدراً أصلياً لها. إذ كان ذلك فإن الدفع بعدم قبول الدعوى برمتها المبدى من الحكومة، يكون على غير أساس متعين الرفض.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن المصلحة الشخصية المباشرة تعد شرطا لقبول الدعوى الدستورية، ومناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة فى الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم فى المسألة الدستورية لازماً للفصل فى الطلبات المرتبطة بها المطروحة على محكمة الموضوع. إذ كان ذلك، وكانت المسألة الدستورية المرتبطة بالنزاع الموضوعى والمؤثرة فيه ليس لها من صلة بأحكام القرار بقانون رقم 100 لسنة 1964 فى جملتها، وإنما يتحدد إطارها ونطاقها بنص الفقرة الثانية من المادة 58 منه التى لا تجيز الأخذ بالشفعة فى العقارات المتصرف فيها وفقاً لأحكامه، وكان التصريح الصادر من محكمة الموضوع برفع الدعوى الدستورية منصرفاً إلى هذا النطاق وحده لا يتعداه، فإن الطعن على الأحكام الأخرى التى اشتمل عليها هذا القرار بقانون، لا يكون قد اتصل بالمحكمة وفقاً للأوضاع المنصوص عليها فى قانونه، وليس للمدعى كذلك من مصلحة فى الطعن عليها، الأمر الذى يتعين معه الحكم بعدم قبول الدعوى بالنسبة إلى هذا الشق منها.
وحيث إن البين من تعديل الدستور الذى تم بتاريخ 22 مايو سنة 1980 أن المادة الثانية منه صارت تنص على أن "الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع"، بعد أن كانت تنص على أن "الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيسى للتشريع".
وحيث إن من المقرر ـ وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة ـ أن ما تضمنته المادة الثانية من الدستور بعد تعديلها فى 22 مايو سنة 1980، بدل على أن الدستور – واعتباراً من تاريخ العمل بهذا التعديل ـ قد أتى بقيد على السلطة التشريعية مؤداه إلزامها فيما تقره من النصوص التشريعية بأن تكون غير مناقضة لمبادئ الشريعة الإسلامية بعد أن اعتبرها الدستور أصلاً يتعين أن ترد إليه هذه النصوص أو تستمد منه لضمان توافقها مع مقتضاه، ودون ما إخلال بالضوابط الأخرى التى فرضها الدستور على السلطة التشريعية وقيدها بمراعاتها والنزول عليها فى ممارستها لاختصاصاتها الدستورية، وكان من المقرر كذلك أن كل مصدر ترد إليه النصوص التشريعية أو تكون نابعة منه، يتعين بالضرورة أن يكون سابقاً فى وجوده على هذه النصوص ذاتها، فإن مرجعية مبادئ الشريعة الإسلامية التى أقامها الدستور معياراً للقياس فى مجال الشرعية الدستورية، تفترض لزوماً أن تكون النصوص التشريعية المدعى إخلالها بتلك المبادئ ـ وتراقبها هذه المحكمة ـ صادرة بعد نشوء قيد المادة الثانية من الدستور الذى تقاس على مقتضاه، بما مؤداه أن الدستور قصد بإقراره لهذا القيد أن يكون مداه من حيث الزمان منصرفا إلى فئة من النصوص التشريعية دون سواها، هى تلك الصادرة بعد نفاذ التعديل الذى أدخله الدستور على مادته الثانية، بحيث إذا انطوى نص منها على حكم يناقض مبادئ الشريعة الإسلامية، فإنه يكون قد وقع فى حومة المخالفة الدستورية. وإذ كان هذا القيد هو مناط الرقابة التى تباشرها هذه المحكمة على دستورية القوانين واللوائح، فإن النصوص التشريعية الصادرة قبل نفاذه تظل بمنأى عن الخضوع لأحكامه.
وحيث إنه لما كان ما تقدم، وكان مبنى الطعن الماثل مخالفة الفقرة الثانية من القرار بقانون رقم 100 لسنة 1964 للمادة الثانية من الدستور لخروجها ـ فيما قررته من عدم جواز أخذ العقارات التى يتم التصرف فيها وفقا لاحكامه بالشفعة ـ على مبادئ الشريعة الإسلامية التى تجعل من الأخذ بالشفعة فى بيع العقار أصلاً ثابتاً مقرراً متى توافرت شروط إعمال هذه الرخصة، وكان البين مما تقدم أن القيد المقرر بمقتضى هذه المادة بعد تعديلها فى 22 من مايو سنة 1980 ـ والمتضمن إلزام المشرع بعدم مخالفة مبادئ الشريعة الإسلامية ـ لا يتأتى إعماله بالنسبة للتشريعات السابقة عليه، ومنها نص المادة 58 فقرة ثانية من القرار بقانون رقم 100 لسنة 1964 المشار إليه، وكان لم يلحق هذا النص أى تعديل بعد التاريخ المذكور، فإن النعى عليه ـ وحالته هذه ـ بمخالفته المادة الثانية من الدستور ـ وأيا كان وجه الرأى فى مدى تعارضه معها ـ يكون غير سديد، الأمر الذى يتعين معه الحكم برفض الدعوى.

فلهذه الأسباب:

حكمت المحكمة برفض الدعوى، والزمت المدعين المصروفات، ومبلغ ثلاثين جنيها مقابل أتعاب المحاماه.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات