الطعن رقم 3018 لسنة 41 قضائية عليا – جلسة 25 /07 /1998
مجلس الدولة – المكتب الفنى لرئيس مجلس الدولة
– مجموعة المبادئ القانونية التى قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثالثة والأربعون – الجزء الثانى (من أول مارس سنة 1998 إلى آخر سبتمبرى سنة
1998) – صــ 1527
جلسة 25 من يوليه سنة 1998
برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ فاروق عبد السلام شعت نائب رئيس مجلس الدولة، وعضوية السادة الأساتذة المستشارين/ منصور حسن على غربى، وأبو بكر محمد رضوان، وغبريال جاد عبد الملاك، وسعيد أحمد برغش نواب رئيس مجلس الدولة.
الطعن رقم 3018 لسنة 41 قضائية عليا
عاملون مدنيون بالدولة – حقوق وواجبات العامل – حدود حق النقد والتعبير
من خلال وسائل الإعلام.
المادتان 47، 48 من الدستور، المادة رقم 77 من قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة.
الأصل الذى كفله الدستور هو أن حرية الرأى مكفولة ولكل إنسان التعبير عن رأيه ونشره
بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير فى حدود القانون من حرية
الصحافة والطباعة والنشر فى وسائل الإعلام مكفولة أيضاً – إذا كان هذا الأصل فإن الدستور
قيد هذا الحق كغيره من الحقوق العامة بأن تكون ممارسته فى حدود القانون – قانون العاملين
المدنيين بالدولة نظم ممارسة الموظف العام لحق ابداء الرأى والتعبير والنقد من خلال
وسائل الاعلام وحظر على العامل أن يفضى بأى تصريح أو بيان عن أعمال وظيفته عن طريق
الصحف أو غيرها من طرق النشر إلا إذا كان مصرحاً له بذلك كتابة من الرئيس المختص –
المشرع حظر على العامل أيضاً أن يفشى الأمور التى يطلع عليها بحكم وظيفته إذا كانت
سرية بطبيعتها أو بموجب تعليمات تقضى بذلك – تطبيق.
إجراءات الطعن
فى يوم الأربعاء الموافق 17/ 5/ 1995 أودع الاستاذ/……… المحامى
بصفته وكيلا عن الطاعن/……. قلم كتاب هذه المحكمة تقرير طعن قيد برقم 3018 لسنة
41 ق.ع فى الحكم الصادر من المحكمة التأديبية بطنطا بجلسة 19/ 3/ 1995 فى الدعوى رقم
56 لسنة 20 قضائية والقاضى بقبول الطعن شكلا وبرفضه موضوعاً.
وطلب الطاعن – للأسباب المبينة بتقرير الطعن – الحكم بقبول الطعن شكلا وإلغاء الحكم
المطعون فيه فيما تضمنه من رفض الطعن فى القرار الإدارى بمجازاته بخصم خمسة أيام من
راتبه والقضاء بإلغاء هذا القرار مع ما يترتب عليه من آثار وبراءته من الإتهام المسند
إليه.
وقد أعلن تقرير الطعن إلى المطعون ضده على الوجه المبين بالأوراق.
وقدمت هيئة مفوضى الدولة تقريرا بالرأى القانونى فى الطعن ارتأت فيه – للأسباب المبينة
به – الحكم بقبول الطعن شكلا وفى الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه وإلغاء القرار رقم
164 لسنة 1991 فيما تضمنه من مجازاة الطاعن بخصم أجر خمسة أيام من راتبه مع ما يترتب
على ذلك من آثار.
وقد تحدد لنظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون بالمحكمة جلسة 9/ 7/ 1997 وبجلسة 27/ 8/
1997 قررت الدائرة إحالة الطعن إلى المحكمة الإدارية العليا "الدائرة الرابعة" وحددت
لنظره جلسة 25/ 10/ 1997، وتدوول الطعن بجلسات المحكمة على النحو الثابت بمحاضرها إلى
أن قررت المحكمة بجلسة 28/ 3/ 1998 حجز الطعن للحكم فيه بجلسة اليوم 25/ 7/ 1998 وفيها
صدر الحكم وأودعت مسودته المشتمله على أسبابه عند النطق به.
المحكمة
بعد الإطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات والمداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى سائر أوضاعه الشكلية المقررة، ومن ثم يكون مقبولا شكلا.
ومن حيث إن عناصر المنازعة تتحصل – حسبما يبين من الأوراق – فى أن الطاعن/ …… أقام
الطعن رقم 56 لسنة 20 ق أمام المحكمة التأديبية بطنطا طالبا الحكم بإلغاء القرار رقم
164 لسنة 1991 فيما تضمنه من مجازاته بخصم خمسة أيام من راتبه وما يترتب على ذلك من
آثار وإلزام الهيئة العامة للتأمين الصحى المطعون ضدها بأن تؤدى له تعويضاً 5000 جنيه.
وقال شرحا لطعنه أنه يشغل وظيفة أخصائى أول مسالك بولية بالتأمين الصحى فرع طنطا وأن
الهيئة دأبت على توقيع جزاءات بالخصم من أجره مما حدا به إلى إقامة الطعن رقم 163 لسنة
18 ق أمام المحكمة التأديبية بطنطا والتى أصدرت حكمها بجلسة 30/ 1/ 1991 بإلغاء القرارات
الصادرة بمجازاته، وبعد ذلك فوجئ بقرار الهيئة المطعون فيه بمجازاته بخصم خمسة أيام
من راتبه بدعوى الادلاء بتصريحات بجريدة المساء فى حين أن ما ورد على لسانه بصحيفة
المساء كان متفقا والواقع إذ ورد على لسانه أن الهيئة دأبت على مجازاته على خلاف حكم
القانون وهو ما أكدته المحكمة التأديبية بطنطا فى الطعن رقم 163 لسنة 18 ق المشار إليه
الأمر الذى يقطع بأن هذا القرار غير قائم على سبب يبرره.
وبجلسة 19/ 3/ 1995 أصدرت المحكمة التأديبية بطنطا الحكم المطعون فيه – القاضى بقبول
الطعن شكلا وبرفضه موضوعا. وقد أقامت المحكمة قضاءها على أن الهيئة العامة للتأمين
الصحى إتهمت الطاعن/………. أخصائى مسالك بولية بفرع طنطا بالخروج على مقتضى الواجب
الوظيفى لإدلائه بأقوال بجريدة المساء دون إذن كتابى من الهيئة وذلك بأن جاء على لسانه
بجريدة المساء من أن التعسف من مدير التأمين الصحى أصبح ظاهرة تهدد جميع الأطباء وتم
نقل كل من الأطباء/…….. و……… وألغى التعاقد مع الطبيب/……….، وهذه القرارات
لها أثر سلبى على الخدمة الطبية المقدمة فى التأمين الصحى عموما وأنه يطالب بتشكيل
لجنة للتحقيق فى هذه الوقائع وبسؤال الطبيب الطاعن اعترف بالأقوال التى وردت فى جريدة
المساء على لسانه وأضاف أن مدير فرع وسط الدلتا هو المسئول عن التعسف الإدارى الذى
لحق بأبناء الهيئة من الأطباء وأنه ترك خدمة المرضى وتفرغ للتعسف والإرهاب وأنه قام
بالنشر فى جريدة رسمية وذلك بعد قيامه بتقديم الكثير من الشكاوى لرئيس مجلس إدارة الهيئة
وما وصل إليه الفرع من سوء وإزاء ثبوت تلك المخالفات فى حقه أصدرت الهيئة المطعون ضدها
القرار المطعون فيه بمجازاة الطاعن بخصم خمسة أيام من راتبه واستطرد الحكم المطعون
فيه أنه لما كان ما نسب للطاعن من خروجه على مقتضى الواجب الوظيفى لإدلائه بأقوال بجريدة
المساء دون إذن كتابى من الهيئة ثابتا قبله يقينا من واقع اعترافه بالتحقيقات الإدارية
التى أجريت معه الأمر الذى يشكل فى حقه مخالفة تأديبية قوامها الخروج على الواجب الوظيفى
والإخلال بحسن سير العمل حيث إن الطاعن أتى فعلا من الأفعال التى حظرتها المادة 77
من القانون رقم 47 لسنة 1978 بشأن نظام العاملين المدنيين بالدولة والتى قضت بأن يحظر
على العامل:……… 7- أن يفضى بأى تصريح أو بيان عن أعمال وظيفته عن طرق الصحف أو
غير ذلك من طريق النشر إلا إذا كان مصرحا له بذلك كتابة من الرئيس المختص وإذ صدر القرار
المطعون فيه بمجازاته بخصم خمسة أيام من أجره عن ذلك فإنه يكون قد صدر مطابقا للقانون
وقام على سببه المبرر له ولا مطعن عليه.
ومن حيث إن مبنى الطعن فى الحكم المطعون عليه أنه أخطأ فى تفسير القانون وتأويله مما
أدى به إلى تطبيق القانون تطبيقا غير سديد على سند من القول أن المحظور على العامل
هو الإفضاء بتصريح أو بيان عن أعمال وظيفته إلا إذا كان مصرحا له بذلك كتابة من الرئيس
المختص أما شكوى العامل من وضعه الوظيفى فى بيان أو تصريح بذلك لا يدخل فى نطاق هذا
الحظر ولا يلزم لاجازته التصريح به مسبقا ومن ثم يكون الحكم المطعون فيه قد خالف القواعد
المقررة للحريات فى الدستور والقانون لأن ما أبداه الطاعن بالصحيفة المشار إليها لم
يخالف الواقع والحقيقة وقصد به المصلحة العامة ولم يكن سئ النية ولم يستهدف الإضرار
برئيسه بل إن نقد الطاعن لرئيسه يمثل مصلحة عامة وبالتالى يكون الحكم المطعون فيه قد
جاء مشوبا بالقصور فى التسبيب والاخلال بحق الدفاع والفساد البين فى الإستدلال.
ومن حيث إنه إذا كان الأصل الذى كفله الدستور فى المادة 47 منه هو أن حرية الرأى مكفولة
ولكل إنسان التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل
التعبير فى حدود القانون، وكذلك ما كفله الدستور فى المادة 48 من أن حرية الصحافة والطباعة
والنشر فى وسائل الإعلام مكفولة، وإذا كان الأصل الذى كفله الدستور فى هذين النصين
هو كفالة حرية الرأى والتعبير والنقد، فقد قيد الدستور هذا الحق كغيره من الحقوق العامة
بأن تكون ممارسته فى حدود القانون، فإذا كان قانون العاملين المدنيين بالدولة الصادر
بالقانون رقم 47 لسنة 1978 قد نظم فى المادة 77 منه ممارسة الموظف العام لحق إبداء
الرأى والتعبير والنقد من خلال وسائل الإعلام وحظر على العامل أن يفضى بأى تصريح أو
بيان عن أعمال وظيفته عن طريق الصحف أو غير ذلك من طرق النشر إلا إذا كان مصرحا له
بذلك كتابة من الرئيس المختص وحظر عليه أيضاً أن يفشى الأمور التى يطلع عليها بحكم
وظيفته إذا كانت سرية بطبيعتها أو بموجب تعليمات تقضى بذلك.
ومن حيث إن المخالفة المسندة إلى الطاعن أنه أدلى بتصريحات للنشر بجريدة المساء مؤداها
أن تعسف مدير التأمين الصحى فرع طنطا أصبح ظاهرة تهدد جميع الأطباء وتم نقل العديد
من الأطباء (وقد ذكرت أسماؤهم تفصيلا) وأنه يطالب بتشكيل لجنة للتحقيق فى هذه الوقائع
وأنه أقر فى التحقيقات الإدارية التى أجريت معه بالأقوال التى وردت فى جريدة المساء
على لسانه وأن مدير التأمين الصحى فرع طنطا قد ترك بذلك الجهد فى خدمة المرضى وتفرغ
للتعسف وارهاب العاملين وأنه قام بالنشر فى جريدة المساء وذلك بعد قيامه بتقديم الكثير
من الشكاوى لرئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتأمين الصحى وبإحاطته بما لحق الفرع من
سوء الخدمة.
والبين مما تقدم أن ما أتاه الطاعن لا يدخل فى نطاق ما حظره المشرع من الإفضاء بتصريح
أو بيان عن أعمال وظيفته إلا إذا كان مصرحا به كتابة من الرئيس المختص أو أفشى أمرا
من الأمور التى يطلع عليها بحكم وظيفته إذا كانت سرية بطبيعتها أو بموجب تعليمات تقضى
بذلك ولكن ما أتاه من تصريحات لجريدة المساء هو فى حقيقته تظلم أو شكوى للجهات الرئاسية
عبر من خلاله عن تظلمه أو تصوره ظلما لحق به وأن ما أبداه فى هذا الشأن له صدى من الواقع
والحقيقة ولم تكن تلك الوقائع وليدة إختلاق والثابت من التحقيقات أن الجهة الإدارية
لم تقدم ما يفيد ثبوت عدم صحة تلك الوقائع أو نفيها بل إنه جاء بالأوراق أن هذا المدير
قد تم نقله من مكانه عقب نشر هذه الوقائع بجريدة المساء وكأثر مباشر لهذا النشر، ومن
المسائل المستقر عليها فى هذه المحكمة أن الإبلاغ عن المخالفات التى تصل إلى علم أى
من العاملين بالدولة أمر مكفول بل هو واجب توخيا للمصلحة العامة ولو كانت تمس الرؤساء
بيد أنه عند الإبلاغ عن هذه المخالفات أو التظلم منها ألا يخرج عن مقتضيات الوظيفة
من توقير الرؤساء وإحترامهم وأن يكون قصده من الابلاغ عن المخالفات المبلغ عنها توصيلا
إلى الحد منها لا مدفوعا بشهوة الاضرار بالرؤساء أو الزملاء والكيد لهم أو الطعن فى
نزاهتهم على غير أساس من الواقع.
ومن حيث إنه لكل ما تقدم فإن ما أورده الطاعن فى تصريحاته لجريدة المساء لا يمثل خروجا
منه على مقتضيات واجبات وظيفته فى ظل الظروف والملابسات التى جرت فيها وفى ضوء مراعاة
التأثير النفسى الواقع على الطاعن نتيجة الإتهامات المتلاحقة من رئاسته وقد كشف الحكم
الصادر من المحكمة التأديبية بطنطا فى الطعن رقم 163 لسنة 18 ق المشار إليه عدم صحتها
ومن ثم يكون القرار الصادر بمجازاته بخصم خمسة أيام من أجره لما اقترفه من مخالفة لم
يستخلص إستخلاصا سائغا من وقائع تنتجه مما يتعين معه القضاء بإلغائه مع ما يترتب على
ذلك من آثار.
فإذا ذهب الحكم المطعون فيه غير هذا المذهب يكون قد استخلص إدانة الطاعن استخلاصا غير
سائغ.
ومن حيث إنه مما يعيب أيا من القرار التأديبى والحكم التأديبى أن يكون مستخلصا استخلاصا
غير سائغ من الأوراق، فإن كلا من القرار التأديبى المطعون فيه والحكم المطعون فيه وقد
احتويا هذا العيب يكونان واجبى الالغاء
فلهذه الأسباب:
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلا، وفى الموضوع بالغاء الحكم المطعون فيه والقضاء بإلغاء القرار التأديبى المطعون عليه مع ما يترتب على ذلك من آثار.
