الطعن رقم 2209 لسنة 50 ق العليا – جلسة 30 /03 /2010
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الخامسة والخمسين والسادسة والخمسين – من أول أكتوبر 2009 إلى آخر سبتمبر 2011
– صـ 420
جلسة 30 من مارس سنة 2010
الطعن رقم 2209 لسنة 50 القضائية العليا
(الدائرة الثالثة)
السادة الأستاذة المستشارون نواب رئيس مجلس الدولة:
1 – محمد منير السيد جويفل.
2 – يحيى عبد الرحمن يوسف.
3 – مصطفى سعيد مصطفى حنفى.
4 – فوزي عبد الراضى سليمان أحمد.
5 – جعفر محمد قاسم.
6 – عليوة مصطفى عيسى فتح الباب.
7 – أحمد عبد الحميد محمد خليل.
عقد إداري – التعهد بخدمة مرفق عام – هذا التعهد لا يكون له محل ولا يكتسب صفته المشروعة
قانونا إلا إذا كان ثمة نفقات وتكاليف تكبدها المرفق فعلا على تدريب الموظف علميًا
أو عمليًا, سواء في الجهة ذاتها أو في غيرها – لا يسوغ قانونا إجبار الموظف عند تعيينه
على التوقيع على تعهد بخدمة الجهة لمدة معينة وإلا التزم بأداء مبلغ معين، دون سند
من القانون، وإلا كان ذلك من قبيل العمل الجبري المحظور في الدستور والمواثيق الدولية،
وعُدَّ بمثابة جزاء على الاستقالة غير منصوص عليه قانونا.
الإجراءات
في يوم الثلاثاء الموافق 16/ 12/ 2003 أودع السيد المستشار رئيس
هيئة مفوضي الدولة قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقرير الطعن الماثل في الحكم الصادر
عن محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية (الدائرة الثالثة) بجلسة 25/ 10/ 2003 في الدعوى
رقم 5095 لسنة 52ق، المقامة من وزير التربية والتعليم بضفته ضد….، القاضي بقبول الدعوى
شكلاً وفي الموضوع بإلزام المدعي عليه أن يؤدي للمدعى بصفته مبلغ خمسة آلاف جنيه وإلزامه
المصروفات.
وقد طلب السيد المستشار رئيس هيئة مفوضي الدولة للأسباب التي استند إليها في تقرير
الطعن إرساء مبدأ قانوني في شأن مدى صحة الإقرار الموقع من الموظف بخدمة جهة الإدارة
لفترة معينة وإلا التزم بمبلغ معين، دون أن تقدم له جهة الإدارة تدريبات أو تتحمل أي
مبالغ، وهل يأخذ هذا الإقرار حكم العقد الإداري؟
وأعدت هيئة مفوضي الدولة تقريرًا بالرأي القانوني في الطعن ارتأت فيه قبول الطعن شكلاً
ورفضه موضوعًا.
ثم نظر الطعن أمام الدائرة الثالثة فحص بالمحكمة الإدارية العليا حيث قررت بجلسة 15/
7/ 2009 إحالته إلى الدائرة الثالثة موضوع لنظره بجلسة 24/ 11/ 2009، وفيها نظرته المحكمة
ثم تدوول بالجلسات على النحو المبين بمحاضرها، وبجلسة 2/ 2/ 2010 قررت المحكمة إصدار
الحكم بجلسة 30/ 3/ 2010 مع التصريح بتقديم مذكرات ومستندات خلال ثلاثة أسابيع، لم
يقدم خللها شيء، وفيها صدر الحكم وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع الإيضاحات، والمداولة.
ومن حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر المنازعة تخلص حسبما يبين من الأوراق في أن وزير التربية والتعليم
بصفته أقام الدعوى المطعون في الحكم الصادر فيها بصحيفة أودعت قلم كتاب محكمة القضاء
الإداري بالإسكندرية بتاريخ 25/ 10/ 2003 حيث قيدت بجدولها برقم 5095 لسنة 52 ق، وطلب
في ختامها إلزام السيد/ ….. أن يؤدي له مبلغ خمسة آلاف.
وذكر شرحا لدعواه أنه بتاريخ 18/ 10/ 1997 تم تعيين المدعى عليه بوظيفة (مدرس حاسب
آلي) بمدرسة المرقسية الثانوية التابعة لإدارة وسط التعليمية بالإسكندرية، وتعهد الأخير
بالعمل لدى الوزارة المذكورة لمدة خمس سنوات متصلة من تاريخ تعيينه، وفي حالة إخلاله
بذلك يكون ملزمًا بدفع المبلغ المطالب به، وإذ أخل المدعي عليه بتعهده وذلك بعدم العمل
المدة المشار إليها وانقطع عن العمل اعتبارًا من 28/ 3/ 1998 بدون عذر مقبول فإنه يلزم
بأداء المبلغ الذي تعهد به في هذه الحالة.
وبعد أن تدوولت الدعوى أمام محكمة القضاء الإداري على النحو الثابت بمحاضر الجلسات
أصدرت الحكم المطعون فيه بإلزام المدعي عليه أن يؤدي للمدعى بصفته مبلغ خمسة آلاف جنيه
وألزمته المصروفات، وشيدته على أسباب حاصلها أن الإقرار حجة على المقر طبقا للمادة
104 من قانون الإثبات، وأن المدعي عليه أقر بالعمل لدى الوزارة المذكورة مدة الخمس
السنوات سالفة الذكر وإلا تعهد بأداء مبلغ خمسة آلاف جنيه سنويًا، وإذ لم يقم بالعمل
المدة المذكورة وانقطع عن العمل اعتبارًا من 28/ 3/ 1998 فإنه يلتزم أن يؤدي للمدعي
عليه المبلغ الثابت بإقراره.
ويقوم الطعن المقدم من هيئة مفوضي الدولة على الأسباب الآتية:
(أولا) مخالفة الحكم المطعون فيه لحجية حكم سابق من ذات الدائرة التي أصدرت الحكم بجلسة
25/ 1/ 2003 انتهى إلى رفض الدعوى؛ تأسيسًا على أن التعهد الذي وقع من المدعي عليه
يخالف أحكام قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978
الذي أجاز للعامل إنهاء العلاقة سواء بالاستقالة الصريحة أو الضمنية، وأن المادة 23
من قانون مجلس الدولة رقم 47 لسنة 1972 أجازت الطعن أمام المحكمة الإدارية العليا في
الأحكام الصادرة عن محكمة القضاء الإداري إذا صدرت على خلاف حكم سابق حاز قوة الشئ
المحكوم فيه، سواء دفع بهذا الدفع أو لم يدفع، وذلك احترامًا لمبدأ حجية الأحكام النهائية
إذا تعلقت بذات موضوع النزاع، وحتى يستقر في يقين أصحاب الشأن أن الأحكام التي تصدر
بين المتخاصمين في الدعاوى المتحدة في الأساس القانوني التي ترفع أمام ذات الدائرة
قد ساوت بين مراكزهم.
(ثانيًا) مخالفة الحكم المطعون فيه للقانون والفساد في الاستدلال؛ ذلك أن المحكمة الإدارية
العليا لم تقرر مبدأ في نزاع مماثل؛ إذ إن ما اعتبرته من العقود الإدارية التي يتولد
عنها التزام بديل هي حالات رد نفقات الدارسة التي أنفقت على الطالب في بعض المعاهد
التعليمية، بينما حالة المدعي عليه في الدعوى المطعون في حكمها أنه حاصل على بكالوريوس
تجارة، وعني بالطريق العادي لشغل الوظيفة طبقًا لأحكام قانون نظام العاملين المدنيين
بالدولة، وأنه لا يجوز إكراه العامل على الاستمرار في وظيفته رغما عنه، وإلا عد ذلك
تسخيرًا دون مبرر، طالما لم يخضع لإحدى حالات تكليف الخريجين للعمل ببعض الجهات، وهو
طريق استثنائي لشغل الوظائف، وإذ لم يثبت أن الجهة الإدارية المدعية أنفقت على المدعى
عليه أيه نفقات على تدريبه لتحسين أدائه، فمن ثم لم يلحقها ضرر من تركه لوظيفته، وإنه
إزاء التعارض في الأحكام فإن الأمر يقتضي تقرير مبدأ قانوني في المسألة.
ومن حيث إنه ولئن كان قضاء هذه المحكمة قد جرى على تكييف العلاقة الناشئة عن التعهد
الذي يوقعه الموظف مع الجهة التي يعمل بها بخدمة المرفق مدة معينة بأنها علاقة تتوافر
فيها خصائص ومقومات العقود الإدارية، إلا أن هذا التعهد لا يكون له محل ولا يكتسب صفة
المشروعة قانونًا إلا إذا كان ثمة نفقات وتكاليف تكبدها المرفق على تدريب الموظف علميًا
وعمليًان سواء في الجهة ذاتها أو في غيرها في الداخل أو الخارج، إذ لا يسوغ قانونًا
إجبار الموظف عند تعيينه على التوقع على تعهد بخدمة الجهة لمدة معينة وإلا التزم بأداء
مبلغ معين، دون سند من القانون، خاصة إذا كان التعيين عن طريق مسابقة ولم يكن للجهة
الإدارية أي دور في إعداد المتقدم للوظيفة سواء بتعليمه أو تدريبه أو تأهيله، وإلا
كان ذلك من قبيل العمل الجبري المحظور في الدستور والمواثيق الدولية، ويمثل خروجًا
على الضوابط والشروط والأحكام التي وضعها قانون نظام العاملين المدنين بالدولة للتعين
في الوظائف العامة، ويضيف حالة أخرى للتكليف في الوظائف العامة بالمخالفة للقانون،
هذا فضلاً عن أن هذا التعهد يبطل بحسبانه غير مشروع لمخالفته لأحكام الدستور والقانون
على نحو ما تقدم، وأن توقيعه من المعين يشكل نوعا من الإكراه، فلم يكن أمامه من سبيل
سوى التوقع عليه مجبرًا وإلا حرم من وظيفة طال انتظارها، ومن ثم فإذا ما تم تعيينه
ثم عزف بإراداته عن الوظيفة بموجب ما رخص له فيه دستورا وقانونا فليس للجهة الإدارية
أن تطالبه إلا بما تكبدته من نفقات ومصاريف فعلا، وإلا عد ذلك بمثابة جزاء على الاستقالة
غير منصوص عليه قانونًا.
ومن حيث إنه لما كان ما تقدم وكان الثابت من الأوراق أن الطاعن عين بوظيفة (مدرس حاسب
آلي) بتاريخ 18/ 10/ 1997 بمدرسة المرقسية الثانوية التابعة لإدارة وسط التعليمية بالإسكندرية
وفقًا لأحكام قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978،
وقد تضمن قرار التعيين أخذ إقرار على المعين باستمراره في العمل لمدة لا تقل عن خمس
سنوات من تاريخ تسلمه العمل وإلا التزم بدفع مبلغ خمسة آلاف جنيه، ويعتبر هذا الإقرار
ضمن مسوغات التعيين، وإذ خلت الأوراق من قيام الجهة الإدارية بتعليم الطاعن أو تدريبه
أو تأهيله لشغل وظيفة (مدرس حاسب آلي) التي عين فيها، فمن ثم وإذ تبين عدم مشروعية
الإقرار المشار إليه على ما تقدم فإن استعمال اشخص المعين حقه في الاستقالة يسقط التزامه
بأداء المبلغ المتعهد به وتبرأ ذمته منه، وإذ ذهب الحكم المطعون فيه إلى غير ذلك فإنه
يكون مخالفًا للقانون وغير قائم على ما يبرره قانونًا، مما يتعين معه إلغاؤه والقضاء
مجددًا برفض الدعوى.
ومن حيث إنه عن المصروفات فإن الجهة الإدارية المطعون ضدها تلتزم بها عملا بحكم المادة
184 من قانون المرافعات.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه وبرفض الدعوى، وألزمت الجهة الإدارية المطعون ضدها المصروفات.
