الطعن رقم 376 لسنة 33 ق [] – جلسة 02 /05 /1967
أحكام النقض – المكتب الفنى – مدنى
العدد الثالث – السنة 18 – صـ 931
جلسة 2 من مايو سنة 1967
برياسة السيد المستشار/ الدكتور عبد السلام بلبع نائب رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: أحمد حسن هيكل، وأمين فتح الله، وابراهيم علام، وعثمان زكريا.
الطعن رقم 376 لسنة 33 القضائية [(1)]
( أ ) نقض. "الخصوم فى الطعن".
الخصومة فى الطعن أمام محكمة النقض لا تكون إلا بين من كانوا خصوما فى النزاع الذى
فصل فيه. عدم قبول الطعن بالنسبة لمن كان خصما فى الإستئناف وتم التنازل عن مخاصمته.
(ب) إثبات. "قوة الأمر المقضى". اختصاص. حكم. "حجية الحكم".
القضاء العادى ولايته عامة. له التحقق عند بحث حجية الحكم الصادر من جهة قضاء أخرى
من أنه صدر فى حدود الولاية القضائية لهذه الجهة. انعدام حجية حكم جهة القضاء متى خرج
عن حدود ولايته أمام جهة القضاء صاحبة الولاية.
(ج) إختصاص. "اختصاص ولائى".
خروج منازعات الأفراد فى شأن العقود المدنية أو التجارية عن اختصاص محكمة القضاء الإدارى.
اختصاص القضاء العادى بنظر هذه المنازعات.
(د) إثبات. "قوة الأمر المقضى". "حجية الحكم الجنائى".
حجية الحكم الجنائى أمام المحاكم المدنية قاصرة على المنطوق وعلى الأسباب المؤدية إليه
بالنسبة لما كان موضوع المحاكمة. لا حجية للأسباب غير الضرورية.
(هـ) حكم. "عيوب التدليل". "مخالفة الثابت بالأوراق". "ما يعد كذلك".
نفى الحكم تمسك الطاعنة ببطلان العقد موضوع النزاع رغم أنها تمسكت بذلك فى مذكرتها
أمام محكمة أول درجة وبصحيفة استئنافها. مخالفة للثابت بالأوراق.
(و) بورصة. "الأعمال المضافة إلى أجل". "المضاربات غير المشروعة". عقد.
شرط صحة ومشروعية الأعمال المضافة إلى أجل المعقودة فى البورصة المصرح بها طبقا لقانون
البورصة ولوائحها طبقا للمادة 73 تجارى ولو كان القصد منها مجرد دفع فروق الأسعار،
ألا يخرج التعامل عن المضاربات العادية إلى المضاربات غير المشروعة المخالفة لقانون
البورصة ولوائحها. خروج المضاربة عن وظيفة البورصة الاقتصادية فى موازنة الأسعار ومعادلة
العرض والطلب فى سوق تحكمها المنافسة الحرة إلى أداة لقهر الأسعار وتغيير اتجاهها الطبيعى
باستفزاز عوامل الصعود أو الهبوط، يجعلها مضاربة غير مشروعة.
(ز) بورصة. "المضاربات غير مشروعة". "اتفاقات الكورنر". بطلان.
الكورنر "خنق المكشوف" من أبرز صور المضاربات غير المشروعة، وهو اتفاق يقوم على احتكار
سلعة ورفع أسعارها رفعا مصطنعا للتحكم فى البائعين على المكشوف. بطلان العقود الآجلة
المعقودة فى ظله ولو لم تقع تحت طائلة المادة 345 عقوبات التى تؤثم بعض صور الإحتكار.
(ح) قرار إدارى. "إلغاؤه".
مقتضى إلغاء القرار الإدارى بحكم محكمة القضاء الإدارى، إعتباره منعدما من يوم صدوره
وإلغاء كل ما يترتب عليه من آثار.
(ط) دعوى. "أساس الدعوى".
قيام الدعوى على أساسين، مبنى أولهما بطلان العقود موضوع الدعوى، تعلق ثانيهما بتنفيذ
عقد الطاعنة وأثر إلغاء قرار إدارى عليه، يستوجب بحث الأساس الأول والإنتهاء إلى أن
العقود صحيحة قبل بحث الأساس الثانى.
1 – اذا كان الثابت بالحكم المطعون فيه أن الطاعنة قد اختصمت أحد المطعون عليهم فى
الإستئناف ثم عادت وتنازلت عن مخاصمته، فليس للطاعنة أن توجه طعنها بالنقض إلى هذا
الخصم، إذ أن الخصومة فى الطعن أمام محكمة النقض لا تكون إلا بين من كانوا خصوما فى
النزاع الذى فصل فيه الحكم المطعون فيه [(2)].
2 – لجهة القضاء العادى بما لها من ولاية عامة أن تتحقق من أن الحكم المطروح أمر حجيته
عليها والذى أصدرته جهة قضاء أخرى قد صدر فى حدود الولاية القضائية لهذه الجهة، إذ
يعد الحكم الصادر من جهة قضاء خارج حدود ولايتها – على ما جرى به قضاء هذه المحكمة
– معدوم الحجية أمام الجهة صاحبة الولاية فى النزاع [(3)].
3 – لا يدخل فى حالات إختصاص محكمة القضاء الإدارى الفصل فى المنازعات بين الأفراد
فى شأن العقود المدنية أو التجارية وما قد يرد عليها من عوار يؤثر فى صحة قيامها أو
فى استمرارها أو فى إنهائها، إذ تعتبر محاكم القضاء العادى هى المختصة أصلا بنظر هذه
المنازعات.
4 – من المقرر فى قضاء محكمة النقض طبقا للمادتين 456 من قانون الإجراءات الجنائية،
406 من القانون المدنى أن حجية الحكم الجنائى أمام المحاكم المدنية قاصرة على منطوق
الحكم الصادر بالإدانة أو بالبراءة وعلى أسبابه المؤدية إليه بالنسبة لما كان موضوع
المحاكمة دون أن تلحق الحجية الأسباب التى لم تكن ضرورية للحكم بهذه البراءة أو تلك
الإدانة. فإذا كان ما أثبته الحكم الجنائى من قيام حالة الاحتكام "الكورنر" فى بورصة
العقود فى موسم سنة 1949/ 1950 غير لازم للفصل فى الدعوى الجنائية المطروحة عليه ولا
يتعلق بأركان الجرائم المنسوبة إلى المتهمين بما فى ذلك ركن القصد الجنائى فيها فإنه
لا يكون لما ورد فيه من أسباب فى هذا الخصوص حجية أمام المحكمة المدنية [(4)].
5 – إذا كان الحكم المطعون فيه قد قرر أن الطاعنة لم تتمسك ببطلان العقد موضوع النزاع
ورتب على ذلك عدم جدوى البحث فى قيام الكورنر، رغم أنه يبين من الإطلاع على مذكرة الطاعنة
المقدمة أمام محكمة أول درجة، وصحيفة الإستئناف الذى أقامته، أنها تمسكت ببطلان هذا
العقد لقيامه على الإحتكار والمضاربة غير المشروعة، فإن الحكم يكون قد خالف الثابت
بالأوراق.
6 – إنه وإن كانت المادة 73 من قانون التجارة بعد تعديلها بالقانون رقم 23 لسنة 1909
تنص على أن "الأعمال المضافة إلى أجل المعقودة فى بورصة مصرح بها طبقا لقانون البورصة
ولوائحها وتكون متعلقة ببضائع أو أوراق ذات قيمة مسعرة تعتبر مشروعة وصحيحة ولو كان
قصد المتعاقدين منها أن تؤول إلى مجرد دفع الفرق. ولا تقبل أى دعوى أمام المحاكم بخصوص
عمل يؤول إلى مجرد دفع فروق إذا انعقد على ما يخالف النصوص المتقدمة". إلا أنه لا يتأدى
من هذا النص أن كل عملية بيع آجل تعقد فى البورصة – وتؤول إلى مجرد دفع فروق – تعتبر
عملية صحيحة على إطلاقها، وإنما يشترط لصحتها ألا يخرج التعامل عن المضاربات العادية
إلى المضاربات غير المشروعة التى تتم على خلاف أحكام قانون البورصة ولوائحها". وإذا
كان المشرع قد أوضح فى قوانين البورصة القواعد التى يتعين أن تسير على مقتضاها المضاربات
حتى تؤدى البورصة وظيفتها الاقتصادية، وكان تحقيق هذا الهدف وإن أجاز – وفقا لنص المادة
73 المشار إليها – إعتبار العقود الآجلة صحيحة ولو لم يكن غرض البائع منها تسليم البضاعة
ولا المشترى دفع الثمن باعتبار أن مجرد المحاسبة على فروق الأسعار عند حلول الأجل المتفق
عليه يحقق للمضاربة وظيفتها الاقتصادية فى موازنة الأسعار ومعادلة العرض والطلب فى
سوق تحكمها المنافسة الحرة. إلا أنه إذا خرجت المضاربة فى البورصة عن هذه الوظيفة بأن
اتخذت أداة لقهر الأسعار وتغيير اتجاهها الطبيعى بإستفزاز عوامل الصعود أو الهبوط فإنها
تعد مضاربة غير مشروعة.
7 – يعتبر من أبرز صور المضاربة الغير مشروعة ما يطلق عليه "الكورنر" لأنه يتم فى أغلب
حالاته باتفاق بين التجار على إحتكار سلعة معينة ورفع أسعارها رفعا مصطنعا للتحكم فى
البائعين على المكشوف بقصد الإستيلاء على أرباح غير مشروعة والحصول منهم على فروق أسعار
باهظة وتعجيزهم عن التسليم عند حلول ميعاد إستحقاق الفليارة وهو ما يعبر عنه "بخنق
المكشوف". وتعد العقود الآجلة التى تبرم فى ظل هذه الاتفاقات الاحتكارية عقودا باطلة
لأنها ترمى بطبيعتها إلى الاحتكار والتحكم فى الأسعار وهى أغراض غير مشروعة سواء فى
ذلك وقعت هذه الاتفاقات أو لم تقع تحت طائلة المادة 345 من قانون العقوبات التى تؤثم
بعض صور الاحتكار.
8 – إذا ألغى قرار لوزير المالية فى جميع نصوصه بحكم محكمة القضاء الإدارى استنادا
إلى عدم عرضه على قسم التشريع بمجلس الدولة، وإلى أنه قرار وزارى استحدث قاعدة جديدة
ما كان له – طبقا لأحكام الدستور – أن يقيم لها أثرا رجعيا، فإن مقتضى حكم الإلغاء
على هذا النحو هو إعتبار هذا القرار منعدما من يوم صدوره وإلغاء كل ما يترتب عليه من
آثار.
9 – إذا كانت الدعوى قد أقيمت على أساسين الأول مبناه طلب بطلان العقود موضوع الدعوى
للإحتكار بما يستوجب بحث ثبوته فى الدعوى وما قد يستتبع ذلك من إعمال أثره على عقد
الطاعنة وتطبيق قواعد البطلان بشأنه، أما الأساس الآخر فيتعلق بتنفيذ عقد الطاعنة وأثر
إلغاء قرار لوزير المالية على تصفيته بالسعر الذى تمت به فإن بحث دعوى الطاعنة على
هذا الأساس الآخر لا يقوم إلا بعد استنفاد بحث الأساس الأول والانتهاء إلى أن العقود
صحيحة.
المحكمة
بعد الإطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذى تلاه السيد المستشار
المقرر والمرافعة وبعد المداولة.
