الطعن رقم 8364 لسنة 48 ق عليا – جلسة 02 /04 /2008
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
في السنة الثالثة والخمسون – الجزء الثاني – من أول أبريل سنة 2008 إلى آخر سبتمبر
سنة 2008 صـ 960
جلسة 2 من أبريل سنة 2008
الطعن رقم 8364 لسنة 48 القضائية عليا
(الدائرة السادسة)
السيد الأستاذ المستشار/ محمد منير السيد أحمد جويفل نائب رئيس
مجلس الدولة ورئيس المحكمة.
والسادة الأساتذة المستشارون/ سامي أحمد محمد الصباغ ومحمد محمود فرج حسام الدين ومحمد
البهنساوى محمد الرمام وحسن عبد الحميد البرعي وحسن سلامة أحمد محمود ود/ حمدي حسن
محمد الحلفاوي نواب رئيس مجلس الدولة.
( أ ) قرار إداري – القرار الإداري السلبي – مفهومه – مناط قيامه.
المادة من قانون مجلس الدولة، الصادر بالقرار بقانون رقم لسنة 1972.
دعوى الإلغاء خصومة عينية مناطها اختصام القرار الإداري ذاته؛ استهدافًا لرقابة مشروعيته,
فيشترط لقبولها أن يكون ثمة قرار إداري نهائي موجود ومنتج لآثاره عند إقامة الدعوى,
وإلا كانت غير مقبولة – القرار الإداري السلبي لا يقوم إلا إذا رفضت الجهة الإدارية
أو امتنعت عن اتخاذ قرار كان من الواجب عليها اتخاذه وفقًا للقوانين واللوائح – يتعين
للقول بوجود قرار إداري سلبي أن يقدم المدعي ما يفيد تقدمه بطلب إلى جهة الإدارة لإصدار
قرارها – تطبيق.
(ب) ترخيص – الترخيص بإقامة كنيسة – مدى سلطة وزير الداخلية في إصدار هذا الترخيص.
الخطأ الهمايوني الصادر عن الباب العالي في فبراير 1856.
ناط المشرع بولي الأمر ممثلاً في رئيس الجمهورية وحده سلطة إصدار قرار بالموافقة على
إقامة الكنائس, بناء على ما يعرضه رئيس مجلس الوزراء – لم يمنح المشرع وزير الداخلية
أي اختصاص فيما يتعلق بالترخيص بإقامتها – موافقة وزير الداخلية أو عدم موافقته على
إقامة كنيسة هو مجرد إبداء رأي للسلطة المختصة الممثلة في رئيس الجمهورية أو من يفوضه
– أثر ذلك: لا يمكن اعتبار هذا الرأي قرارًا إداريًا مما يجوز الطعن عليه على استقلال,
أو اعتباره أحد المراحل المركبة في إصدار قرار الترخيص – أساس ذلك: انتفاء وجود القرار
الإداري النهائي السلبي أو الإيجابي بالمفهوم الفني الدقيق – تطبيق.
الإجراءات
في يوم الأحد الموافق 19/ 5/ 2002 أودعت هيئة قضايا الدولة بصفتها
نائبة عن الطاعنين قلم كتاب المحكمة تقريرًا بالطعن على الحكم الصادر عن محكمة القضاء
الإداري بالمنوفية في الدعوى رقم 593 لسنة 2ق بجلسة 16/ 4/ 2002 الذي قضى في منطوقه
بقبول الدعوى شكلاً, وفي الطلب العاجل بوقف تنفيذ القرار المطعون فيه وما يترتب على
ذلك من آثار وألزمت الجهة الإدارية مصروفاته, وأمرت بإحالة الدعوى إلى هيئة مفوضي الدولة
لإعداد تقرير بالرأي القانوني في طلب الإلغاء.
وطلب الطاعنان للأسباب الواردة بتقرير الطعن بصفة مستعجلة الحكم بوقف تنفيذ الحكم المطعون
فيه, وبقبول الطعن شكلاً, وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه والقضاء مجددًا أصليًا
بعدم قبول الدعوى لانتفاء القرار الإداري, واحتياطيًا برفض طلب وقف تنفيذ القرار المطعون
فيه وإلزام المطعون ضده بصفته المصروفات.
وقد أعلن تقرير الطعن وفقًا للثابت بالأوراق, وأعدت هيئة مفوضي الدولة تقريرًا بالرأي
القانوني في الطعن انتهت فيه للأسباب الواردة به إلى أنها ترى الحكم بإلغاء الحكم المطعون
فيه والقضاء مجددًا برفض طلب وقف تنفيذ القرار المطعون فيه وإلزام المطعون ضده المصروفات.
ونظرت الدائرة السادسة (فحص طعون) بالمحكمة الإدارية العليا الطعن بعدة جلسات, ثم قررت
إحالته إلى الدائرة السادسة (موضوع) لنظره.
ونفاذًا لذلك ورد الطعن إلى هذه المحكمة ونظرته بالجلسات على النحو الثابت بمحاضرها.
وقررت إصدار الحكم بجلسة اليوم, وفيها صدر وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق
به.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع الإيضاحات، وبعد المداولة قانونًا.
من حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية فهو مقبول شكلاً.
ومن حيث إن عناصر المنازعة تخلص في أنه بتاريخ 17/ 2/ 2001 أودع المطعون ضده قلم كتاب
محكمة القضاء الإداري بالمنوفية صحيفة الدعوى رقم 593 لسنة 2ق طالبًا في ختامها الحكم
بوقف تنفيذ وإلغاء القرار السلبي بالامتناع عن الموافقة على إقامة كنيسة القديس أبو
مقار بناحية مونسة مركز أشمون محافظة المنوفية بالقطعة رقم ش بحوض داير الناحية
رقم حسب الرسومات والمستندات المقدمة، مع ما يترتب على ذلك من آثار، وإلزام المدعى
عليهما المصروفات.
وذكر المدعي شرحًا لدعواه أنه تقدم بالطلب بتاريخ 19/ 1/ 2000 تمهيدًا لاستصدار القرار
الجمهوري الخاص بإنشاء هذه الكنيسة إلا أنه نما إلى علمه أن المدعى عليه الأول امتنع
عن استصدار قرار الموافقة على إقامة تلك الكنيسة، وذلك حسب الثابت من خطاب مديرية أمن
المنوفية الذي لم يعلن به.
ونعى المدعي على القرار المطعون فيه مخالفته للقانون والدستور؛ حيث إن إقامة الشعائر
الدينية حق للمواطنين وواجب على الدولة، ولا يجوز الامتناع عن الموافقة إذا كان المدعي
قد هيأ المكان المناسب واستوفى شرائطه، حيث إن المكان الحالي الذي تقام به الشعائر
في هذه القرية عبارة عن مضيفة لا تفي بالغرض، حيث لا تسع أكثر من خمسين شخصًا، في حين
أن القرية وقرى مجاورة بها حوالي ألف شخص، ولا تعد المضيفة بديلاً عن الكنيسة، ويكون
القرار السلبي بالامتناع عن الموافقة على بنائها مخلاً بأبسط حقوق المواطن.
وبجلسة 16/ 4/ 2002 أصدرت المحكمة حكمها المطعون فيه بوقف تنفيذ القرار المطعون فيه
بعد أن كيفت طلبات المدعي على أنها طلب وقف تنفيذ وإلغاء قرار وزير الداخلية بعدم الموافقة
على السير في إجراءات الترخيص بإنشاء الكنيسة. كما رفضت الدفع بعدم قبول الدعوى لانتفاء
القرار الإداري، والدفع بعدم قبولها شكلاً لرفعها بعد الميعاد. كما انتهت إلى توافر
ركني الجدية والاستعجال في طلب وقف التنفيذ، حيث لا يجوز التعويل على الحالة الأمنية
والخشية من مجرد حدوث احتكاك بين الأفراد لصدور قرار وزير الداخلية بعدم الموافقة على
إنشاء الكنيسة؛ لما في ذلك من حجب للموضوع برمته عن السيد رئيس الجمهورية وكذا حرمان
الأقباط من ممارسة شعائرهم الدينية.
وانتهت المحكمة إلى قضائها المتقدم.
لم يلق هذا القضاء قبولاً لدى الجهة الإدارية التي أقامت طعنها ناعية عليه مخالفته
للقانون والخطأ في تطبيقه من عدة أوجه: أولها – انتفاء القرار الإداري النهائي الجائز
الطعن عليه بالإلغاء، حيث ناط المشرع برئيس الجمهورية وحدة سلطة إصدار القرار بالموافقة
أو عدم الموافقة على إقامة الكنائس، وليس لوزير الداخلية من اختصاص في هذا الترخيص،
وإنما موافقته أو عدم الموافقة تعد مجرد اقتراح أو رأي لا يترتب عليه الأثر القانوني
للقرار الإداري النهائي، وبالتالي لا يجوز الطعن على ما يصدره وزير الداخلية في هذا
الشأن. وثانيها – انتفاء ركن الاستعجال في طلب وقف تنفيذ القرار المطعون فيه، حيث لم
يمس القرار المطعون فيه برفض إقامة الكنيسة الحرية الشخصية للإخوة الأقباط بقرية مونسه
لإقامة شعائرهم الدينية نظرًا إلى وجود أماكن للعبادة وكنائس في القرى القريبة منها،
ولا توجد بالتالي أية نتائج يتعذر تداركها من تنفيذ القرار المطعون فيه، حيث إن وجود
كنيسة على مسافة من المكان المطلوب فيه إقامة الكنيسة تجعل إقامة الطقوس أقل يسرًا
ولكنه لا يقف حائلاً دون إتمامها مما ينتفي معه الاستعجال. كما ينتفي ركن الجدية، حيث
إن القرار صدر صحيحًا متفقًا مع مقتضيات المصلحة العامة لمنع حدوث تداعيات في الأمن
والاحتكاك حسبما حدث من قبل في ذات القرية وفي ذات المكان عام 1987 وعام 2000، ولإحاطة
المكان المقترح بالمساجد ومنازل المسلمين، وهذه كلها أمور من الملاءمات، ولا يجوز أن
يحل القاضي الإداري نفسه محل جهة الإدارة في أداء واجبها ومباشرة نشاطها لتحقيق المصلحة
العامة. واختتمت الجهة الإدارية تقرير الطعن بطلب الحكم بطلباتها.
ومن حيث إنه عن الدفع بانتفاء القرار الإداري النهائي الجائز الطعن عليه بالإلغاء فإن
المادة من قانون مجلس الدولة رقم 47 لسنة 1972 تنص على أن "تختص محاكم مجلس الدولة
دون غيرها بالفصل في المسائل الآتية…….. (خامسًا) الطلبات التي يقدمها الأفراد
أو الهيئات بإلغاء القرارات الإدارية النهائية….
ويشترط في طلبات إلغاء القرارات الإدارية النهائية أن يكون مرجع الطعن عدم الاختصاص
أو عيبًا في الشكل أو مخالفة القوانين أو اللوائح أو الخطأ في تطبيقها أو تأويلها أو
إساءة استعمال السلطة.
ويعتبر في حكم القرارات الإدارية رفض السلطات الإدارية أو امتناعها عن اتخاذ قرار كان
من الواجب عليها اتخاذه وفقًا للقوانين واللوائح".
ومن حيث إنه من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن دعوى الإلغاء هي خصومة عينية مناطها
اختصام القرار الإداري ذاته استهدافًا لرقابة مشروعيته، فيشترط لقبولها أن يكون ثمة
قرار إداري نهائي موجود وقائم ومنتج لآثاره عند إقامة الدعوى، فإذا تخلف هذا الشرط
كانت الدعوى غير مقبولة شكلاً. والقرار الإداري السلبي لا يقوم طبقًا لنص الفقرة الأخيرة
من المادة المذكورة من قانون مجلس الدولة إلا إذا رفضت الجهة الإدارية أو امتنعت
عن اتخاذ قرار كان من الواجب عليها اتخاذه وفقًا للقوانين واللوائح.
ومن حيث إن الترخيص – أي ترخيص – هو قرار إداري نهائي تفصح بموجبه الجهة الإدارية عن
إرادتها الملزمة بما لها من سلطات بمقتضى القوانين واللوائح بقصد تحقيق المصلحة العامة،
وسواء كان إيجابيًا أي بالموافقة، أو سلبيًا بالامتناع عن إصداره.
ومن حيث إن طلبات المطعون ضده في الأصل في صحيفة الدعوى أو في مذكرات الدفاع المقدمة
لهذه المحكمة إنما تنحصر في طلب وقف تنفيذ وإلغاء القرار السلبي بالامتناع عن الموافقة
على إقامة كنيسة بناحية مونسه مركز أشمون بالمنوفية، وسواء كان هذا القرار السلبي يختص
بإصداره السيد رئيس الجمهورية أو حتى المحليات حسبما ذهب المطعون ضده في مذكرة دفاعه
فإن الأوراق قد خلت مما يفيد تقدمه بطلب هذا الترخيص لأيهما وامتنع عن إصداره، كما
خلت الأوراق في ذات الوقت من أي نص يوجب على جهة الإدارة ويلزمها بإصدار هذا القرار
وقعدت عن إصداره امتثالاً له حتى يمكن القول بوجود قرار سلبي بالامتناع في مفهوم الفقرة
الأخيرة من المادة المذكورة. فضلاً عن أن ما أفصحت عنه الأوراق من عدم موافقة
وزير الداخلية على إقامة هذه الكنيسة هو مجرد رأي باعتباره المسئول عن المحافظة على
الأمن العام والسكينة يبديه لسلطة اتخاذ القرار لدى نظرها في طلب الترخيص بإقامة الكنيسة،
ولا يعد هذا الرأي والحال كذلك من قبيل القرارات الإدارية النهائية؛ حيث إن وزير الداخلية
ليس هو المنوط به إصدار القرار بالترخيص بإقامتها، ولا يختص بإصداره ولا يمكن اعتبار
هذا الرأي قرارًا إداريًا أو إحدى المراحل المركبة – حسبما ذهب الحكم المطعون فيه –
لقرار الترخيص مما يجوز الطعن عليه على استقلال؛ حيث إنه لا يمثل قرارًا إداريًا نهائيًا
بالمفهوم الفني الدقيق، وبالتالي وإزاء انتفاء وجود مثل هذا القرار الإداري النهائي
السلبي أو الإيجابي، ومع خلو الأوراق من أي نص في قانون أو لائحة يلزم الجهة الإدارية
بإصدار القرار المطلوب إصداره بالموافقة على الترخيص ببناء هذه الكنيسة فإن الدعوى
تكون غير مقبولة شكلاً لانتفاء القرار الإداري مما يتعين معه القضاء بذلك.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه خالف هذا النظر فإنه يكون جانبه الصواب جديرًا بالإلغاء،
وإلزام المطعون ضده المصروفات بحسبانه قد خسر الطعن عملاً بنص المادة من قانون
المرافعات.
ولا محاجة هنا للقول بأن قرار وزير الداخلية بعدم الموافقة على إقامة الكنيسة هو القرار
المطعون فيه باعتباره يحول دون عرض الأمر على السلطة المختصة بإصدار الترخيص أو باعتباره
يشكل إحدى حلقات القرار المركب بهذا الترخيص؛ حيث إن ذلك مردود بما نص عليه المشرع
في الخط الهمايوني عن الباب العالي في فبراير عام 1856 والقانون رقم 15 لسنة 1927 فيما
يختص بالمعاهد الأزهرية وتعيين الرؤساء الدينيين وبالمسائل الخاصة بالأديان المسموح
بها بالبلاد والذي ناط بولي الأمر ممثلاً في رئيس الجمهورية وحده سلطة إصدار القرار
بالموافقة على إقامة الكنائس بناء على ما يعرضه رئيس مجلس الوزراء، ولم يمنح المشرع
وزير الداخلية أي اختصاص فيما يتعلق بالترخيص بإقامتها. وأن موافقة وزير الداخلية أو
عدم موافقته (كما هو الحال في الطعن الماثل) على إقامة الكنيسة باعتباره المسئول عن
مرفق الأمن هو مجرد إبداء رأي للسلطة المختصة الممثلة في رئيس الجمهورية أو من يفوضه،
سواء من المحافظين أو غيرهم بمقتضى سلطته التقديرية وحسبما يراه محققًا للمصلحة العامة
في إصدار القرار الإداري النهائي بالموافقة أو عدم الموافقة على إقامة الكنائس، وهو
القرار الذي خلت منه أوراق الطعن على النحو السالف البيان.
ولو افترضنا وجود قرار يفوض فيه رئيس الجمهورية المحافظين كلاً في دائرة اختصاصه بالترخيص
بإقامة الكنائس أو ترميمها؛ فإنه كان يتعين اختصام المحافظ المعني بذلك في الدعوى أمام
محكمة أول درجة، إلا أن هذا لم يحدث، حيث أقيمت الدعوى دون اختصام المحافظ المختص بالترخيص
والترميم بشأن الكنائس ودور العبادة، وبالتالي تكون الدعوى في جميع الأحوال مرفوعة
على غير ذي صفة لما أشير إليه.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وبإلغاء الحكم المطعون فيه، وبعدم قبول الدعوى لانتفاء القرار الإداري، وألزمت المطعون ضده المصروفات.
خالفت المحكمة الإدارية العليا في هذا حكمًا سابقًا لها، قبلت فيه الطعن على قرار وزير الداخلية برفض إقامة كنيسة. (حكمها في الطعن رقم 501 لسنة 4 القضائية عليا بجلسة 25/ 4/ 1959، منشور بمجموعة المبادئ التي قررتها في السنة 4 القضائية، مكتب فني جـ2 رقم 103 ص1162).
