الطعن رقم 43 لسنة 19 ق – جلسة 09 /06 /1973
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثامنة عشر (من أول أكتوبر سنة 1972 إلى آخر سبتمبر سنة 1973) – صـ 116
جلسة 9 من يونيو سنة 1973
برئاسة السيد الأستاذ المستشار يوسف إبراهيم الشناوي – رئيس المحكمة وعضوية السادة الأساتذة: محمد صلاح الدين السعيد وأبو بكر محمد عطية وعبد الفتاح صالح الدهرى ومحمد نور الدين العقاد – المستشارين.
القضية رقم 43 لسنة 19 القضائية
هيئات قضائية – أعضاء مجلس الدولة – اختصاص لجنة التأديب والتظلمات.
(أ) لجنة التأديب والتظلمات المشكلة وفقا لحكم المادة 66 من قانون مجلس الدولة الصادر
به القانون رقم 55 لسنة 1950 لا يشترط لاختصاصها بالفصل في طلبات إلغاء القرارات الإدارية
المتعلقة بشئون أعضاء المجلس بأن يكون المتظلم وقت تقديمه تظلمه من أعضاء مجلس الدولة
العاملين – اختصاصها يقوم متى كان القرار الإداري المطعون فيه متعلقا بشئون أحد أعضاء
المجلس ماسا بمركزه القانوني بوصفه هذا حتى ولو زايلت العضو صفته المذكورة عند التقديم
بتظلمه سواء كان زوال هذه الصفة بسبب القرار المطعون فيه أم كان بسبب أخر جد بعد صدور
القرار المطعون فيه – أساس ذلك.
(ب) استقالة – الاستقالة مظهر من مظاهر إرادة الموظف في اعتزال الخدمة ويجب أن يصدر
برضاء صحيح يفسده ما يفسد الرضاء من عيوب ومنها الإكراه – توافر عناصر الإكراه في حالة تقديم
الموظف الطلب تحت سلطان رهبة بثتها الإدارة في نفسه دون حق وكانت قائمة على أساس –
للمحكمة أن تستمد اقتناعها من وقوع الإكراه بظروف الحال – توافر هذا العيب يبطل طلب
الاستقالة ويبطل تبعا لذلك قبول الاستقالة المبني عليه – مثال ذلك اعتقال عضو مجلس
الدولة مع توقيت مطالبته بالاستقالة والعملية التي لابست قبولها وإبلاغها إلى سلطات
التحقيق تفسر بجلاء أنها كانت مطلوبة أساسا بغرض التحلل من الضمانات التي أحاط بها
القانون رقم 55 لسنة 1959 الطاعن باعتباره من أعضاء مجلس الدولة غير القابلين للعزل
حتى يمكن إحالته إلى المحاكمة الجنائية دون إتباع ما يقضي به القانون لمن هم في مركزه
القانوني.
أثر ذلك أن طلب الاستقالة يكون قد صدر عن غير إرادة حرة تحت تأثير الإكراه المفسد للرضا
والاختيار ويعتبر باطلا ويبطل تبعا لذلك قرار قبول الاستقالة المبني عليه – القرار
الصادر في هذا الشأن بمثابة فصل عادي لا يختص به رئيس الوزراء.
(جـ) فصل – الاختصاص بفصل أعضاء مجلس الدولة غير القابلين للعزل يتم بصدور قرار من
رئيس الجمهورية بعد موافقة لجنة التأديب والتظلمات وبعد سماع أقوال العضو – القانون
لم يخول رئيس الوزراء أدني اختصاص في شأن فصل أعضاء مجلس الدولة – القرار الصادر منه
في هذا الشأن ينطوي على غصب السلطة.
1 – أنه عن السلطة المختصة بالفصل في تظلم الطاعن وما إذا كانت في لجنة التأديب والتظلمات
المشكلة وفقا لحكم المادة 66 من قانون مجلس الدولة الصادر به القانون رقم 55 لسنة 1959
والذي قدم التظلم في ظله على ما ذهب إليه الطاعن أم أن هذا الاختصاص منوط بالسيد رئيس
مجلس الدولة فقد جري نص المادة المشار إليها على أن "تشكل لجنة التأديب والتظلمات من
أعضاء المجلس الخاص منضما إليهم ثمانية من وكلاء ومستشاري المجلس بحسب ترتيبهم في الاقدمية
وتختص هذه اللجنة بتأديب أعضاء المجلس والفصل في طلبات إلغاء القرارات الإدارية المتعلقة
بشئون أعضاء المجلس. . وتفضل اللجنة فيما ذكر بعد سماع أقوال العضو والاطلاع على ما
يبديه من ملاحظات وتصدر قراراتها بالأغلبية المطلقة إلا في حالة التأديب فتصدر قراراتها
بأغلبية ثلثي أعضائها ويكون قرار اللجنة في جميع ما تقدم نهائيا ولا يقبل الطعن بأي
وجه من الوجوه أمام أية جهة "والفهم المتبادر من هذا النص على ما هو مستفاد من سياقه
وصريح عبارته أنه لم يشترط أن يكون المتظلم وقت تقديم تظلمه من أعضاء مجلس الدولة العاملين،
وكل ما تطلبه في هذا الشأن هو أن يكون القرار الإداري المطعون فيه متعلقا بشئون أحد
أعضاء المجلس ماسا بمركزه القانوني بوصفه هذا. وبهذه المثابة فان اختصاص اللجنة المشار
إليها بتحقيق ولو زايلت العضو صفته المذكورة عند التقدم بتظلمه سواء أكان زوال هذه
الصفة بسبب القرار المطعون فيه ذاته عندما يكون محله إنهاء خدمة العضو بالعزل أو الإحالة
إلى المعاش، أم كان ذلك بسبب آخر جد بعد صدور القرار المطعون فيه إذا كان محله على
سبيل المثال تخطيا في تعيين أو ترقية أم ما ذهبت إليه الأسباب التي بني عليها قرار
السيد رئيس مجلس الدولة برفض التظلم، من أن لجنة التأديب والتظلمات لا اختصاص لها إلا
بشئون أعضاء مجلس الدولة دون من انتهت خدمتهم، استنادا إلى دلالة عبارة "بعد سماع أقوال
العضو" التي أوردتها الفقرة الثالثة من المادة 66 المشار إليها، فانه ليس صحيحا في
القانون ذلك أن الدلالة المقول بها لا تتبادر من صيغة العبارة المشار إليها خاصة وأنها
وردت في مجال بيان الإجراءات التي تلتزم بها اللجنة في نظر التظلمات المعروضة عليها
وليس في مجال تحديد اختصاصاتها التي تولت الفقرة الثانية من المادة المذكورة بيانها
في صيغة واضحة المعني، ومع ذلك فانه بفرض التسليم بهذه الدلالة فان القواعد الأصولية
اللغوية بأنه إذا ما تعارض معني مفهوم من عبارة النص رجح هذا المفهوم على المفهوم من
دلالته.
ومن حيث إنه لما كان الأمر كذلك وكان الطاعن من أعضاء مجلس الدولة وانتهت خدمته بالقرار
المطعون فيه الصادر بقبول الاستقالة المقدمة منه، فان لجنة التأديب والتظلمات المشار
إليها تكون وحدها في صاحبة الاختصاص بالفصل في طلب إلغاء القرار المطعون فيه. وكان
يتعين والأمر كذلك عرض هذا التظلم على اللجنة المشار إليها للفصل فيه مراعاة أن التجاء
إلى هذه اللجنة وفقا لأحكام قانون مجلس الدولة لا يتطلب التظلم الإداري المسبق كما
هو الشأن بالنسبة للعاملين المدنيين بالدولة. وإذ بت السيد رئيس مجلس الدولة في هذا
التظلم فان قراره يكون قد انطوي على عدوان على اختصاص اللجنة المذكورة ينحدر به إلى
الانعدام ولا ينتج ثمة أثرا قانونيا، ومن ثم يعتبر التظلم قائما باعتبار أنه لم يفصل
فيه وفي انتظار تحديد جلسة لنظره أمام اللجنة المشار إليها للفصل فيه، وهو ما تم فعلا
حين أشر السيد رئيس مجلس الدولة في 23 من فبراير سنة 1972 بعرض التظلم في اللجنة المذكورة
صاحبة الاختصاص بالفصل فيه. وقد سارت اللجنة في نظره إلى أن أصبحت المحكمة الإدارية
العليا هي صاحبة الولاية بالفصل في المنازعة وفقا لحكم الفقرة ثانيا من المادة 104
من قانون مجلس الدولة الصادر به القانون رقم 47 لسنة 1972 فأحيلت إليها. وعلى ذلك تكون
لجنة التأديب والتظلمات ومن بعدها المحكمة الإدارية العليا هما المنوط بهما الفصل في
المنازعة والمثارة دون ثمة اختصاص في هذا الشأن للسيد رئيس مجلس الدولة، ومن ثم يكون
قراراه بالبت في تظلم الطاعن لا أثر له قانونا.
2 – أن طلب الاستقالة باعتباره مظهرا من مظاهر إرادة الموظف في اعتزال الخدمة يجب أن
يصدر برضاء صحيح، فيفسده ما يفسد الرضاء من عيوب، ومنها الإكراه إذا توافرت عناصره،
بأن يقدم الموظف الطلب تحت سلطان رهبة بعثتها الإدارة في نفسه دون حق وكانت قائمة على
أساس بأن كانت ظروف الحال تصور له خطرا جسيما محدقا يهدده، هو أو غيره في النفس أو
الجسم أو الشرف أو المال، ويراعي في تقدير الإكراه جنس من وقع عليه الإكراه وسنه وحالته
الاجتماعية والصحية وكل ظرف أخر من شأنه أن يؤثر في جسامته
ومن حيث إن الأوراق وأن كانت خلوا من الدليل الذي يؤيد الطاعن فيما أثار من أن المباحث
العسكرية قد مارست معه صنوف التعذيب التي أشار إليها لدفعها مكرها إلى التقدم بطلب
الاستقالة وكانت المحكمة قد ارتأت أن تحقيق وقائع هذا التعذيب عن طريق سماع الشهود
الذين استشهد بهم الطاعن أو إحالته إلى الطب الشرعي للكشف عما به من أثار هذه التعذيب،
لن يكون منتجا بعد أن انقضي ما يقرب من ثماني سنوات على تاريخ القبض على الطاعن وبالتالي
يتعذر إثبات أن ما قد يكون عالقا به من أثار التعذيب قد تم قبيل طلب الاستقالة أو كان
بمناسبتها، والأمر وإن كان كذلك إلا أن المحكمة تري من الظروف والملابسات التي أحاطت
بتقديم طلب الاستقالة وقبولها ما يقطع في أن الطاعن لم يتقدم بهذا الاستقالة عن رغبة
صحيحة ورضاء طليق من الإكراه. وتستمد المحكمة اقتناعها هذا من أن الطاعن تقدم بطلب
استقالته وهو مودع بالسجن الحربي تحت أمرة القائمين عليه وخاضع لسلطاتهم. وقد اتسمت
التصرفات التي اتخذت حياله منذ الوهلة الأولى بمخالفة القانون وخرق أحكامه، فقد تولت
المباحث العامة بناء على طلب مفتش المباحث العامة فرع القاهرة القبض على الطاعن وتفتيش
منزله في 24 من أغسطس سنة 1965 وظل مقبوضا عليه قرابة الأربعة أشهر دون تحقيق يجرى
معه اللهم إلا المذكرة التي حررها بخطه في 27 من أكتوبر سنة 1965 وذلك دون ثمة مبرر
ظاهر. كما أهملت كل الجهات المعنية ما قضى به قانون مجلس الدولة الصادر به القانون
رقم 55 لسنة 1959 من ضمانات خاصة بأعضائه، قننتها المادة 64 من القانون المذكور حين
نصت على "ويكون النواب غير قابلين للعزل متى أمضوا سنوات متصلة في وظيفتهم… ويسرى
بالنسبة إلى هؤلاء سائر الضمانات التي يتمتع بها القضاء وتكون لجنة التأديب والتظلمات
هي الجهة المختصة في كل ما يتصل بهذا الشأن" وأفصحت المذكرة الإيضاحية لقانون مجلس
الدولة الصادر به القانون رقم 165 لسنة 1955 الذي نقلت عنه المادة المذكورة، على أن
النص الخاص بسائر الضمانات التي يتمتع بها القضاء يشمل الضمانات المتعلقة بالقبض عليهم
واستمرار حبسهم وتحديد المحكمة المختصة وكل ما يتصل بهذا الشأن. وقد أوردت المادة 106
من قانون السلطة القضائية الصادر به القانون رقم 43 لسنة 1965 والذي عمل به اعتبارا
من تاريخ نشره في 22 من يوليه سنة 1965 قبل تاريخ القبض على الطاعن، الضمانات المقررة
للقضاة والتي يتمتع بها أعضاء مجلس الدولة غير القابلين للعزل بالتطبيق لحكم المادة
64 سالفة الذكر، ومنهم الطاعن الذي عين نائبا بالمجلس اعتبارا من 7 من أغسطس سنة 1962
وكان قد أمضى بذلك أكثر من ثلاث سنوات متصلة في وظيفته عند القبض عليه في 24 من أغسطس
سنة 1965. وكان من مقتضى ذلك أن يتمتع بالضمانات التي أسبغها القانون على أعضاء مجلس
الدولة غير القابلين للغزل ومنها عدم جواز القبض عليه أو حبسه احتياطيا إلا بعد الحصول
على إذن من لجنة التأديب والتظلمات، كما كان يتعين عند القبض عليه في حالة التلبس أن
يرفع الأمر إلى هذه اللجنة في مدة الأربع والعشرين ساعة التالية لتقرر أما استمرار
حبسه أو الإفراج عنه بكفالة أو بغير كفالة مع تحديد مدة الحبس في القرار الذي يصدر
بالحبس أو باستمراره، ومراعاة هذه الإجراءات كلما رؤى استمرار الحبس الاحتياطي بعد
المدة التي قررتها اللجنة، وعدم جواز اتخاذ أي إجراء من إجراءات التحقيق معه أو رفع
الدعوى الجنائية عليه من جناية أو جنحة إلا بأذن من اللجنة المذكورة وبناء على طلب
النائب العام، كما كان يتعين حبسه وتنفيذ العقوبة المقيدة للحرية بالنسبة له من أماكن
مستقلة عن الأماكن المخصصة لحبس السجناء الآخرين. ورغما عن كل هذه الضمانات القانونية
فقد أهملت كل الجهات المعنية أعمال هذه الأحكام جملة وتفصيلا وانفردت بالقبض على الطاعن
وحبسه احتياطيا دون عرض الأمر على لجنة التأديب والتظلمات لتمارس اختصاصاتها بالنسبة
له مهدرة بذلك أهم الضمانات المقررة قانونا لرجل القضاء. كما أن مجلس الدولة رغم علمه
بالقبض على الطاعن وحبسه منذ البداية لم يتحرك للتعرف على ما نسب إلى أحد أعضائه ليحقق
له الضمانات القانونية سالفة الذكر. ولا ريب أن من شأن هذه التصرفات ما يزعزع ثقة الطاعن
في أن السيادة كانت للقانون ولأحكامه، وبالتالي فان ما وقر في نفسه من أن الغلبة كانت
لمنطق القوة دون منطق القانون وضماناته، كان له ما يبرره، ومن ثم فان ما أثاره الطاعن
على أن الاستقالة التي تقدم بها كان مبعثها الإكراه المفسد للرضا يقوم على أساس سليم
من الواقع والقانون إذ لم يكن أمامه من سبيل إلا الإذعان لطلب الاستقالة وهو حبيس من
السجن الحربي مقيد الحرية منقص الضمانات القانونية.
ومن حيث إنه مما يؤكد هذا النظر أن المحكمة لم تستشف من الأوراق ثمة مصلحة للطاعن تبرر
التقدم بطلب الاستقالة في 7 من فبراير سنة 1966 بعد أن أمضى حوالي ستة أشهر على تاريخ
القبض عليه دون أن يفكر فيها وكان التحقيق معه قد انتهى أو كاد منذ 11 من ديسمبر سنة
1965. والواقع من الأمر أن الرغبة كانت قد اتجهت إلى تقديم الطاعن إلى محكمة أمن الدولة
لمحاكمته جنائيا مع المتهمين الآخرين وكان الأمر يتطلب استئذان لجنة التأديب والتظلمات
في رفع الدعوى الجنائية ضده على ما تقضى به الضمانات المقررة قانونا لأعضاء مجلس الدولة
سالفة البيان، إلا أن الاتجاه السائد كان يسير منذ البداية على عدم الالتزام بأي ضمانة
مقررة للطاعن والأعراض عن الالتجاء إلى لجنة التأديب والتظلمات فيما قضى به القانون،
ومن هنا كانت هناك مصلحة واضحة للضغط على الطاعن ليتقدم باستقالته حتى تصبح النيابة
العامة في حل من اتخاذ إجراءات استئذان لجنة التأديب في رفع الدعوى الجنائية ضده. وهذا
الهدف واضح الدلالة من ظروف التقدم بالاستقالة وما تلي ذلك من إجراءات فقد بعثت إدارة
السجن الحربي بالطاعن إلى مجلس قيام الثورة في 7 من فبراير سنة 1966 ليتقدم بطلب الاستقالة
إلى السيدين رئيس نيابة أمن الدولة العليا وأمين عام مجلس الدولة بينما كان الوضع الطبيعي
أن يتقدم به إلى إدارة السجن أو إلى المحقق، وكان ذلك لسبب غير معقول إلا أن يكون للإيحاء
بأن الطاعن تقدم باستقالته عن طواعية واختيار. ثم عرضت الاستقالة على السيد رئيس الوزراء
حيث أصدر قراره بقبولها في 13 من فبراير سنة 1966 وفى لهفة بادية أبلغت الواقعة إلى
مجلس الدولة فقام الأمين العام به بإبلاغها شفاهة إلى السيد رئيس نيابة أمن الدولة
الذي أبلغها بدره إلى السيد وكيل النيابة المحقق أثناء وجوده في السجن الحربي وتم ذلك
كله في ذات اليوم وهو يوم 13 من فبراير سنة 1966 الذي فتح فيه السيد وكيل النيابة المحقق
محضره الساعة الرابعة وأربعين دقيقة مساء بالسجن الحربي ووجه الاتهام فيه إلى الطاعن
لأول مرة ثم أحيل مع باقي المتهمين إلى المحاكمة في 15 من فبراير سنة 1966. وتوقيت
المطالبة بهذه الاستقالة والعجلة التي لا بست قبولها وإبلاغها إلى السلطات التحقيق
تفسر بجلاء أنها كانت مطلوبة أساسا بغرض التحلل من الضمانات التي أحاط بها القانون
الطاعن باعتباره من أعضاء مجلس الدولة غير القابلين للعزل، حتى يمكن إحالته إلى المحكمة
الجنائية دون إتباع ما يقضى به القانون لمن هم في مركزه القانوني – من وجوب عرض الموضوع
وأدلته وملابساته على لجنة التأديب والتظلمات بمجلس الدولة قبل رفع الدعوى الجنائية
ضده لتأذن أو لا تأذن يرفع الدعوى، وقد تحقق ذلك بإحالة الطاعن إلى المحكمة بعد يومين
فقط من تاريخ قبول الاستقالة. ولا تتصور المحكمة أن يسعى الطاعن، وهو من رجال القانون
الذين يدركون ما لهم من حقوق وضمانات، إلى التقديم بطلب استقالة مختارا وفى هذا الوقت
بالذات ما لم يكن ذلك نتيجة رهبة حقيقية عاناها ولم يقوى على تحملها أو مقاومتها.
ومن حيث إن طلب الاستقالة وقد صدر على ما سلف بيانه عن غير إرادة حرة تحت تأثير الإكراه
المفسد للرضا والاختيار، فانه يعتبر باطلا ويبطل تبعا لذلك قبول الاستقالة المبنى عليه.
وبناء عليه يكون القرار المطعون فيه الصادر بقبول استقالة الطاعن في الواقع من الأمر
إقالة غير مشروعة أو هو بمثابة الفصل العادي وهو ما لا يختص به السيد رئيس الوزراء
الذي قبل الاستقالة.
3 – إن فصل أعضاء مجلس الدولة من الخدمة وفقا لأحكام قانون مجلس الدولة الصادر به القانون
رقم 55 لسنة 1959 الذي صدر في ظله القرار المطعون فيه، أما أن يكون وفقا لحكم المادة
64 من القانون المذكور بالإحالة إلى المعاش إذا فقد العضو الثقة والاعتبار اللذين تتطلبهما
الوظيفة، والاختصاص بذلك منوط بالنسبة للأعضاء غير القابلين للعزل – ومنهم الطاعن –
بصدور قرار من رئيس الجمهورية بعد موافقة لجنة التأديب والتظلمات وبعد سماع أقوال العضو،
وأما أن يكون بالعزل تأديبيا، وتوقيع هذه العقوبة منوط بلجنة التأديب والتظلمات وفقا
لحكم المادتين 65، 66 من القانون آنف الذكر بعد سماع أقوال العضو والاطلاع على ما يبديه
من ملاحظات. وإذ حدد القانون السلطات المختصة بعزل أعضاء مجلس الدولة تأديبيا وبإحالة
غير القابلين للعزل منهم إلى المعاش ولم يخول السيد رئيس الوزراء أدنى اختصاص في هذا
الشأن فان قراره قد تمخض على ما سلف بيانه عن فصل عادى لم تراع فيه الإجراءات والضمانات
القانونية المقررة لأعضاء مجلس الدولة، يكون قد انطوى على عدوان جسيم على اختصاص كل
من لجنة التأديب والتظلمات ورئيس الجمهورية ينزل بالقرار المطعون فيه إلى حد غصب السلطة،
وينحدر به إلى مجرد الفعل المادي المعدوم الذي لا يترتب عليه أي أثر قانوني، ومن ثم
فلا تلحقه أية حصانة ولا يتقيد الطعن فيه بميعاد.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات، وبعد المداولة.
من حيث إن عناصر هذا المنازعة تتحصل – حسبما يبين من الأوراق – من أن شقيق الطاعن السيد/……..
تقدم بصفته قيما عليه بتظلم مؤرخ في 8 من سبتمبر سنة 1968 إلى السيد رئيس مجلس الدولة
ضمنه أن شقيقه النائب السابق بمجلس الدولة والمحكوم عليه في إحدى قضايا الإخوان المسلمين
بالأشغال الشاقة لمدة اثني عشر عاما في الجناية رقم 12 لسنة 1965 أمن دولة عليا، كان
قد ألقى القبض عليه في 24 من أغسطس سنة 1965 ونقل إلى السجن الحربي حيث بقى تحت سلطات
المباحث العسكرية حتى 5 من ديسمبر سنة 1965 إذ تولت نيابة أمن الدولة التحقيق معه ما
يزيد على ثلاثة شهور دون أن توجه إليه اتهاما معينا. وفى 7 من فبراير سنة 1966 نقل
تحت إشراف المباحث العسكرية من السجن الحربي إلى مبنى مجلس قيادة الثورة حيث كان في
انتظاره أمين عام مجلس الدولة ورئيس نيابة أمن الدولة, وطلب إليه الأول التقدم باستقالته
من منصبه وكان قد سبق ذلك تنبيه من قائد السجن الحربي في ذلك الحين (اللواء المتقاعد
حمزة البسيوني) فقدم الاستقالة تحت الإكراه والأدبي والمعنوي والمادي وفي ظروف لم يكن
يملك معها رفض تقديم الاستقالة، وأثر ذلك قدم إلى المحاكمة أمام محكمة عسكرية أصدرت
حكمها ضده في 5 من سبتمبر سنة 1966، وانتهى إلى أن الاستقالة بهذه المثابة تكون باطلة
هي وما بني عليها، وأشار إلى أن الظروف التي لا بست هذا الاتهام فرضت عليه هو وجميع
المتهمين عدم الاتصال بخارج السجن إلى عهد قريب الأمر الذي حال دون اتخاذ إجراءات الطعن.
وخلص إلى قبول هذا الطعن شكلا وفى الموضوع ببطلان قرار قبول الاستقالة وسحبه مع ما
يترتب على ذلك من آثار. وقد أعد المكتب الفني بمجلس الدولة المذكرة ارتأى فيها أن الطاعن
بعد أن زايلته صفة العضوية بالمجلس أثر انتهاء خدمته بالقرار الصادر بقبول استقالته،
وهى الصفة الموجبة لاختصاص لجنة التأديب والتظلمات الخاصة بأعضاء مجلس الدولة، فان
التظلم السالف الذكر يخرج عن اختصاص اللجنة المذكورة ويعتبر بمثابة تظلم إداري عادى.
وتطرقت المذكرة بعد ذلك إلى أن التظلم وقد ورد إلى المجلس بتاريخ 11 من سبتمبر سنة
1968 بعد مدة زادت على سنتين ونصف من تاريخ قرار قبول الاستقالة المطعون فيه الصادر
في فبراير سنة 1966، فان التظلم بذلك يكون مقدما بعد فوات الميعاد المقرر قانونا للتظلم
وبالتالي يكون غير مقبول شكلا. وعن الموضوع أوضحت المذكرة أنه لم يثبت أن ثمة وقائع
محددة تشكل رهبة بعثتها الإدارة في نفس المتظلم دون حق وألجأته مكرها إلى تقديم استقالته،
وبالتالي يكون النص على الاستقالة بعيب الإكراه فاقد الأساس. وانتهت المذكرة أصليا
إلى عدم قبول التظلم شكلا لتقديمه بعد فوات الميعاد المقرر قانونا واحتياطيا إلى رفضه
موضوعا. وقد أشر السيد رئيس المجلس على هذه المذكرة في 15 من أكتوبر سنة 1968 بالمرافقة
على ما انتهت إليه للأسباب التي عولت عليها مع إخطار الطالب بالنتيجة. وبناء عليه أخطر
القيم في 16 من أكتوبر سنة 1968 بأن السيد رئيس المجلس قرر رفض هذا التظلم موضوعا.
وفى 17 في فبراير سنة 1972 تقدم القيم بصفته إلى السيد رئيس المجلس – لجنة التظلمات
– بطلب عقب فيه على قرار السيد رئيس مجلس الدولة برفض تظلمه قائلا أن لجنة التأديب
والتظلمات المشكلة وفقا لحكم المادة 66 من قانون مجلس الدولة رقم 55 لسنة 1959 هي صاحبة
الاختصاص بالفصل في تظلمه، وإذ انفرد السيد رئيس مجلس الدولة بالفصل في تظلمه فانه
يكون قد اغتصب سلطة لجنة التأديب والتظلمات ويكون قراره والأمر كذلك منعدما، وبهذه
المثابة فان التظلم يعتبر مطروحا على اللجنة المشار إليها ومنتظرا تحديد جلسة لنظره.
وأضاف الطالب أن استقالة شقيقه وقعت تحت الإرهاب الشديد الذي من شأنه أن يزيل رضا مقدم
الاستقالة ويعدمه، فقد تعرض لصنوف من القسوة والعنف لا يقبل معها القول بأنه قدم الاستقالة
باختياره خاصة وأنها لا تحقق له إلا خسارة فادحة وضياعا محققا في وقت كان يناشده الأمل
أن تسفر محاكمته على البراءة والعودة إلى عمله، وبالتالي يكون الإكراه ومتحققا بأجلي
معانيه، وتكون الاستقالة والقرار الصادر بقبولها منعدمين ولا يتقيد الطعن فيهما بميعاد
معين. والتمس الطالب استدعاء شقيقه أمام لجنة التأديب والتظلمات ليشرح ما وقع عليه
من إكراه وليقدم الدليل على ذلك. وخلص إلى طلب اتخاذ الإجراءات القانونية في الطلب
المقدم منه وتصميمه على طلباته مع حفظ كافة الحقوق. وقد وافق السيد رئيس المجلس في
23 من فبراير سنة 1972 على إحالة التظلم إلى لجنة التأديب والتظلمات التي سارت في نظره
إلى أن أجيل إلى المحكمة الإدارية العليا لنظره تطبيقا للقانون رقم 47 لسنة 1972 بشأن
مجلس الدولة.
وقد أبدى الطاعن أمام لجنة التأديب والتظلمات وأمام المحكمة الإدارية العليا أنه شاهد
منذ وطئت قدماه السجن الحربي ما ولد عنده حالة الإكراه على نحو لا يحتمله الرجل العادي
بل لا يحتمله أولو العزم من الرجال، وأفاض في بيان ما قرر أنه قد شاهده من مظاهر التعذيب
بالكي بالنار والصعق بالكهرباء وإطلاق الكلاب المتوحشة الجائعة تمزق الثياب والجلود
واللحوم، والقتل والتمثيل بالقتلى وهتك أعراض النساء وما إلى ذلك. وأضاف أنه قد مورس
معه بعض عمليات التعذيب بالضرب بالسياط حتى تمزقت جلود قدميه ويديه ثم الضرب بالسياط
على الجروح حتى يكون الضرب أشد إيلاما وأنه برغم مضى سبع سنين فما زالت آثار التعذيب
قائمة به، كما هدد في عرضه وكان له أن يصدق ذلك بعد أن رأى بنفسه نساء من كرائم العائلات
يمارس معهن التعذيب ويهددن في أعراضهن. وأشار بصدد الاستقالة إلى أنه عذب بالضرب بالسياط
ثم حمل من ساحة التعذيب إلى مكتب قائد السجن الحربي في هذا الحين اللواء المتقاعد حمزة
البسيونى ووسط حالة الإكراه التي حدثت له نبه عليه بأنه سينقل إلى مبنى قيادة والثورة
لتقديم استقالته، وقال له أنه من الخير له أن يتقدم بها بدلا من "البهدلة اللي أنت
شايفها" ثم حمل في هذا الجو تحت حراسة المباحث العسكرية من مبنى السجن الحربي إلى مبنى
مجلس قيادة الثورة حيث وجد في انتظاره رئيس نيابة أمن الدولة والأمين العام لمجلس الدولة
وتم تقديم الاستقالة في حضور الاثنين، وسلمها إلى الأمن العام لمجلس الدولة. وطلب سماع
شهادة السيدين إبراهيم منير وطاهر سليمان المسجونين السياسيين للاستشهاد بهما على التعذيب
الذي لقبه في السجن الحربي والذي أضطره إلى تقديم استقالته، كما طلب سماع شهادة الأستاذ
فتح الله بركات الأمين العام لمجلس الدولة عن تقديم الاستقالة للاستشهاد به في أنه
حضر إلى مقر مجلس قيادة الثورة لتلقى الاستقالة وأن الطاعن طلب منه أن يكتب في طلب
الاستقالة أنها بسبب الاعتقال والمحاكمة فأفهمه أنها بذلك تكون مسببة وطلب منه أن تكون
الاستقالة غير مسببة. كما طلب الطاعن إحالته إلى أحد الأطباء الشرعيين لإثبات التعذيب
الذي وقع عليه. وانتهى الطاعن في مذكرته المقدمة لهذه المحكمة بجلستها المنعقدة في
14 من إبريل سنة 1973 إلى طلب الحكم بقبول الطعن شكلا وفى الموضوع أصليا باعتبار قبول
الاستقالة كأن لم تكن، واحتياطيا سماع الشهود وتحقيق واقعة الإكراه المادي التي تعرض
لها. قد أودع ملف الطعن أوراق الجناية رقم 12 لسنة 1965 المشار إليها والحكم الصادر
فيها وملف خدمة الطاعن وأوراق التظلم. وأفاد السيد أمين عام مجلس الدولة بكتابه رقم
3618 المؤرخ 25 من مايو سنة 1972 بأنه ليس لدى المجلس معلومات عن الظروف التي تم فيها
تقديم استقالة الطاعن.
أنه عن السلطة المختصة بالفصل في تظلم الطاعن وما إذا كانت هي لجنة التأديب والتظلمات،
المشكلة وفقا لحكم المادة 66 من قانون مجلس الدولة الصادر به القانون رقم 55 لسنة 1959
والذي قدم التظلم في ظله، على ما ذهب إليه الطاعن، أم أن هذا الاختصاص منوط بالسيد
رئيس مجلس الدولة. فقد جري نص المادة المشار إليها على أن "تشكل لجنة التأديب والتظلمات
من أعضاء المجلس الخاص منضما إليهم ثمانية من وكلاء ومستشاري المجلس بحسب ترتيبهم في
الاقدمية. وتختص هذه اللجنة بتأديب أعضاء المجلس والفصل في طلبات إلغاء القرارات الإدارية
المتعلقة بشئون أعضاء المجلس….. وتفضل اللجنة فيما ذكر بعد سماع أقوال العضو والاطلاع
على ما يبديه من ملاحظات وتصدر قراراتها بالأغلبية المطلقة إلا في حالة التأديب فتصدر
قراراتها بأغلبية ثلثي أعضائها. ويكون قرار اللجنة في جميع ما تقدم نهائيا ولا يقبل
الطعن بأي وجه من الوجوه أمام أية جهة". والفهم المتبادر من هذا النص على ما هو مستفاد
من سياقه صريح عبارته أنه لم يشترط أن يكون المتظلم وقت تقديم تظلمه من أعضاء مجلس
الدولة العاملين وكل ما تطلبه في هذا الشأن هو أن يكون القرار الإداري المطعون فيه
متعلقا بشئون أحد أعضاء المجلس ماسا بمركزه القانوني بوصفه هذا. وبهذه المثابة فان
اختصاص اللجنة المشار إليها بتحقيق ولو زايلت العضو صفته المذكورة عند التقدم بتظلمه
سواء أكان زوال هذه الصفة بسبب القرار المطعون فيه ذاته عندما يكون محله إنهاء خدمة
العضو بالعزل أو الإحالة إلى المعاش، أم كان ذلك بسبب آخر جد بعد صدور القرار المطعون
فيه إذا كان محله على سبيل المثال تخطيا في تعيين أو ترقية. أما ما ذهبت إليه الأسباب
التي بني عليها قرار السيد رئيس مجلس الدولة برفض التظلم، من أن لجنة التأديب والتظلمات
لا اختصاص لها إلا بشئون أعضاء مجلس الدولة دون من انتهت خدمتهم، استنادا إلى دلالة
عبارة "بعد سماع أقوال العضو" التي أوردتها الفقرة الثالثة من المادة 66 المشار إليها،
فانه ليس صحيحا في القانون ذلك أن الدلالة المقول بها لا تتبادر من صيغة العبارة المشار
إليها خاصة وإنها وردت في مجال بيان الإجراءات التي تلتزم بها اللجنة في نظر التظلمات
المعروضة عليها وليس في مجال تحديد اختصاصاتها التي تولت الفقرة الثانية من المادة
المذكورة بيانها في صيغة واضحة المعني، ومع ذلك فانه بفرض التسليم بهذه الدلالة فان
القواعد الأصولية اللغوية بأنه إذا ما تعارض معني مفهوم من عبارة النص رجح هذا المفهوم
على المفهوم من دلالته.
ومن حيث إنه لما كان الأمر كذلك وكان الطاعن من أعضاء مجلس الدولة وانتهت خدمته بالقرار
المطعون فيه الصادر بقبول الاستقالة المقدمة منه، فانه لجنة التأديب والتظلمات المشار
إليها تكون وحدها في صاحبة الاختصاص بالفصل في طلب إلغاء القرار المطعون فيه. وكان
يتعين والأمر كذلك عرض هذا التظلم على اللجنة المشار إليها للفصل فيه مراعاة أن الالتجاء
إلى هذه اللجنة وفقا لأحكام قانون مجلس الدولة لا يتطلب التظلم الإداري المسبق كما
هو الشأن بالنسبة للعاملين المدنيين بالدولة. وإذ بت السيد رئيس مجلس الدولة في هذا
التظلم فان قراراه يكون قد انطوي على عدوان على اختصاص اللجنة المذكورة ينحدر به إلى
الانعدام ولا ينتج ثمة أثرا قانونيا، ومن ثم يعتبر التظلم قائما باعتبار أنه لم يفصل
فيه وفي انتظار تحديد جلسة لنظره أمام اللجنة المشار إليها للفصل فيه، وهو ما تم فعلا
حين أشر السيد رئيس مجلس الدولة في 23 من فبراير سنة 1972 بعرض التظلم في اللجنة المذكورة
صاحبة الاختصاص بالفصل فيه. وقد سارت اللجنة في نظره إلى أن أصبحت المحكمة الإدارية
العليا هي صاحبة الولاية بالفصل في المنازعة وفقا لحكم الفقرة ثانيا من المادة 104
من قانون مجلس الدولة الصادر به القانون رقم 47 لسنة 1972 فأحيلت إليها. وعلي ذلك تكون
لجنة التأديب والتظلمات ومن بعدها المحكمة الإدارية العليا هما المنوط بها الفصل في
المنازعة والمثارة دون ثمة اختصاص في هذا الشأن للسيد رئيس مجلس الدولة، ومن ثم يكون
قراراه بالبت في تظلم الطاعن لا أثر له قانونا.
ومن حيث إن الثابت من الأوراق أن أحد الضباط بإدارة المباحث العامة قام في 24 من أغسطس
سنة 1965 بضبط وتفتيش الطاعن ومسكنه بناء على طلب مفتش المباحث العامة فرع القاهرة
وذلك على الوجه المبين بالمحضر الذي حرره في هذا التاريخ والذي أوضح فيه وظيفة الطاعن.
وقد ظل الطاعن مقبوضا عليه دون ثمة إجراء أو تحقيق حتى 27 من أكتوبر سنة 1965 حيث حرر
مذكرة أوضح فيها موقفه من الأخوان المسلمين، ولم يتخذ معه على أثر ذلك أي أجراء آخر
إلى أن أحيل إلى نيابة من أمن الدولة العليا التي باشرت تحقيقها معه في 5 من ديسمبر
سنة 1965 دون أن توجه إليه اتهاما محددا. وفى 7 من فبراير 1966 تقدم الطاعن بطلب موجه
إلى السيد رئيس مجلس الدولة طالبا في قبول استقالته من المجلس دون بيان السبب، فأشر
عليه السيد رئيس المجلس في 8 من فبراير سنة 1966 بتبليغها إلى الرئاسة مع الموافقة،
في 13 من فبراير سنة 1966 ورد إلى المجلس كتاب السيد وزير الدولة متضمنا موافقة السيد
رئيس الوزراء على قبول الاستقالة فأشر عليها السيد الأمين العام في 14 من فبراير 1966
بإحالتها إلى شئون العاملين. وبناء على ذلك صدر قرار السيد رئيس مجلس الدولة رقم 34
في 21 من مارس سنة 1966 برفع اسم الطاعن اعتبارا من 13 من فبراير سنة 1966. هذا وكان
السيد وكيل نيابة أمن الدولة قد فتح محضرا في 13 من فبراير سنة 1966 بمبنى السجن الحربي
أثبت فيه أن السيد رئيس النيابة أبلغه أثناء وجوده بالسجن الحربي باتصال السيد أمين
عام مجلس الدولة أبلغه بقبول الاستقالة المقدمة من المتهم (الطاعن) ثم واجهه بالاتهام
المسند إليه وهو أنه متهم بالاشتراك بطريق الاتفاق في محاولة قلب نظام الحكم القائم
بالقوة فأنكر ما نسب إليه. وقد أرفق بمحضر التحقيق كتاب السيد الأمين العام لمجلس الدولة
المؤرخ في 15 من فبراير 1966 بإخطار السيد رئيس نيابة أمن الدولة بموافقة السيد رئيس
الوزراء على قبول استقالة الطاعن، وقد أشر السيد رئيس النيابة على هذا الكتاب في 15
من فبراير سنة 1966 بالإرفاق. وفي نفس هذا التاريخ أمر السيد رئيس نيابة أمن الدولة
العليا بإحالة المتهمين في الجناية رقم 12 لسنة 1965 المذكورة ومن بينهم الطاعن إلى
محكمة أمن الدولة العليا لمحاكمتهم، فقضت في 8 من أغسطس 1966 بمعاقبته بالأشغال الشاقة
المؤقتة لمدة اثنتي عشر سنة ومصاريف المضبوطات المتعلقة بموضوع الدعوى وصدق السيد رئيس
الجمهورية على هذا الحكم في 4 من سبتمبر سنة 1966. وقد نعى الطاعن على قرار قبول استقالته
بالبطلان وطلب اعتبارها كأن لم تكن تأسيسا على أن طلب الاستقالة قدم منه تحت تأثير
الإكراه المفسد للرضا.
ومن حيث إن طلب الاستقالة باعتباره مظهرا من مظاهر إرادة الموظف في اعتزال الخدمة يجب
أن يصدر برضاء صحيح، فيفسده ما يفسد الرضاء من عيوب، ومنها الإكراه إذا توافرت عناصره،
بأن يقدم الموظف الطلب تحت سلطان رهبة بعثتها الإدارة في نفسه دون حق وكانت قائمة على
أساس، بأن كانت ظروف الحال تصور له خطرا جسيما محدقا يهدده هو أو غيره في النفس أو
الجسم أو الشرف أو المال، ويراعي في تقدير الإكراه جنس من وقع عليه الإكراه وسنه وحالته
الاجتماعية والصحية وكل ظرف أخر من شأنه أن يؤثر في جسامته.
ومن حيث إن الأوراق وإن كانت خلوا من الدليل الذي يؤيد الطاعن فيما أثار من أن المباحث
العسكرية قد مارست معه صنوف التعذيب التي أشار إليها لدفعه مكرها إلى التقدم بطلب الاستقالة،
وكانت المحكمة قد ارتأت أن تحقيق وقائع هذا التعذيب عن طريق سماع الشهود الذين استشهد
بهم الطاعن أو إحالته إلى الطب الشرعي للكشف عما به من أثار هذه التعذيب، لن يكون منتجا
بعد أن انقضي ما يقرب من ثماني سنوات على تاريخ القبض على الطاعن وبالتالي يتعذر إثبات
أن ما قد يكون عالقا به من أثار التعذيب قد تم قبيل طلب الاستقالة أو كان بمناسبتها،
والأمر وإن كان كذلك إلا أن المحكمة تري من الظروف والملابسات التي أحاطت بتقديم طلب
الاستقالة وقبولها ما يقطع في أن الطاعن لم يتقدم بهذا الاستقالة عن رغبة صحيحة ورضاء
طليق من الإكراه. وتستمد المحكمة اقتناعها هذا من أن الطاعن تقدم بطلب استقالته وهو
مودع بالسجن الحربي تحت أمرة القائمين عليه وخاضع لسلطاتهم. وقد استمت التصرفات التي
اتخذت حياله منذ الوهلة الأولى بمخالفة القانون وخرق أحكامه، فقد تولت المباحث العامة
بناء على طلب مفتش المباحث العامة فرع القاهرة القبض على الطاعن وتفتيش منزله في 24
من أغسطس سنة 1965 وظل مقبوضا عليه قرابة الأربعة أشهر دون تحقيق يجرى معه اللهم إلا
المذكرة التي حررها بخطه في 27 من أكتوبر سنة 1965 وذلك دون ثمة مبرر ظاهر. كما أهملت
كل الجهات المعنية ما قضى به قانون مجلس الدولة الصادر به القانون رقم 55 لسنة 1959
من ضمانات خاصة بأعضائه، قننتها المادة 64 من القانون المذكور حين نصت على "ويكون النواب
غير قابلين للعزل متى أمضوا ثلاث سنوات متصلة في وظيفتهم…. ويسرى بالنسبة إلى هؤلاء
سائر الضمانات التي يتمتع بها القضاء وتكون لجنة التأديب والتظلمات هي الجهة المختصة
في كل ما يتصل بهذا الشأن" وأفصحت المذكرة الإيضاحية لقانون مجلس الدولة الصادر به
القانون رقم 165 لسنة 1955 الذي نقلت عنه المادة المذكورة، على أن النص الخاص بسائر
الضمانات التي يتمتع بها القضاء يشمل الضمانات المتعلقة بالقبض عليهم واستمرار حبسهم
وتحديد المحكمة المختصة وكل ما يتصل بهذا الشأن. وقد أوردت المادة 106 من قانون السلطة
القضائية الصادر به القانون رقم 43 لسنة 1965 والذي عمل به اعتبارا من تاريخ نشره في
22 من يوليه سنة 1965 قبل تاريخ القبض على الطاعن، الضمانات المقررة للقضاة والتي يتمتع
بها أعضاء مجلس الدولة غير القابلين للعزل بالتطبيق لحكم المادة 64 سالفة الذكر، ومنهم
الطاعن الذي عين نائبا بالمجلس اعتبارا من 7 من أغسطس سنة 1962 وكان قد أمضى بذلك أكثر
من ثلاث سنوات متصلة في وظيفته عند القبض عليه في 24 من أغسطس سنة 1965. وكان من مقتضى
ذلك أن يتمتع بالضمانات التي أسبغها القانون على أعضاء مجلس الدولة غير القابلين للغزل
ومنها عدم جواز القبض عليه أو حبسه احتياطيا إلا بعد الحصول على إذن من لجنة التأديب
والتظلمات، كما كان يتعين عن القبض عليه في حالة التلبس أن يرفع الأمر إلى هذا اللجنة
في مدة الأربع والعشرين ساعة التالية لتقرر أما استمرار حبسه أو الإفراج عنه بكفالة
أو بغير كفالة مع تحديد مدة الحبس في القرار الذي يصدر بالحبس أو باستمراره، ومراعاة
هذه الإجراءات كلما رؤى استمرار الحبس الاحتياطي بعد المدة التي قررتها اللجنة، وعدم
جواز اتخاذ أي إجراء من إجراءات التحقيق معه أو رفع الدعوى الجنائية عليه من جناية
أو جنحة إلا بإذن من اللجنة المذكورة وبناء على طلب النائب العام، كما كان يتعين حبسه
وتنفيذ العقوبة المقيدة للحرية بالنسبة له من أماكن مستقلة عن الأماكن المخصصة لحبس
السجناء الآخرين. ورغما عن كل هذه الضمانات القانونية فقد أهملت كل الجهات المعنية
إعمال هذه الأحكام جملة وتفصيلا وانفردت بالقبض على الطاعن وحبسه احتياطيا دون عرض
الأمر على لجنة التأديب والتظلمات لتمارس اختصاصاتها بالنسبة له مهدرة بذلك أهم الضمانات
المقررة قانونا لرجل القضاء. كما أن مجلس الدولة رغم علمه بالقبض على الطاعن وحبسه
منذ البداية لم يتحرك للتعرف على ما نسب إلى أحد أعضائه ليحقق له الضمانات القانونية
سالفة الذكر. ولا ريب أن من شأن هذه التصرفات ما يزعزع ثقة الطاعن في أن السيادة كانت
للقانون ولأحكامه، وبالتالي فان ما وقر في نفسه من أن الغلبة كانت لمنطلق القوة دون
منطق القانون وضماناته، كان له ما يبرره، ومن ثم فان ما أثاره الطاعن على أن الاستقالة
التي تقدم بها كان مبعثها الإكراه المفسد للرضا يقوم على أساس سليم من الواقع والقانون
إذ لم يكن أمامه من سبيل إلا الإذعان لطلب الاستقالة وهو حبيس من السجن الحربي مقيد
الحرية منتقص الضمانات القانونية.