حيث إن الوقائع – على ما بين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق – تتحصل فى أن الشركة
الطاعنة أقامت الدعوى رقم 894 لسنة 950 تجارى كلى الاسكندرية ضد الشركتين المطعون عليهما
الأولى والثانية طالبة الحكم بإلزامهما متضامنتين بأن تدفعا لها مبلغ 7605 ج و877 م
والفوائد. وقالت شرحا لدعواها إنها باعت تأمينا لمركزها فى السوق القطنية خلال موسم
1949/ 1950 مائتين وخمسين قنطارا من القطن الأشمونى استحقاق شهر يونيه سنة 1950 غير
أنه تبين للطاعنة وغيرها من فريق البائعين أن المطعون عليهما المذكورتين عمدتا بموجب
اتفاق مؤرخ 12 نوفمبر سنة 1949 إلى تكوين شركة بينهما وبين أربعة من بيوت تصدير القطن
ومن المشتغلين بصناعة النسيج فى مصر وذلك لإحتكار القطن الأشمونى بالشراء فى سوق البضاعة
الحاضرة بأقل الأسعار وتخفيض علاوات الرتب إلى المستوى الأدنى بشراء كل ما يعرض من
العقود الآجلة الخاصة به فى بورصة العقود بالاسكندرية و باجراء عمليات صورية فى هذا
الصنف على نطاق واسع، وعهد إلى هاتين الشركتين المطعون عليهما بتنفيذ الاتفاق على أن
يقوم كل من الشركاء بتمويل حصته بالنسب المتفق عليها فيما بينهم، وقد كان هذا الاتفاق
يهدف فى الأصل إلى حمل البائعين فى بورصة العقود لفليارة فبراير سنة 1950 على تصفية
مراكزهم قبل ميعاد استحقاقها بتعجيزهم عن دفع فروق الأسعار وإلى إقامة العراقيل أمام
هؤلاء لمنعهم من تسليم ما باعوه عند حلول موعد إستحقاق هذه الفليارة حتى تتم تصفية
عقودهم على أساس السعر المرتفع ويحتفظ المشترون بفروق الأسعار التى حصلوا عليها من
تلك الفليارة، وهو ما يعبر عنه "باتفاق الكورنر لخنق المكشوف"، وإذ أخفق المشترون فى
الوصول إلى مأربهم بصدد هذه الفليارة لإضطرارهم إلى استلام أقطان من صنف الجيزة 30
بدلا من الأشمونى، فقد عمدوا إلى مد الاتفاق المحرر بينهم وتنفيذ مخططهم بالنسبة لفليارة
يونيه سنة 1950. وحرص البائعون – ومنهم الطاعنة – على الوفاء بالتزاماتهم المتعلقة
بهذه الفليارة فطلبوا من وزير المالية الإذن لهم بتكوين لوطات متجانسة من الأقطان المتبقية
لديهم من لوطات سابقة وذلك بكبس هذه الأقطان كبسا مائيا فى لوطات جديدة، فأذن لهم بفتح
المحالج وتشغيلها لهذا الغرض تمهيدا لتسليم الأقطان المعاد كبسها فى فليارة يونيه سنة
1950 طبقا لأحكام لوائح البورصة. وعمد المشترون من جانبهم إلى التخلص من استلام هذه
الأقطان فتقدموا لوزير المالية بثلاثة طلبات تتحصل فى إلغاء الحد الأعلى لعقد يونيه
سنة 1950 وهو 154.50 ريالا للقنطار ومنع تسليم الأقطان المعاد كبسها، وتعديل تشكيل
لجنة خبراء الاستئناف بالبورصة، فأصدر وزير المالية فى 10 يونيه سنة 1950 قرارا تضمن
من بين ما تضمنه إعتبار القطن المعاد كبسه مائيا غير صالح للتسليم، ونص فى هذا القرار
على سريان حكمه بأثر رجعى على فليارات يونيه سنة 1950 التى كان قد تم التعاقد عليها
والتعامل فيها فعلا. واستطردت الطاعنة تقول إنه عند حلول أجل فليارة يونيه سنة 1950
تقدمت باذن المعاينة عن الأقطان التى أعدتها للتسليم ومقدارها 250 قنطارا تنفيذا للتعاقد
الذى كانت قد أبرمته فى بورصة العقود، غير أن المطعون عليها الأولى التى كانت قد أوقفت
الفليارة وأصبحت المشترية النهائية فيها حاولت التحلل من تسلم الأقطان للإحتفاظ بفروق
الأسعار، فلما صدر قرار وزير المالية فى 10 يونيه سنة 1950 رفضت إستلام أقطانها إستنادا
إليه وامتنعت عن دفع الثمن لأنها من الأقطان المعاد كبسها وتمت تصفية العملية على أساس
154.50 ريالا للقنطار، وأضافت الطاعنة أنه نظرا لما شاب قرار وزير المالية المشار إليه
من مخالفات دستورية وقانونية فقد طعن بعض تجار القطن من فريق البائعين فى هذا القرار
أمام محكمة القضاء الإدارى وطلبوا إلغاءه، كما طلبوا من رئيس مجلس الدولة بصفة مستعجلة
أن يأمر بوقف العمل به، وإذ قرر رئيس مجلس الدولة فى 29 يونيه سنة 1950 وقف العمل بقرار
وزير المالية المشار إليه بالنسبة لما تضمنه من أثر رجعى يتناول العقود التى أبرمت
قبل العمل به، فقد أعادت الطاعنة المطالبة باستلام الأقطان فرفضت المطعون عليها الأولى
وبدلا من أن تتبع إجراءات الخبرة الإبتدائية والإستئنافية طبقا للائحة البورصة لبيان
ما إذا كانت الأقطان صالحة أم غير صالحة للتسليم تقدمت ومعها الشركة المطعون عليها
الثانية بشكوى للنيابة العامة فى 3 يوليه سنة 1950 تدعيان فيها أن الأقطان المعاد كبسها
مغشوشة وأمرت النيابة بضبطها وقدمت بعض البائعين إلى المحاكمة الجنائية وقضت محكمة
الجنح ببراءتهم وأمرت بالإفراج عن الأقطان المضبوطة تأيد هذا الحكم إستئنافيا فى 31/
5/ 1953. وأضافت الطاعنة أنه وقد صدر الحكم الجنائى على هذا النحو وكانت محكمة القضاء
الإدارى قد قضت فى 26/ 2/ 1952 بإلغاء قرار وزير المالية الصادر فى 10 يونيه سنة 1950،
كما قضت فى 26/ 4/ 1953 بإلغاء قرار لجنة البورصة القاضى بتأييد قرار لجنة القطن بتحديد
سعر إعادة الخصم للقطن المرفوض فى فليارة يونيه سنة 1950 بمبلغ 154.75 ريالا للقنطار،
فقد وجهت الطاعنة إنذارا إلى المطعون عليهما الأولى والثانية بعزمها على بيع الأقطان
موضوع النزاع ببورصة البضاعة الحاضرة وتحميلهما فرق السعر بين فليارة يونيه سنة 1950
والسعر الذى تم به البيع فى بورصة البضاعة الحاضرة، فلم يأبها لهذا الإنذار وتم بيع
الأقطان بمبلغ يقل بكثير عن سعر التصفية، وخلصت الطاعنة إلى أن المطعون عليها الثانية
مسئولة التضامن مع المطعون عليها الأولى لاشتراكهما فى عملية الكورنر غير المشروعة،
وانتهت الطاعنة إلى أنها تقيم دعواها ضدهما على أساس أنه وقد أوقف العمل بقرار وزير
المالية الصادر فى 10 يونيه سنة 1950 فى شقه المتعلق بالأثر الرجعى ثم ألغى هذا القرار
فى جميع أحكامه بعد ذلك فإنه كان يتعين عدم الإعتداد بالتصفية بالسعر الذى تمت به واعتبار
الفرق بين المبلغ المتحصل من تصفية الفليارة والثمن الذى بيعت به الأقطان فعلا ببورصة
البضاعة الحاضرة مضافا إليه مصاريف التخزين والتأمين يمثل ما تستحقه فى ذمة الشركتين
المطعون عليهما الأولى والثانية متضامنتين، كما تقيم الطاعنة دعواها على اساس آخر يتحصل
فى أن العقود الآجلة التى أبرمت فى بورصة العقود عن إستحقاق يونيه سنة 1950 عقود باطلة،
واستندت فى ذلك إلى عدم مشروعية عمليات المضاربة المتعلقة بفليارة هذا الشهر لقيام
إتفاق إحتكارى بشأنها أدى إلى إرتفاع أسعارها إرتفاعا مصطنعا وإلى ما ورد فى هذا الخصوص
بحكم محكمة القضاء الإدارى الصادر فى 21/ 4/ 1953 والسابق الإشارة إليه وحكم البراءة
الصادر من محكمة الجنح والحكم الإستئنافى المؤيد له، وطلبت الطاعنة على هذه الأساس
إلزام الشركتين المطعون عليهما الأولى والثانية متضامنتين برد فروق الأسعار السابق
لها دفعها عن العقد سالف الذكر مضافا إليها مصاريف التخزين والتأمين. وترى الطاعنة
أن ما تستحقه على أى من الأساسين المشار إليهما هو مبلغ 7605 ج و877 م وهو المبلغ المطالب
به فى هذه الدعوى. وفى أثناء سير الخصومة أدخلت المطعون عليها الأولى وزارة المالية
(وزارة الإقتصاد الآن) المطعون عليها الثالثة ضامنة فى الدعوى طالبة الحكم عليها دونها
بطلبات الطاعنة فيها. وبتاريخ 13/ 3/ 1961 قضت محكمة أول درجة برفض دعوى الطاعنة وبرفض
دعوى الضمان. واستأنفت الطاعنة هذا الحكم لدى محكمة إستئناف الاسكندرية وقيد إستئنافها
برقم 588 سنة 18 ق وعند نظره تنازلت عن مخاصمة المطعون ضدها الثالثة. وبتاريخ 30 يونيه
سنة 1963 قضت محكمة الاستئناف بتأييد الحكم المستأنف. طعنت الطاعنة فى هذا الحكم بطريق
النقض وقدمت النيابة مذكرتين دفعت فيهما بعدم جواز إختصام وزارة الاقتصاد وطلبت فى
الموضوع نقض الحكم المطعون فيه وبالجلسة المحددة لنظر الطعن تمسكت النيابة برأيها.
وحيث إن مبنى الدفع المقدم من النيابة أن المطعون عليها الثالثة (وزارة الاقتصاد) وقد
اختصمتها الطاعنة فى الاستئناف ثم تنازلت عنها فإن اختصامها أمام محكمة النقض يكون
غير مقبول.
وحيث إن هذا الدفع فى محله، ذلك أن الثابت من الإطلاع على الحكم المطعون فيه أن الطاعنة
قد اختصمت المطعون عليها الثالثة فى الاستئناف إلا أنها عادت وتنازلت عن مخاصمتها.
ولما كانت الخصومة فى الطعن أمام محكمة النقض لا تكون إلا بين من كانوا خصوما فى النزاع
الذى فصل فيه الحكم المطعون فيه فليس للطاعنة أن توجه طعنها بالنقض إلى المطعون عليها
الثالثة ويتعين عدم قبول الطعن بالنسبة لها.
وحيث إن الطعن فيما عدا ما تقدم قد استوفى أوضاعه الشكلية.
وحيث إن مبنى السبب الرابع من أسباب الطعن خطأ الحكم المطعون فيه فى تطبيق القانون،
وفى بيان ذلك تقول الطاعنة إنها تمسكت بحجية حكم محكمة القضاء الإدارى الصادر فى 21/
4/ 1953 بإلغاء قرار لجنة البورصة فى 28 يوليه سنة 1950 القاضى بتأييد قرار لجنة القطن
الصادر فى 10 يوليه سنة 1950 بتحديد سعر إعادة الخصم للقطن المرفوض فى فليارة يونيه
سنة 1950 بمبلغ 154.75 ريالا للقنطار – فيما قرره ذلك الحكم من قيام حالة احتكارية
فى سوق القطن بالاسكندرية خلال موسم 1949/ 1950 بالنسبة للقطن الأشمونى بما أدى إلى
ارتفاع أسعاره ارتفاعا مصطنعا وانحراف المضاربات المتعلقة به إلى أخطر أنواعها الغير
مشروعة "الكورنر" ومن أن جميع العمليات التى تمت وقتئذ فى هذا الصنف تعتبر باطلة. كما
تمسكت الطاعنة بحجية الحكم الجنائى الصادر فى القضية رقم 898 سنة 1951 مينا البصل وبحجية
الحكم الاستئنافى المؤيد له والصادر فى 31/ 5/ 1953 فيما أثبته هذان الحكمان من قيام
حالة الاحتكار "الكورنر" فى سوق بورصة العقود منذ أواخر سنة 1949 بالنسبة لعقود الأقطان
متوسطة التيلة، واستطردت الطاعنة إلى القول بأنه على الرغم من تمسكها بما لهذه الأحكام
من حجية مما لا يسوغ معه إعادة بحث ما ورد فيها، فإن الحكم المطعون فيه ذهب إلى أن
القضاء العادى هو وحده المختص بالفصل فى المنازعات التى تقوم بين الأفراد فى شأن صحة
العقود البورصية أو بطلانها، وأنه لا حجية للأحكام الجنائية أمام المحاكم المدنية فى
الوقائع التى فصل فيها ولم يكن فصله فيها لازما، وأن ما ورد فى الحكم الجنائى بصدد
الاحتكار لا يتعلق بالوقائع اللازمة للفصل فى الدعوى الجنائية، ورتب الحكم المطعون
فيه على هذا النظر عدم تقيده بما قرره الحكم الإدارى والحكمان الجنائيان من إثبات قيام
حالة الاحتكار "الكورنر" التى من شأنها من وجهة نظر الحكم الإدارى إبطال عمليات عقود
البورصة سالفة الذكر، مع أن ما ورد بحكم محكمة القضاء الإدارى فى هذا الخصوص كان بصدد
بحثه لمشروعية القرار الإدارى المطعون فيه، فلا يعتبر ذلك منه فصلا فى منازعات بين
الأفراد. كذلك فان الحكم الجنائى فى سبيل نفى القصد الجنائى لدى المتهمين فى الدعوى
الجنائية قد بحث قيام حالة الاحتكار "الكورنر" وأثبت وجودها مما كان أمره لازما للفصل
فى الدعوى الجنائية، وإذ لم يعتد الحكم المطعون فيه بما أورده حكم محكمة القضاء الإدارى
والحكمان الجنائيان على النحو المتقدم فإنه يكون قد أهدر حجية هذه الأحكام بما يعيبه
بالخطأ فى تطبيق القانون.
وحيث إن هذا النعى فى شقه الأول المتعلق بحجية حكم محكمة القضاء الإدارى فى غير محله،
ذلك أن الحكم الابتدائى رد على دفاع الطاعن فى هذا الخصوص فى قوله "يتضح من مراجعة
القوانين المنظمة والمنشئة لمجلس الدولة أنه وإن كان يختص بنظر دعاوى إلغاء القرارات
الإدارية التى تصدر مخالفة للقانون ودعاوى التعويض عنها الدعاوى الخاصة بالعقود الإدارية
إلا أنه لا تمتد ولايته للمنازعات المدنية التى تثور بين الأفراد، ولا يختص بإصدار
قضاء بشأن العقود التى تبرم بينهم صحة أو بطلانا فإن تعرض لشئ من ذلك فى سبيل الفصل
فى منازعة خاصة بقرار إدارى معروض عليه فان فصله فيها يكون بوصفها مسألة فرعية لازمة
للفصل فى النزاع الأصلى ولا يكون لقضائه فى هذا الخصوص أى أثر على مركز الأفراد الذين
يظلون خاضعين للفضاء المدنى بشأن المعاملات القائمة بينهم". وقد اعتنق الحكم المطعون
فيه أسباب حكم محكمة أول درجة فى هذا الخصوص وأضاف إليها أخذا بما قرره القضاء الإدارى
فى القضية رقم 6514 سنة 8 ق قوله "إن ولاية المجلس محدودة بالفصل فى طلبات التعويض
عن القرارات الإدارية المخالفة للقانون وليس له شأن فى المنازعات بين الأفراد الخاصة
بالمعاملات المدنية أو التجارية صحيحة كانت هذه المعاملات أو باطلة". ولما كان لجهة
القضاء العادى بما لها من ولاية عامة أن تتحقق من أن الحكم المطروح أمر حجيته عليها
والذى أصدرته جهة قضاء أخرى قد صدر فى حدود الولاية القضائية لهذه الجهة، وكان الحكم
الصادر من جهة قضاء خارج حدود ولايتها يعد – على ما جرى به قضاء هذه المحكمة – معدوم
الحجية أمام الجهة صاحبة الولاية فى النزاع. لما كان ذلك وكانت حالات اختصاص محكمة
القضاء الإدارى لا يدخل فيها الفصل فى المنازعات بين الأفراد فى شأن العقود المدنية
أو التجارية وما قد يرد عليها من عوار يؤثر فى صحة قيامها أو فى استمرارها أو فى إنهائها،
وإذ تعتبر محاكم القضاء العادى هى المختصة أصلا بنظر هذه المنازعات، فان الحكم المطعون
فيه يكون قد التزم صحيح القانون إذ لم يقم حجية لما ورد بحكم محكمة القضاء الإدارى
عن قيام حالة الاحتكار بالنسبة لأثرها على عقود البورصة – ومنها العقد الذى أبرمه الطاعن
موضوع الدعوى، ومن ثم يكون النعى على الحكم فى هذا الخصوص على غير أساس. والنعى فى
شقه الثانى المتعلق بحجية الحكمين الجنائيين مردود، ذلك أن الثابت من حكم محكمة الجنح
الجزئية أن المحكمة كانت تفصل فى الجرائم المنسوبة إلى فريق من البائعين فى بورصة عقود
القطن وإذ عرض هذا الحكم لأمر الاحتكار "الكورنر" المنسوب للمشترين فقد كان ذلك بصدد
بيان الظروف والملابسات التى أحاطت بالنزاع من فريق البائعين والمشترين وبعد أن انتهى
الحكم من بيان الأسباب التى تؤدى إلى براءة المتهمين من الجرائم المسندة إليهم لعدم
توافر أركانها. وبالمثل فان الحكم الصادر من محكمة الجنح الاستئنافية إذ تعرض لبحث
حالة الاحتكار السابق الإشارة إليها فقد كان ذلك فى صدد بيان أن القصد الذى استهدفه
فريق المشترين من البلاغ الذى قدموه للنيابة ضد المتهمين وهم من البائعين كان للتحلل
من استلام الأقطان والاحتفاظ بفروق الأسعار مما لا علاقة له بأركان الجرائم المسندة
إلى المتهمين. لما كان ذلك، وكان من المقرر فى قضاء هذه المحكمة طبقا للمادتين 456
من قانون الإجراءات الجنائية و406 من القانون المدنى أن حجية الحكم الجنائى أمام المحاكم
المدنية قاصرة على منطوق الحكم الصادر بالإدانة أو البراءة وعلى أسبابه المؤدية إليه
بالنسبة لما كان موضوع المحاكمة دون أن تلحق الحجية الأسباب التى لم تكن ضرورية للحكم
بهذه البراءة أو تلك الإدانة، وكان ما أثبته الحكم الجنائى من قيام حالة الاحتكار "الكورنر"
فى بورصة العقود فى موسم 1949/ 1950 غير لازم للفصل فى الدعوى الجنائية المطروحة عليه
ولا يتعلق بأركان الجرائم المنسوبة إلى المتهمين بما فى ذلك ركن القصد الجنائى فيها
فإنه لا يكون لما ورد فيه من أسباب فى هذا الخصوص حجية أمام المحاكم المدنية، وإذ انتهى
الحكم المطعون فيه إلى هذه النتيجة فإنه يكون قد إلتزم صحيح القانون. ويكون النعى عليه
بالشق الثانى لهذا السبب على غير أساس أيضا.
وحيث إن مما تنعاه الطاعنة على الحكم المطعون فيه فى باقى الأسباب أنه (أولا) أخطأ
فى تطبيق القانون وشابه القصور فى التسبيب وخالف الثابت بالأوراق فى صدد الاحتكار –
أحد أساسى دعواها – وتقول شرحا لذلك إنها تمسكت فى دفاعها أمام محكمة الموضوع ببطلان
عقد البيع موضوع النزاع الذى أبرمته فى بورصة العقود فى موسم 1949/ 1950 استحقاق يونيه
سنة 1950 لقيامه على اتفاق احتكارى غير مشروع "كورنر" لصنف القطن الأشمونى وبأن هذا
الاتفاق دبره فريق من التجار تمثله الشركتان المطعون عليهما وقاموا بموجبه بالشراء
فى بورصة العقود على نطاق واسع أدى إلى رفع الأسعار رفعا مصطنعا وقبض مبالغ كبيرة من
البائعين ومنهم الطاعنة فروقا للأسعار، وبأن هدفهم من هذا الاتفاق كان حمل البائعين
على تصفية مراكزهم قبل ميعاد إستحقاق الفليارة وتعجيزهم عن الإستمرار فى دفع فروق الأسعار
وملاحقتهم بعد ذلك عند حلول ميعاد الإستحقاق بإقامة العقبات التى تمنعهم من تسليم أقطانهم
ليحتفظ المشترون بفروق الأسعار التى قبضوها. غير أن الحكم المطعون فيه لم يحقق هذا
الدفاع وقرر أن أمر قيام الكورنر أو عدم قيامه غير منتج فى الدعوى استنادا إلى أن الطاعنة
لم تطلب من المحكمة أن تقضى لها ببطلان عقدها تأسيسا على قيام الكورنر وذلك على خلاف
ما هو ثابت بدفاعها وأوراق الدعوى، كما قرر الحكم تبريرا لعدم مسئولية الشركتين المطعون
عليهما فى هذا الخصوص أن العمليات الآجلة التى تعقد فى البورصة وتؤول إلى مجرد دفع
فروق الأسعار هى عمليات صحيحة قانونا مهما كان قصد المتعاقدين، واستند الحكم فى ذلك
إلى المادة 73 من قانون التجارة. وهذا الاطلاق من الحكم خطأ فى تطبيق القانون لأن المادة
المشار إليها لا تجيز العمليات التى يقصد منها احتكار البضاعة والتحكم فى أسعارها لابتنائها
على الغش الذى يبطل العقود ولمخالفتها أحكام قانون البورصة ولوائحها ونظمها ولأن القانون
يؤثم بعض الأفعال التى يترتب عليها التأثير على الأسعار بفرض العقوبة على من يرتكبها،
وتضيف الطاعنة أن الحكم إذ لم يستظهر قيام الكورنر وأثره فى الدعوى فإنه يكون معيبا
بالقصور (ثانيا) أن الحكم المطعون فيه خالف القانون فى صدد الأساس الآخر لدعواها ذلك
أنه استند فى قضائه برفضها – مقامة على هذا الأساس – إلى أن العقود التى يطالب باسترداد
الفروق عليها خاصة بأقطان معاد كبسها، وإلى أن الشركة المطعون عليها الأولى رفضت إستلامها
وفقا لقرار وزير المالية الصادر فى 10 يونيه سنة 1950 الذى اعتبر الأقطان المعاد كبسها
غير صالحة للتسليم، وأرجع أثر القرار إلى إستحقاقات شهر يونيه سنة 1950 وإلى أن التصفيات
التى تمت بسعر 154.50 ريالا للقنطار عن هذه العقود لا تتأثر بقرار رئيس مجلس الدولة
الصادر فى 29 يونيه سنة 1950 بوقف العمل بالأثر الرجعى لقرار وزير المالية المشار إليه
ولا بحكم محكمة القضاء الإدارى الصادر فى 26/ 2/ 1952 بإلغاء هذا القرار لأنها تصفيات
تمت قبل ذلك فى ظل قرار كان قائما ونافذا فيتعين الابقاء عليها – هذا فى حين أن قرار
وقف التنفيذ وحكم الإلغاء يترتب عليهما اعتبار قرار 10 يونيه سنة 1950 كأن لم يصدر،
وإذ رفضت الشركتان المطعون عليهما إستلام أقطان الطاعنة تأسيسا على هذا القرار وأجريت
التصفيات بناء على هذا الرفض فإنه يتعين عدم الإعتداد بهذه التصفيات بالسعر الذى تمت
به.
وحيث إن النعى فى شقه الأول صحيح، ذلك أنه يبين من الإطلاع على مذكرة الطاعنة المقدمة
فى فترة حجز القضية للحكم أمام محكمة أول درجة أنها لم تقتصر على التمسك بما ورد بأسباب
حكم محكمة القضاء الإدارى الصادر فى 21/ 4/ 1953 من إعتبار العقود التى أبرمت فى بورصة
العقود إستحقاق يونيه سنة 1950 عقودا باطلة للاحتكار على أساس حجية الأمر المقضى فيه
على ما سلف بحثه فى الرد على السبب الرابع، وانما تمسكت أيضا بطلب الحكم لها من المحكمة
ببطلان العقود المشار إليها لقيامها على الاحتكار والمضاربة غير المشروعة ورتبت على
ذلك طلب رد فروق الأسعار التى دفعتها عنها، كما يبين مما ورد بالصفحة 28 من صحيفة إستئنافها
أنها تمسكت بهذا الطلب. وإذ قرر الحكم المطعون فيه رغم ذلك أن الطاعنة لم تتمسك ببطلان
العقد موضوع النزاع ورتب على ذلك عدم دعوى البحث فى قيام الكورنر فإنه يكون قد خالف
الثابت بالأوراق. لما كان ذلك، وكان الحكم قد قرر مشروعية الأعمال الآجلة فى البورصة
مهما كانت نية المتعاقدين بشأنها استنادا إلى المادة 73 من قانون التجارة بعد تعديلها
بالقانون رقم 23 لسنة 1909، وإذ يعد هذا الذى قرره الحكم على إطلاقه غير صحيح فى القانون،
ذلك أنه وإن كانت هذه المادة قد نصت على أن "الأعمال المضافة إلى أجل المعقودة فى بورصة
مصرح بها طبقا لقانون البورصة ولوائحها وتكون متعلقة ببضائع أو أوراق ذات قيمة مسعرة
تعتبر مشروعة وصحيحة ولو كان قصد المتعاقدين منها أن تؤول إلى مجرد دفع الفروق ولا
تقبل أى دعوى أمام المحاكم بخصوص عمل يؤول إلى مجرد دفع فروق إذا انعقد على ما يخالف
النصوص المتقدمة"، إلا أنه لا يتأدى من هذا النص أن كل عملية بيع آجل تعقد فى البورصة
– وتؤول إلى مجرد دفع فروق – تعتبر عملية صحيحة على إطلاقها، وإنما يشترط لصحتها ألا
يخرج التعامل عن المضاربات العادية إلى المضاربات غير المشروعة التى تتم على خلاف أحكام
قانون البورصة ولوائحها وذلك وفقا لصريح ما نصت عليه المادة 73 المشار إليها من أن
أعمال المضاربة المشروعة هى "الاعمال المضافة إلى أجل المعقودة فى بورصة مصرح بها طبقا
لقانون البورصة ولوائحها". ولما كان المشرع قد أوضح فى قوانين البورصة القواعد التى
يتعين أن تسير على مقتضاها المضاربات حتى تؤدى البورصة وظيفتها الاقتصادية، وكان تحقيق
هذا الهدف وإن أجاز وفقا لنص المادة 73 المشار إليها إعتبار العقود الآجلة صحيحة ولو
لم يكن غرض البائع منها تسليم البضاعة ولا المشترى دفع الثمن بإعتبار أن مجرد المحاسبة
على فروق الأسعار عند حلول الأجل المتفق عليه يحقق للمضاربة وظيفتها الإقتصادية فى
موازنة الأسعار ومعادلة العرض والطلب فى سوق تحكمها المنافسة الحرة، إلا أنه إذا خرجت
المضاربة فى البورصة عن هذه الوظيفة بأن اتخذت أداة لقهر الأسعار وتغيير إتجاهها الطبيعى
بإستفزاز عوامل الصعود أو الهبوط فإنها تعد مضاربة غير مشروعة، وإذ يعتبر من أ برز
صور المضاربة الغير مشروعة ما يطلق عليه "الكورنر" لأنه يتم فى أغلب حالاته بإتفاق
بين التجار على احتكار سلعة معينة ورفع أسعارها رفعا مصطنعا للتحكم فى البائعين على
المكشوف بقصد الإستيلاء على أرباح غير مشروعة والحصول منهم على فروق أسعار باهظة وتعجيزهم
عن التسليم عند حلول ميعاد استحقاق الفليارة وهو ما يعبر عنه "بخنق المكشوف" فإن العقود
الآجلة التى تبرم فى ظل هذه الاتفاقات الاحتكارية تعتبر عقودا باطلة لأنها ترمى بطبيعتها
إلى الإحتكار والتحكم فى الأسعار وهى أغراض غير مشروعة سواء فى ذلك وقعت هذه الإتفاقات
أو لم تقع تحت طائلة المادة 345 من قانون العقوبات التى تؤثم بعض صور الإحتكار، لما
كان ذلك، فإن ما قرره الحكم فى هذا الخصوص من أن المضاربة مشروعة على إطلاقها يكون
مخالفا للقانون، ويكون الحكم بهذا التقرير القانونى الخاطئ وبما قرره خلافا للثابت
بالأوراق على ما سلف بيانه من أن الطاعنة لم تتمسك ببطلان العقد موضوع النزاع – قد
حجب نفسه عن تحقيق دفاع الطاعنة بشأن قيام الكورنر وأثره على العقد موضوع الدعوى مع
أنه دفاع جوهرى لو صح يتغير به وجه الرأى فى الدعوى ولا يحمل الرد على هذا الدفاع ما
أورده الحكم تبريرا لعدم جدوى قيام الكورنر من أن الطاعنة وقد أقرت بأن لديها أقطانا
صالحة للتسليم فلا تضار بإرتفاع الأسعار لقيام الكورنر إذ أن ما تدفعه من فروق سوف
تسترده عند تسليم تلك الأقطان – ذلك أن القول بوجود أقطان صالحة للتسليم فى حيازة الطاعنة
لا ينهض ردا لتبرير عدم بحث قيام الكورنر لأن الثابت أن المشترين رفضوا استلام تلك
الأقطان بدعوى أنها غير صالحة للتسليم، وهو ما سيجرى بحث مشروعيته فى الشق الثانى من
النعى لما كان ما تقدم، فإن الحكم المطعون فيه يكون معيبا بالقصور فى هذا الخصوص.
وحيث إن النعى فى شقه الثانى صحيح أيضا، ذلك أن الطاعنة إعتمدت فى الأساس الآخر لدعواها
على أن الشركة المطعون عليها الأولى رفضت إستلام أقطانها وهى المعاد كبسها بالإستناد
إلى قرار وزير المالية الصادر فى 10 يونيه سنة 1950 بحظر إستلام الأقطان المعاد كبسها
إبتداء من إستحقاقات شهر يونيه سنة 1950، وأن هذا الرفض لا سند له بعد أن أوقف العمل
بهذا القرار فى 9 يونيه سنة 1950 بالنسبة لما تضمنه من سريانه بأثر رجعى وبعد أن قضت
محكمة القضاء الإدارى بإلغائه فى 26/ 2/ 1952 وأنه يترتب على ذلك إلتزام الشركتين المطعون
عليهما بإستلام الأقطان ودفع ثمنها دون إعتداد بالتصفيات بالسعر الذى تمت به، وقد إستند
الحكم المطعون فيه فى قضائه برفض دعوى الطاعنة مقامة على هذا الأساس إلى أن العقد الذى
أبرمته قد صفى فى ظل قرار صدر ممن له سلطة إصداره ولم يكن قد أوقف تنفيذه أو ألغى عند
حصول التصفية وأنه لا يترتب على إلغاء هذا القرار بعد ذلك إعتباره منعدما وإنما يتعين
لإبقاء على هذه التصفيات لصدورها من موظفين مختصين أسبغ عليهم المشرع سلطة إجرائها
وذلك إعمالا لنظرية الموظفين الفعليين. وهذا الذى استند إليه الحكم وأقام عليه قضاءه
غير صحيح، ذلك أنه لما كان الثابت أن الأقطان التى قدمتها الطاعنة تنفيذا للعقد الذى
أبرمته وهى من الأقطان المعاد كبسها قد رفضت استنادا إلى قرار وزير المالية الصادر
فى 10 يونيه سنة 1950 الذى حظر استلام الأقطان المعاد كبسها واشتمل على نص جعل له أثرا
رجعيا بالنسبة للعقود المستحقة فى شهر يونيه سنة 1950 والتى أبرمت قبل العمل به ومنها
العقد موضوع النزاع، وإذ أجريت تصفية هذه العقود بالسعر الذى تمت به بناء على رفض المطعون
عليها الأولى استلام هذه الأقطان، وكان هذا القرار الوزارى قد أوقف العمل بما تضمنه
من سريانه بأثر رجعى بموجب قرار رئيس مجلس الدولة فى 29 يونيه سنة 1950 الذى أوقف سريانه
بالنسبة للفليارات التى تحدد ميعاد استحقاقها فى شهر يونيه سنة 1950 وكانت قد صفيت
فعلا أو فى طريقها إلى التصفية وذلك بصفة مؤقتة إلى أن يحكم فى طلب الإلغاء، وإذ ألغى
قرار وزير المالية المشار إليه فى جميع نصوصه بحكم محكمة القضاء الإدارى فى 26 فبراير
سنة 1952 استنادا إلى عدم عرضه على قسم التشريع بمجلس الدولة، وإلى أنه قرار وزارى
استحدث قاعدة جديدة ما كان له – طبقا لأحكام الدستور – أن يقيم لها أثرا رجعيا، وكان
مقتضى حكم الإلغاء على هذا النحو هو إعتبار قرار 10 يونيه سنة 1950 منعدما من يوم صدوره
وإلغاء كل ما يترتب عليه من آثار. لما كان ما تقدم، وكان الحكم المطعون فيه قد اعتد
بتصفية عقد الطاعنة التى تمت بسعر 154.50 ريالا للقنطار بناء على رفض المطعون عليها
الأولى إستلام أقطانها فى ظل قرار 10 يونيه سنة 1950 ولم يعمل أثر هذا الإلغاء على
التصفية ولم يجر تسوية الحساب بين الطرفين السعر الذى تحدده إعتبارات التعامل فى السوق
والظروف الملابسة على أساس أن قرار 10 يونيه سنة 1950 لم يصدر أصلا فإن الحكم يكون
قد أخطأ فى تطبيق القانون.
وحيث إن المحكمة تنبه إلى أن الطاعنة وقد أقامت دعواها وفق ما سلف بيانه على أساسين
الأول مبناه طلب بطلان العقود موضوع الدعوى للاحتكار بما يستوجب بحث ثبوته فى الدعوى
وما قد يستتبع ذلك من إعمال أثره على عقد الطاعنة وتطبيق قواعد البطلان بشأنه، أما
الأساس الآخر فيتعلق بتنفيذ عقد الطاعنة وأثر إلغاء قرار 10 يونيه سنة 1950 على تصفيته
بالسعر الذى تمت به فإن بحث دعوى الطاعنة على هذا الأساس الآخر لا يقوم إلا بعد استنفاد
بحث الأساس الأول والإنتهاء إلى أن العقود صحيحة.
وحيث إنه لما تقدم يتعين نقض الحكم المطعون فيه دون حاجة لبحث باقى الأوجه.
[(1)] صدرت بنفس القواعد الأحكام الصادرة فى الطعون
371 و372 و374 و375 و378 و379 و380 لسنة 33 ق بذات الجلسة.
[(2)] راجع نقض جلسة 27/ 2/ 1958 الطعن 42 لسنة 24 ق مجموعة المكتب
الفنى س 9 ص 161 و30/ 12/ 1965 الطعن 278 لسنة 31 ق مجموعة المكتب الفنى س 16 ص 1393.
[(3)] راجع نقض جلسة 24/ 1/ 1935 الطعن 34 لسنة 4 ق و10/ 1/ 1946 الطعن
21 لسنة 15 ق مجموعة القواعد لربع ق ص 57 القاعدتين 251 و252 و17/ 6/ 1964 فى الطعنين
206 لسنة 28 ق و510 لسنة 29 ق مجموعة المكتب الفنى س 15 ص 836 و24/ 2/ 1966 الطعن 194
لسنة 3 ق مجموعة المكتب الفنى س 17 ص 412.
[(4)] راجع نقض 20/ 12/ 1956 الطعن 25 لسنة 23 ق مجموعة المكتب الفنى
س 7 ص 1001.
