الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 244 لسنة 15 ق – جلسة 28 /04 /1973 

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثامنة عشر (من أول أكتوبر سنة 1972 إلى آخر سبتمبر سنة 1973) – صـ 83


جلسة 28 من إبريل سنة 1973

برئاسة السيد الأستاذ المستشار يوسف إبراهيم الشناوي – رئيس المحكمة وعضوية السادة الأساتذة: محمد صلاح الدين السعيد وأبو بكر محمد عطية وعبد الفتاح صالح الدهرى ومحمود طلعت الغزالي – المستشارين.

القضية رقم 244 لسنة 15 القضائية

عاملون مدنيون – تأديب – الجريمة التأديبية.
المخالفة التأديبية ليست فقط أخلال العامل بواجبات وظيفته، بل توجد كذلك كلما سلك العامل خارج نطاق وظيفته سلوكا معيبا يمس كرامته ويمس بطريق غير مباشر كرامة المرافق الذي يعمل به – النص في القانون رقم 46 لسنة 1964 على بعض أنواع الأعمال الشائنة – ليس من قبيل الحصر والتحديد – مثال وجود العامل في منزل تحوم حوله شبهة إدارية للعب القمار ومجالسته وآخرون ربة البيت في غياب زوجها – يشكل مخالفة تأديبية.
إن المخالفة التأديبية ليست فقط إخلال العامل بواجبات وظيفته إيجابا أو سلبا وما تقتضيه هذه الوجبات من احترام الرؤساء وطاعتهم، بل كذلك تنهض المخالفة التأديبية كلما سلك العامل سلوكا معيبا ينطوي على إخلال بكرامة الوظيفة أو لا يستقيم مع ما تفرضه عليه من تعفف واستقامة وبعد عن مواطن الريب والدنايا، وإذا كان لا يقوم بين الحياة العامة والحياة الخاصة عازل سميك يمنع كل تأثير متبادل بينهما فانه لا يسوغ للعامل حتى خارج نطاق وظيفته أن يغفل عن صفته كعامل ويقدم على بعض التصرفات التي تمس كرامته وتمس بطريق غير مباشر كرامة المرفق الذي يعمل فيه إذ لا ريب أن سلوك العامل وسمعته خارج عمله ينعكس تماما على عمله الوظيفي ويؤثر عليه وعلي الجهاز الإداري الذي يعمل يه، ومن أجل ذلك كان القانون رقم 46 لسنة 1964 بإصدار قانون العاملين في الدولة ومن بعده القانون رقم 58 لسنة 1971 يوجب في الفقرة من المادة 53 علي العامل "أن يحافظ على كرامة وظيفته طبقا للعرف العام وأن يسلك في تصرفاته مسلكا يتفق والاحترام الواجب كما ينص في المادة منه على أن كل عامل يخالف الوجبات المنصوص عليها في هذا القانون أو يخرج علي مقتضي الواجب في أعمال وظيفته أو يظهر بمظهر من شأنه الإخلال بكرامة الوظيفة يعاقب تأديبا. وعلى مقتضي ما تقدم فانه يجب على العامل أن يتجنب في تصرفاته خارج الوظيفة كل مسلك شائن يكون من شأنه الإخلال بكرامة الوظيفة ووقارها، ولئن كان القانون رقم 46 لسنة 1964 المشار إليه قد أشار إلى بعض أنواع الأعمال الشائنة كلعب القمار في الأندية والمحلات العامة (المادة 57 فقرة 6) إلا أن ذلك ليس من قبيل الحصر والتحديد إذ أن واجبات العامل نفسها لا تقبل بطبيعتها حصرا وتحديد لعدة اعتبارات تكمن في الوظيفة ذاتها ومستواها وما تستلزمه من وقار وكرامة تقيد العامل حتى في تصرفاته الخاصة فيلتزم بمستوي من السلوك يليق بكرامة الوظيفة ويتناسب مع قدرها، وليس فيما تقدم ما يعد تكبيلا للعامل بقيود تنطوي على الحجر على حريته إذ المناط في تأثيم تصرفات العامل الشخصية خارج الوظيفة في بمدي انعكاس تلك التصرفات على الوظيفة العامة وتأثرها بها.