ومن حيث إنه مما يؤكد هذا النظر أن المحكمة لم تستشف من الأوراق ثمة مصلحة للطاعن تبرر
التقدم بطلب الاستقالة في 7 من فبراير سنة 1966 بعد أن أمضى حوالي ستة أشهر على تاريخ
القبض عليه دون أن يفكر فيها وكان التحقيق معه قد انتهى أو كاد منذ 11 من ديسمبر سنة
1965. والواقع من الأمر أن الرغبة كانت اتجهت إلى تقديم الطاعن إلى محكمة أمن الدولة
لمحاكمته جنائيا مع المتهمين الآخرين وكان الأمر يتطلب استئذان لجنة التأديب والتظلمات
في رفع الدعوى الجنائية ضده على ما تقضى به الضمانات المقررة قانونا لأعضاء مجلس الدولة
سالفة البيان، إلا أن الاتجاه السائد كان يسير منذ البداية على عدم الالتزام بأي ضمانة
مقررة للطاعن والأعراض عن الالتجاء إلى لجنة التأديب والتظلمات فيما قضى به القانون،
ومن هنا كانت هناك مصلحة واضحة للضغط على الطاعن ليتقدم باستقالته حتى تصبح النيابة
العامة في حل من اتخاذ إجراءات استئذان لجنة التأديب والتظلمات في رفع الدعوى وما تلي
ذلك من إجراءات فقد بعثت إدارة السجن الحربي بالطاعن إلى مجلس قيام الثورة في 7 من
فبراير سنة 1966 ليتقدم بطلب الاستقالة إلى السيدين رئيس نيابة أمن الدولة العليا وأمين
عام مجلس الدولة بينما كان الوضع الطبيعي أن يتقدم به إلى إدارة السجن أو إلى المحقق،
وكان ذلك لسبب غير معقول إلا أن يكون للإيحاء بأن الطاعن تقدم باستقالته عن طواعية
واختيار. ثم عرضت الاستقالة على السيد رئيس الوزراء حيث أصدر قراره بقبولها في 13 من
فبراير سنة 1966 وفى لهفة بادية أبلغت الواقعة إلى مجلس الدولة فقام الأمين العام به
بإبلاغها شفاهة إلى السيد رئيس نيابة أمن الدولة الذي أبلغها بدره إلى السيد وكيل النيابة
المحقق أثناء وجوده في السجن الحربي وتم ذلك كله في ذات اليوم وهو يوم 13 من فبراير
سنة 1966 الذي فتح فيه السيد وكيل النيابة المحقق محضره الساعة 4.40 مساء بالسجن الحربي
ووجه الاتهام فيه إلى الطاعن لأول مرة ثم أحيل مع باقي المتهمين إلى المحاكمة في 15
من فبراير سنة 1966. وتوقيت المطالبة بهذه الاستقالة والعجلة التي لا بست قبولها وإبلاغها
إلى السلطات التحقيق تفسر بجلاء أنها كانت مطلوبة أساسا بغرض التحلل من الضمانات التي
أحاط بها القانون الطاعن باعتباره من أعضاء مجلس الدولة غير القابلين للعزل، حتى يمكن
إحالته إلى المحكمة الجنائية دون إتباع ما يقضى به القانون لمن هم في مركزه القانوني
– من وجوب عرض الموضوع وأدلته وملابساته على لجنة التأديب والتظلمات بمجلس الدولة قبل
رفع الدعوى الجنائية ضده لتأذن أو لا تأذن يرفع الدعوى، وقد تحقق ذلك بإحالة الطاعن
إلى المحكمة بعد يومين فقط من تاريخ قبول الاستقالة. ولا تتصور المحكمة أن يسعى الطاعن،
وهو من رجال القانون الذين يدركون ما لهم من حقوق وضمانات، إلى التقديم بطلب استقالته
مختارا وفى هذا الوقت بالذات ما لم يكن ذلك نتيجة رهبة حقيقية عاناها ولم يقوى على
تحملها أو مقاومتها.
ومن حيث إن طلب الاستقالة وقد صدر على ما سلف بيانه عن غير إرادة حرة تحت تأثير الإكراه
المفسد للرضا والاختيار، فانه يعتبر باطلا ويبطل تبعا لذلك قبول الاستقالة المبنى عليه.
وبناء عليه يكون القرار المطعون فيه الصادر بقبول استقالة الطاعن في الواقع من الأمر
إقالة غير مشروعة أو هو بمثابة الفصل العادي وهو ما لا يختص به السيد رئيس الوزراء
الذي قبل الاستقالة.
3 – إن فصل أعضاء مجلس الدولة من الخدمة وفقا لأحكام قانون مجلس الدولة الصادر به القانون
رقم 55 لسنة 1959 الذي صدر في ظله القرار المطعون فيه أما أن يكون وفقا لحكم المادة
64 من القانون المذكور بالإحالة إلى المعاش إذا فقد العضو الثقة والاعتبار اللذين تتطلبهما
الوظيفة، والاختصاص بذلك منوط بالنسبة للأعضاء غير القابلين للعزل – ومنهم الطاعن –
بصدور قرار من رئيس الجمهورية بعد موافقة لجنة التأديب والتظلمات وبعد سماع أقوال العضو،
وأما أن يكون بالعزل تأديبيا، وتوقيع هذه العقوبة منوط بلجنة التأديب والتظلمات وفقا
لحكم المادتين 65، 66 من القانون آنف الذكر بعد سماع أقوال العضو والاطلاع على ما يبديه
من ملاحظات. وإذ حدد القانون السلطات المختصة بعزل أعضاء مجلس الدولة تأديبيا وبإحالة
غير القابلين للعزل منهم إلى المعاش ولم يخول السيد رئيس الوزراء أدنى اختصاص في هذا
الشأن فان قراره قد تمخض على ما سلف بيانه عن فصل عادى لم تراع فيه الإجراءات والضمانات
القانونية المقررة لأعضاء مجلس الدولة، يكون قد انطوى على عدوان جسيم على اختصاص كل
من لجنة التأديب والتظلمات ورئيس الجمهورية ينزل بالقرار المطعون فيه إلى حد غصب السلطة،
وينحدر به إلى مجرد الفعل المادي المعدوم الذي لا يترتب عليه أي أثر قانوني، ومن ثم
فلا تلحقه أية حصانة ولا يتقيد الطعن فيه بميعاد، الأمر الذي يتعين معه الحكم بقبول
الطعن شكلا وفي موضوعه بإلغاء قرار رئيس الوزراء المطعون فيه. أما ما أثاره الدفاع
عن الطاعن بمحضر جلسة المرافعة من طلب الحكم أصليا بتحقيق وقائع التعذيب التي وقعت
على الطاعن، فان هذا الطلب في حقيقة الأمر ليس طلبا مقصودا لذاته، وإنما هو من طلبات
تهيئة الدليل المؤدية لإثبات أو نفى الحق المطالب به أصلا والذي يدخل في اختصاص هذه
المحكمة، وهو إلغاء القرار المطعون فيه. وإذ استجابت المحكمة لطلب إلغاء القرار المذكور
فان طلب تحقيق وقائع التعذيب يصبح والحالة هذه غير ذي موضوع.
ومن حيث إنه لما تقدم من أسباب يتعين الحكم بقبول الطعن شكلا وفى موضوعه بإلغاء قرار
رئيس الوزراء الصادر في 13 من فبراير سنة 1966 بقبول استقالة الطاعن مع إلزام الحكومة
بالمصروفات.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلا وفى موضوعه بإلغاء قرار رئيس الوزراء الصادر في 13 من فبراير سنة 1966 بقبول استقالة الطاعن وألزمت الحكومة بالمصروفات.
