المحكمة الادارية العليا – الطعن رقم 9488 لسنة 47 ق عليا – جلسة 25/ 5/ 2002
بسم الله الرحمن الرحيم
باسم الشعب
مجلس الدولة
المحكمة الإدارية العليا
الدائرة الأولى
بالجلسة المنعقدة علنًا في يوم السبت الموافق25/ 5/ 2002
برئاسة السيد الأستاذ المستشار الدكتور/ عبد الرحمن عثمان أحمد عزوز – رئيس مجلس الدولة
ورئيس المحكمة
وعضوية السادة الأساتذة المستشارين/ على فكرى حسن صالح ويحيى خضرى نوبى محمد وأحمد
عبد الحميد حسن عبود وأحمد حلمى محمد أحمد حلمى – نواب رئيس مجلس الدولة
وحضور السيد الأستاذ المستشار/ أحمد الشحات – مفوض الدولة
وبحضور السيد/ كمال نجيب مرسيس – سكرتير المحكمة
أصدرت الحكم الآتى
فى الطعن رقم 9488 لسنة 47 القضائية عليا
المقام من
ممدوح مهران عبد اللطيف " بصفته رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير جريدة النبأ الوطنى "
ضد
1- رئيس المجلس الأعلى للصحافة " بصفته"
2- قداسة الأنبا شنودة بابا الإسكندرية وبطريك الكرازة المرقسية (خصم متدخل)
3- مركز الكلمة لحقوق الإنسان (خصم متداخل)
4- نقابة المحامين (خصم متداخل)
عن الحكم الصادر من محكمة القضاء الإدارى " الدائرة الأولى " فى الدعوى رقم 8229 لسنة
55 ق بجلسة 4/ 7/ 2001
الإجراءات
فى يوم السبت الموافق 7/ 7/ 2001 أودع الأستاذ/ محمد ضبع أبو قفه المحامى المقبول أمام
المحكمة الإدارية العليا بصفته وكيلا عن الطاعن بموجب التوكيل الرسمى العام رقم 628
أ د لسنة 1999/ توثيق الجيزة قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقريرًا بالطعن قيد
بجدولها تحت رقم 9488 لسنة 47 ق. عليا فى الحكم الصادر من محكمة القضاء الإدارى " الدائرة
الأولى " فى الدعوى رقم 8229 لسنة 55 ق بجلسة 4/ 7/ 2001 والذى قضى فى منطوقه (بقبول
الدعوى شكلا، وفى الطلب العاجل بوقف تنفيذ قرار المجلس الأعلى للصحافة بالترخيص بصدور
جريدة " النبأ الوطنى " وألزمت المدعى عليه والخصوم المتدخلين معه المصروفات وأمرت
بإحالة الدعوى إلى هيئة مفوضى الدولة لإعداد تقرير بالرأى القانونى فى موضوعها.
وطلب الطاعن – للأسباب الواردة بتقرير الطعن – الحكم/ بقبول الطعن شكلا وبصفة مستعجلة
بوقف تنفيذ الحكم الصادر من محكمة القضاء الإدارى فى الطلب العاجل بوقف ترخيص جريدة
" النبأ الوطنى " وفى موضوع الشق المستعجل بإلغائه والقضاء مجددًا بعدم اختصاص المحكمة
ولائيا بنظر الدعوى وإلزام المطعون ضده مصروفات هذا الشق.
وقد أعلن تقرير الطعن إلى المطعون ضده على النحو الثابت بالأوراق.
وقدمت هيئة مفوضى الدولة تقريرًا مسببًا بالرأى القانونى فى الطعن ارتأت فيه الحكم/
بقبول الطعن شكلا، ورفضه موضوعا وإلزام الطاعن بصفته المصروفات.
وعين لنظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون بهذه المحكمة جلسة 27/ 9/ 2001 ونظرته بهذه
الجلسة والجلسات التالية على النحو المبين بمحاضرها وبجلسة 7/ 1/ 2001 قررت الدائرة
إحالة الطعن إلى المحكمة الإدارية العليا (الدائرة الأولى – موضوع) وحددت لنظره أمامها
جلسة 26/ 1/ 2002 وتدوول نظر الطعن بالجلسات على النحو الثابت بمحاضرها، وبعريضة معلنة
قانونا فى 28/ 1/ 2002 اختصم الطاعن بصفته كل من: 1 – قداسة الأنبا شنودة بابا الإسكندرية
وبطريك الكرازة المرقسية بصفته. 2 – نقيب المحامين بصفته. 3 – الممثل القانونى لمركز
الكلمة لحقوق الإنسان.
وبجلسة 9/ 2/ 2002 قررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة 27/ 4/ 2002 مع التصريح بتقديم مذكرات
لمن يشاء فى شهر وبتاريخ 7/ 3/ 2002 أودع الحاضر عن الطاعن مذكرة بالدفاع اختتمت بطلب
الحكم/ أولا: عدم قبول تدخل المتدخلين. ثانيا: إلغاء الحكم المطعون فيه فيما تضمنه
من وقف ترخيص جريدة النبأ الوطنى وما ترتب عليه من آثار، مع إلزام الجهة الإدارية المصروفات
والأتعاب.
وبتاريخ 9/ 3/ 2002 أودع الحاضر عن الخصم المتدخل/ صاحب القداسة البابا شنودة الثالث
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية مذكرة بالدفاع التمس فيها الحكم/ أولا: قبول
تدخل البابا شنودة الثالث بصفته خصما منضما للمطعون ضده فى طلب رفض الطعن. ثانيا: رفض
الطعن مع إلزام الطاعن المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة عن درجتى التقاضى.
وتلتفت المحكمة عن أية مستندات تم إيداعها خلال هذا الأجل لعدم التصريح بتقديمها وبالجلسة
المحدد للنطق بالحكم قررت المحكمة مد أجل النطق به لجلسة 11/ 5/ 2002 لإتمام المداولة
ثم تقرر مد أجل النطق بالحكم لجلسة 25/ 5/ 2002 وفيها صدر الحكم وأودعت مسودته المشتملة
على أسبابه عند النطق به.
المحكمة
بعد الإطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة تخلص – حسبما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق
– فى أن المطعون ضده الأول أقام الدعوى رقم 8229 لسنة 55 ق أمام محكمة القضاء الإدارى
بالقاهرة " الدائرة الأولى " بموجب عريضة مودعة قلم كتابها بتاريخ 23/ 6/ 2001 طالبًا
الحكم: أولاً: بقبول الدعوى شكلا، وبوقف ترخيص جريدة النبأ " بصفة عاجلة لحين الفصل
فى موضوع الدعوى. ثانيًا: وفى الموضوع بإلغاء ذلك الترخيص وما يترتب عليه من آثار مع
إلزام المدعى عليه بصفته المصروفات، على سند من القول أن عدد جريدة النبأ الصادر بتاريخ
17/ 6/ 2001 تضمن صورا إباحية مخلة أشد الإخلال بالآداب العامة تتعلق بسلوكيات راهب
سابق مفصول وعلى نحو يسئ إلى الوحدة الوطنية، الأمر الذى حدا برئيس محكمة جنوب القاهرة
إلى إصدار أمره بمصادرة ذلك العدد، وفى اليوم التالى صدر عدد أخر من ذات الجريدة، ضم
صورًا من ذات النوع، وذلك فى تصعيد جديد من الجريدة لما تبنته من نهج ينطوى على امتهان
الأديان والدعوة إلى احتقار طائفة من طوائف المجتمع. وإزاء ذلك فقد اجتمعت هيئة مكتب
المجلس الأعلى للصحافة فقررت إبلاغ النيابة العامة بما نشر فى عددى تلك الجريدة، وإحالة
الأمر إلى لجنة شئون الصحافة والصحفيين بالمجلس الأعلى للصحافة وإلى نقيب الصحفيين
لسرعة اتخاذ الإجراءات الكفيلة بردع مثل هذا المسلك وعرض ما تنتهى إليه اللجنة والنقابة
على المجلس الأعلى للصحافة. وقد ارتأت لجنة الصحافة والصحفيين فى اجتماعها المؤرخ فى
19/ 6/ 2001 أن الأمر يقتضى اتخاذ الإجراءات القانونية لإنهاء ترخيص تلك الجريدة، وقد
عرضت هذه التوصيات على المجلس الأعلى للصحافة بجلسته المنعقدة فى 19/ 6/ 2001 فاستعرضها
فى ضوء ما استظهره من استمرارية التجاوزات من هذه الجريدة على الرغم من إخطارها مرارًا
وإنذارها تكرارا بما سجلته تقارير لجنة الممارسة الصحفية بالمجلس الأعلى للصحافة على
تلك الجريدة من تجاوزات تضمنت عدم مراعاة الآداب العامة والإغراق فى نشر تفاصيل الجريمة
على نحو شاذ لا يخدش الحياء فحسب، بل ويثير الإشميزاز، فضلا عن نشر أخبار مجهلة الأسماء
أو باستخدام الأحرف الأولى، أو بأوصاف تنطبق على أكثر من شخص على نحو يسئ إلى الكثير
من الأبرياء وأرتاى أن ما صدر عن جريدة النبأ من نشر صور فاضحة يمثل خروجًا صارخًا
على الآداب العامة، وقيم المجتمع وتقاليده ومثله ومصالحه العليا، وكذا التقاليد والقيم
الصحفية مقرونا بما يمس الوحدة الوطنية ويهددها ويعرضها للخطر وهو مسلك من الجريدة
يتنافى مع المقومات الأساسية للمجتمع ويتعارض مع الحرية المسئولة للصحافة، ورسالتها
وخلص – بناء على ما تقدم – إلى إصدار قراره بالموافقة على رفع دعوى عاجلة أمام محكمة
القضاء الإدارى بمجلس الدولة بطلب إلغاء ترخيص جريدة النبأ، استنادا إلى اختصاص القضاء
الإدارى بنظر الدعوى وأن الدستور والقانون يخطران مصادرة الصحف أو تعطيلها أو إلغاء
ترخيصها بالطريق الإدارى، فضلا عن جسامة ما صدر عن الجريدة والقائمين على أمرها من
تجاوزت خطيرة الأثر على الأمن العام وسلامة المجتمع بما يهدد الوحدة الوطنية وينال
من تماسك البنيان الاجتماعى لأفراد هذا الوطن.
واختتم المدعى بصفته دعواه بطلب الحكم بما تقدم.
وتدوول نظر الشق العاجل من الدعوى أمام محكمة القضاء الإدارى على النحو المبين بمحاضر
جلساتها حيث تدخل فيها كل من/ قداسة الأنبا شنودة بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة
المرقسية، ونقابة المحامين ومركز الكلمة لحقوق الإنسان لخصوم منضمين لجانب المدعى بصفته
فى طلباته كما تدخل كخصم منضم للمدعى عليه/ عاطف حامد عبد الحميد نيابة عن العاملين
بجريدة النبأ.
وبجلسة 4/ 7/ 2001 أصدرت المحكمة حكمها المطعون فيه وشيدت المحكمة قضاءها – بعد استعراض
نصوص المواد 47، 48، 206، 207، 208، 211 من الدستور ولمواد 1، 3، 4، 5، 18، 20 من القانون
رقم 96 لسنة 1996 بشأن تنظيم الصحافة – على أساس أن البين من الأوراق أن جريدة النبأ
أقدمت فى سابقة غير معهودة فى الصحافة المصرية – على نشر صور عديدة فى يوم 17/ 6/ 2001
ثم يوم 18/ 6/ 2001، وخروجا سافرًا على كل ما نادت به الشرائع السماوية من الأخلاق
الحميدة والقيم النبيلة، متمادية فى غيها فأتبعت الصور بالكلمات والعبارات والادعاءات
لتى تمس أحد الأماكن المقدسة حتى تكتمل دائرة الإخلال بالآداب العامة، وهى تسير كلها
فى إطار مخاطبة الغرائز الجنسية بصورة جديدة على الصحافة المصرية فى الابتذال والاستهزاء
بكل القيم والمشاعر التى يحملها أبناء مصر بكافة فئاتهم وكأنما أرادت هذه الجريدة أن
تثبت بالدليل والبرهان أنها ماضية فى طريق الشيطان حتى نهايته، مجاهدة بعداوة لا مثيل
لها بكل القيم والفضائل والمقدسات مؤثرة مركب الشطط والابتذال على عين العقل والبصيرة
وخاضت فى أغراض ما كان لها أن تخوض فيها وانتهلت شعور المصريين كافة بسوء مسلكها وابتذال
تصرفها، الأمر الذى يجعل ما أتته جريدة النبأ الوطنى حسبما يبين من ظاهر الأوراق يباعد
بينها وبين رسالة الصحافة التى نص عليها الدستور المصرى ونظمها قانون الصحافة.
ومن ثم فإنه بات راسخا فى عقيدة المحكمة أن القرار الصادر بالترخيص لصحيفة النبأ الوطنى
بالصدور قد فقد ركنا جوهريا من أركان مشروعية استمراره وهو استمرار التزام الصحيفة
بالضوابط التى حددها الدستور والقانون لممارسة العمل الصحفى والمتمثلة فى عدم المساس
بالمقومات الأساسية للمجتمع أو النيل من الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعى وذلك حسبما
يكشف ظاهر الأوراق مما تقدر معه لمحكمة أن ركن الجدية اللازم لوقف تنفيذ القرار المطعون
فيه قد توافر وبالنسبة لركن الاستعجال قالت المحكمة أنه لما كان استمرار الترخيص بصدور
جريدة النبأ الوطنى قائما ومنتجا لآثاره بعد أن استبان لها خطوط شخصيتها وتناولها للموضوعات،
مما يمكنها من مواصلة عملها وما يؤدى إليه ذلك من ترديات تهدد الكثير من الثوابت الراسخة
فى المجتمع المصرى، ويختفى معها الردع الخاص الذى يجب أن يتوافر قبل هذه الجريدة، والردع
العام الذى يحقق الانضباط المطلوب لمثل هذه الوسائل فى أداء رسالتها الخطيرة، مما تقدر
معه توافر ركن الاستعجال المطلوب لوقف تنفيذ القرار المطعون فيه. وبناء على ما تقدم
فإنها قد تيقنت من توافر ركنى وقف التنفيذ اللازمين للحكم فى لاشق العاجل من الدعوى.
ومن حيث إن قضاء المحكمة المشار إليه لم يلق قبولا لدى الطاعن، فقد طعن عليه بالطعن
الماثل ناعيا على الحكم المطعون فيه بأوجه النعى الآتية:
أولا: بطلان الحكم المطعون فيه لمخالفة الدستور والقانون، وفى بيان ذلك ذكر الطاعن
أن جريدة النبأ لم تتحول إلى جريدة يومية بقرار إدارى من المجلس الأعلى للصحافة ولكنها
تحولت إلى صحيفة يومية بحكم قضائى نهائى، وليس هناك سلطة تملك وقفه أو إلغائه وإنه
لما كانت وظيفة القضاء الإدارى الأساسية هى الرقابة على القرارات الإدارية التى تكون
محلاً للطعن عليها أمامه وكانت الدعوى المطروحة على محكمة أول درجة قد خلت من القرار
ولكنها امتدت إلى طلب تأديب قرار إدارى صدر صحيحا متفقا مع الدستور والقانون وتحصين
من الطعن عليه لفوات ستين يوما عليه، بل لقد حصنه الدستور والقائم والقانون رقم 96
لسنة 1996 الذى ينظم سلطة الصحافة فحظر بشكل مطلق الرقابة على الصحف أو إنذارها أو
وقفها بالطريق الإدارى، وإذ عجزت جهة الإدارة عن اتخاذ قرار إدارى فى هذا الشأن فلجأت
لمحكمة القضاء الإدارى لمحاكمة هذا القرار الإدارى وتأديبه بالرغم من خلو الدستور أو
القانون من نص يبيح ذلك فكان الحكم الطعين بمثابة عقوبة تأديبية لهذا القرار وللمسئولين
عن الجريدة وإذ لم يعط المشرع الدستورى والقانونى لمحكمة القضاء الإدارى سلطة توقيع
جزاء على المؤسسة الطاعنة وفمن أين جاءت المحكمة لنفسها بهذه السلطة بحيث نصبت من نفسها
محكمة تأديبية لهذا القرار الإدارى النهائى، فصنعت لنفسها اختصاصا بمحاكمته، ولم تقف
عند حد محاكمة القرار الإدارى بذاته، بل أمتد إلى محاكمة المسئول عن الجريدة بصفته،
إذ ورد بمدونات قضائها أن الطاعن قد ارتكب العديد من التجاوزات التى وصفها الحكم بأنها
تخالف التقاليد والآداب العامة وبما يخالف نص المادة 18 من قانون الصحافة سالف الذكر
رغم أن هذا النص لا يعطى للمحكمة سلطة توقيع العقاب التأديبى على المؤسسة الصحفية باعتبار
أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، بل أن هذا النص من شانه تحصين الصحفى من المحاكمة
التأديبية التى باشرتها محكمة أول درجة ضد الطاعن والصحيفة التى يمثلها، وهو من شانه
المساس بأمن الصحفى الناشر وكل العاملين بالمؤسسة الذين يتجاوز عددهم 1000 صحفى وموظف
وعامل بخلاف 3500 من القائمين على توزيع الجريدة فى البلاد وهم الذين يعتمدون فى معيشتهم
على ما يحصلون عليه من دخل عن التوزيع، وعلى ذلك يكون هذا الجزاء والذى قضى لأول مرة
فى تاريخ الصحافة بغلق جريدة ووقف ترخيصها غنما يكون قد افتقد ركنا جوهريا هو السبب
المبرر له، إذ لا يوجد ثمة نص يعطى للمحكمة السلطة توقيع هذا الجزاء وبهذه الدرجة من
الجسامة والغلو.
فضلا عن ذلك فإن المشرع الدستورى والقانونى لم يعط للمجلس الأعلى للصحافة أية سلطة
لمراقبة الصحف، ومن ثم فإن قيامه بمراقبتها ومطالبته القضاء بإلغائها إنما هو قول لا
يستند إلى نص فى القانون بما يصيب هذا الطعن من جانب المجلس الأعلى للصحافة بعيب عدم
الاختصاص برفع هذه الدعوى، إذ أن المشرع الدستورى والقانونى لم يعط للمجلس الأعلى للصحافة
إلا حق تطوير ودعم سلطة الصحافة وليس تقييدها أو وقفها أو إلغائها (طبقا لنص المادة
70 من قانون الصحافة رقم 96 لسنة 1996) ومن ثم تكون الدعوى المذكورة سلفا مرفوعة من
غير ذى صفة.
بالإضافة إلى ما تقدم فإن هناك وجه آخر لهذا السبب من أسباب الطعن تتمثل فى الغلو فى
تقدير الجزاء وحاصل هذا السبب إن محكمة أول درجة قد أعملت سلطتها فى وقف ترخيص الجريدة،
وهو أقصى درجات الإدانة باعتبارها قد نصبت من نفسها محكمة تأديبية للصحيفة ورئيس تحريرها،
فانحرفت عن الطلب المستعجل – إلى مناقشة موضوع الطعن – فنسبت للطاعن خروجه عن الحدود
اللازمة لمباشرة الترخيص بالتعرض للأديان ونشر أمور وصور جنسية تخالف الآداب العامة
والتقاليد والعراف، وهو ما يتجاوز الطلب المستعجل الذى يتطلب فقط توافر ركنى الاستعجال
والجدية وإنه من المقرر فى قضاء المحكمة الإدارية العليا أن الجزاء يجب أن يكون بقدر
الخطأ وأن يتدرج الجزاء من الإنذار إلى المصادرة – أما أن يذهب القرار المخلف بحكم
القضاء إلى توقيع أقصى عقوبة على الجريدة وهى عقوبة الإعدام، وقد تجلى ذلك فيما سطرته
المحكمة بأسباب قضائها الذى يدل على مدى تأثرها بالرأى العام المنشور بصحف الحكومة،
وكان هذا الرأى من المحاكمة وهو من العلم الشخصى بحسبان أن أوراق الدعوى قد جاءت خلوا
من مثل هذه المعلومات وإن محاكمة الجريدة عن أعمال مستقبلية غير معلومة فيه عدوان على
الفكر المستقل الذى لن يكون فيه خروج عن التقاليد والقانون والدستور.
ثانيًا: عدم توافر شرطى اختصاص المحكمة فى الطلب العاجل ذلك بوقف تنفيذ ترخيص الجريدة
رغم أن الحكم جاء خاليا من توافر شرطى الاستعجال والجدية، إذ لم يعرض الحكم فى مدونات
قضائه إلى توافر شرط الاستعجال، فقد جاءت الدعوى خالية من اى دليل على توافر هذا الشرط
فقد تمت مصادرة الجريدة عن عددى يومى 16، 17/ 6/ 2001 بقرار رئيس محكمة جنوب القاهرة،
وهما العددان اللذان انطويا على نشر وقائع انحراف راهب مفصول بدير المحرق، ولم يعد
هناك أى خطر من استمرار الصحيفة فى العمل الصحفى اليومى وإن القضاء بوقف الترخيص لوجود
خطر مستقبلى فإنه يكون قد تناول أمورًا مستقبلية لا تزال غير معلومة للجهة الطاعنة،
كما أن الحكم الطعين فى حد ذاته يغير بالقطع حكما فى موضوع الدعوى الذى لم يكن مفروضا
على المحكمة لأن الحكم بوقف ترخيص الجريدة هو فى حقيقته حكم بإلغاء الترخيص لأن الآثار
المترتبة على الحكم فى الطلب العاجل هى نفسها الآثار المترتبة على الحكم الموضوعى،
فكلا هما يعطل الصحيفة عن الصدور من ثم كان الفصل فى الطلب المستعجل بوقف ترخيص الصحيفة
فيه تجاوز لحدود القضاء من ظاهر الأوراق إذ تعمق الحكم فى بحث أصل طلب الحق وتجاوز
حدود الطلب العاجل، فجاءت الأسباب التى أقام عليها قضاءه على أسس موضوعية، فضلا عن
أن هذه المصادرة أو الوقف تتنافى وتتناقص مع نص المادة 36 من الدستور التى تخطر مصادرة
الأموال إذ من شأن هذا الوقف هو توقف الجريدة عن الصدور وعلى ذلك يكون هناك إهدار ومصادرة
أموالها بما يخالف الدستور فضلا عن إهدار الحق الطاعن فى الرأى وحقه فى العمل وحق الصحفيين
والعمال بالجريدة، الأمر الذى يعد مصادرة للنصوص الدستورية التى توجب على الدولة توفير
فرص العمل وكفالة حرية التعبير والنقد وعدم المساس بأمن الصحفى بسبب ما ينشره من أراء
وتحقيقات صحفية.
ثالثا: بطلان الحكم المطعون فيه لعيب جوهرى هو عدم اختصاص المدعى المطعون ضده الأول
فى طلباته وفقا لما تنص عليه المادة 70 من القانون رقم 96 لسنة 1996 سالف الذكر، ويوجز
هذا السبب فى أن سلوك المدعى المطعون ضده الأول بصفة طريق الدعوى أمام محكمة القضاء
الإدارى هو غصب لاختصاص لم يفوضه فيها المشرع طبقا للمادة المذكورة وإذ استجابت المحكمة
له بالرغم من عدم اختصاصه بمثل هذا الطلب المتعلق بإلغاء ترخيص، فإن حكمها يكون قد
شابه – عيب جسيم تأسيسا على أن المحكمة قد سايرت المدعى فى طلباته رغم أن القانون رقم
96 لسنة 1996 – الصادر من السلطة التشريعية – بتنظيم سلطة المجلس الأعلى للصحافة –
لم يفوض المدعى فى اتخاذ أى إجراء من شأنه المساس بأمن الصحفى أو غلق جريدة أو إنذارها
بل كانت نصوص ذلك القانون واضحة فى أن المجلس المذكور ليس له سلطة رئاسته على الصحف
ولاحق له عليها فى المصادرة أو الغلق أو إلغاء الترخيص، فاختصاصه يقف عند حد كفالة
حرية الصحافة وحق الصحف فى تدفق المعلومات وحقه فى إيذاء رأيه فيما ينشر.
رابعًا: عدم قبول دعوى المجلس الأعلى للصحافة لانتفاء المصلحة فى الدعوى، استنادا إلى
انه طبقا لنص المادة 12 من قانون مجلس الدولة رقم 47 لسنة 1972 التى قضت بأنه لا تقبل
الطلبات المقدمة من أشخاص ليست لهم مصلحة شخصية مباشرة مادية كانت أو أدبية، على أنه
لما كان المجلس الأعلى للصحافة ليس له أية مصلحة أو صفة فى رفع هذه الدعوى تأسيسا على
أن المشرع لم يفوضه فى هذه الإجراءات طبقا لما سلف بيانه فى أسباب تقرير الطعن المشار
إليها سلفا، ولكان المشرع الدستورى أو القانونى يبغى أن يعطيه اختصاصا فى ذلك لكان
قد نص صراحة كما هو الحال بالنسبة للجهات الأخرى ذات الشخصية الاعتبارية كالنقابات
والهيئات الإدارية الأخرى ولكن منعه ذلك نصوص الدستور التى خطرت التعرض لحرية الصحافة
بل عمدت إلى كفالتها واستقلالها والقول بان للمطعون ضده الأول مصلحة بصفته ممثلا للمجلس
المذكور قول لا يسانده حق فى القانون، بل أنه لم يتعرض لأى أضرار من جراء استمرار الترخيص
الصادر للجريدة حتى تتحقق له صفة أو مصلحة فى رفع الدعوى، وإذ استجابت المحكمة لطلب
من غير ذى صفة أو مصلحة فيكون حكمها الطعنين معدوما.
خامسا: ذكر الطاعن أن ما أورده الحكم المطعون فيه من أن محكمة القضاء الإدارى تظل تراقب
القرار الإدارى منذ ولادته وحتى مماته هو مردود عليه بأنه ليس هذا هو اختصاص هذه المحكمة
بالنسبة للصحافة التى أحاطها المشروع بسياج شديد، فنص على كفالة حريتها وحظر مراقبتها
أو إنذارها أو وقفها أو إلغائها بما يعنى أن المشرع الدستورى ومن بعده القانون قد أكدا
على غلق الباب حول مناقشة أو غلق الصحيفة تحت أو وصف فقد منع المجلس الأعلى للصحافة
– وهى أعلى سلطة – من مباشرة أعمال أى سلطة على أى صحيفة وإنما أعطاه فقط حق متابعة
وتقيم ما تنشره الصحف وإصدار التقارير الدورية عن مدى التزامها بآداب المهنة وميثاق
الشرف الصحفى، وإلزام الصحف أن تنشر تلك التقارير، وعلى ذلك فإن المجلس الأعلى للصحافة
لا يمتلك سحب قرار ترخيص أى صحيفة أو إلغائه، وأضاف الطاعن قائلها أن المجلس الأعلى
للصحافة قد ناصب جريدة النبأ الوطنى والقائمين عليها عداوة غير مسبوقة فامتنع عن الموافقة
على تحويل هذه الجريدة من جريدة أسبوعية إلى جريدة يومية، وما أن صدر حكم محكمة القضاء
الإدارى بالأحقية فى الصدور اليومى حتى سارع إلى الطعن على الحكم والاستشكال أما محكمة
الأمور المستعجلة بالازبكية، وهى محكمة غير مختصة – مما حدا بالمحكمة إلى إصدار حكمها
فى الموضوع لتمكين الجريدة من الصدور اليومى – وهو الأمر الذى سطره الحكم فى الصفحة
رقم 9 منه من أن القضاء الإدارى قد انتصر من قبل لهذه الجريدة ووقف إلى جانب إصدارها
اليومى، وبالرغم مما نوه عنه إلى أن هناك جهات عديدة تكالبت عليها لتحرمها من حق الصدور
اليومى، ثم عادت المحكمة وأعلنت عن رأيها الشخصى الخارج عن أوراق الدعوى بقولها انه
يجب أن يختفى هذه الجريدة من الوجود لتحول بينها وبين ما تنفثه من سموم وما تعبث به
من أخلاقيات وقيم – وهو قول ينقصه الدليل، فقد خلا الحكم بمدوناته كلها من أى دليل
على ما أوردته من تزيد بأسبابها، الأمر الذى يطالب معه محكمة الطعن ان تأمر بمحو تلك
العبارات الورادة بقضاء محكمة أول درجة التى لا تقوم على مستند من الوراق والمستندات
المقدمة بالدعوى فالقضية التى طرحتها الجريدة تتعلق بنشر خبر صادق وصحيح عن واقعة مشينة
ارتكبها راهب مشلوح، ولم يكن قصد الجريدة من هذا النشر هو بث سموم، إنما كان الهدف
هو التحذير والتنوير لحماية القيم وعدم الإساءة إلى المقدسات الدينية.
ومن حيث إن قضاء هذه المحكمة جرى على أن الطعن أمام المحكمة الإدارية العليا يطرح الطعن
برمته على المحكمة لتنظره وتزنه بميزان القانون والواقع سواء من حيث الشكل او الإجراءات
أو سلامة مباشرتها لولاية رقابة الإلغاء أو وقف التنفيذ، طبقا، وفى حدود أحكام الدستور
والقانون وإعمالا لمبدأ استقلال مجلس الدولة واستقلال السلطة القضائية، التى يباشرها
القاضى فى المنازعات التى يختص بحسمها والفصل وفيها وفقا للمادتين 165 و172 من الدستور.
ومن حيث إنه بالنسبة إلى ما أثاره المتدخلون عن قداسة البابا شنوده ببطلان الطعن لإغفال
الطاعن اختصام باقى الخصوم، فمردود عليه بأنه ليس بأحكام القانون ما يوجب على الخصم
عند الطعن على الحكم اختصام من تدخل فى الدعوى منضما إلى الخصم الأخر فى طلباته لكى
يثار أمر بطلان تقرير الطعن عند إغفال هذا الإجراء – حتى وجود مثل هذا الالتزام الذى
تضمنته الفقرة الثانية من المادة 218 من قانون المرافعات – أوجبت فى حالة رفع الطعن
على أحد المحكوم لهم فى الميعاد – اختصام الباقين، ولو بعد فوات ميعاد الطعن بالنسبة
إليهم – فإن أحكام قانون المرافعات صريحة فى عدم جواز الحكم بالبطلان رغم النص عليه
– إذ ثبت تحقق الغاية من الإجراء وعلى ذلك فإذا ما ثبت قيام الطاعن باختصام باقى المحكوم
لهم ومن ثم يكون قد استقام شكل الطعن واكتملت له موجبات قبوله بما لازمه سريان أثر
الطعن فى حق جميع الخصوم ومنهم من تم اختصاصهم فيه بعد رفعه.
وحيث إنه عن تدخل قداسة البابا شنودة فإن الثابت من محاضر جلسات 5/ 11/ 2001 (فحص)،
26/ 1/ 2002 (موضوع) حضور الأستاذ/ منصف نجيب سليمان المحامى عن صاحب القداسة البابا
شنودة بموجب توكيل رسمى برقم 471 أ. ح لسنة 2001 فى 30/ 7/ 2001 (مكتب توثيق الوايلى)
– مرفق صورته بالأوراق وطلب إثبات تدخله فى الطعن لخصم منضم إلى رئيس مجلس الشورى بصفته،
كما حضر عنه أيضا كل ممن الأساتذة/ أحمد كمال أبو الفضل المحامى وفكرى حبيب المحامى
والدكتور/ محمد ميرغنى المحامى والدكتور/ عاطف البنا المحامى.
وحيث إنه من المستقر عليه فى قضاء هذه المحكمة – قبول التدخل الانضمامى إلى أحد الخصوم
لأول مرة أمام المحكمة الإدارية العليا إذا لم يطلب المتدخل لنفسه أكثر مما يطلبه الخصم
المنضم إليه.
ومن حيث إن من خسر الطعن يلزم بمصروفاته عملا بحكم المادة من قانون المرافعات.
" فلهذه الأسباب "
حكمت المحكمة:
| سكرتير المحكمة | رئيس المحكمة |
