قاعدة رقم الطعن 20 لسنة 1 قضائية “دستورية” – جلسة 04 /05 /1985
أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء الثالث
من يناير 1984 حتى ديسمبر 1986م – صـ 209
جلسة 4 مايو سنة 1985م
برياسة السيد المستشار محمد على بليغ – رئيس المحكمة، وحضور السادة المستشارين : مصطفى جميل مرسى وممدوح مصطفى حسن ومنير أمين عبد المجيد ورابح لطفى جمعة وشريف برهام نور وواصل علاء الدين – أعضاء، وحضور السيد المستشار الدكتور أحمد محمد الحنفى المفوض وحضور السيد/ أحمد على فضل الله – أمين السر.
قاعدة رقم
القضية 20 لسنة 1 قضائية "دستورية"
(7 لسنة 9 ق عليا)
1- الحكومة – السلطة التنفيذية – دستور
الدستور بين المقصود بالحكومة بما نص عليه فى المادة 153 منه.
2- المحكمة الدستورية العليا – اختصاص – الدعوى الدستورية .
المحكمة الدستورية العليا هى المختصة بنظر الدعاوى الدستورية أساس ذلك نص المادة 175
من الدستور والمادة 25 من قانونها.
3- جامعة الأزهر – أهلية التقاضى – الصفة فى الدعوى
القانون أسند لرئيس الجامعة صفة النيابة عنها فى جميع صلاتها بالهيئات الأخرى والتى تدخل فى عمومها الهيئات القضائية، وما يتفرع عن هذه النيابة من أهلية التقاضى فيما
يتعلق بتلك الصلات.
4- الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح – هدفها وسبيله
هدفها صون الدستور القائم وتأكيد احترامه وحمايته من الخروج على أحكامه، وسبيلها التحقق
من التزام سلطة التشريع بما يورده الدستور من ضوابط وقيود.
5- المادة الثانية من الدستور بعد تعديلها فى 22 مايو سنة 1980 – مفهومها يبين من صيغة
العبارة الأخيرة من المادة الثانية من الدستور – بعد تعديلها – أن المشرع أتى بقيد
على سلطة التشريع قوامه إلزامها وهى بصدد وضع التشريعات بالالتجاء إلى مبادئ الشريعة
الإسلامية لاستمداد الأحكام المنظمة للمجتمع منها.
6- مبادئ الشريعة الإسلامية – سلطة التشريع
سلطة التشريع اعتباراً من تاريخ العمل بتعديل العبارة الأخيرة من المادة الثانية من
الدستور فى 22 مايو سنة 1980 أصبحت مقيدة فيما تسنه من تشريعات مستحدثة أو معدلة لتشريعات
سابقة على هذا التاريخ بمراعاة أن تكون هذه التشريعات متفقة مع مبادئ الشريعة الإسلامية،
ولا تخرج فى الوقت ذاته عن الضوابط والقيود التى تفرضها الدستورية الأخرى فى سلطة التشريع
فى صدد الممارسة التشريعية.
إلزام المشرع باتخاذ مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع لا ينصرف سوى
إلى التشريعات التى تصدر بعد التاريخ الذى فرض فيه الإلزام بحيث إذا انطوى أى منها
على ما يتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية يكون قد وقع فى حومة المخالفة الدستورية.
7- المشرع الدستورى – مبادئ الشريعة الإسلامية
لو أراد المشرع الدستورى جعل مبادئ الشريعة الإسلامية من بين القواعد المدرجة فى الدستور
على وجه التحديد، أو قصد أن يجرى أعمال تلك المبادئ بواسطة المحاكم التى تتولى تطبيق
التشريعات دون ما حاجة إلى إفراغها فى نصوص تشريعية محددة مستوفاة للإجراءات التى عينها
الدستور، لما أعوزه النص على ذلك صراحة.
8- سلطة التشريع – مبادئ الشريعة الإسلامية
إلزام المشرع باتخاذ مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى لما يضعه من تشريعات بعد
التاريخ الذى فرض فيه الإلزام لا يعنى إعفاء المشرع من تبعة الإبقاء على التشريعات
السابقة رغم ما قد يشوبها من تعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية، وانما يلقى على عاتقه
من الناحية السياسية مسئولية المبادرة إلى تنقية نصوص هذه التشريعات من أية مخالفة
للمبادئ سالفة الذكر تحقيقا للاتساق بينها وبين التشريعات اللاحقة فى وجوب اتفاقها
جمعياً مع هذه المبادئ وعدم الخروج عليها.
