المحكمة الادارية العليا – الطعن رقم ٢٨٩ لسنة ٢٤ ق ” دستورية ” – جلسة 5 / 3 /2016
الجريدة الرسمية – العدد 10 (مكرر) – السنة
التاسعة والخمسون
5 جمادى الآخرة سنة 1437هـ، الموافق 14 مارس سنة 2016م
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت الخامس من مارس سنة ٢٠١٦م،
الموافق الخامس والعشرين من جمادى الأولى سنة ١٤٣٧هـ.
برئاسة السيد المستشار/ عدلى محمود منصور – رئيس المحكمة.
وعضوية السادة المستشارين: عبد الوهاب عبد الرازق والدكتور حنفى على جبالى والسيد عبد
المنعم حشيش وسعيد مرعى عمرو والدكتور عادل عمر شريف وبولس فهمى اسكندر – نواب رئيس
المحكمة.
وحضور السيد المستشار الدكتور/ عبد العزيز محمد سالمان رئيس هيئة المفوضين.
وحضور السيد/ محمد ناجى عبد السميع أمين السر.
أصدرت الحكم الآتى
فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم ٢٨٩ لسنة ٢٤ قضائية " دستورية ".
المقامة من
السيد/ علوى السيد حسين.
ضـد
١ – السيد رئيس الجمهورية.
٢ – السيد رئيس مجلس الوزراء.
٣ – السيد رئيس مجلس الشعب.
٤ – السيد وزير المالية.
٥ – السيد وزير العدل.
6 – السيد المستشار النائب العام.
الإجراءات
بتاريخ الثامن والعشرين من أكتوبر سنة ٢٠٠٢ أودع المدعى قلم كتاب،
هذه المحكمة صحيفة الدعوى الماثلة طالبًا الحكم بعدم دستورية المواد (121، 122، ١٢٤)
من قانون الجمارك الصادر بالقانون رقم ٦٦ لسنة ١٩٦٣، والبند (ز) من المادة (٩) من قانون
تنظيم الإعفاءات الجمركية الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم ١٨٦ لسنة ١٩٨٦،
والمادة (٩) من قانون الإجراءات الجنائية الصادر بالقانون رقم ١٥٠ لسنة ١٩٥٠
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.
ونُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة
اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع تتحصل – على ما يتبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – فى أنه بتاريخ
2/ 9/ 2001 قامت لجنة من إدارة متابعة الإعفاءات الجمركية بجمرك السويس بالتفتيش على
المطعم المملوك للمدعى بمدينة الغردقة، للتحقق من استخدام مشمول الشهادات الجمركية
أرقام 20/ 2000، 64/ 2000، 90/ 2001 فى الغرض المعفاة من أجله جمركيًا، أسفر التفتيش
عن عدم وجود أى مستندات أو دفاتر تفيد تسلم المشمول المعفى جزئًيا، وكيفية التصرف فيه
على وجه صحيح، كما تبين عدم وجود عدد من زجاجات الخمور من مشمول البيانات الجمركية
المذكورة سلفًا، وعدم وجود أى سند لصرفها فى الأغراض المحددة من الإعفاء، فضلاً عن
حيازة عدد آخر من زجاجات الخمور غير مفرج عنها من خلال البيانات الجمركية الموضحة آنفًا،
ولم يثبت الإفراج عنها من الجمارك بموجب بيان جمركى. وبتاريخ 19/ 2/ 2002، طلب وزير
المالية تحريك الدعوى العمومية ضد المدعى طبقًا لنصوص المواد (121، 122، 124) من قانون
الجمارك وتعديلاته، والمادة (٩) من قانون تنظيم الإعفاءات الجمركية وتعديلاته، وعلى
أثر ذلك قدمت النيابة العامة المدعى إلى المحاكمة الجنائية فى القضية رقم ٢٤٨٧١ لسنة
٢٠٠٢ جنح الغردقة، بوصف أنه شرع فى تهريب البضائع المبينة بالأوراق بإدخالها إلى جمهورية
مصر العربية دون أداء الضريبة الجمركية مخالفًا نظام الإفراج المؤقت، وطلبت معاقبته
بالمواد (1، 2، 3، 5، 12، 122) من قانون الجمارك الصادر بالقانون رقم ٦٦ لسنة ١٩٦٣.
وأثناء نظر الدعوى أمام محكمة جنح الغردقة الجزئية دفع المدعى بجلسة 11/ 9/ 2002 بعدم
دستورية نصوص المواد (121، 122، 124) من قانون الجمارك الصادر بالقانون رقم ٦٦ لسنة
١٩٦٣، والبند (ز) من المادة (٩) من قانون تنظيم الإعفاءات الجمركية الصادر بقرار رئيس
الجمهورية بالقانون رقم ١٨٦ لسنة ١٩٨٦، والمادة (٩) من قانون الإجراءات الجنائية. وإذ
قدرت تلك المحكمة جدية الدفع وصرحت للمدعى بإقامة الدعوى الدستورية فقد أقام الدعوى
الماثلة.
وحيث إن المادة (١٢١) من قانون الجمارك الصادر بالقانون رقم ٦٦ لسنة ١٩٦٣ معدلة بالقانون
رقم ١٧٥ لسنة ١٩٩٨ تنص على أن: " يعتبر تهريبًا إدخال البضائع من أى نوع إلى الجمهورية
أو إخراجها منها بطرق غير مشروعة بدون أداء الضرائب الجمركية المستحقة كلها أو بعضها
أو بالمخالفة للنظم المعمول بها فى شأن البضائع الممنوعة.
ويعتبر فى حكم التهريب حيازة البضائع الأجنبية بقصد الاتجار مع العلم بأنها مهربة،
كما يعتبر فى حكم التهريب تقديم مستندات أو فواتير مزورة أو مصطنعة أو وضع علامات كاذبة
أو إخفاء البضائع أو العلامات أو ارتكاب أى فعل آخر يكون الغرض منه التخلص من الضرائب
الجمركية المستحقة كلها أو بعضها أو بالمخالفة للنظم المعمول بها فى شأن البضائع الممنوعة.
ولا يمنع من إثبات التهريب عدم ضبط البضائع ".
وتنص المادة (١٢٢) من القانون ذاته معدلة بالقانون رقم ١٦٠ لسنة ٢٠٠٠ على أنه: " مع
عدم الإخلال بأية عقوبة أشد ينص عليها أى قانون آخر يعاقب على التهريب أو الشروع فيه
بالحبس وبغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه ولا تجاوز عشرة آلاف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين.
ويحكم على الفاعلين والشركاء متضامنين بتعويض يعادل مثلى الضرائب الجمركية المستحقة،
فإذا كانت البضائع موضوع الجريمة من الأصناف الممنوعة أو المحظور استيرادها كان التعويض
معادلاً لمثلى قيمتها أو مثلى الضرائب المستحقة أيهما أكثر.
وفى جميع الأحوال يحكم بمصادرة البضائع موضوع التهريب فإذا لم تضبط يحكم بما يعادل
قيمتها.
.."…………………….
وتنص المادة (١٢٤) من القانون ذاته معدلة بالقانون رقم ١٦٠ لسنة ٢٠٠٠ على أنه: "لا
يجوز رفع الدعوى الجنائية فى جرائم التهريب المنصوص عليها فى المواد السابقة إلا بناءً
على طلب كتابى من رئيس مصلحة الجمارك.
.."……………………..
وتنص المادة (٩) من قانون تنظيم الإعفاءات الجمركية الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون
رقم ١٨٦ لسنة ١٩٨٦ معدلة بالقانون رقم ٧١ لسنة ١٩٩٦ على أنه: " مع عدم الإخلال بما
نص عليه هذا القانون من أحكام خاصة تخضع الإعفاءات الجمركية للأحكام الآتية:
( أ ) …………. .
(ز) تلتزم الجهات المعفاة بمسك دفاتر وقيودات نظامية تخضع لرقابة مصلحة الجمارك للتأكد
من استعمال الأصناف المعفاة فى الغرض الذى أعفيت من أجله.
ويعتبر عدم مسك هذه الدفاتر أو التلاعب فى قيد البيانات بالسجلات على النحو المشار
إليه فى الفقرة السابقة مخالفة لنظم الإعفاءات الجمركية ويخضع للعقوبة المنصوص عليها
فى المادة (١١٨) من قانون الجمارك، فإذا وقع الفعل بغرض التخلص من الضرائب الجمركية
المستحقة كلها أو بعضها عوقب بالعقوبة المنصوص عليها فى المادة (١٢٢) من قانون الجمارك
".
وتنص المادة (٩) من قانون الإجراءات الجنائية الصادر بالقانون رقم ١٥٠ لسنة ١٩٥٠ معدلة
بالقانون رقم ٤٢٦ لسنة ١٩٥٤ على أن: " لا يجوز رفع الدعوى الجنائية أو اتخاذ إجراءات
فيها فى الجرائم المنصوص عليها فى المادة (١٨٤) من قانون العقوبات إلا بناءً على طلب
كتابى من الهيئة أو رئيس المصلحة المجنى عليها.
وفى جميع الأحوال التى يشترط القانون فيها لرفع الدعوى الجنائية تقديم شكوى أو الحصول
على إذن أو طلب من المجنى عليه أو غيره، لا يجوز اتخاذ إجراءات التحقيق فيها إلا بعد
تقديم هذه الشكوى أو الحصول على هذا الإذن أو الطلب………..".
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن المصلحة الشخصية المباشرة تعد شرطًا لقبول
الدعوى الدستورية، ومناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة فى الدعوى
الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم فى المسألة الدستورية لازمًا للفصل فى الطلبات المرتبطة
بها والمطروحة أمام محكمة الموضوع، كما جرى قضاؤها أيضًا على أن المصلحة الشخصية المباشرة
لا تعتبر متحققة بالضرورة بناءً على مجرد مخالفة النص التشريعى المطعون عليه للدستور،
بل يتعين أن يكون هذا النص بتطبيقه على المدعى قد أخل بأحد الحقوق التى كفلها الدستور
على نحو ألحق به ضررًا مباشرًا، وبذلك يكون شرط المصلحة الشخصية المباشرة فى الدعوى
الدستورية مرتبطًا بالخصم الذى أثار المسألة الدستورية، وليس بهذه المسألة فى ذاتها
منظورًا إليها بصفة مجردة، وبالتالى لا تقوم هذه المصلحة إلا بتوافر شرطين أوليين يحددان
معًا مفهومها، ولا يتداخل أحدهما مع الآخر أو يندمج فيه، وإن كان استقلال كل منهما
عن الآخر لا ينفى تكاملهما، وبدونهما مجتمعين لا يجوز لهذه المحكمة أن تباشر رقابتها
على دستورية النصوص التشريعية، أولهما: أن يقيم المدعى – وفى حدود الصفة التى اختصم
بها النص التشريعى المطعون عليه – الدليل على أن ضررًا واقعيًا – اقتصاديًا أو غيره
– قد لحق به، ويتعين أن يكون هذا الضرر مباشرًا، مستقلاً بعناصره، ممكنًا إدراكه ومواجهته
بالترضية القضائية، وليس ضررًا متوهمًا أو نظريًا أو مجهلاً، وثانيهما: أن يكون مرد
الأمر فى هذا الضرر إلى النص التشريعى المطعون عليه، فإذا لم يكن النص التشريعى قد
طُبق على المدعى أصلاً، أو كان من غير المخاطبين بأحكامه، أو كان قد أفاد من مزاياه،
أو كان الإخلال بالحقوق التى يدعيها لا يعود إليه، فإن المصلحة الشخصية المباشرة تكون
منتفية، ذلك أن إبطال النص التشريعى فى هذه الصور جميعها لن يحقق للمدعى أية فائدة
عملية يمكن أن يتغير بها مركزه القانونى بعد الفصل فى الدعوى الدستورية عما كان عليه
عند رفعها.
وحيث إن النيابة العامة أحالت المدعى إلى المحاكمة الجنائية فى القضية رقم ٢٤٨٧١ لسنة
٢٠٠٢ جنح الغردقة بوصف أنه شرع فى تهريب البضائع المبينة بالأوراق بإدخالها إلى جمهورية
مصر العربية دون أداء الضريبة الجمركية مخالفًا نظام الإفراج المؤقت وطلبت عقابه بالمواد
(١ و ٢ و ٣ و ٥ و ١٢ و ١٢٢) من قانون الجمارك الصادر بالقانون رقم ٦٦ لسنة ١٩٦٣، وكانت
هذه الجريمة تجد سندها التشريعى فيما نص عليه البند (ز) من المادة (٩) من قانون تنظيم
الإعفاءات الجمركية الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم ١٨٦ لسنة ١٩٨٦ معدلاً
بالقانون رقم ٧١ لسنة ١٩٩٦ من التزام الجهات المعفاة من سداد الضرائب الجمركية بمسك
دفاتر وقيودات نظامية تخضع لرقابة مصلحة الجمارك، واعتبار عدم إمساك هذه الدفاتر أو
انتظام قيدها أو التلاعب فيها بقصد التهرب من الضريبة الجمركية بمثابة جريمة يعاقب
مرتكبها بالعقوبة المنصوص عليها بالمادة (١٢٢) من قانون الجمارك الصادر بالقانون رقم
٦٣ لسنة ١٩٦٦، ومن ثم تتوافر للمدعى مصلحة شخصية ومباشرة فى الطعن على هذا النص وحده،
دون أن تمتد لتشمل المادة (١٢١) من القانون ذاته، لخلو قرار الاتهام منه، كما أن الإخلال
بالحقوق التى يدعيها المدعى لا يعود إليه، كما لا تمتد هذه المصلحة كذلك لتشمل نص المادة
(١٢٤) من القانون المشار إليه والتى لا تجيز رفع الدعوى الجنائية فى جرائم التهريب
إلا بناء على طلب كتابى من رئيس مصلحة الجمارك، ولا إلى نص المادة (٩) من قانون الإجراءات
الجنائية التى لا تجيز رفع الدعوى الجنائية فى الأحوال التى يشترط فيها القانون تقديم
طلب بذلك، إذ لم يصدر طلب مباشرة الدعوى الجنائية قِبل المدعى من رئيس مصلحة الجمارك،
بل صدر من وزير المالية، فضلاً عن أن هذين النصين لم يلحقا ضررًا بالمدعى، بحسبانهما
يحتويان على ضمانة إجرائية إضافية لصالح المتهم، كما أن تعليق حق النيابة فى رفع الدعوى
الجنائية بشأن بعض الجرائم على طلب من الجهة التى عينها المشرع لا يعدو أن يكون قيدًا
استثنائًيا على سلطتها فى مجال تحريكها، ومفترضًا إجرائيًا لجواز مباشرتها، ومتى ارتفع
هذا القيد – بممارسته – عاد إلى النيابة العامة اختصاصها كاملاً فى شأن تحريك الدعوى
الجنائية، فلا إلزام عليها فى رفعها، بل لها أن تقرر – وفقًا لتقديرها – تحريكها أو
إهمالها.
وحيث إن من المقرر أن الدعوى الجنائية – وعلى خلاف الدعوى المدنية – تتحدد بالوقائع
المحالة إلى محكمة الموضوع وليس بالوصف والقيد الذى وصفت به النيابة العامة هذه الوقائع
وأسبغت عليه تكييفها القانونى، ذلك أنه يترتب على إحالة النيابة العامة المتهم إلى
المحاكمة الجنائية انتقال الدعوى الجنائية إلى حوزتها، وتستطيع إعمالاً لحكم المادتين
(٣٠٧ و ٣٠٨) من قانون الإجراءات الجنائية أن تسبغ التكييف القانونى الصحيح على الوقائع
المحالة إليها، لا يحد سلطتها فى ذلك إلا قيدان أولهما: أشخاص المتهمين المحالين فلا
تملك الإضافة أو الانتقاص منهم، وثانيهما: الوقائع المحالة إليها فلا يجوز للمحكمة
معاقبة المتهم عن وقائع غير التى وردت فى أمر الإحالة أو طلب التكليف بالحضور.
متى كان ما تقدم، وكان التفتيش الذى قامت به اللجنة المشكلة من إدارة متابعة الإعفاءات
الجمركية بجمرك السويس قد أسفر عن عدم وجود أى مستندات أو دفاتر بالمطعم المملوك للمدعى
تفيد تسلم المشمول المعفى وكيفية التصرف فيه، وقد كيفت النيابة العامة هذا الفعل بأنه
شروع فى التهريب عن طريق مخالفة نظام الإفراج المؤقت الذى ينظمه البند (ز) من المادة
(٩) من قانون تنظيم الإعفاءات الجمركية الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم ١٨٦
لسنة ١٩٨٦ المعدل بالقانون رقم ٧١ ل سنة ١٩٩٦، والذى يلزم الجهات المعفاة من الجمارك
بمسك دفاتر وقيود نظامية تخضع لرقابة مصلحة الجمارك للتأكد من استعمال الأصناف المعفاة
فى الغرض الذى أعفيت من أجله، وقد ارتكب هذا الفعل بغرض التخلص من الضرائب الجمركية
المستحقة كلها أو بعضها مما يوقعه تحت طائلة العقوبة المنصوص عليها فى المادة (١٢٢)
من قانون الجمارك الصادر بالقانون رقم ٦٦ لسنة ١٩٦٣ معدلاً بالقانون رقم ١٦٠ لسنة ٢٠٠٠،
ومن ثم فإن الواقعة الجنائية المنسوب إلى المتهم ارتكابها وهى مخالفة نظام الإفراج
المؤقت وما يرتبط بها من العقوبة المقررة لهذا الفعل المؤثم يعدان أمرين مطروحين على
محكمة الموضوع، ويكون الفصل فى دستورية كل من البند (ز) من المادة (٩) من قانون تنظيم
الإعفاءات الجمركية والمادة (١٢٢) من قانون الجمارك أمرًا لازمًا للفصل فى صحة الاتهام
الموجه إلى المدعى.
وحيث إنه بالبناء على ما تقدم فإن نطاق الدعوى الماثلة يتحدد بما تضمنه نص البند (ز)
من المادة (٩) من قانون تنظيم الإعفاءات الجمركية الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون
رقم ١٨٦ لسنة ١٩٨٦ المعدل بالقانون رقم ٧١ لسنة ١٩٩٦ من التزام الجهات المعفاة من الضريبة
الجمركية بمسك دفاتر وقيودات نظامية تخضع لرقابة مصلحة الجمارك واعتبار عدم مسك هذه
الدفاتر مخالفة لنظم الإعفاءات الجمركية، كما يشمل هذا النطاق أيضًا العقوبات المنصوص
عليها بالمادة (١٢٢) من قانون الجمارك الصادر بالقانون رقم ٦٦ لسنة ١٩٦٣ معدلاً بالقانون
رقم ١٦٠ لسنة ٢٠٠٠ لجريمة التهريب أو الشروع فيه وهى الحبس والغرامة التى لا تقل عن
خمسمائة جنيه ولا تجاوز عشرة آلاف جنيه أو إحدى هاتين العقوبتين، والتعويض الذى يعادل
مثلى الضرائب الجمركية المستحقة، والحكم بمصادرة البضائع موضوع التهريب، أو ما يعادل
قيمتها إذا لم تضبط، وذلك فى مجال تطبيقها على الفعل المؤثم بالفقرة الثانية من البند
(ز) من المادة (٩) من قانون تنظيم الإعفاءات الجمركية المشار إليه.
وحيث إن من المقرر – فى قضاء هذه المحكمة – أن الرقابة الدستورية على القوانين من حيث
مطابقتها للقواعد الموضوعية التى تضمنها الدستور، تخضع لأحكام الدستور القائم دون غيره،
إذ إن هذه الرقابة تستهدف أصلاً صون الدستور القائم وحمايته من الخروج على أحكامه،
باعتبار أن نصوص هذا الدستور تمثل القواعد والأصول التى يقوم عليها نظام الحكم، ولها
مقام الصدارة بين قواعد النظام العام التى يتعين التزامها ومراعاتها وإهدار ما يخالفها
من التشريعات، باعتبارها أسمى القواعد الآمرة. ومن ثم، فإن هذه المحكمة تباشر رقابتها
على النص المطعون عليه فى ضوء أحكام الدستور القائم الصادر سنة ٢٠١٤.
وحيث إن المدعى ينعى على نص البند (ز) من المادة (٩) من قانون تنظيم الإعفاءات الجمركية
– محددًا نطاقًا على النحو المتقدم – أنه اعتبر عدم مسك الدفاتر أو التلاعب فى قيد
البيانات بالسجلات، بالمخالفة لنظم الإعفاءات الجمركية، تهربًا جمركيًا، أى أن المشرع
أحلَّ واقعة عدم مسك الدفاتر محل واقعة علمه بتهريب البضائع التى يحوزها والتى يتعين
على النيابة العامة إقامة الدليل عليها.
وحيث إن هذا النعى غير سديد، ذلك أن من المقرر فى قضاء هذه المحكمة أن المشرع الدستورى
فى اتجاهه إلى ترسم النظم المعاصرة ومتابعة خطاها والتقيد بمناهجها التقدمية قد نص
فى المادة (٦٦) من الدستور الصادر عام ١٩٧١ ومن بعده فى المادة (٩٥) من الدستور القائم
عل ى أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة
لتاريخ نفاذه، وكان الدستور قد دل بهذه المادة على أن لكل جريمة ركنًا مادًيا لا قوام
لها بغيره يتمثل أساسًا فى فعل أو امتناع وقع بالمخالفة لنص عقابى، مفصحًا بذلك عن
أن ما يركن إلى ه القانون الجنائى ابتداء فى زواجره ونواهيه هو مادية الفعل المؤاخذ
على ارتكابه، إيجابيًا كان هذا الفعل أم سلبًيا، ذلك أن العلائق التى ينظمها هذا القانون
فى مجال تطبيقه على المخاطبين بأحكامه محورها الأفعال ذاتها، فى علاماتها الخارجية
ومظاهرها الواقعية وخصائصها المادية، إذ هى مناط التأثيم وعلته، وهى التى يتصور إثباتها
ونفيها، وهى التى يتم التمييز على ضوئها بين الجرائم بعضها البعض، وهى التى تديرها
محكمة الموضوع على حكم العقل لتقييمها، وتقدير العقوبة المناسبة لها، بل إنه فى مجال
تقدير توافر القصد الجنائى، لا تعزل المحكمة نفسها عن واقعة الاتهام التى قام الدليل
عليها قاطعًا واضحًا، بل تجيل بصرها فيها منقبة من خلال عناصرها عما قصد إليه الجانى
حقيقة من وراء ارتكابها، ومن ثم تعكس هذه العناصر تعبيرًا خارجًيا وماديًا عن إرادة
واعية. ولا يتصور بالتالى وفقًا لأحكام الدستور أن توجد جريمة فى غيبة ركنها المادى،
ولا إقامة الدليل على توافر علاقة السببية بين مادية الفعل المؤثم والنتائج التى أحدثها
بعيدًا عن حقيقة هذا الفعل ومحتواه.ولازم ذلك أن مظاهر التعبير عن الإرادة البشرية
– وليس النوايا التى يضمرها الإنسان فى أعماق ذاته – تعتبر واقعة فى منطقة التجريم
كلما كانت تعكس سلوكًا خارجيًا مؤاخذًا عليه قانونًا.
وحيث إن المشرع رغبة منه فى التأكد من أن الأصناف المعفاة من الضرائب الجمركية قد تم
استعمالها فى الغرض الذى أعفيت من أجله، ألزم الجهات المعفاة بمسك دفاتر وقيودات نظامية
تخضع لرقابة مصلحة الجمارك، واعتبر عدم مسك هذه الدفاتر والقيودات مخالفة لنظم الإعفاءات
الجمركية يستوجب معاقبة مرتكبها بالعقوبة المنصوص عليها بالمادة (١١٨) من قانون الجمارك،
فإذا كان الغرض من عدم مسك هذه الدفاتر أو التلاعب فى قيد البيانات فى السجلات بغرض
التخلص من الضرائب الجمركية المستحقة كلها أو بعضها، عوقب مرتكب هذه الجريمة بالعقوبة
المنصوص عليها فى المادة (١٢٢) من قانون الجمارك.
متى كان ذلك، وكانت عناصر هذه الجريمة معينة بصورة واضحة لا لبس فيها ولا غموض، وتتمثل
فى ركن مادى ظاهر هو إمساك دفاتر وقيودات نظامية تخضع لرقابة مصلحة الجمارك، ويقع بحسب
الأصل بفعل سلبى يتمثل فى الامتناع عن مسك هذه الدفاتر والقيودات، كما يمكن أن يكون
فى فعل إيجابى إذا تم محو بيانات تلك الدفاتر أو القيودات أو التلاعب فيها، وكانت هذه
الجريمة فى صورتها العمدية تتطلب تحقق العلم والإرادة بعدم إمساك الدفاتر والقيودات
أو العلم والإرادة بالتلاعب فيها، فإذا ارتكبت هذه الجريمة بغرض التخلص من أداء الضرائب
الجمركية المستحقة كلها أو بعضها تعين توافر قصد خاص لقيام هذه الجريمة هو قصد التهرب
من أداء تلك الضريبة كلها أو بعضها. متى كان ذلك وكانت عبارات النص قد صيغت بطريقة
واضحة لا لبس فيها ولا غموض، تكفل أن يكون المخاطبون بها على بينة من حقيقتها، كما
أورد بيانًا لصور الركن المادى المكون للجريمة وما يجب أن يقارنه من قصد عمدى من علم
وإرادة وتوافر قصد خاص يتمثل فى نية التهرب من أداء الضرائب الجمركية المستحقة، وهى
عناصر تتناضل النيابة العامة والمتهم فى إثباتها ونفيها أمام محكمة الموضوع، ومن ثم
فقد جاء هذا النص متفقًا وأصل البراءة ويكون النعى عليه بإقامته قرينة قانونية تنافى
هذا الأصل مجافيًا للحقيقة جديرًا بالالتفات عنه.
وحيث إن المدعى ينعى على العقوبة المنصوص عليها فى الفقرتين الأولى والثانية من المادة
(١٢٢) من قانون الجمارك المستبدلة بالقانون رقم ١٦٠ لسنة ٢٠٠٠ مخالفتها الضوابط الدستورية
للنصوص العقابية، وذلك بتحديد عقوبة واحدة لجريمة التهريب الجمركى التامة، والشروع
فيها، وتوقيعها على الفاعلين لها، وشركائهم فى ارتكابها.
وحيث إن هذا النعى غير سديد؛ ذلك أن المقرر فى قضاء المحكمة الدستورية العليا، أن شرعية
الجزاء، جنائيًا كان، أو مدنًيا، أو تأديبًيا، مناطها، أن يكون متناسبًا مع الأفعال
التى أثمها المشرع، أو حظرها، أو قيد مباشرتها وأن الأصل فى العقوبة هو معقوليتها،
فلا يكون التدخل بها إلا بقدر ما يكون الجزاء ملائمًا لجريمة بذاتها، ينبغى أن يتحدد
على درجة خطورتها، ونوعية المصالح التى ترتبط بها، وبمراعاة أن الجزاء الجنائى لا يكون
مخالفًا للدستور إلا إذا اختل التعادل بصورة ظاهرة بين مداه، وطبيعة الجريمة التى تعلق
بها، ودون ذلك يعنى إحلال هذه المحكمة لإرادتها محل تقدير متوازن من السلطة التشريعية
للعقوبة التى فرضتها.
وحيث إنه من المقرر فى قضاء هذه المحكمة أن الأصل فى صور الجزاء ألا تتزاحم جميعها
على محل واحد بما يخرجها عن موازين الاعتدال، وألا يتعلق جزاء منها بغير الأفعال التى
تتحد خواصها وصفاتها، بما يلائمها، فلا يكون من أثره العدوان دون مقتض على حقوق الملكية
الثابتة لأصحابها، مما يتعين معه أن يوازن المشرع قبل تقريره للجزاء بين الأفعال التى
يجوز أن يتصل بها، وأن يقدر لكل حال لبوسها، فلا يتخذ من النصوص القانونية ما تظهر
فيه مكامن مثالبها، بل يبتغيها أسلوبًا لتقويم أوضاع خاطئة.
متى كان ما تقدم، وكانت العقوبات الواردة فى الفقرتين الأولى والثانية من النص المطعون
فيه هى الحبس والغرامة أو إحدى هاتين العقوبتين، وقد استهدف المشرع من تقريرها تحقيق
الردع العام والخاص، ويتحقق الردع الخاص بحرمان الجانى من حريته أو من جزء من ملكه،
وهو الإيلام المقصود من العقوبة بوجه عام، وقد جاءت كل عقوبة منها ذات حدين أدنى وأقصى
يعمل القاضى سلطته فى إيقاع القدر المناسب منها فى كل حالة على حدة، ومن ثم تكون هاتان
العقوبتان قد جاءتا متناسبتين مع الفعل المنهى عنه، وفقًا لما رآه المشرع محققًا للفائدة
الاجتماعية المبتغاة، وفى إطار سلطته التقديرية فى مجال تنظيم الحقوق، كما جاءت العقوبتان
بالقدر اللازم لحمل المخاطبين بنص البند (ز) من المادة (٩) من قانون تنظيم الإعفاءات
الجمركية المستبدلة بالقانون رقم ٧١ لسنة ١٩٩٦ على الالتزام بمسك الدفاتر المنصوص عليها
فى المادة المذكورة، وانتظام بياناتها، لتتحقق الجهات الجمركية من استعمال البضائع
المعفاة كليًا أو جزئيًا فى الغرض الذى أعفيت من أجله وحتى لا يكون الغرض من الإخلال
بهذا الالتزام التخلص من الضرائب الجمركية كلها أو بعضها.
وحيث إن من المقرر أن الالتزام بأداء الضريبة الجمركية يعد أمرًا واجبًا فى كل الأحوال،
فإذا تهرب الملتزم بأداء هذه الضريبة من سداد ما هو مستحق منها، شكَّل فعله هذا جريمة
تستوجب معاقبته بالجزاء المناسب فضلاً عن إلزامه بسداد قيمة الضريبة الجمركية المستحقة
وهو عين ما قضت به الفقرة الثانية من النص المطعون عليه من معاقبة من ارتكب جريمة التهريب
بتعويض يعادل مثلى الضرائب الجمركية المستحقة، جبرًا للأضرار التى لحقت الخزانة العامة
من جراء ارتكاب هذه الجريمة، ومن ثم فلا مخالفة فى هذا الجزاء لحكم المادة) ٣٨) من
الدستور.
وحيث إن الفقرة الثالثة من النص المطعون فيه تنص على أنه " وفى جميع الأحوال يحكم بمصادرة
البضائع موضوع التهريب فإذا لم تضبط يحكم بما يعادل قيمتها ".
