الطعن رقم 32 لسنة 34 ق – جلسة 21 /11 /1967
أحكام النقض – المكتب الفنى – مدنى
العدد الرابع – السنة 18 – صـ 1720
جلسة 21 من نوفمبر سنة 1967
برياسة السيد المستشار/ الدكتور عبد السلام بلبع نائب رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: بطرس زغلول، وأحمد حسن هيكل، ومحمد صادق الرشيدى، وعثمان زكريا.
الطعن رقم 32 لسنة 34 القضائية
( أ ) بنوك. تأميم. أهلية. "أهلية التقاضى".
تأميم البنوك. إتخاذ البنك المؤمم شكل الشركة المساهمة العامة بنقل ملكية الأسهم إلى
الدولة واحتفاظه بعد التأميم بشكله القانونى وشخصيته المعنوية. لا يترتب عليه فقدان
البنك باعتباره مشروعا مؤمما أهليته فى الخصومة.
(ب) بنوك. أهلية. "أهلية التقاضى". تأميم.
عدم تعرض نصوص القانونين 22 لسنة 1957 و117 لسنة 1961 للعلاقة بين المركز الرئيسى للبنك
والفروع التابعة له، أو مساسها بأهلية المركز الرئيسى فى التقاضى عن فروعه أينما وجدت
ولو فى الخارج. مؤداه. بقاء صفة المركز الرئيسى بعد تأميمه فى مباشرة الخصومة عن فروعه
فى الخارج.
(ج) محكمة الموضوع. "سلطة محكمة الموضوع". "فى تقدير الدليل". إثبات. دعوى. "شروط قبول
الدعوى". "الصفة فى الدعوى".
إنتهاء الحكم فى حدود سلطته الموضوعية فى تقدير الدليل إلى أنه لا يحتج بمستند على
أحد الخصوم لعدم حمله لتوقيع يحتج به عليه. لا محل للتحدى بحجية هذا المستند كورقة
رسمية أو عرفية للتدليل على تنازل هذا الخصم عن الدين محل النزاع وزوال صفته فى رفع
الدعوى به.
(د) محكمة الموضوع. "سلطة محكمة الموضوع". "فى تفسير العقود". حكم. "عيوب التدليل".
"الفساد فى الاستدلال". "ما لا يعد كذلك".
سلطة محكمة الموضوع تامة فى تفسير العقود بما ترى أنه مقصود المتعاقدين مستعينة بظروف
الدعوى وملابساتها.
تأسيس الحكم قضاءه بأن الطاعن وقع عقد قرض بصفته كفيلا متضامنا على اعتبارات مقبولة
يمكن حمل تفسيره عليها عقلا وتكفى دعامة لما تقضى به حسبما استظهر من عبارات العقد.
لا خطأ فى الاستدلال.
(هـ) تأمينات شخصية. "كفالة". إثبات. "عبء الاثبات".
إلتزام الكفيل بتقديم الدليل على ما يجب خصمه من الدين المطلوب منه الوفاء به.
(و) محكمة الموضوع. "سلطة محكمة الموضوع". "فى تقدير الدليل".
إطمئنان محكمة الموضوع إلى مستند كدليل فى تحديد الدين محل المطالبة، أمر تستقل به.
(ز) نقد. "نقد أجنبى". "الرقابة على النقد". قانون. "سريان القانون من حيث المكان".
إلتزام. بطلان.
قانون الرقابة على عمليات النقد فى مصر فيما تضمنه من جرائم لا يسرى إلا فى داخل إقليم
الدولة ولا يتعداه إلى الخارج فيما عدى الاستثناء المنصوص عليه فى الفقرة الأولى من
المادة الثانية من قانون العقوبات. شرط تجريم التعهد المقوم بعملة أجنبية الذى تحظره
المادة الأولى من القانون 80 لسنة 1947 بتنظيم الرقابة على النقد المعدل بالقانون 157
لسنة 1950 أن يكون التعهد قد صدر فى مصر، أو فى الخارج وكان الدفع فى مصر. صحة تعهد
المصرى المقوم بعملة أجنبية الموقع منه فى الخارج، عدم جواز التمسك ببطلانه.
(ح) نقد. "نقد أجنبى". "الرقابة على النقد".
تنفيذ التعهد المقوم بعملة أجنبية لا يخضع لقانون الرقابة على النقد فى مصر إلا فى
حدود ما قررته المادة الخامسة من القانون 80 لسنة 1948 معدلة بالقانون 157 لسنة 1950.
(ط) إلتزام. "أسباب انقضاء الإلتزام". "المقاصة". محكمة الموضوع. "سلطة محكمة الموضوع".
فى تحديد الدين الذى يقضى فيه بالمقاصة".
تحديد الحد الأدنى من الدين المتنازع فيه والذى يعتبر ثابتا فى ذمة المدين ويقضى بالمقاصة
به، متروك لقاضى الموضوع.
(ى) إلتزام. "أسباب إنقضاء الالتزام". "المقاصة". محكمة الموضوع. "سلطة محكمة الموضوع".
"فى تقدير التمسك بالمقاصة أو النزول عنها".
تمسك صاحب المصلحة بالمقاصة أو النزول عنها، متروك لقاضى الموضوع حسبما يستظهره من
ظروف الدعوى وملابساتها.
(ك) محكمة الموضوع. "سلطة محكمة الموضوع". "فى فهم الواقع".
تحصيل فهم الواقع فى الدعوى من سلطة محكمة الموضوع.
(ل) مسئولية. "مسئولية تقصيرية". "ركن الخطأ". إلتزام. أسباب إنقضاء الإلتزام". "مقاصة".
لا عيب فى الحكم الذى يقضى برفض طلب التعويض الذى يطلبه المدين على أساس مقاصة أجراها
الدائن متى كانت تلك المقاصة لم تتم بالمخالفة للقانون.
(م) نقض. "أسباب الطعن". "أسباب واقعية".
إشارة الطاعن لأساس جديد لدعواه أمام محكمة النقض لم يثره أمام محكمة الموضوع. غير
مقبول.
1 – أوجب القانون 22 لسنة 1957 فى مادته الأولى على البنوك التى تعمل فى جمهورية مصر
أن تتخذ شكل شركات مساهمة وأن تكون جميع أسهمها إسمية ومملوكة لمصريين دائما، وقضى
القانون 117 لسنة 1961 فى مادته الأولى بتأميم جميع البنوك فى إقليمى الجمهورية، وقرر
فى مادته الثانية بتحويل أسهم ورؤوس أموال هذه البنوك إلى سندات إسمية على الدولة قابلة
للتداول فى البورصة، ونص فى مادته الرابعة على أنه "تظل الشركات والبنوك المشار إليها
فى المادة الأولى محتفظة بشكلها القانونى عند صدور هذا القانون وتستمر الشركات والبنوك
المشار إليها فى مزاولة نشاطها"، ومؤدى هذه النصوص أن اتخاذ البنك – المطعون عليه –
الذى أمم شكل الشركة المساهمة العامة بنقل ملكية الأسهم إلى الدولة واحتفاظه بعد التأميم
بشكله القانونى وشخصيته المعنوية – لا يترتب عليه أن يفقد البنك – المطعون عليه – باعتباره
مؤمما أهليته فى الخصومة.
2 – إذا كانت المواد 1 من القانون 22 لسنة 1957 و1 و2 و4 من القانون 117 لسنة 1961
لم تعرض للعلاقة بين المركز الرئيسى للبنك والفروع التابعة له ولم تمس أهلية المركز
الرئيسى فى التقاضى عن فروعه أينما وجدت ولو فى الخارج، فإن مقتضى ذلك أن يظل فرع البنك
فى الخارج – وهو الطرف الآخر فى التعهد موضوع النزاع – تابعا كما كان للمركز الرئيسى
دون أن يستقل بشئونه عنه بسبب التأميم وتبقى للمركز الرئيسى للبنك – المطعون عليه –
صفته فى مباشرة الخصومة عن هذا الفرع.
3 – إذا كان الثابت من الحكم المطعون فيه أنه انتهى فى حدود سلطته الموضوعية فى تقدير
الدليل إلى أن مستندا من المستندات لا يحتج به على البنك المطعون عليه تأسيسا على أنه
مجرد طلب لا يحمل توقيع ممثل البنك المطعون عليه، فإنه لا محل للتحدى بحجية هذا المستند
كورقة رسمية أو عرفية للتدليل على أن البنك المطعون عليه قد تنازل عن الدين موضوع الدعوى
وأنه لم تعد له بالتالى صفة فى رفعها.
4 – لمحكمة الموضوع السلطة التامة فى تفسير العقود وتقرير ما ترى أنه مقصود المتعاقدين
مستعينة بظروف الدعوى وملابساتها، فإذا كان الحكم المطعون فيه قد استظهر من عبارات
عقد القرض موضوع النزاع أن الطاعن وقع عليه بصفته كفيلا متضامنا للشركة المدينة وأسس
قضاءه فى هذا الخصوص على اعتبارات مقبولة يمكن حمل تفسيره عليها عقلا وتكفى دعامة لما
قضى به فإنه لا يكون قد أخطأ فى الاستدلال.
5 – يلتزم الكفيل بتقديم الدليل على القدر الذى قبضه الدائن من الدين حتى يمكن خصمه
منه. ولا على المحكمة إن هى لم تلزم الدائن بتقديم هذا الدليل.
6 – تقدير الدليل هو مما تستقل به محكمة الموضوع، فلها متى اطمأنت إلى مستند مقدم إليها
أن تأخذ به كدليل فى تحديد الدين المطالب به.
7 – إلتزام الشخص باعتباره كفيلا متضامنا بدفع دين بعملة أجنبية وإن كان يعتبر تعهدا
مقوّما بعملة أجنبية مما حظرته المادة الأولى من للقانون رقم 80 لسنة 1947 بتنظيم الرقابة
على عمليات النقد فى مصر المعدلة بالقانون رقم 157 لسنة 1950، إلا أن شرط التجريم فى
هذه الحالة أن يكون التعهد قد صدر فى مصر، أما إذا كان التعهد قد صدر فى الخارج فإنه
لا يعد من الحالات التى يؤثمها قانون الرقابة على النقد إلا إذا كان الدفع فى مصر،
ذلك أن هذا القانون فيما تضمنه من جرائم لا يسرى إلا داخل إقليم الدولة ولا يتعداه
إلى الخارج فيما عدا الاستثناء المنصوص عليه فى الفقرة الأولى من المادة الثانية من
قانون العقوبات وهو الخاص بحالة من يرتكب فى خارج مصر فعلا يجعله فاعلا أو شريكا فى
جريمة وقعت كلها أو بعضها فى القطر المصرى. فإذا كان الثابت من الحكم المطعون فيه أن
الطاعن – وهو مصرى – وقع فى بيروت عقد قرض بصفته كفيلا متضامنا فى سداد دين يستحق فى
لبنان بالليرات اللبنانية فإن هذا التعهد وإن قوم بعملة أجنبية إلا أنه صدر فى بيروت
فلا يسرى قانون الرقابة على النقد فى مصر عليه ويعد تعهدا صحيحا لا يسوغ التمسك ببطلانه
بالاستناد إلى مخالفة هذا القانون.
8 – إذا تعلق الأمر بتنفيذ التعهد الصادر فى الخارج والمقوم بعملة أجنبية فى مصر فإن
ذلك لا يخضع لقانون الرقابة على النقد فى مصر إلا فى حدود ما قرره المشرع بالمادة الخامسة
من القانون 80 لسنة 1947 معدلة بالقانون رقم 157 لسنة 1950 التى تنص على أن "المبالغ
المستحقة الدفع إلى أشخاص غير مقيمين فى مصر والمحظور تحويل قيمتها إليهم طبقا لأحكام
هذا القانون" يعتبر مبرئا للذمة دفعها فى حسابات تفتح فى أحد المصارف المشار إليها
فى المادة الأولى من هذا القانون لصالح أشخاص غير مقيمين فى مصر وتكون هذه الحسابات
مجمدة، ويعين وزير المالية بقرار منه الشروط والأوضاع اللازمة للتصرف فى المبالغ التى
تشتمل عليها الحسابات المجمدة.
9 – لقاضى الموضوع بالنسبة للدين المتنازع فيه، أن يحدد مقدارا منه هو الحد الأدنى
لما يعتبره ثابتا فى ذمة المدين ويقضى بالمقاصة فى هذا المقدار.
10 – لقاضى الموضوع السلطة فى استخلاص ما إذا كان صاحب المصلحة فى التمسك بالمقاصة
قد نزل أو لم ينزل عنها وذلك بناء على ما يستظهره من ظروف الدعوى وملابساتها.
11 – يدخل فى نطاق سلطة محكمة الموضوع ما يقرره الحكم من قبيل فهم الواقع.
12 – إذا كان الثابت من الحكم المطعون فيه أن الطاعن أقام دعوى فرعية طلب فيها إلزام
البنك المطعون عليه بأن يدفع له تعويضا عما أصابه من ضرر نتيجة قيام البنك بإجراء مقاصة
باطلة فإن عدم مخالفة البنك للقانون فى المقاصة التى أجراها يجعل تعييب الحكم المطعون
فيه فى قضائه برفض طلب التعويض الذى أقامه الطاعن على هذا الأساس يكون فى غير محله.
13 – إذ كان الطاعن لم يجعل إهمال الدائن فى إتخاذ الإجراءات ضد المدين أساسا لدعواه
الفرعية أمام محكمة الموضوع فإنه لا يقبل منه النعى على الحكم المطعون فيه إذا لم يقض
له فى الدعوى على هذا الأساس.
المحكمة
بعد الإطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذى تلاه السيد المستشار
المقرر والمرافعة وبعد المداولة.
حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
وحيث إن الوقائع – على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر أوراق الطعن – تتحصل فى
أن بنك القاهرة المطعون عليه أقام الدعوى رقم 1295 سنة 1961 تجارى كلى ضد الطاعن بصحيفة
معلنة فى 21/ 8/ 1961 يطلب الحكم بإلزامه بأن يدفع له مبلغ 4330 ج و150 م وقال شرحا
لها إنه يداين الطاعن فى هذا المبلغ بموجب عقد قرض "تعهد بحساب جار مدين" موقع عليه
فى 7/ 8/ 1954 من الشركة الشرقية للتجارة فى بيروت كمدينة أصلية بضمان وتضامن الطاعن
بحد أقصى قدره 25000 ليرة. وإذ أصبح الرصيد المدين المطلوب حتى 30/ 6/ 1961 هو مبلغ
4330 ج و150 م وصدر حكم بتاريخ 26/ 2/ 1959 من الحاكم المنفرد فى بيروت بشهر إفلاس
الشركة المدينة، وكان للبنك المطعون عليه أن يرجع على الطاعن بصفته ضامنا متضامنا فقد
رفع دعواه للحكم له بطلباته وأثناء نظر الدعوى عدل البنك المبلغ المطالب به إلى 3401
ج و538 م بعد أن أجرى المقاصة بين مبلغ 928 ج و612 م قيمة الرصيد الدائن للطاعن بالبنك
وبين ما يقابله من مبلغ الدين المطالب به. دفع الطاعن بعدم قبول الدعوى لرفعها من غير
ذى صفة وبعدم قبولها لرفعها قبل الأوان، وأقام دعوى فرعية طلب فيها إلزام البنك المطعون
عليه بأن يدفع له مبلغ 15000 ج، منه مبلغ 5000 ج تعويضا عما أصابه من ضرر نتيجة قيام
البنك بإجراء مقاصة باطلة، ومبلغ 1000 ج لتعويضه عن الضرر الذى لحقه من إتهامه بمخالفة
قانون النقد بسبب تعاقد البنك معه على كفالة القرض خلافا لأحكام هذا القانون. وبتاريخ
21/ 2/ 1963 قضت محكمة أول درجة برفض الدفعين وبإلزام الطاعن بأن يدفع للمطعون عليه
مبلغ 3401 ج و538 م وبرفض الدعوى الفرعية. استأنف الطاعن هذا الحكم بالاستئناف رقم
301 سنة 80 ق استئناف القاهرة. وبتاريخ 17/ 12/ 1963 حكمت المحكمة برفض الاستئناف وتأييد
الحكم المستأنف فيما قضى به فى الدعويين الأصلية والفرعية. وفى 19/ 1/ 1964 طعن الطاعن
فى هذا الحكم بطريق النقض وقدمت النيابة العامة مذكرة طلبت فيها رفض الطعن. وبالجلسة
المحددة لنظره تمسكت النيابة برأيها السابق.
وحيث إن الطعن أقيم على سبعة أسباب ينعى الطاعن بالسبب الأول على الحكم المطعون فيه
الخطأ فى تطبيق القانون والقصور فى التسبيب والفساد فى الاستدلال، ويقول فى بيان ذلك
إنه دفع بعدم قبول الدعوى لرفعها من غير ذى صفة إستنادا إلى أن بنك القاهرة فرع بيروت
– وهو الطرف الآخر فى التعهد موضوع الدعوى – شرطة لبنانية – وأن هذا الفرع استقل بشئونه
عن المركز الرئيسى فى القاهرة منذ صدور القانون رقم 22 سنة 57 الذى اشترط أن تكون أسهم
البنوك فى الجمهورية العربية المتحدة مملوكة لمصريين دائما، وأن هذا الاستقلال قد أكده
قانون التأميم رقم 117 لسنة 1961 الذى اقتصر نطاق تطبيقه على البنوك فى الجمهورية فأخرج
بذلك فروع البنوك الموجودة فى الدول الأجنبية، مما مقتضاه أن يكون بنك القاهرة فرع
بيروت هو صاحب الصفة فى رفع الدعوى – وأضاف الطاعن أنه استند أيضا فى دفعه إلى أن المطعون
عليه تنازل بموجب إتفاق مؤرخ 2/ 11/ 1962 عن جميع الأصول والخصوم الخاصة بفرعيه فى
لبنان إلى شركة لبنانية هى بنك مصر – لبنان وقدم إلى محكمة الاستئناف المستند الرسمى
الدال على حصول هذا التنازل، ولكن الحكم الابتدائى المؤيد بالحكم المطعون فيه رفض هذا
الدفع تأسيسا على أن بنك القاهرة فرع بيروت قيد فى سنة 1953 كفرع لبنك القاهرة المطعون
عليه، وقرر الحكم المطعون فيه أن المستند المقدم للتدليل على تنازل بنك القاهرة عن
فرعيه فى لبنان لا يحمل توقيعا لممثل عن هذا البنك حتى يحتج به ضده وأنه لا دليل على
أن هذا التنازل يشمل الدين موضوع النزاع، فى حين أنه لا خلاف بين الطرفين على واقعة
قيد بنك القاهرة فرع بيروت كفرع للبنك المطعون عليه سنة 1953 وإنما الخلاف يدور حول
ما إذا كان هذا الوضع قد استمر إلى وقت الحكم فى الدعوى، فلا تصلح هذه الواقعة ردا
على رفض الدفع مما يعيب الحكم بالقصور. هذا إلى أنه ما كان للحكم أن يهدر حجية المستند
الدال على التنازل ذلك أنه مذيل بالأختام والتوقيعات التى تفيد عرضه على محكمة الدرجة
الأولى فى بيروت التى يتبعها السجل التجارى فيعتبر ورقة رسمية وحجة بما تضمنته على
الكافة، ولأنه مع التسليم بأن هذه الورقة عرفية صادرة من بنك مصر – لبنان وحده فإنها
تعتبر قرينة على ما تضمنته ويجوز الأخذ بها فى المسائل التجارية، وإذ ورد التنازل بصيغة
عامة مطلقة فهو يشمل الدين موضوع النزاع خلافا لما استخلصه الحكم، مما يعيبه بالخطأ
فى تطبيق القانون والفساد فى الاستدلال.
وحيث إن هذا النعى مردود ذلك أنه لما كان القانون رقم 22 لسنة 1957 قد أوجب فى مادته
الأولى على البنوك التى تعمل فى جمهورية مصر أن تتخذ شكل شركات مساهمة وأن تكون جميع
أسهمها إسمية ومملوكة لمصريين دائما، وكان القانون رقم 117 لسنة 1961 الذى قضى فى مادته
الأولى بتأميم جميع البنوك فى الجمهورية قرر فى مادته الثانية بتحويل أسهم ورؤوس أموال
هذه البنوك إلى سندات إسمية على الدولة قابلة للتداول فى البورصة، ونص فى مادته الرابعة
على أنه "تظل الشركات والبنوك المشار إليها فى المادة الأولى محتفظة بشكلها القانونى
عند صدور هذا القانون وتستمر الشركات والبنوك المشار إليها فى مزاولة نشاطها" فإن مؤدى
هذه النصوص أن اتخاذ البنك المطعون عليه الذى أمم شكل شركة المساهمة العامة بنقل ملكية
الأسهم إلى الدولة واحتفاظه بعدم التأميم بشكله القانونى وشخصيته المعنوية – لا يترتب
عليه أن يفقد البنك المطعون عليه باعتباره مشروعا مؤمما أهليته فى الخصومة. وإذ لم
تعرض نصوص القانونين المشار إليهما إلى العلاقة بين المركز الرئيسى للبنك والفروع التابعة
له ولم تمس صفة المركز الرئيسى فى مباشرة الخصومة عن فروعه أينما وجدت ولو فى الخارج،
فإن مقتضى ذلك أن يظل بنك القاهرة فرع بيروت وهو الطرف الآخر فى التعهد موضوع النزاع
تابعا كما كان للمركز الرئيسى دون أن يستقل بشئونه عنه بسبب التأميم وتبقى للبنك المطعون
عليه صفته فى مباشرة الخصومة عن هذا الفرع. لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد
انتهى إلى هذه النتيجة فانه لا يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون. أما ما أثاره الطاعن
بشأن حجية المستند الذى قدمه للتدليل به على تنازل المطعون عليه عن الدين موضوع النزاع،
فانه لما كان الثابت من الحكم المطعون فيه أنه انتهى فى حدود سلطته الموضوعية فى تقدير
الدليل إلى أن هذا المستند لا يحتج به على المطعون عليه تأسيسا على أنه مجرد طلب قدم
من بنك مصر – لبنان إلى محكمة الدرجة الأولى فى بيروت لإثبات حصول التنازل المدعى به
من البنك المطعون عليه عن جميع أصول وخصوم فرعيه فى لبنان إلى بنك مصر – لبنان دون
أن يحمل الطلب توقيعا لممثل المطعون عليه، فإنه لا محل لتحدى الطاعن بحجية هذا المستند
كورقة رسمية أو عرفية للتدليل على أن المطعون عليه تنازل عن الدين موضوع الدعوى وأنه
لم تعد له بالتالى صفة فى رفعها. ولما كان هذا الذى قرره الحكم يكفى لحمل قضائه فى
هذه الخصوص فإنه لا يقدح فى سلامته ما استطرد إليه تزيدا من أنه لا دليل على أن هذا
التنازل بفرض حصوله يشمل دين البنك المطعون عليه، ومن ثم فإن النعى على الحكم بهذا
السبب يكون على غير أساس.
وحيث إن الطاعن ينعى بالسبب الثالث على الحكم المطعون فيه الخطأ فى الاستدلال والقصور
فى التسبيب، وفى بيان ذلك يقول إنه دفع بعدم قبول الدعوى لرفعها قبل الأوان لأنه كفيل
عادى ولا يجوز للبنك المطعون عليه أن يرجع عليه وحده إلا بعد تجريد الشركة المدينة،
ولكن الحكم المطعون فيه اعتبر الطاعن كفيلا متضامنا مع هذه الشركة استنادا إلى البند
13 من عقد القرض، مع أن العبرة بمضمون العبارة التى خصصها هذا العقد لتوقيع الكفيل
وهى خلو مما يدل على التضامن. هذا إلى أن الحكم قد أخطأ إذ لم يلزم البنك المطعون عليه
بتقديم الدليل على مصير تفليسة الشركة المدينة والقدر الذى خص البنك من التوزيعات لأن
هذا القدر يستتبع فى حدوده براءة ذمة الكفيل المتضامن أو غير المتضامن، مما يعيبه بالقصور.
وحيث إن هذا النعى مردود ذلك أنه الحكم الإبتدائى الذى أيده الحكم المطعون فيه وأحال
إلى أسبابه قد خلص إلى أن الطاعن وقع على عقد القرض المؤرخ 7/ 8/ 1954 بصفته كفيلا
متضامنا للشركة المدينة واستند فى ذلك إلى قوله "تضمن البند 13 من عقد القرض المؤرخ
7/ 8/ 1954 ما يلى: فى حالة توقيع هذا الإعتماد من قبل أكثر من شخص واحد فيكون جميع
الموقعين مسئولين بالتكافل والتضامن تجاه البنك…، وقد تبين من مطالعة عقد القرض المذكور
أن ممثل الشركة الشرقية للتجارة قد وقع على هذا العقد بصفته الشخص المتعاقد والمقترض
وأن المدعى عليه – الطاعن – وقع على العقد أيضا تحت عبارة: قد اطلعنا على الشروط المدرجة
أعلاه والتى وافق عليها المدين وإنما تكفل أن ينفذ المدين جميع الالتزامات المترتبة
عليه للبنك فى هذا التعهد، مما مفاده أن المدعى عليه قد اطلع على البند 13 من عقد القرض
– إذ هو ضمن الشروط المدرجة به وهو البند الذى يجعل من جميع الموقعين على العقد ضامنين
متضامنين تجاه البنك المدعى – المطعون عليه – بشأن تنفيذ العقد واقتضاء الدين المتخلف
عنه. وبمطالعة عبارة الضمان الواردة بذيل عقد القرض والتى ذيلها المدعى عليه بامضائه
– تبين أن الجزء الأخير منها قد شطب، وهذا الجزء يقرأ: – بمقتضى شروط الكفالة التى
وقعناها على حدة، وهذا الشطب يفيد أن البنك المدعى قد استعاض عن شرط الكفالة بما تضمنه
البند 13 من عقد القرض ثم بتوقيع المدعى عليه على هذا العقد واعتباره – طبقا للبند
13 المذكور – ضامنا متضامنا مع الشركة الشرقيه للتجارة… وأنه متى ثبت أن المدعى عليه
كفيل متضامن للشركة الشرقية للتجارة على ما سلف بيانه فانه يكون للبنك المدعى أن يرجع
على الكفيل المتضامن بقيمة الدين دون أن يكون ملتزما بمطالبة المدين أولا". ولما كان
لمحكمة الموضوع السلطة التامة فى تفسير العقود وتقرير ما ترى أنه مقصود العاقدين مستعينة
بظروف الدعوى وملابساتها، وكان يبين مما قرره الحكم على النحو المتقدم أنه استظهر من
عبارات عقد القرض أن الطاعن وقع عليه بصفته كفيلا متضامنا للشركة المدينة وأسس قضاءه
فى هذا الخصوص على إعتبارات مقبولة يمكن حمل تفسيره عليها عقلا وتكفى دعامة لما قضى
به، فإن النعى عليه بالخطأ فى الاستدلال يكون على غير أساس. أما تعييب الحكم بأنه لم
يلزم البنك المطعون عليه بتقديم الدليل على مصير تفليسة الشركة المدينة – فمردود بأنه
لما كان الطاعن بوصفه كفيلا هو الذى يلزم بتقديم الدليل على القدر الذى خص البنك فى
التفليسة حتى يمكن خصمه من الدين المطلوب، فلا على المحكمة إن هى لم تلزم البنك بوصفه
دائنا بتقديم هذا الدليل.
وحيث إن حاصل السبب الثانى خطأ الحكم المطعون فيه فى تطبيق القانون، ويقول الطاعن فى
بيان ذلك إن البنك المطعون عليه قدم تأييدا لدفاعه صورتين لحكمين صادرين من محكمة بيروت
إحداهما بشهر إفلاس الشركة المدينة والآخر بقبول المطعون عليه دائنا عاديا فى تفليستها،
كما قدم البنك صورة خطاب من وكيل التفليسة إلى أحد المحامين فى بيروت بشأن دين البنك
وصورة من كشف الحساب المدين للشركة المدينة لدى بنك القاهرة فرع بيروت، وطلب الطاعن
استبعاد هذه المستندات الأربعة لأنها لا تحمل تصديق وزارة الخارجية للجمهورية العربية
المتحدة على صحة الإمضاءات والأختام التى تحملها، ولكن الحكم الابتدائى المؤيد بالحكم
المطعون فيه رفض هذا الطلب واعتد بهذه المستندات مما يعيبه بالخطأ فى تطبيق القانون.
وحيث إن هذا النعى مردود ذلك أن الثابت من الحكم المطعون فيه أنه أقام قضاءه بالزام
الطاعن بمبلغ الدين تأسيسا على أنه كفيل متضامن يجوز مطالبته بأدائه دون أن يكون من
حقه أن يدفع بتجريد المدين وذلك على ما سلف بيانه فى الرد على السبب الثالث. ولما كان
الحكم بقضائه على هذا النحو لم يعول على الثلاث مستندات الأولى التى قدمها المطعون
عليه والمتعلقة بشهر إفلاس الشركة المدينة لأنه لم يكن بحاجة إليها لإقامة قضائه، وإذ
اطمأنت المحكمة إلى الصورة المقدمة من كشف حساب الشركة المدينة وأخذت بها كدليل فى
تحديد الدين المطالب به، وكان تقدير الدليل هو مما تستقل به محكمة الموضوع، فان النعى
على الحكم بهذا السبب يكون فى غير محله.
وحيث إن مبنى السبب الرابع خطأ الحكم المطعون فيه فى تطبيق القانون، وفى بيان ذلك يقول
الطاعن إنه استند فى دفاعه إلى أنه وهو مصرى وقد تمت كفالته للشركة المدينة فى لبنان
فإنها تكون كفالة باطلة لمخالفتها أحكام القانون رقم 80 لسنة 1947 بشأن الرقابة على
النقد، غير أن الحكم المطعون فيه اعتبر الكفالة صحيحة تأسيسا على أن هذا القانون فرض
عقوبة على مخالفة أحكامه ولم ينص على بطلان التصرفات التى تمت بين عاقديها بالمخالفة
له، هذا فى حين أن إلتزام الطاعن باعتباره كفيلا ورد على دفع دين الشركة المدينة فى
لبنان، مما يتضمن التعامل فى نقد أجنبى وهو أمر يحرمه القانون ويجعل محل الالتزام مخالفا
للنظام العام بما يستوجب بطلان العقد.
وحيث إن هذا النعى مردود ذلك أن التزام الشخص باعتباره كفيلا متضامنا بدفع دين بعملة
أجنبية وإن كان يعتبر تعهدا مقوما بعملة أجنبية مما حظرته المادة الأولى من القانون
رقم80 لسنة 1947 بتنظيم الرقابة على عمليات النقد فى مصر المعدلة بالقانون رقم 157
لسنة 1950، إلا أن شرط التجريم فى هذه الحالة أن يكون التعهد قد صدر فى مصر، أما إذا
كان التعهد قد صدر فى الخارج فإنه لا يعد من الحالات التى يؤثمها قانون الرقابة على
النقد إلا إذا كان الدفع فى مصر، ذلك أن هذا القانون فيما تضمنه من جرائم لا يسرى إلا
داخل إقليم الدولة ولا يتعداه إلى الخارج فيما عدا الاستثناء المنصوص عليه فى الفقرة
الأولى من المادة الثانية من قانون العقوبات وهو الخاص بحالة من يرتكب فى خارج مصر
فعلا يجعله فاعلا أو شريكا فى جريمة وقعت كلها أو بعضها فى القطر المصرى. ولما كان
الثابت من الحكم المطعون فيه أن الطاعن – وهو مصرى – وقع فى بيروت على عقد القرض المؤرخ
7/ 8/ 1954 المبرم بين بنك القاهرة فرع بيروت والشركة المدينة هى شركة لبنانية – بصفته
كفيلا متضامنا لهذه الشركة فى سداد الرصيد المدين الذى يستحق عليها بلبنان بحد أقصى
قدره 25000 ليرة لبنانية، فإن هذا التعهد وإن قوم بعملة أجنبية إلا أنه صدر فى بيروت
فلا يسرى عليه القانون رقم 80 لسنة 1947 بتنظيم الرقابة على النقد فى مصر ويعد تعهدا
صحيحا، ولا يكون للطاعن أن يتمسك ببطلان التزامه بالإستناد إلى مخالفته لقانون الرقابة
على النقد فى مصر. ولا يغير من ذلك أن الدعوى رفعت فى القاهرة من المركز الرئيسى للبنك
لمطالبة الطاعن بالدين بسبب إفلاس الشركة المدينة، إذ يتعلق هذا الأمر بتنفيذ التعهد
وهو لا يخضع لقانون الرقابة على النقد فى مصر إلا فى حدود ما قرره المشرع بالمادة الخامسة
من القانون رقم 80 لسنة 1947 معدلة بالقانون رقم 157 لسنة 1950 التى تنص على أن "المبالغ
المستحقة الدفع إلى أشخاص غير مقيمين فى مصر والمحظور تحويل قيمتها إليهم طبقا لأحكام
هذا القانون يعتبر مبرئا للذمة دفعها فى حسابات تفتح فى أحد المصارف المشار إليها فى
المادة الأولى من هذا القانون لصالح أشخاص غير مقيمين فى مصر وتكون هذا الحسابات مجمدة،
ويعين وزير المالية بقرار منه الشروط والأوضاع اللازمة للتصرف فى المبالغ التى تشتمل
عليها الحسابات المجمدة" لما كان ما تقدم، وكان الحكم المطعون فيه قد إنتهى إلى أن
كفالة الطاعن لعقد القرض صحيحة، فإنه يكون قد إلتزم صحيح القانون ويكون النعى عليه
بهذا السبب على غير أساس.
وحيث إن الطاعن ينعى بالسبب الخامس على الحكم المطعون فيه الخطأ فى تطبيق القانون،
وفى بيان ذلك يقول إنه بتاريخ 30/ 8/ 1961 سحب على البنك المطعون عليه شيكين بمبلغين
مجموعهما 62 ج لصرفهما من رصيده الدائن الذى بلغت قيمته 928 ج و612 م، ولكن البنك امتنع
عن صرف قيمتها ثم أخطر الطاعن فى 31/ 8/ 1961 بأنه أجرى المقاصة القانونية بين قيمة
رصيده وبين ما يعادله من مبلغ الدين المطالب به. وقد تمسك الطاعن أمام محكمة الموضوع
بعدم أحقية البنك فى إجراء هذه المقاصة ولكن الحكم المطعون فيه إعتبرها صحيحة مع أن
مطلوب البنك من الشركة المدينة غير معين المقدار مما لا تتوافر معه شروط إجراء المقاصة
القانونية. هذا إلى أن المادة 367 من القانون المدنى تقضى بأنه لا يجوز أن تقع المقاصة
إضرارا بحقوق كسبها الغير، وقد إنتقلت ملكية الرصيد إلى حاملى الشيكين منذ إصدارهما
فى 30/ 8/ 1961 فلا ترد عليه المقاصة. فضلا عن أن سكوت البنك عن إجراء المقاصة منذ
أن حكم بشهر إفلاس الشركة فى فبراير سنة 1959 حتى تاريخ رفع الدعوى الحالية فى 21/
8/ 1961 يعد نزولا منه عنها.
وحيث إن هذا النعى مردود ذلك أن لقاضى الموضوع بالنسبة للدين المتنازع فيه أن يحدد
مقدارا منه هو الحد الأدنى لما يعتبره ثابتا فى ذمة المدين ويقضى بالمقاصة القانونية
فى هذا المقدار. ولما كان يبين من الحكم الإبتدائى الذى أيده الحكم المطعون فيه وأحال
إلى أسبابه أن المحكمة حددت فى نطاق سلطتها الموضوعية مقدارا من الدين المطالب به القدر
الذى رأته قابلا لأن تتم المقاصة القانونية بينه وبين ما للطاعن من رصيد دائن بالبنك
المطعون عليه وقيمته مبلغ 928 ج و612 م تأسيسا على أن هذا المبلغ ثابت من المستندات
المقدمة، وكان ما إنتهى إليه الحكم من وقوع المقاصة القانونية بين المدينين يحمل الرد
على دفاع الطاعن من أنه لا يجوز أن تضر المقاصة بحاملى الشيكين اللذين انتقلت إليهما
ملكية الرصيد منذ إصدارهما فى 30/ 8/ 1961 وذلك أن هذه المقاصة وقعت بحكم القانون من
وقت تلاقى الدينين فى تاريخ سابق على تاريخ إصدار الشيكين، وكان هذا الحكم قد رد على
دفاع الطاعن الخاص بنزول البنك عن المقاصة فى قوله: "إن قيام البنك المدعى – المطعون
عليه – برفع الدعوى إبتداء بكامل دينه قبل المدعى عليه – الطاعن – دون إجراء المقاصة
بينه وبين ما للمدعى عليه من رصيد دائن قبل البنك المدعى – لا يفيد النزول عن المقاصة
لا صراحة ولا ضمنا، ذلك أن النزول عن المقاصة لا يفترض فمجرد سكوت المدين عن التمسك
بها لا يفيد حتما النزول عنها بل له أن يتمسك بها فى أية حالة كانت عليها الدعوى ولو
أمام محكمة الإستئناف. ومجرد مطالبة الدائن المدين بالدين لا يتضمن حتما نزول هذا الدائن
عن حقه فى مقاصة هذا الدين بدين فى ذمته لمدينه ما دام لم يستوف حقه فعلا من المدين
كذلك يجب تفسير النزول عن المقاصة فى أضيق الحدود فمن إستوفى جزءا من حقه لا يعد متنازلا
عن المقاصة بباقى حقه فى دين عليه لمدينه". لما كان ذلك، وكان لقاضى الموضوع السلطة
فى استخلاص ما إذا كان صاحب المصلحة فى التمسك بالمقاصة قد نزل أو لم ينزل عنها وذلك
بناء على ما يستظهره من ظروف الدعوى وملابساتها، وكان ما قرره الحكم على النحو سالف
البيان هو إستخلاص سائغ حصلته محكمة الموضوع فى حدود سلطتها التقديرية، فإن النعى على
الحكم بهذا السبب يكون على غير أساس.
وحيث إن الطاعن ينعى بالسبب السادس على الحكم المطعون فيه الخطأ فى فهم الواقع وفى
بيان ذلك يقول إن الحكم قضى بالزامه بأن يدفع إلى البنك المطعون عليه مبلغ 3401 ج و538
م قيمة رصيد الدين حتى 30/ 6/ 1961 بعد استنزال المبلغ الذى أجرى فيه المقاصة تأسيسا
على أن المستفاد من عقد القرض أن مدة الضمان مطلقة وغير محددة، هذا فى حين أن البنك
حدد مدة العقد بسنتين تنتهيان فى 6/ 8/ 1958 إستعمالا لحقه المخول له فى العقد وذلك
على ما هو واضح من عبارة "مدت لغاية 6/ 8/ 1956" التى كتبت بالقلم الرصاص فى أعلا العقد
وقد بلغ الرصيد فى ذلك اليوم 3527 ج و242 م. هذا إلى أن شهر إفلاس الشركة المدينة فى
26/ 2/ 1959 يستتبع تصفية الحساب الجارى بينها وبين البنك فى هذا التاريخ دون أن يكون
له الحق فى تحميله حسابها المدين بقيودات جديدة بعد ذلك. كما أن الحكم احتسب المبلغ
الذى ألزم به الطاعن على أساس أن الجنيه المصرى يساوى سبع ليرات وأن الطاعن لم ينازع
فى هذا السعر، مع أن البنك لم يطلع الطاعن على هذا الحساب منذ توقيع العقد.
وحيث إن النعى فى وجهه الأول مردود بأن الثابت من الحكم الإبتدائى الذى أيده الحكم
المطعون فيه وأحال إلى أسبابه أن المحكمة فى حدود سلطتها الموضوعية فى تفسير العقود
إستخلصت فى أسباب سائغة من بنود عقد القرض أن مدة الضمان مطلقة وغير محددة إلا إذا
طلب المدين إنهاء العقد وقام بسداد ما هو مطلوب منه من رصيد مدين أو إذا أوقف البنك
الاعتماد أو ألغاه فى أى وقت، وقرر الحكم أن عبارة "مدت لغاية 6/ 8/ 1956" المكتوبة
بالقلم الرصاص بأعلا العقد لا يعلم من حررها ولا تغير ما ورد فى صلب العقد الموقع عليه
من الطرفين. والنعى فى وجهه الثانى مردود بما قرره الحكم المطعون فيه من أن البنك لم
يقدم للشركة المدينة أية مبالغ بعد الحكم بإشهار إفلاسها لأن الثابت من كشف الحساب
الذى قدمه البنك أن آخر مبلغ تسلمته الشركة المدينة كان فى 2/ 9/ 1957 أى قبل الحكم
بإشهار إفلاسها فى سنة 1959 وأن ما جد بعد ذلك على الحساب فهو فوائد إتفاقية يلزم بها
الطاعن باعتباره كفيلا متضامنا تبعا لأصل الدين ونفاذا لشروط عقد القرض. والنعى فى
وجهه الثالث مردود بما قرره الحكم الإبتدائى المؤيد بالحكم المطعون فيه من أنه ثابت
من الكشف المقدم من البنك المطعون عليه أنه تضمن حركة حساب الشركة المدينة بالعملة
اللبنانية وأمامها بيان بما تساويها من العملة المصرية وأن الطاعن لم يقدم ما يفيد
عدم موافقته أو اعتراضه على السعر الذى اتخذه البنك أساسا لتحويل الليرات اللبنانية
إلى جنيهات مصرية كما أنه لم يقدم أى دليل رسمى على صحة إدعائه بشأن هذا السعر، وهذا
الذى قرره الحكم هو من قبيل تحصيل فهم الواقع فى الدعوى مما يدخل فى نطاق سلطة محكمة
الموضوع.
وحيث إن حاصل السبب السابع خطأ الحكم المطعون فيه فى تطبيق القانون والقصور فى التسبيب،
وفى بيان ذلك يقول الطاعن إن البنك المطعون عليه امتنع عن صرف شيكين سحبهما عليه الطاعن
فى وقت كان رصيده يسمح بالصرف بدعوى أنه أجرى المقاصة القانونية بين قيمة رصيد الطاعن
وبين ما يقابله من مبلغ الدين المطالب به فى الدعوى، وقد أصاب الطاعن من هذا التصرف
ضرر جسيم فى سمعته التجارية فضلا عن إتهامه بجريمة سحب شيكات بدون رصيد. هذا إلى أنه
أصيب بضرر نتيجة سكوت البنك عن اتخاذ الإجراءات ضد الشركة المدينة حتى حكم بشهر إفلاسها
مما أضاع على الطاعن فرصة الرجوع عليها بالمبالغ التى قد يضطر إلى دفعها. وقد رفع الطاعن
دعوى فرعية بالتعويض عن هذه الإضرار ولكن الحكم المطعون فيه قضى برفضها متجاهلا ما
أصابه من ضرر نتيجة أخطاء المطعون عليه.
وحيث إن هذا لنعى مردود ذلك أن الثابت من الحكم المطعون فيه أن الطاعن أقام دعوى فرعية
طلب فيها إلزام البنك المطعون عليه بأن يدفع له مبلغ 15000 ج منه مبلغ 5000 ج قيمة
ما أصابه من ضرر نتيجة قيام البنك بإجراء مقاصة باطلة ومبلغ 10000 ج قيمة الاضرار التى
لحقته من إتهامه بمخالفة قانون النقد بسبب تعاقد البنك معه على كفالة القرض خلافا لأحكام
هذا القانون. وإذ ثبت على ما سلف بيانه فى الرد على السبب الخامس أن البنك لم يخالف
القانون فى المقاصة التى أجراها، وكان الحكم الإبتدائى المؤيد بالحكم المطعون فيه قد
أورد فى تقريراته أن البنك قد أودع المبلغ الذى وقعت فيه المقاصة فى حساب مجمد لدى
فرعه بقصر النيل حتى يتم الحصول على موافقة رقابة النقد تطبيقا لنص المادة الخامسة
من قانون تنظيم الرقابة على النقد، فإن تعييب الحكم المطعون فيه فى قضائه برفض طلب
التعويض الذى أقامه الطاعن على هذا الأساس يكون فى غير محله. أما عن الأساس الثانى
للتعويض الذى أثاره الطاعن فى سبب النعى وهو الإهمال الذى نسبه إلى البنك فى اتخاذ
الإجراءات ضد الشركة المدينة حتى حكم بشهر إفلاسها، فإنه وقد ثبت من الحكم المطعون
فيه أن الطاعن لم يجعله أساسا لدعواه الفرعية أمام محكمة الموضوع فإن النعى على الحكم
بأنه لم يقض بالتعويض على هذا الأساس الجديد يكون غير مقبول.
وحيث إنه لما تقدم يتعين رفض الطعن.