9- المادة 226 من القانون المدنى
المادة 226 من القانون المدنى الصادر سنة 1948 لم يلحقها أى تعديل بعد التاريخ المشار
إليه – النعى عليها بمخالفة حكم المادة الثانية من الدستور وأياً كان وجه الرأى فى تعارضها مع الشريعة الإسلامية فى غير محله.
1- الدستور بين على وجه التحديد المقصود بالحكومة بما نص عليه فى المادة 153 من أن
"الحكومة هى الهيئة التنفيذية والإدارية العليا للدولة وتتكون الحكومة من رئيس مجلس
الوزراء ونوابه والوزراء ونوابهم".
2- المحكمة الدستورية العليا هى المختصة بنظر الدعوى الدستورية الماثلة أعمالاً للمادة
175 من الدستور والمادة من قانون المحكمة الدستورية العليا المشار إليه – اللتين
عقدتا لها دون غيرها ولاية الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح.
3- أنه عما دفعت به الحكومة أيضاً من عدم قبول الدعوى لرفعها من غير ذى صفة تأسيساً
على أن شيخ الأزهر هو الذى يملك وحده تمثيل جامعة الأزهر باعتبارها من الهيئات التى يشملها الأزهر، وأن القانون رقم 103 لسنة 1961 بشأن إعادة تنظيم الأزهر لم يضف على
جامعة الأزهر شخصية اعتبارية تخولها حق التقاضى وتجيز لرئيسها تمثيلها لدى المحاكم،
فإنه إذ كانت المادة من القانون رقم 103 لسنة 1961 المشار إليه تنص على أن "يتولى
إدارة جامعة الأزهر: 1) مدير جامعة الأزهر (رئيس جامعة الأزهر منذ العمل بالقانون رقم
51 لسنة 1977) 2) مجلس الجامعة". كما تنص المادة 42 منه على أن "يتولى مدير الجامعة
إدارة شئون الجامعة العلمية والإدارية والمالية، وهو الذى يمثلها أمام الهيئات الأخرى…"
فإن مؤدى ذلك، أن القانون أسند إلى رئيس الجامعة صفة النيابة عنها فى جميع صلاتها بالهيئات
الأخرى والتى تدخل فى عمومها الهيئات القضائية، وما يتفرع عن هذه النيابة من أهلية
التقاضى فيما يتعلق بتلك الصلات ومن بينها التعاقد على شراء معدات لكليات الجامعة وما
قد ينشأ عنها من منازعات قضائية، وهو الحال الذى اقتضى اختصام المدعى بصفته فى الدعوى
الموضوعية – وترتب على إثارة الدفع بعدم الدستورية فيها – إقامة المدعى بصفته للدعوى
الماثلة، ومن ثم فإن الدفع بعدم قبول الدعوى لرفعها من غير ذى صفة يكون على غير أساس.
4- أن الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح – المنوطة بالمحكمة الدستورية
العليا – تستهدف أصلاً صون الدستور القائم وتأكيد احترامه وحمايته من الخروج على أحكامه،
وسبيل هذه الرقابة التحقق من التزام سلطة التشريع بما يورده الدستور فى مختلف نصوصه
من ضوابط وقيود ومن ثم فإنه يتعين – عند الفصل فيما يثار فى شأن هذه التشريعات من مطاعن
تستهدف نقض قرينة الدستورية ـ استظهار هذه الضوابط والقيود وتحديدها وذلك للتعرف على
مدى مخالفة تلك التشريعات لها.
5- أنه يبين من صيغة العبارة الأخيرة من المادة الثانية من الدستور – بعد تعديلها على
نحو ما سلف – أن المشرع الدستورى أتى بقيد على السلطة المختصة بالتشريع قوامه إلزام
هذه السلطة – وهى بصدد وضع التشريعات – بالالتجاء إلى مبادئ الشريعة لاستمداد الأحكام
المنظمة للمجتمع، وهو ما أشارت إليه اللجنة الخاصة بالإعداد لتعديل الدستور فى تقريرها
إلى مجلس الشعب والذى أقره المجلس بجلسة 19 يولية سنة 1979 وأكدته اللجنة التى أعدت
مشروع التعديل وقدمته إلى المجلس فناقشه ووافق عليه بجلسة 30 إبريل سنة 1980 إذ جاء
فى تقريرها عن مقاصد تعديل الدستور بالنسبة للعبارة الأخيرة من المادة الثانية بأنها
"تلزم المشرع بالالتجاء إلى أحكام الشريعة الإسلامية للبحث عن بغيته فيها مع إلزامه
بعدم الالتجاء إلى غيرها، فإذا لم يجد فى الشريعة الإسلامية حكماً صريحاً، فإن وسائل
استنباط الأحكام من المصادر الاجتهادية فى الشريعة الإسلامية تمكن المشرع من التوصل
إلى الأحكام اللازمة والتى لا تخالف الأصول والمبادئ العامة للشريعة….".
6- أن سلطة التشريع اعتباراً من تاريخ العمل بتعديل العبارة الأخيرة من المادة الثانية
من الدستور فى 22 مايو سنة 1980 – أصبحت مقيدة فيما تسنه من تشريعات مستحدثة أو معدلة
لتشريعات سابقة على هذا التاريخ، بمراعاة أن تكون هذه التشريعات متفقة مع مبادئ الشريعة
الإسلامية وبحيث لا تخرج – فى الوقت ذاته – عن الضوابط والقيود التى تفرضها النصوص
الدستورية الأخرى على سلطة التشريع فى صدد الممارسة التشريعية. فهى التى يتحدد بها
– مع ذلك القيد المستحدث – النطاق الذى تباشر من خلاله المحكمة الدستورية العليا رقابتها
القضائية على دستورية التشريعات. لما كان ذلك وكان إلزام المشرع باتخاذ مبادئ الشريعة
الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع على ما سلف بيانه لا ينصرف سوى إلى التشريعات التى تصدر بعد التاريخ الذى فرض فيه الإلزام بحيث إذا انطوى أى منها على ما يتعارض مع مبادئ
الشريعة الإسلامية يكون قد وقع فى حومة المخالفة الدستورية، أما التشريعات السابقة
على ذلك التاريخ، فلا يتأتى إنفاذ حكم الإلزام المشار إليه بالنسبة لها لصدورها فعلاً
من قبله، أى فى وقت لم يكن القيد المتضمن هذا الإلزام قائماً واجب الإعمال ومن ثم،
فإن هذه التشريعات تكون بمنأى عن أعمال هذا القيد، وهو مناط الرقابة الدستورية. ويؤيد
هذا النظر ما أوردته اللجنة العامة فى مجلس الشعب بتقريرها المقدم بجلسة 15 سبتمبر
سنة 1981 والذى وافق عليه المجلس من أنه "كان دستور سنة 1971 أول دستور فى تاريخنا
الحديث ينص صراحة على أن الشريعة الإسلامية مصدر رئيسى للتشريع، ثم عدل الدستور عام
1980 لتكون الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع، وهذا يعنى عدم جواز إصدار
أى تشريع فى المستقبل يخالف أحكام الشريعة الإسلامية، كما يعنى ضرورة إعادة النظر فى القوانين القائمة قبل العمل بدستور سنة 1971 وتعديلها بما يجعلها متفقة مع أحكام الشريعة
الإسلامية" واستطرد تقرير اللجنة إلى أن "الانتقال من النظام القانونى القائم حالياً
فى مصر والذى يرجع إلى أكثر من مائة سنة إلى النظام القانونى الإسلامى المتكامل يقتضى الاناه والتدقيق العلمى، ومن هنا، فأن تقنين المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التى لم تكن مألوفة، أو معروفة، وكذلك ما جد فى عالمنا المعاصر وما يقتضيه الوجود فى المجتمع
الدولى من صلات وعلاقات ومعاملات، كل ذلك يستأهل الروية ويتطلب جهوداً، ومن ثم فإن
تغيير النظام القانونى جميعه ينبغى أن يتاح لواضعيه والقائمين عليه الفترة الزمنية
المناسبة حتى تجمع هذه القوانين متكاملة فى أطار القرآن والسنة وأحكام المجتهدين من
الأئمة والعلماء…"
7- أن مقتضى تعديل المادة الثانية من الدستور هو جعل مبادئ الشريعة الإسلامية قواعد
قانونية موضوعية واجبة الأعمال بذاتها ومن فورها على ما سبق هذا التعديل من تشريعات
بما يوجب نسخ ما يتعارض مع تلك المبادئ، فإن هذا القول مردود بما سبق أن عرضت له المحكمة
عن حقيقة المقصود من ذلك التعديل، وهو أنه قيد استحدثه الدستور على سلطة المشرع فى شأن المصادر التى يستقى منها أحكامه التشريعية وأنه لا يمكن أعماله إلا بالنسبة للتشريعات
اللاحقة على فرضه دون التشريعات السابقة، كما ينقض ذلك القول ما تضمنته الأعمال التحضيرية
لمشروع التعديل على ما سلف إيضاحه من أن المنوط به أعمال القيد المشار إليه هو السلطة
المختصة بالتشريع، بالإضافة إلى أن المشرع الدستورى لو أراد جعل مبادئ الشريعة الإسلامية
من بين القواعد المدرجة فى الدستور على وجه التحديد أو قصد أن يجرى أعمال تلك المبادئ
بواسطة المحاكم التى تتولى تطبيق التشريعات دون ما حاجة إلى إفراغها فى نصوص تشريعية
محددة مستوفاة للإجراءات التى عينها الدستور، لما أعوزه النص على ذلك صراحة، هذا فضلاً
عن أن مؤدى ما يقول به المدعى من الأعمال المباشر لمبادئ الشريعة الإسلامية عن طريق
تلك الأحكام لا يقف عند مجرد إهدار ما قد يتعارض مع هذه المبادئ من التشريعات السابقة
المنظمة لمختلف النواحى المدنية والجنائية والاجتماعية والاقتصادية بل أن الأمر لابد
وأن يقترن بضرورة تقصى المحاكم للقواعد غير المقننة التى يلزم تطبيقها فى المنازعات
المطروحة عليها بدلاً من النصوص المنسوخة مع ما قد يؤدى إليه ذلك من تناقض بين هذه
القواعد ويجر إلى تهاتر الأحكام وزعزعة الاستقرار.
8- أن أعمال المادة الثانية من الدستور بعد تعديلها – على ما تقدم بيانه، وأن كان مؤداه
إلزام المشرع باتخاذ مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى لما يضعه من تشريعات بعد
التاريخ الذى فرض فيه هذا الإلزام بما يترتب عليه من اعتباره مخالفاً للدستور إذا لم
يلتزم بذلك القيد، إلا أن قصر هذا الإلزام على تلك التشريعات لا يعنى إعفاء المشرع
من تبعة الإبقاء على التشريعات السابقة – رغم ما قد يشوبها من تعارض مع مبادئ الشريعة
الإسلامية، وإنما يلقى على عاتقه من الناحية السياسية مسئولية المبادرة إلى تنقية نصوص
هذه التشريعات من أية مخالفة للمبادئ سالفة الذكر، تحقيقاً للاتساق بينها وبين التشريعات
اللاحقة فى وجوب اتفاقها جميعاً مع هذه المبادئ وعدم الخروج عليها.
9- ولما كان مبنى الطعن مخالفة المادة 226 من القانون المدنى للمادة الثانية من الدستور
تأسيساً على أن فوائد التأخير المستحقة بموجبها تعد من الربا المحرم شرعاً طبقاً لمبادئ
الشريعة الإسلامية التى جعلتها المادة الثانية من الدستور المصدر الرئيسى للتشريع،
وإذ كان القيد المقرر بمقتضى هذه المادة – بعد تعديلها بتاريخ 22 مايو سنة 1980 والمتضمن
إلزام المشرع بعدم مخالفة مبادئ الشريعة الإسلامية – لا يتأتى أعماله بالنسبة للتشريعات
السابقة عليه حسبما سلف بيانه، وكانت المادة 226 من القانون المدنى الصادر سنة 1948
لم يلحقها أى تعديل بعد التاريخ المشار إليه، ومن ثم، فأن النعى عليها، وحالتها هذه
– بمخالفة حكم المادة الثانية من الدستور وأياً كان وجه الرأى فى تعارضها مع مبادئ
الشريعة الإسلامية – يكون فى غير محله. الأمر الذى يتعين معه الحكم برفض الدعوى.
الإجراءات
بتاريخ 31 مايو سنة 1978 أودع المدعى بصفته صحيفة دعوى قلم كتاب
المحكمة طالباً الحكم بعدم دستورية نص المادة 226 من القانون المدنى.
وقدمت إدارة قضايا الحكومة مذكرة طلبت فيها اصليا الحكم بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى
واحتياطيا بعدم قبولها وفى الموضوع برفضها.
وبعد تحضير الدعوى أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، حيث التزمت هيئة المفوضين رأيها، وقررت
المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة 6 أبريل سنة 1985 وفى هذه الجلسة قررت المحكم مد أجل
النطق بالحكم إلى جلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الايضاحات والمداوله.
وحيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل فى أن المدعى بصفته كان قد أقام الطعن رقم 461 لسنة 22 قضائية أمام المحكمة الإدارية العليا طالباً
إلغاء الحكم الصادر من محكمة القضاء الإدارى فى الدعوى رقم 1465 لسنة 25 قضائية القاضى بإلزامه ووزير الأوقاف وعميد كلية الطب بصفاتهم بأن يدفعوا لمورث المدعى عليه الرابع
مبلغ 292.112 جنيه باقى ثمن آلات جراحية تم توريدها الى كلية الطب بجامعة الأزهر –
والفوائد القانونية عن هذا المبلغ بواقع 4% من تاريخ المطالبة القضائية. وأثناء نظر
الطعن دفع المدعى بصفته بعدم دستورية المادة 226 من القانون المدنى. فقضت المحكمة الإدارية
العليا بجلسة 3 أبريل سنة 1978 بوقف الفصل فى الطعن ليرفع المدعى دعواه الدستورية فأقام
الدعوى الماثلة.
وحيث أن الحكومة دفعت بعد اختصاص المحكمة بنظر الدعوى استناداً إلى أن جامعة الأزهر
تتبع الأزهر الذى يعد من الأشخاص المعنوية العامة وبالتالى فهى من جهات الحكومة التى اعتبرها المشرع من ذوى الشأن فى القضايا الدستورية، فلا يجوز لها الطعن بعدم دستورية
التشريعات على أساس أنها تشارك فى وضعها وعليها الدفاع عن سلامتها. هذا بالإضافة إلى
أن المنازعة الماثلة – وهى تقوم بين جهتين حكوميتين – تندرج تحت المنازعات التى تختص
الجمعية العمومية لقسمى الفتوى والتشريع بمجلس الدولة – دون غيرها – بإبداء الرأى الملزم
للجانبين فيها عملاً بالمادة 66 فقرة (د) من قانون مجلس الدولة الصادر بالقانون رقم
47 لسنة 1972.
وحيث أن هذا الدفع مردود بأن الدستور بين على وجه التحديد المقصود بالحكومة بما نص
عليه فى المادة 153 من أن "الحكومة هى الهيئة التنفيذية والإدارية العليا للدولة وتتكون
الحكومة من رئيس مجلس الوزراء ونوابه والوزراء ونوابهم" وإذا كان هذا التعريف لا يدخل
فى مدلوله الأزهر باعتباره الهيئة العملية الإسلامية الكبرى التى أثبت لها القانون
الشخصية المعنوية بما نص عليه صراحة فى المادة السادسة من القانون رقم 103 لسنة 1961
بشأن إعادة تنظيم الأزهر والهيئات التى يشملها من أن "يكون للأزهر شخصية معنوية عربية
الجنس"… ومن ثم، فإن جامعة الأزهر – وهى أحدى هيئاته – لا ينطبق عليها معنى الحكومة
على النحو الذى عناه المشرع فى المادة 35 من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر
بالقانون رقم 48 لسنة 1979 والذى نص فيه على أن "تعتبر الحكومة من ذوى الشأن فى الدعاوى
الدستورية" مستهدفاً بذلك تمكينها من أن تقول كلمتها فى الطعون الموجهة إلى التشريعات
التى تكون قد أصدرتها أو شاركت فى وضعها.
لما كان ذلك. وكانت هذه المحكمة – من ناحية أخرى – هى المختصة بنظر الدعوى الدستورية
الماثلة أعمالاً للمادة 175 من الدستور والمادة من قانون المحكمة الدستورية العليا
المشار إليه – اللتين عقدتا لها دون غيرها ولاية الرقابة على دستورية القوانين واللوائح
بما ينتفى معه القول بأنها من المنازعات التى تختص بها الجمعية العمومية لقسمى الفتوى
والتشريع بمجلس الدولة – ومن ثم، فإن الدفع بعدم الاختصاص يكون فى شقيه على غير أساس
متعين الرفض.
وحيث أنه عما دفعت به الحكومة أيضاً من عدم قبول الدعوى لرفعها من غير ذى صفة تأسيسا على أن شيخ الأزهر هو الذى يملك وحده تمثيل جامعة الأزهر باعتبارها من الهيئات التى يشملها الأزهر، وأن القانون رقم 103 لسنة 1961 بشأن إعادة تنظيم الازهر لم يضف على
جامعة الأزهر شخصية اعتبارية تخولها حق التقاضى وتجيز لرئيسها تمثيلها لدى المحاكم،
فإنه إذا كانت المادة من القانون رقم 103 لسنة 1961 المشار إليه تنص على أن "يتولى
إدارة جامعة الأزهر: 1) مدير جامعة الأزهر (رئيس جامعة الأزهر منذ العمل بالقانون رقم
51 لسنة 1972) 2 (مجلس الجامعة". كما تنص المادة 42 منه على أن "يتولى مدير الجامعة
إدارة شئون الجامعة العلمية والإدارية والمالية، وهو الذى يمثلها أمام الهيئات الأخرى…"
فإن مؤدى ذلك، أن القانون أسند إلى رئيس الجامعة صفة النيابة عنها فى جميع صلاتها بالهيئات
الأخرى والتى تدخل فى عمومها الهيئات القضائية، وما يتفرع عن هذه النيابة من أهلية
التقاضى فيما يتعلق بتلك الصلات ومن بينها التعاقد على شراء معدات لكليات الجامعة وما
قد ينشأ عنها من منازعات قضائية، وهو الحال الذى اقتضى اختصام المدعى بصفته فى الدعوى
الموضوعية – وترتب على إثارة الدفع بعدم الدستورية فيها – إقامة المدعى بصفته للدعوى
الماثلة، ومن ثم فإن الدفع بعدم قبول الدعوى لرفعها من غير ذى صفة يكون على غير أساس.
وحيث إن الدعوى استوفت أوضاعها القانونية.
وحيث أن المدعى بصفته ينعى على نص المادة 226 من القانون المدنى أنها إذ تقضى باستحقاق
فوائد محددة القدر على مخالفة التأخير فى الوفاء بالالتزام النقدى تكون قد انطوت على
مخالفة لمبادئ الشريعة الإسلامية التى أصبحت طبقاً للمادة الثانية من الدستور" المصدر
الرئيسى للتشريع". وذلك باعتبار أن تلك الفوائد تمثل زيادة فى الدين بغير مقابل، فهى الربا المتفق على تحريمه أخذاً بقوله تعالى "وأحل الله البيع وحرم الربا" وهو من الأحكام
الشرعية المقطوع بها ثبوتاً ودلالة والتى أصبحت بموجب المادة الثانية من الدستور فى مصاف القواعد القانونية الوضعية التى من شأنها نسخ ما كان سابقاً عليها متعارضاً معها
من نصوص التشريعات الوضعية نسخاً ضمنياً، إذ صارت بذاتها واجبة الأعمال دون حاجة إلى
صدور تشريع يقننها.
وحيث أن القانون المدنى الصادر بالقانون رقم 131 لسنة 1948 فى 16 يوليو سنة 1948 والمعمول
به ابتداء من 15 أكتوبر سنة 1949 ينص فى المادة 226 منه – محل الطعن – على أنه "إذا
كان محل الالتزام مبلغاً من النقود، وكان معلوم المقدار وقت الطلب وتأخر المدين فى الوفاء به، كان ملزماً بأن يدفع للدائن على سبيل التعويض عن التأخير فوائد قدرها أربعة
فى المائة فى المسائل المدنية وخمسة فى المائة فى المسائل التجارية. وتسرى هذه الفوائد
من تاريخ المطالبة القضائية بها، أن لم يحدد الاتفاق أو العرف التجارى تاريخاً آخر
لسريانها، وهذا كله ما لم ينص القانون على غيره".
وحيث أنه يبين من تعديل الدستور الذى تم بتاريخ 22 مايو سنة 1980 أن المادة الثانية
أصبحت تنص على أن "الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة
الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع". بعد أن كانت تنص عند صدور الدستور فى 11 سبتمبر
سنة 1971 على أن "الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة
الإسلامية مصدر رئيسى للتشريع" والعبارة الأخيرة من هذا النص لم يكن لها سابقة فى
أى
من الدساتير المصرية المتعاقبة ابتداء من دستور سنة 1923 وحتى دستور سنة 1964.
وحيث أن الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح – المنوطة بالمحكمة الدستورية
العليا – تستهدف أصلاً صون الدستور القائم وتأكيد احترامه وحمايته من الخروج على أحكامه،
وسبيل هذه الرقابة التحقق من التزام سلطة التشريع بما يورده الدستور فى مختلف نصوصه
من ضوابط وقيود ومن ثم فإنه يتعين – عند الفصل فيما يثار فى شأن هذه التشريعات من مطاعن
تستهدف نقض قرينة الدستورية ـ استظهار هذه الضوابط والقيود وتحديدها وذلك للتعرف على
مدى مخالفة تلك التشريعات لها.
وحيث أنه يبين من صيغة العبارة الأخيرة من المادة الثانية من الدستور – بعد تعديلها
على نحو ما سلف – أن المشرع الدستورى أتى بقيد على السلطة المختصة بالتشريع قوامه إلزام
هذه السلطة – وهى بصدد وضع التشريعات – بالالتجاء إلى مبادئ الشريعة لاستمداد الاحكام
المنظمة للمجتمع، وهو ما أشارت إليه اللجنة الخاصة بالإعداد لتعديل الدستور فى تقريرها
إلى مجلس الشعب والذى أقره المجلس بجلسة 19 يوليو سنة 1979وأكدته اللجنة التى أعدت
مشروع التعديل وقدمته إلى المجلس فناقشه ووافق عليه بجلسة 30 إبريل سنة 1980 إذ جاء
فى تقريرها عن مقاصد تعديل الدستور بالنسبة للعبارة الأخيرة من المادة الثانية بأنها
"تلزم المشرع بالالتجاء إلى أحكام الشريعة الإسلامية للبحث عن بغيته فيها مع إلزامه
بعدم الالتجاء إلى غيرها، فإذا لم يجد فى الشريعة الإسلامية حكماً صريحاً، فإن وسائل
استنباط الأحكام من المصادر الاجتهادية فى الشريعة الإسلامية تمكن المشرع من التوصل
إلى الاحكام اللازمة والتى لا تخالف الأصول والمبادئ العامة للشريعة".
ولما كان مفاد ما تقدم، أن سلطة التشريع اعتباراً من تاريخ العمل بتعديل العبارة الأخيرة
من المادة الثانية من الدستور فى 22 مايو سنة 1980 – أصبحت مقيدة فيما تسنه من تشريعات
مستحدثة أو معدلة لتشريعات سابقة على هذا التاريخ، بمراعاة أن تكون هذه التشريعات متفقة
مع مبادئ الشريعة الاسلامية وبحيث لا تخرج – فى الوقت ذاته – عن الضوابط والقيود التى تفرضها النصوص الدستورية الأخرى على سلطة التشريع فى صدد الممارسة التشريعية. فهى التى يتحدد بها – مع ذلك القيد المستحدث – النطاق الذى تباشر من خلاله المحكمة الدستورية
العليا رقابتها القضائية على دستورية التشريعات. لما كان ذلك وكان إلزام المشرع باتخاذ
مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع على ما سلف بيانه لا ينصرف سوى إلى
التشريعات التى تصدر بعد التاريخ الذى فرض فيه الإلزام بحيث إذا انطوى أى منها على
ما يتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية يكون قد وقع فى حومة المخالفة الدستورية، أما
التشريعات السابقة على ذلك التاريخ، فلا يتأتى إنفاذ حكم الإلزام المشار إليه بالنسبة
لها لصدورها فعلاً من قبله، أى فى وقت لم يكن القيد المتضمن هذا الإلزام قائماً واجب
الإعمال ومن ثم، فإن هذه التشريعات تكون بمنأى عن أعمال هذا القيد، وهو مناط الرقابة
الدستورية. ويؤيد هذا النظر ما أوردته اللجنة العامة فى مجلس الشعب بتقريرها المقدم
بجلسة 15 سبتمبر سنة 1981 والذى وافق عليه المجلس من أنه "كان دستور سنة 1971 أول دستور
فى تاريخنا الحديث ينص صراحة على أن الشريعة الإسلامية مصدر رئيسى للتشريع، ثم عدل
الدستور عام 1980 لتكون الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع، وهذا يعنى عدم
جواز إصدار أى تشريع فى المستقبل يخالف أحكام الشريعة الإسلامية، كما يعنى ضرورة إعادة
النظر فى القوانين القائمة قبل العمل بدستور سنة 1971 وتعديلها بما يجعلها متفقة مع
أحكام الشريعة الإسلامية" واستطرد تقرير اللجنة إلى أن "الانتقال من النظام القانونى القائم حالياً فى مصر والذى يرجع إلى أكثر من مائة سنة إلى النظام القانونى الإسلامى المتكامل يقتضى الاناه والتدقيق العلمى، ومن هنا، فأن تقنين المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية
التى لم تكن مألوفة، أو معروفة، وكذلك ما جد فى عالمنا المعاصر وما يقتضيه الوجود فى المجتمع من صلات وعلاقات ومعاملات، كل ذلك يستأهل الروية ويتطلب جهوداً، ومن ثم فإن
تعيير النظام القانونى جميعه ينبغى أن يتاح لواضعيه والقائمين عليه الفترة الزمنية
المناسبة حتى تجمع هذه القوانين متكاملة فى اطار القرآن والسنة وأحكام المجتهدين من
الأئمة والعلماء…").
وحيث إن ما ذهب إليه المدعى من أن مقتضى تعديل المادة الثانية من الدستور هو جعل مبادئ
الشريعة الإسلامية قواعد قانونية موضوعية واجبة الأعمال بذاتها ومن فورها على ما سبق
هذا التعديل من تشريعات بما يوجب نسخ ما يتعارض منها مع تلك المبادئ، فإن هذا القول
مردود بما سبق أن عرضت له المحكمة عن حقيقة المقصود من ذلك التعديل، وهو أنه قيد استحدثه
الدستور على سلطة المشرع فى شأن المصادر التى يستقى منها أحكامه التشريعية ـ وأنه لا
يمكن أعماله إلا بالنسبة للتشريعات اللاحقة على فرضه دون التشريعات السابقة، كما ينقض
ذلك القول ما تضمنته الأعمال التحضيرية لمشروع التعديل على ما سلف إيضاحه من أن المنوط
به أعمال القيد المشار إليه هو السلطة المختصة بالتشريع، وبالإضافة إلى أن المشرع الدستورى لو أراد جعل مبادئ الشريعة الإسلامية من بين القواعد المدرجة فى الدستور على وجه التحديد
أو قصد أن يجرى أعمال تلك المبادئ بواسطة المحاكم التى تتولى تطبيق التشريعات دون ما
حاجة إلى إفراغها فى نصوص تشريعية محددة مستوفاة للإجراءات التى عينها الدستور، لما
أعوزه النص على ذلك صراحة، هذا فضلاً عن أن مؤدى ما يقول به المدعى من الأعمال المباشر
لمبادئ الشريعة الإسلامية عن طريق تلك المحاكم لا يقف عند مجرد إهدار ما قد يتعارض
مع هذه المبادئ من التشريعات السابقة المنظمة لمختلف النواحى المدنية والجنائية والاجتماعية
والاقتصادية بل أن الأمر لابد وأن يقترن بضرورة تقصى المحاكم للقواعد غير المقننة التى يلزم تطبيقها فى المنازعات المطروحة عليها بدلاً من النصوص المنسوخة مع ما قد يؤدى
إليه ذلك من تناقض بين هذه القواعد ويجر إلى تهاتر الأحكام وزعزعة الاستقرار.
وحيث أن أعمال المادة الثانية من الدستور بعد تعديلها – على ما تقدم بيانه، وأن كان
مؤداه إلزام المشرع باتخاذ مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى لما يضعه من تشريعات
بعد التاريخ الذى فرض فيه هذا الإلزام بما يترتب عليه من اعتباره مخالفاً للدستور إذا
لم يلتزم بذلك القيد، إلا أن قصر هذا الإلزام على تلك التشريعات لا يعنى إعفاء المشرع
من تبعة الإبقاء على التشريعات السابقة – رغم ما قد يشوبها من تعارض مع مبادئ الشريعة
الإسلامية، وإنما يلقى على عاتقه من الناحية السياسية مسئولية المبادرة إلى تنقية نصوص
هذه التشريعات من أية مخالفة للمبادئ سالفة الذكر، تحقيقاً للاتساق بينها وبين التشريعات
اللاحقة فى وجوب اتفاقها جميعاً مع هذه المبادئ وعدم الخروج عليها.
وحيث أنه ترتيباً على ما تقدم، ولما كان مبنى الطعن مخالفة المادة 226 من القانون المدنى للمادة الثانية من الدستور تأسيسا على أن فوائد التأخير المستحقة بموجبها تعد من الربا
المحرم شرعاً طبقاً لمبادئ الشريعة الإسلامية التى جعلتها المادة الثانية من الدستور
المصدر الرئيسى للتشريع، وإذ كان القيد المقرر بمقتضى هذه المادة – بعد تعديلها بتاريخ
22 مايو سنة 1980 والمتضمن إلزام المشرع بعدم مخالفة مبادئ الشريعة الإسلامية – لا
يتأتى أعماله بالنسبة للتشريعات السابقة عليه حسبما سلف بيانه، وكانت المادة 226 من
القانون المدنى الصادر سنة 1948 لم يلحقها أى تعديل بعد التاريخ المشار إليه، ومن ثم،
فإن النعى عليها، وحالتها هذه – بمخالفة حكم المادة الثانية من الدستور وأياً كان وجه
الرأى فى تعارضها مع مبادئ الشريعة الإسلامية – يكون فى غير محله. الأمر الذى يتعين
معه الحكم برفض الدعوى.
لهذه الأسباب:
حكمت المحكمة برفض الدعوى وبمصادره الكفاله والزمت المدعى بصفته المصروفات ومبلغ ثلاثين جنيها مقابل أتعاب المحاماة.