ومن حيث إن القدر المتيقن من التحقيقات التي تمت في القضيتين رقم 92 لسنة 64 جنح آداب قصر النيل ورقم 578 لسنة 1967 جنح آداب قصر النيل أن المنزل الذي ضبط فيه الطاعن تحوم حوله الشبهات ويتردد عليه بعض الأشخاص للعب القمار، بل أن بعض من ضبطوا في القضيتين المذكورتين ومن بينهم الطاعن لم يمار أيهم في أنهم يلعبون الورق، ولئن ذكروا أن ذلك كان يقصد التسلية فقط إلا أن حقيقة الأمر تخالف ذلك من واقع ضبط "الفيش" وأوراق اللعب وكذلك ما تكشف عنه طبائع الأمور من تواجد المترددين على المنزل حتى الساعات الأولى من الصباح بما لا يقضيه طبيعة التزاور بين الأصدقاء. وتواجد الطاعن في هذه البيئة التي تحللت من الأخلاق الكريمة وفي هذا الوسط المدموغ بالاستهتار والعبث، يؤثم سلوكه وينعكس بل يمتد إلى وظيفته أخذا في الاعتبار مستوي الوظيفة التي يقوم بعملها واتصالها بالعمل القضائي، وبالتالي يكون الطاعن قد ارتكب الذنب التأديبي المنصوص عليه في الفقرة من المادة والمادة من القانون رقم 46 المشار إليه.
ولا وجه للحجاج بأن الطاعن لم يثبت في حقه لعب القمار إذ أن ما أسند إليه هو الإخلال بكرامة الوظيفة طبقا للعرف العام وسلوكه مسلكا لا يتفق والاحترام الواجب، وهذه المخالفة لا تتوقف بطبيعة الحال علي ثبوت أو نفى إدارة المنزل للعب القمار وإنما تستخلص من مجموعة الدلائل والقرائن التي أسفرت عنها التحقيقات وهي في مجموعها تضفي ظلالا كثيفة علي فساد بيئة هذا المنزل طبقا للعرف العام الذي لا يبيح تواجد أغراب لا يمتون بصلة القربى لرب البيت يجالسون فيه زوجته أثناء غيبته حتى الساعات الأولي من الصباح، وغني عن القول أن دفاع الطاعن بأنه يرتبط بصلة القربى برب البيت وأن تواجده بل تردده علي المنزل بصفة مستمرة إنما كان لرعاية شئون الأسرة بعد أن حبس رب الأسرة احتياطيا في إحدى الجرائم هو دفاع ساقط ومردود بأن واجب الرعاية يتناقض تماما مع السماح لأصدقاء الزواج بالتواجد في المنزل أثناء غيابة حتى الساعات الأولي من الصباح يتناولون الطعام ويلعبون الورق، ولو كان جادا في هذا الدفاع لتمسك بالأصول المرعية وبأحكام الدين الحنيف ولمنع هؤلاء من التردد على المنزل على هذا النحو، ولو كان الطاعن حريصا على أن يتجنب الزلل وكل ما يؤثم سلوكه الشخصي لامتنع نفسه عن التردد علي المنزل المذكور أو قبول الأشراف على أسرة رب البيت بعد أن وضح له منذ عام 1964 ما يحيط بالمنزل من ريب وشبهات وأنه كان هدفا لمهاجمة شرطة الآداب، فالأولي أن يبتعد عن مواطن الشبهة لا أن ينغمس فيها تحت ستار قرابة بعيدة لم يثراها قبل أن يضبط في المنزل عام 1967.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات