الطعن رقم 156 لسنة 33 ق – جلسة 17 /01 /1967
أحكام النقض – المكتب الفنى – مدنى
العدد الاول – السنة 18 – صـ 120
جلسة 17 من يناير سنة 1967
برياسة السيد المستشار الدكتور عبد السلام بلبع نائب رئيس المحكمة، وبحضور السادة المستشارين: بطرس زغلول، وأحمد حسن هيكل، وأمين فتح الله، وابراهيم حسن علام.
الطعن رقم 156 لسنة 33 القضائية
( أ ) تأمين. "التأمين ضد السرقة". "إلتزامات المؤمن". "إلتزامات
المؤمن له". "إثبات وقوع الخطر". إثبات. محكمة الموضوع. "سلطتها فى تقدير الدليل".
إختفاء الأشياء المؤمن عليها ضد السرقة. عدم كفايته لاستحقاق مبلغ التأمين ما لم يثبت
أنها اختفت بالسرقة. لا محل للتشدد فى طلب دليل يقينى. كفاية قياغ المؤمن بالمبادرة
بالتبليغ وتقديم بيانات دقيقة قريبة التصديق. سلطة محكمة الموضوع فى تكوين عقيدتها
من مسلك المؤمن له.
(ب) حكم. "تسبيب الحكم". "التسبيب الكافى". محكمة الموضوع. "سلطتها فى تقدير الدليل".
لقاضى الموضوع سلطة تحصيل فهم الواقع فى الدعوى. كفاية إقامة قضائه على أسباب سائغة
تحمله. عدم وجوب تتبع حجج الخصوم والرد على كل منها استقلالا.
(ج) إثبات. "الإقرار".
رغبة الخصم فى تسوية النزاع. عدم اعتبارها إقرارا بحق خصمه.
1 – لا يكفى فى عقد التأمين ضد السرقة – ليستحق المؤمن له مبلغ التأمين – مجرد تحقق
اختفاء الأشياء المؤمن عليها، وإنما يتعين على المؤمن له أن يثبت أن هذه الأشياء قد
اختفت بسرقتها، وإذا كان إعمال مبدأ حسن النية فى عقد التأمين ضد السرقة يستوجب عدم
التشدد مع المؤمن له، فلا يتطلب منه أن يقدم دليلا يقينيا على وقوع الحادث لصعوبة ذلك
فى بعض الحالات إذا كانت السرقة مما لم يقم عليها دليل مادى ينبئ عنها، وعلى تقدير
أن الوقت قد لا يتسع لتقديم هذا الدليل، إلا أن ذلك لا يمنع من ناحية أخرى من وجوب
مبادرة المؤمن له بالتبليغ وأن يكون دقيقا فيما يقدمه من بيانات وأن يكون ما أبلغ عنه
قريبا إلى التصديق لتتخذ محكمة الموضوع من مسلكه سندا لتكوين عقيدتها بشأن صحة وقوع
الحادث المبلغ عنه وذلك حماية للمؤمن الذى يتعرض بسبب تقديم المؤمن له بيانات غير صحيحة
إلى تأمين مخاطر وهمية مما يضعف من مقدرته على مواجهة المخاطر الحقيقية والتى تحدث
لسائر المؤمن لهم.
2 – لقاضى الموضوع السلطة التامة فى تحصيل فهم الواقع فى الدعوى، وبحسبه أن يبين الحقيقة
التى اقتنع بها وأن يقيم قضاءه على أسباب سائغة تكفى لحمله. ولا عليه بعد ذلك أن يتتبع
الخصوم فى مختلف أقوالهم وحججهم وطلباتهم ويرد استقلالا على كل قول أو حجة أو طلب أثاروه،
ما دام قيام الحقيقة التى اقتنع بها وأورد دليلها فيه الرد الضمنى المسقط لتلك الأقوال
والحجج والطلبات.
3 – إبداء الخصم رغبته فى تسوية النزاع لا يفيد حتما وبطريق اللزوم استمرار هذه الرغبة
فى كل الأوقات، كما لا يفيد إقراراه بحق خصمه.
المحكمة
بعد الإطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذى تلاه السيد المستشار
المقرر والمرافعة وبعد المداولة.
حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
وحيث إن الوقائع – على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق – تتحصل فى أن الطاعنة
أقامت الدعوى رقم 947/ 958 مدنى كلى الاسكندرية ضد الشركة المطعون عليها طالبة الحكم
بإلزامها بأن تدفع لها مبلغ 22350 ج، وقالت فى بيان دعواها إنه بموجب وثيقة تأمين مؤرخة
30 يولية سنة 1957 أمنت لدى الشركة المذكورة على قطعتين من الحلى ضد السرقة والضياع
فى مصر وفى بعض بلاد معينة بالخارج عن المدة من 31 يوليه حتى 30 نوفمبر سنة 1957، وأنه
فى يوم 9 سبتمبر سنة 1957 أثناء وجود الطاعنة فى مدينة جاردونى ريفيرا بايطاليا وهى
من البلاد التى تشملها هذه الوثيقة – تركت سيارتها بما فيها من أمتعة تخصها أمام أحد
الفنادق بها لتتناول غذاءها فيه، ولما عادت إلى السيارة بعد أقل من ساعة وجدت زجاجها
مكسورا واكتشفت ضياع إحدى الحقائب منها بما فيها من مجوهرات كانت من بينها الحليتان
المؤمن عليهما فأبلغت شرطة المدينة المشار إليها عن الحادث وسارعت إلى إخطار المطعون
ضدها به وقدمت لها صورة من محضر الشرطة وشهادة من الشخص المكلف بحراسة السيارات فى
المكان الذى وقع فيه الحادث، غير أن المطعون ضدها امتنعت عن الوفاء لها بمبلغ التأمين
فأقامت عليها هذه الدعوى للمطالبة به. ودفعت المطعون عليها الدعوى بأن واقعة السرقة
مكذوبة الأساس وبتاريخ 29 يونيه سنة 1960 قضت محكمة أول درجة برفض الدعوى فاستأنفت
الطاعنة هذا الحكم لدى محكمة استئناف الاسكندرية وقيد استئنافها برقم 460/ 16 ق، وبتاريخ
16 يونيه سنة 1962 قضت محكمة الاستئناف بإحالة الدعوى إلى التحقيق لتثبت الطاعنة أنها
وضعت الحليتين المؤمن عليهما فعلا فى السيارة وأنهما سرقتا بالكيفية التى صورتها، وبعد
انتهاء التحقيق قضت المحكمة بتاريخ 18 فبراير سنة 1963 بتأييد الحكم المستأنف. طعنت
الطاعنة فى هذا الحكم بطريق النقض وقدمت النيابة مذكرتين أبدت فيهما الرأى برفض الدعوى
وبالجلسة المحددة لنظره تمسكت النيابة بهذا الرأى.
وحيث إن الطعن يقوم على ثلاثة أسباب تنعى الطاعنة فى السبب الأول منها على الحكم المطعون
فيه الخطأ فى تطبيق القانون، وفى بيان ذلك تقول إنه على الرغم من أنها قدمت لمحكمة
الموضوع الوثائق الدالة على أنها درجت منذ زمن بعيد على التأمين لدى هذه الشركة على
مجوهراتها كلما سافرت إلى الخارج ولم يسبق أن تقدمت لها بأى مطالبة مما يدل على حسن
نيتها. وإذ أنكرت المطعون عليها ذلك وأتهمتها بسوء النية والغش وتعتمد إحداث الخطر
المؤمن منه وقدمت للتدليل على ذلك إقرارا حصلت عليه من قومندان الشرطة فى مدينة جاردونى
يفيد أن الحادث قد أبلغ عنه فى اليوم السابق على اليوم الذى ادعت الطاعنة أنه وقع فيه،
وعلى الرغم من أن أصول عقد التأمين تقضى بافتراض حسن نية المؤمن له الذى لا يكلف عند
وقوع الحادث بأكثر من الإخطار عنه خلال المدة المقررة بوثيقة التأمين وحسبه أن يبين
بإيجاز فى إخطاره الظروف الأساسية التى وقع فيها دون أن يلتزم ببيان تفصيلى عنه أو
بتقديم الدليل على كيفية وقوعه، إلا أن محكمة أول درجة قبلت دفاع المطعون ضدها المشار
إليه بحالته وافترضت سوء نية الطاعنة وتابعتها محكمة الاستئناف فى ذلك حين كلفت الطاعنة
بتقديم الدليل على وقوع السرقة مع أن المطعون ضدها هى المكلفة بإثبات ما نسبته إلى
الطاعنة من تعمد إحداث الخطر المؤمن منه، فنقلت المحكمة بذلك عبء الإثبات على خلاف
مقتضى حكم القانون. هذا إلى أن الحكم أخطأ فى تطبيق القانون إذ أهدر شهادة زوج الطاعنة
على أساس ما افترضه أيضا من سوء نية الطاعنة على الرغم من أن هذه الشهادة صحيحة وتتفق
مع حقيقة الواقع فى الدعوى.
وحيث إن هذا النعى مردود ذلك أنه لا يكفى فى عقد التأمين ضد السرقة ليستحق المؤمن له
مبلغ التأمين مجرد تحقق اختفاء الأشياء المؤمن عليها، وإنما يتعين على المؤمن له أن
يثبت أن هذه الأشياء قد اختفت بسرقتها. وإذا كان إعمال مبدأ حسن النية فى عقد التأمين
ضد السرقة يستوجب عدم التشدد مع المؤمن له فلا يتطلب منه أن يقدم دليلا يقينيا على
وقوع الحادث لصعوبة ذلك فى بعض الحالات إذا كانت السرقة مما لم يقم عليها دليل مادى
ينبئ عنها، وعلى تقدير أن الوقت قد لا يتسع لتقديم هذا الدليل، إلا أن ذلك لا يمنع
من ناحية أخرى من وجوب مبادرة المؤمن له بالتبليغ وأن يكون دقيقا فيما يقدمه من بيانات
وأن يكون ما أبلغ عنه قريبا إلى التصديق لتتخذ محكمة الموضوع من مسلكه سندا لتكوين
عقيدتها بشأن صحة وقوع الحادث المبلغ عنه وذلك حماية للمؤمن الذى يتعرض بسبب تقديم
المؤمن له بيانات غير صحيحة إلى تأمين مخاطر وهمية مما يضعف من مقدرته على مواجهة المخاطر
الحقيقية التى تحدث لسائر المؤمن لهم. ولما كانت الثابت من أسباب الحكم الابتدائى أن
المطعون ضدها قد دفعت دعوى الطاعنة بأن ما أبلغت عنه هذه الأخيرة من سرقة الحليتين
المؤمن عليهما لا يمثل الحقيقة، وأن الطاعنة لم تتقدم بأى دليل على وقوع السرقة سوى
محضر الشرطة فى مدينة جاردونى بإيطاليا وهو لا يعدو أن يكون مذكرة بأقوالها لا تصلح
– باعتبارها من صنعها – دليلا لمصلحتها، وأن السرقة بالصورة التى ادعتها الطاعنة أمر
تحوطه الشبهات، وكان الحكم قد استدل على صحة دفاع المطعون ضدها بأن ما ورد فى المحضر
الذى قدمته الطاعنة عن حصول الحادث والتبليغ عنه فى يوم 9 سبتمبر سنة 1957 يناقض شهادة
قومندان الشرطة فى مدينة جاردونى المقدمة من المطعون ضدها والتى تفيد أن ذلك التبليغ
حصل يوم 8 سبتمبر سنة 1957، وأن السرقة طبقا لما ذكرته الطاعنة فى إخطارها للمطعون
ضدها عن الحادث قد وقعت فى ظروف غامضة وفى وضح النهار مع أن سيارتها كانت تقف مع عشرين
سيارة أخرى فى مكان قريب من مكان الفندق الذى تناولت غذاءها فيه، وبأن ما ذكرته الطاعنة
فى ذلك الإخطار من أنها وجدت زجاج سيارتها مكسورا يناقض ما ذكرته من أنها وجدت البابين
الأماميين لهذه السيارة غير مغلقين، مع أنهما كانا قد أغلقا قبل دخولها الفندق، وإذ
أحال الحكم المطعون فيه إلى هذه الأسباب وأضاف إليها فى نطاق ممارسته لسلطته فى تقدير
الدليل أنه لا يطمئن إلى ما شهد به زوج الطاعنة تأييدا لدعواها، وخلص من كل ذلك إلى
اعتبار إدعاء الطاعنة بالسرقة محوطا بالشبهات مما يجعل هذا الإدعاء بعيدا عن التصديق،
ثم رتب على ذلك قضاءه برفض الدعوى فإنه يكون قد التزم قد التزم صحيح القانون ويكون
النعى عليه بالخطأ فى تطبيقه غير سديد.
وحيث إن الطاعنة تنعى فى السببين الثانى والثالث على الحكم المطعون فيه مسخ الثابت
فى أوراق الدعوى والقصور فى التسبيب وفى بيان ذلك تقول إن الحكم استبعد أقوال شاهديها
ورتب على ذلك اعتبار الدعوى بغير دليل فى حين أن الطاعنة قدمت خطابا صادرا لها من قنصل
إيطاليا العام فى الإسكندرية يفيد أنه بالاستعلام من سلطات الشرطة فى الجهة التى وقع
بها الحادث تبين أن الطاعنة أبلغت عنه ولم تسفر التحريات والتحقيقات عن معرفة الفاعل،
وأن جورج سافاس الوكيل السابق للشركة المطعون ضدها قد شهد على حسن سمعة الطاعنة. هذا
إلى أن الحكم أغفل الرد على ما تمسكت به الطاعنة من أن المطعون ضدها كانت قد سلمت لها
بطلباتها قبل رفع الدعوى وأرسلت لها إيصالا بمبلغ التأمين موضوع المطالبة موقعا عليه
من وكيلها المتقدم الذكر وذلك تمهيدا لأدائه لها فيما لو وقعت عليه بالتخالص. ولم يشر
الحكم إلى ما ساقته الطاعنة فى دفاعها من أن الحاضر عن المطعون ضدها أمام محكمة الاستئناف
كان قد أقر بأنه قد تم الاتفاق بين موكلته ومعيدى التأمين فى الخارج على تسوية هذا
النزاع وهو ما ينطوى على إقرار من المطعون ضدها بوقوع الحادث.
وحيث إن هذا النعى مردود ذلك أنه لما كان لقاضى الموضوع السلطة التامة فى تحصيل فهم
الواقع فى الدعوى وبحسبه أن يبين الحقيقة التى اقتنع بها وأن يقيم قضاءه على أسباب
سائغة تكفى لحمله ولا عليه بعد ذلك أن يتتبع الخصوم فى مختلف أقوالهم وحججهم وطلباتهم
ويرد استقلالا على كل قول أو حجة أو طلب أثاروه ما دام قيام الحقيقة التى اقتنع بها
وأورد دليلها فيه الرد الضمنى المسقط لتلك الأقوال والحجج والطلبات. لما كان ذلك، وكان
الحكم المطعون فيه وعلى ما سلف بيانه فى الرد على السبب الأول قد انتهى من الموازنة
بين الأدلة المقدمة فى الدعوى وفى حدود سلطته الموضوعية إلى أن الطاعنة قد اخفقت فى
دعواها فإن فى ذلك الرد الضمنى المسقط للخطاب المرسل للطاعنة من قنصل إيطاليا العام
فى الإسكندرية ولشهادة جورج سافاس الوكيل السابق للشركة المطعون ضدها. أما ما تثيره
الطاعنة بشأن تسليم المطعون ضدها بطلباتها قبل رفع الدعوى وبشأن ما أبداه وكيلها أمام
محكمة الاستئناف عن موافقة معيدى التأمين فى الخارج على تسوية النزاع فإن الثابت من
الأوراق أن المطعون ضدها دفعت دعوى الطاعنة منذ رفعت بأن واقعة سرقة الحليتين المؤمن
عليها مكذوبة من الأساس، وأنه وإن أبدى وكيل المطعون ضدها بجلسة 28 من أبريل سنة 1962
أمام محكمة الاستئناف أن معيدى التأمين فى الخارج قد وافقوا على تسوية النزاع إلا أن
الثابت أن المطعون ضدها قد تمسكت أثناء نظر الدعوى بعد ذلك بدفاعها السابق إلى أن صدر
الحكم فيها بجلسة 18 فبراير سنة 1963. لما كان ذلك، وكانت رغبة الخصم فى تسوية أى نزاع
لا تفيد حتما وبطريق اللزوم استمرار هذه الرغبة فى كل الاوقات كما لا تفيد إقراره بحق
خصمه. لما كان ذلك، فإن ما تنعيه الطاعنة على الحكم من مسخ أو قصور فى التسبيب على
النحو الذى تثيره بسببى الطعن يكون على غير أساس.
وحيث إنه لما تقدم يتعين رفض الطعن.