ومفاد هذا النص أنه يتعين الحكم بالمصادرة فى جرائم التهريب أو الشروع فيها أو ما يعادل
قيمة البضائع موضوع التهريب إذا لم تضبط بالإضافة إلى الجزاءات الجنائية المحددة بالنص
المطعون عليه والتى تتمثل فى الحبس والغرامة أو إحدى هاتين العقوبتين والتعويض الذى
يعادل مثلى الضرائب الجمركية المستحقة، لتتعامد هذه الجزاءات جميعها على فعل واحد هو
مخالفة نص البند (ز) من المادة (٩) من قانون تنظيم الإعفاءات الجمركية.
وحيث إن من المقرر قانونًا أن المصادرة ما هى إلا إجراء الغرض منه تمليك الدولة أشياء
مضبوطة ذات صلة بجريمة – قهرًا عن صاحبها وبغير مقابل – وهى عقوبة قد تكون وجوبية يقتضيها
النظام العام لتعلقها بشئ خارج بطبيعته عن دائرة التعامل وهى على هذا الاعتبار تعد
تدبيرًا وقائًيا لا مفر من اتخاذه فى مواجهة الكافة، كما قد تكون المصادرة فى بعض القوانين
الخاصة من قبيل التعويضات المدنية إذا نُصَّ على أن تؤول الأشياء المصادرة إلى خزانة
الدولة كتعويض عما سببته الجريمة من أضرار.
وحيث إن مبدأ خضوع الدولة للقانون مؤداه: ألا تُخل تشريعاتها بالحقوق التى يعتبر التسليم
بها فى الدول الديمقراطية مفترضًا أولًيا لقيام الدولة القانونية وضمانة أساسية لصون
حقوق الإنسان وكرامته، ويندرج تحتها طائفة الحقوق الوثيقة الصلة بالحرية الشخصية ومن
بينها ألا تكون العقوبة متضمنة معاقبة الشخص أكثر من مرة عن فعل واحد، وألا يكون الجزاء
مدنًيا كان أو جنائًيا مفرطًا بل يتعين أن يكون متناسبًا مع الفعل المؤثم ومتدرجًا
بقدر خطورته.
متى كان ذلك، وكانت المصادرة، المنصوص عليها فى الفقرة الثالثة من النص المطعون عليه،
أو الحكم بما يعادل قيمة البضائع موضوع التهريب حال عدم ضبطها قد تقررت على سبيل الوجوب،
وقد تعامدت مع الجزاءات الجنائية التى نصت عليها الفقرتان الأولى والثانية من النص
ذاته على فعل واحد وهو عدم إمساك الدفاتر المبينة بالبند (ز) من المادة (٩) من قانون
تنظيم الإعفاءات الجمركية بغرض التخلص من الضرائب الجمركية المستحقة كلها أو بعضها،
فإن هذا الجزاء يعد منافيًا لضوابط الدولة القانونية، ومهدرًا للحرية الشخصية، ومنتقصًا
بالتالى – دون مقتض – من العناصر الإيجابية للذمة المالية للخاضع لأحكام القانون المشار
إليه مما يعد مخالفة لأحكام المواد (35، 54، 94) من الدستور.
وحيث إن المادة (١٢٢) من قانون الجمارك الصادر بالقانون رقم ٦٦ لسنة ١٩٦٣ المستبدلة
بالقانون رقم ١٦٠ لسنة ٢٠٠٠ والبند (ز) من المادة (٩) من قانون تنظيم الإعفاءات الجمركية
الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم ١٨٦ لسنة ١٩٨٦ والمستبدلة بالقانون رقم ٧١
لسنة ١٩٩٦ محددين نطاقًا على النحو المتقدم لا يخالفان أية أحكام أخرى فى الدستور.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة: بعدم دستورية الفقرة الثالثة من المادة (١٢٢) من قانون الجمارك الصادر بالقانون رقم ٦٦ لسنة ١٩٦٣ المستبدلة بالقانون رقم ١٦٠ لسنة ٢٠٠٠ فيما نصت عليه من (وفى جميع الأحوال يحكم بمصادرة البضائع موضوع التهريب فإذا لم تضبط يحكم بما يعادل قيمتها) وذلك فى مجال تطبيقها على الفعل المؤثم بالفقرة الثانية من البند (ز) من المادة (٩) من قانون تنظيم الإعفاءات الجمركية الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم ١٨٦ لسنة ١٩٨٦ والمستبدلة بالقانون رقم ٧١ لسنة ١٩٩٦، وألزمت الحكومة المصروفات، ومبلغ مائتى جنيه مقابل أتعاب المحاماة.
| أمين السر | رئيس المحكمة |
