الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 20594 لسنة 51 ق عليا – جلسة 20 /03 /2010 

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الخامسة والخمسين والسادسة والخمسين – من أول أكتوبر 2009 إلى آخر سبتمبر 2011 – صـ 381


جلسة 20 من مارس سنة 2010
الطعن رقم 20594 لسنة 51 القضائية عليا
(الدائرة الرابعة)

السادة الأستاذة المستشارون نواب رئيس مجلس الدولة:
1 – السيد محمد السيد الطحان.
2 – محمود إسماعيل رسلان مبارك.
3 – د. حسين محمد عبد المجيد بركات.
4 – أحمد إبراهيم زكي الدسوقي.
5 – د. محمد ماهر أبو العنين.
6 – د. سمير عبد الملاك منصور.
7 – محمود إسماعيل عثمان.
موظف – حق الشكوى ومخاطبة وسائل الإعلام – لا حظر على الموظف في إطار حرية الرأي والنقد، وحق الشكوى، وحقه في الحماية في أداء واجبات وظيفته؛ في أن ينشر عن طريق الصحافة كل ما لا يعد تصريحًا أو بيانًا عن أعمال الوظيفة، أو إفشاء لما هو سري منها بطبيعته أو بموجب تعليمات تقضي بذلك – للموظف كذلك أن يتظلم، إلى السلطات الرئاسية، وله أن يعبر من خلال الصحافة عن تظلمه مما يعانيه أو مما يتصوره ظلمًا لحق به، وأن ينتقد بصيغة موضوعية إجراءات ونظام العمل ووسائله، شريطة إلا يلجأ إلى أسلوب ينطوي على امتهان أو تجريح للرؤساء بما لا يستوجبه عرض وقائع الشكوى.
المواد المطبقة:
– المواد ووومن دستور 1971.
– المادة من قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة، الصادر بالقانون رقم لسنة 1978.


الإجراءات

في 27/ 7/ 2005 أقام وكيل الطاعن الطعن الماثل بإيداع صحيفة قلم كتاب المحكمة مقررًا الطعن على الحكم الصادر عن المحكمة التأديبية لمستوى الإدارة العليا بجلسة 1/ 6/ 2005 في الدعوي رقم 17 لسنة 47 ق الذي انتهى إلى مجازاة الطاعن باللوم.
وطلب الطاعن في ختام تقرير الطعن إلغاء الحكم المطعون فيه والقضاء مجددًا ببراءته مما هو منسوب إليه.
وتم إعلان تقرير الطعن على النحو الثابت بالأوراق.
وانتهت هيئة مفوضي الدولة في تقريرها إلى أنها ترى الحكم بقبول الطعن شكلاً ورفضه موضوعًا.
وتدوول الطعن أمام دائرة فحص الطعون على النحو الثابت بمحاضر الجلسات، حيث قررت بجلسة 11/ 3/ 2009 إحالته إلى هذه المحكمة لنظره بجلسة 18/ 4/ 2009، حيث تدوول أمام هذه المحكمة على النحو الثابت بمحاضر الجلسات حتى تقرر إصدار الحكم بجلسة اليوم، وفيها صدر الحكم وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
ومن حيث إن الطعن قد استوفى في أوضاعه الشكلية المقررة.
ومن حيث إن واقعات الحكم المطعون فيه تخلص حسبما يظهر من الأوراق في أنه بتاريخ 16/ 10/ 2004 أقامت النيابة الإدارية الدعوى رقم 17 لسنة 47 ق بإيداع أوراقها قلم كتاب المحكمة التأديبية لمستوى الإدارة العليا، متضمنة تقرير اتهام ضد:……. مستشار (ب) بالهيئة العامة لتعاونيات البناء والإسكان حاليًا، وسابقًا أمين عام مركز بحوث الإسكان والبناء، على الدرجة العالية؛ لأنه خلال المدة من 16/ 10/ 2002 وحتى 18/ 2/ 2004 وبوصفه السابق وبمقر عمله بالهيئة العامة لتعاونيات البناء والإسكان وملحقًا بالجهاز التنفيذي لمشروعات تعمير الوادي الجديد قام بما يلى:
1 – خالف القواعد والأحكام المنصوص عليها في القوانين واللوائح والنظم المعمول بها، وخرج على مقتضى الواجب الوظيفي بأن أدلى بيانات بمقال نشره بجريدة الأخبار يوم 8/ 2/ 2004 بعنوان: "نطالب بالتحقيق مع جهاز التفتيش الفني على أعمال البناء"، وبجريدة صوت الأمة يوم 9/ 2/ 2004، دون أن يكون مصرحًا له بذلك، مع تضمنه رصدا لتصريحات وزير الإسكان التي تحصر الجهاز المذكور قاصدًا الإساءة إليه.
2 – لم يحافظ على كرامة وظيفته وسلك في تصرفاته مسلكًا لا يتفق والاحترام الواجب، وظهر بمظهر من شأنه الإخلال بكرامة الوظيفة، وخرج على مقتضى الواجب الوظيفي، وخالف أحكام القانون بأن:
ضمن شكاياته محل التحقيق إلى كل من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس الشعب ووزير الإسكان طعنًا على أعمال شخص أ.د/ …… والتشكيك في كفايتها، تضمنت قذفًا وسبا وتحقيرًا لشخصها، وذلك عن سوء قصد؛ بغية الكيد والنكاية بها لنقله من عمله كأمين عام ومركز بحوث الإسكان والبناء.
وقد تدوولت الدعوى على النحو الثابت بمحاضر الجلسات، وبتاريخ 1/ 6/ 2005 قضت المحكمة بمجازاة المحال باللوم، وأقامت حكمها على ثبوت المخالفات في حقه من واقع التحقيقات.
ولما لم يلق هذا الحكم قبولا لدى المحال فقد أقام طعنه الماثل بتاريخ 27/ 7/ 2005 يلتمس فيه قبول الطعن شكلا وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه والقضاء مجددًا ببراءته.
وأقام الطاعن طعنه على أن ما قام بنشره في الصحف هو قوانين وقرارات منشورة بالجريدة الرسمية وكذا تصرفات وزير الإسكان، فضلا عن عدم جواز مؤاخذة الموظف تأديبيًا عما يقع منه من مخالفات خارج نطاقه عمله وفي غير أوقات العمل الرسمية، كما أن هناك واجبا على العامل في الإبلاغ عن المخالفات التي تصل إلى علمه توخيًا للمصلحة العامة، وأن ما قام بنشره لم يخرج عن هذه الأمور. وانتهى إلى طلباته سالفة البيان.
ومن حيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن القاعدة التي تحكم مدى اعتبار للنشر بالصحف مرتبًا لمسئولية تأديبية للموظف العام من عدمه هي أن المقرر وفقًا لصريح نصوص الدستور أن الوظائف العامة كما هي حق للمواطنين هي تكليف للقائمين بها لخدمة الشعب, وتكفل الدولة حمايتهم في قيامهم بأداء واجباتهم في رعاية مصالح الشعب (م 14)، وأن حرية الرأي مكفولة، ولكل إنسان التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير في حدود القانون، وأن النقد الذاتي والنقد البناء ضمانان لسلامة البناء الوطني (م47)، كما أن الالتزام بصيانة أسرار الدولة واجب وطني (م 60)، ولكل مواطن حق مخاطبة السلطات العامة كتابة (م 63).
فالأصل العام المقرر دستوريًا والمتطلب ديمقراطيا هو وجوب كفالة حماية الموظفين العموميين في أداء واجباتهم، مع كفالة حرية الرأي، سواء لذات العاملين في مباشرتهم للنقد رغبة في الإصلاح وتحقيق المصلحة العامة، أو غيرهم من المواطنين، مع رعاية حرية وتوفير حق الشكوى لكل منهم للصحافة، وغير ذلك من طرق النشر والإعلام، دون مساس بأسرار الدولة وصيانتها، وأن اجتماع حق الشكوى مع حرية الرأي والتعبير عنه يبيح كأصل عام لكل مواطن أن يعرض شكاواه ومظالمه على الرأي العام، شريطة ألا يتضمن النشر ما ينطوي على مخالفة الدستور أو القانون أو إساءة استعمال الحق؛ لأن عدم إساءة استعمال الحقوق هو القيد العام المشروع الذي يسرى على جميع الحقوق والحريات.
ولقد حضر المشرع على العامل في صلب قانون نظام العاملين المدنين بالدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978 صراحة في المادة منه أن يقضي بأي تصريح أو بيان عن أعمال وظيفته عن طريق الصحف وغير ذلك من طرق النشر، إلا إذا كان مصرحًا له بذلك كتابة من الرئيس المختص، أو أن يفشى الأمور التي يطلع عليها بحكم وظيفته إذا كانت سرية بطبيعتها أو بموجب تعليمات تقضي بذلك، ويظل هذا الالتزام بالكامل قائمًا ولو يعد ترك العامل الخدمة.
ومؤدي هذه النصوص في إطار حرية الرأي والنقد وحق الشكوى وحق الموظف العام في الحماية في أداء واجبات وظيفته التي قررها الدستور والقانون، أنه لا حظر على الموظف في أن ينشر عن طريق الصحافة كل ما لا يعد تصريحًا أو بيانًا عن أعمال الوظيفة أو إفشاء لما هو سري منها بطبيعته أو بموجب تعليمات تقضي بذلك.
ومقتضى ما تقدم أن للموظف أن يتظلم إلى السلطات الرئاسية، وله أن يعبر من خلال الصحافة عن تظلمه مما يعانيه أو مما يتصوره ظلمًا لحق به، وأن يحدد وقائع ما لاقاه من عنت أو اضطهاد, وكذلك أن ينتقد بصيغة موضوعية إجراءات ونظام العمل ووسائله، مقترحًا ما يراه بحسب وجهة نظره وخبرته من إصلاح في أساليب ووسائل تنظيم وأداء العمل، مما يرتفع بمستوى الخدمات والإنتاج للمصالح العامة، وحماية الأموال والأملاك العامة، ورعاية حقوق وكرامة المواطنين، شريطة ألا يلجأ إلى أسلوب ينطوي على امتهان أو تجريح للرؤساء بما لا يستوجبه عرض وقائع الشكوى، وله كذلك أن يوجه النقد للنظم الإدارية السيئة أو العتيقة والبالية، وبيان صور ما يعانيه من ظلم أو افتئات، أو ما يراه من تخلف في الأنظمة والوسائل التي تتبعها الجهات الإدارية بما يعوق حسن سير وانتظام أداء المرافق والمصالح العامة للخدمات العامة للشعب.
ومن حيث إنه بتطبيق هذا الفهم على واقعات الحكم المطعون فيه فإن جميع ما نسب إلى الطاعن في خصوص النشر في الصحف أو التقدم بشكاوى إلى رئاسة الجمهورية أو رئاسة الوزراء لا يدخل تحت نطاق التأثيم التأديبي؛ حيث إن البين من الاطلاع على المذكرات المرفوعة منه لرئاسة الجمهورية وغيرها من الوزارات، وكذلك ما هو منشور في الصحف أنه يدور في الأساس حول مخالفات ارتآها وقعت في جهاز التفتيش على أعمال البناء في أدائه لوظيفته, وأرجع الطعن هذا الأمر إلى عدم تأهيل رئيسة الجهاز لذلك, فضلاً عن قيامه بالتعليق الموضوعي على حوادث وقعت بالفعل، وقد أرجعها إلى إهمال الجهاز القيام بواجباته، وهذه المذكرات أو البلاغات أو ما نشر في الصحف يدخل في نطاق إبداء الطاعن لرأيه في حوادث عامة وقعت فعلا، فضلا عن إشارته إلى مخالفات لوزير الإسكان ثبت أن هناك تحقيقًا يدور حاليًا حول بعضها، وعليه فهذه المذكرات والتصرفات والأبحاث والبلاغات في جملتها لا تمثل مخالفة تأديبية وفقًا للفهم الذي أشرنا إليه لهذه المحكمة، إلا أنه يبن من الأوراق أن الطاعن وجه اتهاما لرئيسه مركز التفتيش على أعمال البناء في شكواه لنيابة العجوزة بالكذب والغش، وأكد الطاعن هذا الاتهام في التحقيق (صـ 39 في تحقيقات النيابة الإدارية)، وهذه الألفاظ تخرج عن نطاق النقد البناء وابتغاء المصلحة العامة، وتنطوي على تجريح وامتهان لأحد الرؤساء الإداريين، مما يجعله متجاوزا لحقه في الشكوى وحقه في تقديم المذكرات لما يراه قصورا يستوجب التصحيح، وعلى هذا القدر فقط من الاتهام يتعين مجازاته, وإذ قام الحكم المطعون فيه بمجازاته عن مجمل بلاغاته ومذكراته فإنه يكون مخالفًا للقانون ويتعين إلغاؤه.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه فيما تضمنه من مجازاة الطاعن باللوم، مع ما يترتب على ذلك من آثار، والقضاء مجددًا بمجازاته بعقوبة التنبيه.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات